باريس تسعى لملء الفراغ في الدعم الأميركي لأوكرانيا وتطرح نفسها حامية للأوروبيين نووياً

الرئيس الفرنسي «عراب زيلينسكي» وهمزة الوصل بينه وبين ترمب

فعالية عسكرية للجيش الفرنسي في مقاطعة «فار» في جنوب شرقي فرنسا يوم 4 مارس (أ.ف.ب)
فعالية عسكرية للجيش الفرنسي في مقاطعة «فار» في جنوب شرقي فرنسا يوم 4 مارس (أ.ف.ب)
TT

باريس تسعى لملء الفراغ في الدعم الأميركي لأوكرانيا وتطرح نفسها حامية للأوروبيين نووياً

فعالية عسكرية للجيش الفرنسي في مقاطعة «فار» في جنوب شرقي فرنسا يوم 4 مارس (أ.ف.ب)
فعالية عسكرية للجيش الفرنسي في مقاطعة «فار» في جنوب شرقي فرنسا يوم 4 مارس (أ.ف.ب)

يوماً بعد يوم، يتبين بشكل قاطع أن الرئيس الفرنسي يريد أن يلعب دوراً مؤثراً في المرحلة المستجدة مع استدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجذرية إزاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وابتعاده استراتيجياً عن أوروبا، فضلاً عن دعوته الملحة لبناء دفاع أوروبي قوي وعرضه المظلة النووية الفرنسية لحماية القارة القديمة. وأخيراً حرص ماكرون على الدفع باتجاه رد أوروبي متماسك على السياسة التجارية لترمب الخاصة بفرض رسوم باهظة على البضائع الأوروبية المصدرة إلى الولايات المتحدة، وذلك من خلال رفع الرسوم المستوفاة عن البضائع الأميركية الداخلة إلى السوق الأوروبية.

يقول دبلوماسي أوروبي في باريس إن ماكرون يستفيد من غياب المستشار الألماني أولاف شولتس لفرض ريادته فيما المستشار القادم فريدريتش ميرتس ما زال يفاوض من أجل تشكيل حكومة جديدة. ويرى هذا الدبلوماسي أن أفضل ما يمثل تراجع دور ألمانيا هو أن شولتس وضع في الصف الأخير، في الصورة الجماعية التي ضمت القادة الأوروبيين، الأحد الماضي، الذي اجتمعوا فيه في «لانكستر هاوس»، بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. ولذا، فإن ماكرون يتقاسم الريادة، إلى حد ما، مع ستارمر الذي يوظف «العلاقة الخاصة» التي تجمع بريطانيا بالولايات المتحدة ليكون له دور مميز في الحرب الأوكرانية من جهة، وفي الأمن الأوروبي من جهة أخرى. من هنا، حرصه على الإعلان عن توفير دعم مالي وعسكري لأوكرانيا بمناسبة لقائه رئيسها فولوديمير زيلينسكي، السبت الماضي، وعن حزمة أخرى في اليوم التالي بمناسبة اجتماع القادة الأوروبيين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الاتحاد الأوروبي حول أوكرانيا في بروكسل الخميس (د.ب.أ)

ماكرون همزة وصل بين ترمب وزيلينسكي

في الأزمة الحادة التي نشبت بسبب المشادة «التاريخية» في البيت الأبيض بين ترمب زيلينسكي، كشفت مصادر رئاسية فرنسية عن أن الأول قبل استقبال الثاني في البيت الأبيض بفضل تدخل ماكرون الذي اتصل بترمب طالباً منه استقبال زيلينسكي. وقبل توجه ماكرون بداية الأسبوع الماضي إلى واشنطن، تشاور عدة مرات مع زيلينسكي وتواصل معه عقب المشادة وخروجه مهزوماً من البيت الأبيض. والخميس، التقاه مجدداً في بروكسل قبل انعقاد القمة الأوروبية.

وثمة شائعات تقول إنه قد يرافقه إلى واشنطن إذا تم ترتيب قمة جديدة بينه وبين ترمب. وقالت صوفي بريما، المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية، الأربعاء، عقب اجتماع مجلس الوزراء برئاسة ماكرون، إن باريس تعمل على إعادة إرساء الروابط بين الولايات المتحدة وأوكرانيا من أجل التوصل إلى «سلام دائم وقوي».

وكانت باريس اقترحت، مع لندن، «هدنة جزئية» لمدة شهر بين روسيا وأوكرانيا، وهو المقترح الذي تبناه زيلينسكي وحوّله إلى مقترح أوكراني يشمل تبادل الأسرى ووقف العمليات الجوية والبحرية، واعتبرت المسؤولة الفرنسية أن مقترح الهدنة يندرج في إطار الجهود الدبلوماسية الفرنسية والأوروبية الرامية إلى تعزيز الدعم الغربي لكييف. ويأتي ذلك بالتوازي مع الجهود الأوروبية لتعزيز الدفاعات الأوكرانية ومحاولة ملء الفراغ الذي تسببت به قرارات ترمب بوقف الشحنات العسكرية الأميركية، وتجميد الدعم المالي والتعاون الاستخباري مع كييف.

3 مبادرات فرنسية

يتضح، أكثر فأكثر، أن ماكرون يريد أن يلعب دورين متوازيين: الأول، أن يكون «عراب زيلينسكي» لشد أزره في المواجهة غير المتكافئة بينه وبين ترمب. ومن جانب آخر، يريد ماكرون أن يكون، إلى حد ما، متزعماً المعسكر الغربي؛ إن في الدفاع عن أوكرانيا أو في التعاطي مع ترمب أو في الوقوف في وجه روسيا. من هنا، يمكن فهم ثلاث مبادرات أطلقها ماكرون في الأيام والساعات الأخيرة. وعنوان المبادرة الأولى ما كشف عنه في الكلمة المتلفزة التي وجهها للفرنسيين، مساء الأربعاء، جاء في كلمة ماكرون ما حرفيته أن السلام في أوكرانيا «قد يفترض أيضاً نشر قوات أوروبية والتي لن تذهب للقتال اليوم (...) لكنها ستكون هناك عندما يتم توقيع السلام لضمان احترامه الكامل. بدءاً من الأسبوع المقبل، سنجمع في باريس رؤساء أركان الدول التي ترغب في تحمل مسؤولياتها في هذا الصدد».

وحتى الآن، كانت بريطانيا وفرنسا قد أعلنتا صراحة عن استعدادهما لإرسال قوات غير قتالية إلى أوكرانيا. بيد أن المشكلة أن الدولتين تطالبان بـ«ضمانات أميركية»، بحيث تفرض على موسكو احترام اتفاقية السلام التي قد يتم التوصل إليها. والحال، أن ترمب لم يعط أي وعد بهذا الشأن خلال الزيارتين المنفصلتين اللتين قام بهما ماكرون ثم ستارمر إلى البيت الأبيض. كذلك كانت هذه الضمانات أحد أسباب المشادة بين ترمب وزيلينسكي؛ إذ إن الأخير أصر عليها فيما تمنّع الأول عن إعطاء أي تعهد بهذا الخصوص. ثم هناك صعوبة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن موسكو ترفض قطعياً نشر هذه القوات الأوروبية على حدودها، مهما تكن الراية التي ترفعها وإن كانت غير أطلسية.

وزير الدافع الفرنسي سيباستيان لو كورنو (يمين) في حديث هامس مع وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية إيريك لومبارد خلال اجتماع للبرلمان في الـ4 من الشهر الحالي (أ.ف.ب)

تعويض النقص الاستخباري

في حديثه الصباحي لإذاعة «فرانس أنتير» الخميس، قال وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو، إن باريس مستعدة للتعويض عن المعلومات الاستخبارية التي كانت واشنطن تقدمها للقوات الأوكرانية والتي بدأت بحجبها، وفق ما أفاد به، منذ ظهر الأربعاء. وهذه المعلومات ضرورية للجانب الأوكراني لأنها تكشف تحركات وخطط القوات الروسية التي ما زالت تتقدم ميدانياً، وإن ببطء، في المعارك الدائرة في مقاطعة دونيتسك.

وقال لوكورنو إن لفرنسا «مصادر استخبارية يمكن أن نستفيد منها في مساعدة الأوكرانيين». وحرص الوزير الفرنسي على إبراز استقلالية بلاده في الميدان الاستخباري وتميزها عن بريطانيا؛ إذ أكد أن «الأمر أكثر تعقيداً بالنسبة لأصدقائنا البريطانيين الذين يعملون في منظومة مخابراتية مع الولايات المتحدة». وبكلام آخر، فإن ما يعنيه الوزير الفرنسي أن الطرف البريطاني ليس حر التصرف، لا في جمع المعلومات، ولا في إمكانية إفادة الأوكرانيين منها بعيداً عن الموافقة الأميركية.

مظلة فرنسا النووية: من تحمي؟

ما سبق يتناول ما تفعله فرنسا لصالح أوكرانيا. بيد أن طموحات ماكرون تذهب أبعد من ذلك بكثير؛ ذلك أنه يريد أن يمدد المظلة النووية الفرنسية لتحمي أوروبا، وهو ما أشار إليه في كلمته الأخيرة للفرنسيين. ورغم أن هذا الاستعداد ليس جديداً، فإنه يأتي في سياق جديد. فالأوروبيون استكانوا للمظلة النووية الأميركية - الأطلسية منذ تأسيس الحلف الأطلسي في عام 1949؛ أي بعد خمس سنوات على نهاية الحرب العالمية الثانية. بيد أن المظلة الأطلسية لم تعد مضمونة. من هنا، تأتي مسارعة ماكرون، الأربعاء، لتأكيد أن باريس منفتحة على مناقشة توسيع الحماية التي توفرها ترسانتها النووية لشركائها الأوروبيين في مواجهة التهديد الروسي لأوروبا. وقال ما حرفيته إن «قوة الردع الفرنسية النووية تحمينا. فهي شاملة، وسيادية وفرنسية بامتياز بشكل كامل. وقد لعبت دوراً واضحاً في الحفاظ على السلام والأمن في أوروبا منذ عام 1964في أوروبا. ولكن، استجابةً للنداء التاريخي للمستشار الألماني المقبل، قررت فتح النقاش الاستراتيجي حول الحماية التي توفرها قوة ردعنا النووية لحلفائنا في القارة الأوروبية. ومهما قد حدث، فإن القرار في الضغط على الزر النووي كان وسيظل دائماً في يد رئيس الجمهورية، قائد القوات المسلحة»؛ أي بيده شخصياً.

وبذلك كان ماكرون يرد على الحريصين على السيادة الفرنسية والرافضين لأي مشاركة أوروبية في قرار اللجوء إلى قوة الردع النووية. وتقول العقيدة النووية إن اللجوء إلى القوة النووية محصور في «الدفاع عن المصالح الحيوية» الفرنسية. لكن أضيف إليها لاحقاً أن لها «بعداً أوروبياً». لكن لا أحد يعرف ما يعنيه هذا الكلام، وهل يشكل كل دول القارة من قبرص وحتى فنلندا. وفي أي حال، فإن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف سارع إلى القول إن ماكرون الذي «... يقول إن من الضروري استخدام أسلحة نووية، ويستعد لاستخدام أسلحة نووية ضد روسيا فهذا بالطبع يعد تهديداً» لروسيا.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

الولايات المتحدة​ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا من عبءٍ على الغرب، إلى مختبرٍ لحروب المستقبل.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية- أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ) p-circle

أوكرانيا تستهدف للمرة الثانية خلال 24 ساعة منشأة نفطية روسية

أوكرانيا تستهدف للمرة الثانية خلال 24 ساعة منشأة نفطية روسية، وزيلينسكي يعتبر منح أوكرانيا عضوية «منتسب» في الاتحاد الأوروبي غير عادل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رون لارسن المسؤول في الدفاع المدني النرويجي يتحدث عبر الهاتف في ملجأ سانت هانسهاوغن بأوسلو (أ.ف.ب)

النرويج المجاورة لروسيا تعدُّ مواطنيها لاحتمال الحرب

أدخلت النرويج المجاورة لروسيا نفسها في حالة من «الدفاع الشامل»، وباتت تعد سكانها لاحتمال اندلاع حرب في ضوء النزاع المتواصل في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي: اقتراح منح أوكرانيا عضوية منتسب بالاتحاد الأوروبي «غير عادل»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في رسالة موجهة إلى قادة الاتحاد الأوروبي إن الاقتراح الألماني منح أوكرانيا صفة «عضو منتسب» في التكتل أمر «غير عادل».

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا حريق اندلع قرب مصفاة ريازان بروسيا في وقت سابق هذا الشهر وسط النزاع مع أوكرانيا (رويترز) p-circle

روسيا: حريق في مستودع نفطي بعد هجوم بمسيّرات أوكرانية

اندلع حريق في مستودع نفطي بمدينة نوفوروسيسك الروسية الواقعة على البحر الأسود إثر هجوم شنّته طائرات أوكرانية مسيرّة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

عشرات الجرحى في تصادم ترامين بألمانيا

أفراد من الشرطة الألمانية (إ.ب.أ)
أفراد من الشرطة الألمانية (إ.ب.أ)
TT

عشرات الجرحى في تصادم ترامين بألمانيا

أفراد من الشرطة الألمانية (إ.ب.أ)
أفراد من الشرطة الألمانية (إ.ب.أ)

جُرح أكثر من 50 شخصاً في تصادم ترامين في مدينة دوسلدورف الألمانية، السبت، نُقل عدد منهم إلى المستشفى، حسبما أفادت خدمة الإسعاف.

وقع الحادث نحو الساعة 11.30 صباحاً (09.30 ت. غ) عند تقاطع مزدحم في المدينة الواقعة بغرب ألمانيا، وهرعت فرق الطوارئ إلى مكان الحادث.

وأفاد بيان صادر عن خدمة الإطفاء بنقل 28 مصابا إلى المستشفى، بينما تلقى 28 آخرون إصاباتهم طفيفة، إسعافات في مكان الحادث.

وباشرت الشرطة تحقيقاً في الحادث.


أوكرانيا تستهدف للمرة الثانية خلال 24 ساعة منشأة نفطية روسية

حريق اندلع قرب مصفاة ريازان بروسيا في وقت سابق هذا الشهر وسط النزاع مع أوكرانيا (رويترز)
حريق اندلع قرب مصفاة ريازان بروسيا في وقت سابق هذا الشهر وسط النزاع مع أوكرانيا (رويترز)
TT

أوكرانيا تستهدف للمرة الثانية خلال 24 ساعة منشأة نفطية روسية

حريق اندلع قرب مصفاة ريازان بروسيا في وقت سابق هذا الشهر وسط النزاع مع أوكرانيا (رويترز)
حريق اندلع قرب مصفاة ريازان بروسيا في وقت سابق هذا الشهر وسط النزاع مع أوكرانيا (رويترز)

للمرة الثانية على التوالي وخلال 24 ساعة استهدفت أوكرانيا منشأة نفطية روسية أخرى. وأفادت السلطات الروسية، السبت، باشتعال النيران في منشأة نفطية بمدينة نوفوروسيسك المطلة على البحر الأسود، وذلك عقب هجمات أوكرانية جديدة بمُسيَّرات خلال الليل. وذكر مسؤولون أن سقوط حطام من طائرات مُسيَّرة أدى إلى اندلاع حريق في الميناء النفطي، ما أسفر عن إصابة شخصين.

وقال المقر العام لمنطقة كراسنودار الجنوبية، في منشور على تطبيق «تلغرام» إن النيران اشتعلت في عدد من المباني. وأضاف أن الحطام سقط أيضاً على محطة تخزين النفط التابعة للمنشأة.

صورة وزَّعها حاكم منطقة موسكو لنيران سبَّبها قصف أوكراني يوم 17 مايو (أ.ب)

وكانت القوات الأوكرانية قد هاجمت، الجمعة، مصفاة نفط روسية في ياروسلافل، على بعد نحو 700 كيلومتر من الحدود. وقالت وزارة الدفاع الأوكرانية إن أوكرانيا قصفت 11 منشأة نفطية روسية هذا الشهر حتى 21 مايو (أيار)، بما في ذلك «كيريشي»، إحدى كبريات مصافي النفط في روسيا.

وحسب شهود عيان على مواقع التواصل الاجتماعي، استهدف الهجوم محطة «غروشوفايا» النفطية، إحدى كبريات منشآت تخزين النفط في منطقة القوقاز، متضمناً خزانات تحت الأرض وأخرى فوق الأرض، بالإضافة إلى مرفق شحن.

وقال دميتري ماخونين، حاكم منطقة بيرم، إن منشأة صناعية في المنطقة استُهدفت بطائرات مُسيَّرة أوكرانية، ولكن الطائرات أُسقطت في طريقها، ولم تسبب أي أضرار.

ونشرت قنوات «تلغرام» روسية وأوكرانية غير رسمية مقاطع مصورة لما وصفته بأنه حريق في منطقة الميناء. وقال المقر العام إن الطائرات المُسيَّرة ألحقت أضراراً أيضاً بمنازل تقع شمالاً في مدينة أنابا الساحلية.

وتعرضت المنطقة في الآونة الأخيرة لهجمات أوكرانية متكررة. وفي وقت سابق من الشهر الجاري، أفادت «رويترز» بأن مصفاة نفط بيرم أوقفت عمليات التكرير تماماً، بعد هجوم بطائرات مُسيَّرة في أوائل مايو.

وذكر بافيل مالكوف حاكم منطقة ريازان أيضاً أن الدفاعات الجوية المحلية أسقطت عدة طائرات مُسيَّرة أوكرانية، وسقط حطامها على أراضي موقع صناعي. ولم يحدد المنشأة ولم يقدم تفاصيل عن أي أضرار.

وتعد صناعة النفط في نوفوروسيسك شرياناً حيوياً للاقتصاد الحربي الروسي، وقد تعرضت بشكل متكرر لهجمات بالمُسيَّرات الأوكرانية، في إطار جهود كييف للدفاع عن نفسها بعد أكثر من 4 سنوات على الغزو الشامل الذي شنته موسكو.

أضرار جرَّاء قصف روسي على منطقة دونيتسك الأوكرانية (أ.ف.ب)

وتوقفت مصفاة نفط ريازان -التي تمثل نحو 5 في المائة من إجمالي حجم التكرير في البلاد- عن العمل، بعد هجوم بطائرات مُسيَّرة الأسبوع الماضي. وتقول وزارة الدفاع الروسية إن الدفاعات الجوية أسقطت 365 طائرة مُسيَّرة فوق 15 منطقة، وكذلك فوق بحر آزوف والبحر الأسود ليل الجمعة- السبت.

وكثَّفت أوكرانيا هجماتها بالطائرات المُسيَّرة متوسطة وطويلة المدى في الأشهر الأخيرة، مركزة على منشآت النفط، وبهدف تعطيل عائدات القطاع التي تساعد موسكو في تمويل الحرب.

ووقعت بعض الهجمات في وسط روسيا وجبال الأورال على بعد 1500 كيلومتر على الأقل من الحدود الأوكرانية.

كما ارتفعت حصيلة الضربة الأوكرانية على كلية في منطقة خاضعة لسيطرة موسكو إلى 10 قتلى. وكانت حصيلة سابقة للسلطات تحدثت الجمعة عن 6 قتلى وعشرات المصابين. وأفاد مسؤولون روس بأن 86 مراهقاً تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاماً كانوا في سكن للطلاب عندما انهار إثر الهجوم.

إطفائيان أوكرانيان يخمدان النار في مبنى تعرض لقصف روسي على دنيبرو (أ.ب)

وأُصيب 38 بجروح، وفُقد 11، بسبب ضربة بطائرات مُسيَّرة استهدفت كلية مهنية في منطقة لوهانسك التي تحتلها روسيا في شرق أوكرانيا، حسب حصيلة جديدة أفاد بها السبت حاكم المنطقة المُعيَّن من موسكو. وقال ليونيد باسيتشنيك عبر مواقع التواصل، إنّ «عناصر الإغاثة أمضوا الليل في إزالة الأنقاض في ستاروبيلسك»، المدينة التي استهدفتها الضربة ليل الخميس- الجمعة. وأضاف: «للأسف، لم تتحقق الآمال، وارتفع عدد القتلى إلى 10».

بدوره، قال مسؤول أوكراني كبير، إن طائرة مُسيَّرة روسية استهدفت جنازة السبت في ضواحي مدينة سومي، بشمال شرقي أوكرانيا، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة 9 آخرين.

ولم يقدم أوليه هريغوروف رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية مزيداً من التفاصيل، في حين أفادت وسائل إعلام محلية بأن الطائرة المُسيَّرة الموجهة ضربت الطريق قرب حافلة.

وتبعد سومي 30 كيلومتراً عن الحدود الروسية، وتتعرض لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات الروسية المُسيَّرة في السنوات القليلة الماضية خلال الحرب.

من جانب آخر، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في رسالة موجهة إلى قادة الاتحاد الأوروبي، إن الاقتراح الألماني بمنح أوكرانيا صفة «عضو منتسب» في التكتل أمر «غير عادل»؛ لأنه سيحرم كييف من حق التعبير عن رأيها داخله.

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد اقترح السماح لأوكرانيا بالمشاركة في اجتماعات الاتحاد الأوروبي دون الحق في التصويت، كخطوة مؤقتة نحو العضوية الكاملة في الاتحاد. وقال إن ذلك قد يساعد في تسهيل التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات، والتي أشعل الغزو الروسي لأوكرانيا فتيلها.

وأرسل زيلينسكي خطابه في وقت متأخر من مساء الجمعة، واطلعت عليه «رويترز»، وقال فيه إن إزاحة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان من السلطة -وهو معارض قوي لانضمام أوكرانيا للتكتل- عقب الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، أتاحت الفرصة لإحراز تقدم جوهري في محادثات الانضمام.

وقال زيلينسكي في رسالته: «سيكون من غير العادل أن تكون أوكرانيا حاضرة في الاتحاد الأوروبي، وتظل بلا صوت... حان الوقت للمضي قدماً في انضمام أوكرانيا بطريقة كاملة وذات مغزى».

والرسالة موجهة إلى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس الذي يتولى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي.

وشكر زيلينسكي (48 عاماً) القادة الأوروبيين على دعمهم منذ بداية الحرب، وهي أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وقال إن أوكرانيا كانت بمثابة حصن حال دون تعرُّض جميع دول الاتحاد البالغ عددها 27 لاعتداء من روسيا. وقال: «نحن ندافع عن أوروبا بشكل كامل وليس جزئياً، ولا بتدابير ناقصة... تستحق أوكرانيا معاملة عادلة وحقوقاً متساوية داخل أوروبا».

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية- أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

ويقول محللون إن وجود مسار واضح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يساعد زيلينسكي في إقناع الأوكرانيين بأي حل سلمي؛ خصوصاً إذا لم يكن هذا الحل سيعيد لأوكرانيا السيطرة على كامل أراضيها، أو يمنحها عضوية حلف شمال الأطلسي، وهو المتوقع على نطاق واسع.

لكن عدداً من المسؤولين الأوروبيين يقولون إنه من غير الواقعي أن تحصل أوكرانيا على العضوية الكاملة في التكتل خلال السنوات القليلة المقبلة، على الرغم من تحديد عام 2027 في خطة سلام من 20 نقطة نوقشت بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا. ويتطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تصديق كل من الدول الأعضاء في التكتل، وهي عملية قد تستتبع ظهور عقبات كبيرة.

ووُصف اقتراح ميرتس بأنه محاولة لإيجاد حل وسط بين الانضمام السريع ووضع أوكرانيا الحالي دولة مرشحة في بداية العملية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وقال زيلينسكي إنه على الرغم من ضغوط الحرب، فإن أوكرانيا تحرز تقدماً جيداً في الإصلاحات المطلوبة للوفاء بالمعايير الديمقراطية والاقتصادية للاتحاد الأوروبي.

وكان ميرتس قد قال في رسالة إلى مسؤولي الاتحاد الأوروبي، نُشرت الخميس، إنه سيناقش فكرته مع زملائه القادة الأوروبيين، واقترح إنشاء فريق عمل لوضع التفاصيل.

وتضمن الاقتراح أن يتعهد أعضاء التكتل «بالتزام سياسي» لتطبيق بند المساعدة المتبادلة على أوكرانيا «من أجل توفير ضمان أمني جوهري»، بالإضافة إلى السماح لأوكرانيا بتعيين مفوض مشارك في المفوضية الأوروبية دون حق التصويت، وممثلين دون حق التصويت في البرلمان الأوروبي، والوصول التدريجي إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي.

ورد بعض الدبلوماسيين في بروكسل بحذر على اقتراح ميرتس، مشيرين إلى أن صفة «العضو المنتسب» غير موجودة، وقد تتطلب تغييرات في معاهدات الاتحاد الأوروبي.


النرويج المجاورة لروسيا تعدُّ مواطنيها لاحتمال الحرب

رون لارسن المسؤول في الدفاع المدني النرويجي يتحدث عبر الهاتف في ملجأ سانت هانسهاوغن بأوسلو (أ.ف.ب)
رون لارسن المسؤول في الدفاع المدني النرويجي يتحدث عبر الهاتف في ملجأ سانت هانسهاوغن بأوسلو (أ.ف.ب)
TT

النرويج المجاورة لروسيا تعدُّ مواطنيها لاحتمال الحرب

رون لارسن المسؤول في الدفاع المدني النرويجي يتحدث عبر الهاتف في ملجأ سانت هانسهاوغن بأوسلو (أ.ف.ب)
رون لارسن المسؤول في الدفاع المدني النرويجي يتحدث عبر الهاتف في ملجأ سانت هانسهاوغن بأوسلو (أ.ف.ب)

أدخلت النرويج المجاورة لروسيا نفسها في حالة من «الدفاع الشامل»، وباتت تعد سكانها لاحتمال اندلاع حرب في ضوء النزاع المتواصل في أوكرانيا، منذ أكثر من 4 أعوام.

أسفل حديقة في أوسلو، يقع ملجأ سانت هانسهاوغن، وهو من الأكبر في العاصمة النرويجية، ويتسع لأكثر من 1100 شخص... خلف أبواب الحديد الثقيلة والسميكة، الجو بارد والأضواء خافتة ودورات المياه بدائية، لكن المكان كفيل بأن يؤدي المهمة التي أُنشئ لأجلها: الحماية من تهديد الهجمات البيولوجية والكيميائية والنووية والإشعاعية.

ويقول مدير الدفاع المدني في النرويج، أويستين كنودسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «اليوم لدينا نحو 18600 ملجأ، تكفي لحماية أقل بقليل من نصف عدد السكان» البالغ 5.6 مليون نسمة. وأشار إلى أنَّ «عدداً غير قليل منها يحتاج إلى تحديث لأنَّها بُنيت خلال الحرب الباردة. إنَّها رطبة، وقديمة».

وأعلنت النرويج 2026 سنة «الدفاع الشامل»، وهو مفهوم هدفه إعداد كل قطاعات المجتمع، من الجيش إلى الإدارات العامة والشركات وغيرها، لمواجهة أزمة طارئة كبرى أو حرب.

وفي خطابه لمناسبة رأس السنة الجديدة، حذّر رئيس الوزراء، يوناس غار ستوره، مواطنيه من أن «الحرب قد تعود إلى النرويج».

وتريد الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أن تعيد إلزام المباني الكبيرة الحديثة بتوفير ملاجئ للسكان، وهو شرط كان قد أُلغي عام 1998 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. ولا تطلب السلطات ملاجئ باهظة متطورة، بل أماكن تقي من تهديدات مثل الطائرات المسيّرة التي باتت سلاحاً أساسياً في حروب اليوم.

يقول كنودسن: «يخوض زملائي الأوكرانيون حرباً وجودية على أرضهم»، في إشارة إلى الغزو الروسي الذي بدأ في عام 2022، ومع ذلك «يجدون الوقت لتبادل الخبرات» مع أقرانهم في دول أخرى.

ويشدِّد على أنَّ الاطلاع على تجاربهم في التعامل مع الهجمات على المدنيين ودور الدفاع المدني في زمن الحرب يوفر «خبرات لا تُقدَّر بثمن».

أحد أنفاق ملجأ سانت هانسهاوغن في أوسلو (أ.ف.ب)

مجالس استعداد محلية

ورد بناء الملاجئ إلى كونه أحد الاقتراحات من بين 100 قُدّمت في تقرير أُعدَّ عام 2025.

ومن ضمن الخطوات الأخرى، تريد الحكومة النرويجية رفع عديد الدفاع المدني إلى 12 ألف فرد، أي بزيادة 50 في المائة، وإلزام كل البلديات بإنشاء «مجالس استعداد محلية»، ورفع نسبة الاكتفاء الذاتي من الغذاء إلى 50 في المائة بحلول سنة 2030.

وفي سياق متّصل، تحضُّ الحكومة الأسر على تخزين مؤن تكفي 7 أيام على الأقل.

وتقول وزيرة الدولة في وزارة الأمن العام كريستينه كالسيت: «تمتعنا في النرويج لعقود طويلة برفاهية إنفاق مواردنا على أمور أخرى». وتضيف: «عندما تدهور الوضع الأمني، أدركنا أنَّ هناك عدداً من الأمور التي ينبغي القيام بها لضمان أن يكون استعدادنا شاملاً لاحتمال الحرب».

تحدَّثتْ كالسيت إلى «وكالة الصحافة الفرنسية» في المباني الحكومية الجديدة التي دشّنت في أبريل (نيسان) الماضي، بعدما تضررت بشدة في تفجير نفذه المتطرف اليميني أندرس بيرينغ بريفيك عام 2011. والمفارقة أن هذه المباني لا تضم ملاجئ.

تهديدات متداخلة

يرى الخبير في إدارة الأزمات في جامعة جنوب النرويج، يارله لوفي سورنْسِن، أنَّ شكل التهديدات الحالية «سواء أكانت أزمة المناخ، أم التنافس بين القوى العظمى، أم الحرب في أوكرانيا، أو الشرق الأوسط، أم الأوبئة... باتت أكثر تداخلاً مما كانت عليه قبل 20 عاماً».

يضيف: «نحن على الطريق الصحيح من حيث الاستعداد... لكن هناك آليات بيروقراطية وقانونية وتنظيمية غالباً ما يعيق الأداء السليم للنظام».

أحد أنفاق ملجأ سانت هانسهاوغن في أوسلو (أ.ف.ب)

فعلى سبيل المثال، يتفاوت النطاق الجغرافي لمسؤولية الشرطة ورجال الإطفاء والخدمات الصحية والحرس الوطني في بعض المناطق، ما يجعل التنسيق بينها مهمة معقّدة.

وبحسب دراسة للدفاع المدني، يقول 37 في المائة من النرويجيين إنهم عزَّزوا استعدادهم خلال العام الماضي، لكن 21 في المائة منهم فقط يخشون اندلاع حرب في بلادهم خلال السنوات الـ5 المقبلة.

في شوارع أوسلو، تتفاوت آراء السكان لجهة درجة الاستعداد أو المخاطر.

ويقول أويستين رينغن فاتنيدالن (51 عاماً) إنَّ الأمر «لا يشغل بالي يومياً، لكنني أعددت حقيبة صغيرة للطوارئ. وضعت بعض النقود، وأعددت بعض السيناريوهات... لدي راديو للبث الرقمي ومياه وما توصي به السلطات».

في المقابل، لم تقم كايثه هرمستاد (48 عاماً) بأي تحضيرات خاصة. وترى أن «أهم ما في الأمر هو توافر شبكة (من الأشخاص) ومجتمع يحيط بك».