أوروبا قلقة من سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن تقاربه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لما لذلك من انعكاسات على أمنها الخاص، وعلى مصير الحلف الأطلسي الذي وفر لها الطمأنينة منذ انطلاقه في عام 1949، فضلاً عن تخوفها من التنازلات التي يبدو أن ترمب عازم على تقديمها لموسكو من أجل وضع حد للحرب الروسية - الأوكرانية التي ستدخل الاثنين عامها الرابع.
ولأن أوروبا ترى أنها ستكون «الخاسر الأكبر»، فإنها في حالة «غليان سياسي»، وقد أكثر قادتها من الاتصالات الثنائية والجماعية. وآخرها مساء الأربعاء، حيث نظّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اجتماعاً موسعاً عبر تقنية الفيديو، الذي جاء بعد يومين فقط على «قمة» تشاورية ضمت ثماني دول، أي تلك التي تعد رئيسة في أوروبا، والمعنية بالحرب الدائرة شرق القارة. ولأن الذين استثنتهم الرئاسة الفرنسية في المناسبة الأولى قد أبدوا «انزعاجاً» من تجاهلهم، فقد عجّل ماكرون في الدعوة إلى مشاورات أوسع لإرضائهم، بحيث ضمت 21 دولة بما فيها فرنسا.

والدول المشاركة كلها أوروبية باستثناء كندا الأطلسية وعلى رأسها دول شمال أوروبا والبلطيق إضافة إلى رومانيا وكرواتيا وبلجيكا واليونان والتشيك. واللافت أن الإليزيه استبعد دولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي هما المجر وسلوفاكيا المعروفتان بقربهما من موسكو. واللافت أيضا أن فنلندا تمثلت برئيسي جمهوريتها وحكومتها. كذلك دعيت آيسلندا إلى المشاركة ولا يفهم، صراحة، سبب دعوتها؛ نظراً لابتعادها تماماً عن ملف الحرب مع أوكرانيا من جهة، ومن جهة أخرى كونها غير عضو في الاتحاد الأوروبي.
ماكرون الناطق باسم أوروبا

مرة أخرى، يفرض ماكرون نفسه ناطقاً باسم أوروبا. واستبق اجتماع الأربعاء بالتنديد بروسيا التي عدّ، في حديث لمجموعة من الصحف المحلية الأربعاء، أنها تمثل «تهديداً وجودياً للأوروبيين». ويدفع الرئيس الفرنسي باتجاه تعزيز الدفاع الأوروبي وصولاً إلى ما يسميه بـ«الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية، التي يراها كثير من قادتها أنها أصبحت «ملحة أكثر من أي يوم مضى»، بالنظر لانعدام اليقين بخصوص مستقبل السياسة الأميركية تجاه الحلف الأطلسي. وتكاثرت في الأيام الأخيرة الدعوة لزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، فيما تدعو إدارة ترمب شركاء أميركا من الأوروبيين إلى «تحمل عبء الدفاع عنهم» بعد عقود من الاتكاء على المظلة الأميركية - الأطلسية والنووية بشكل خاص. بيد أن المسألة الملحة للأوروبيين اليوم عنوانها الحرب الأوكرانية، وما يريده الأوروبيون ألا يأتي الحل على حسابهم، وعلى حساب الأوكرانيين.

الضمانات الأمنية
تُشكل الضمانات الأمنية الورقة الأوروبية الرابحة للتعلق بقطار المفاوضات المرتقبة لوضع حد للحرب الروسية - الأوكرانية. وبعد أن تملك الخوف الأوروبيين من استبعادهم منها، وفق ما أكد مبعوث ترمب للملف الأوكراني كيث كيلوغ الأسبوع الماضي في بروكسل، جاءت تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو لتعيد لهم بعض الطمأنينة؛ إذ أعلن أن الأوروبيين «سينضمون إلى طاولة المفاوضات في الوقت المناسب» وهو ما أكده أيضاً نظيره الروسي سيرغي لافروف.
وسعى روبيو إلى طمأنة نظرائه الأوروبيين، وذلك في الاتصال الجماعي الذي أجراه مساء الثلاثاء مع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس. وأكد روبيو لنظرائه أن «الأطراف كافة ستكون حاضرة على طاولة المفاوضات». ومن جهة أخرى، أراحت كلمة ترمب، في مؤتمره الصحافي في فلوريدا، الثلاثاء، الأوروبيين عندما شجعهم على توفير الضمانات الأمنية لـكييف، وإرسال قوة لضمان السلام... لكن هذا التشجيع بقي في حده الأدنى؛ لأنه أعقبه بتأكيد أن بلاده «بعيدة» عن أوكرانيا بعكس الأوروبيين ما يعني أنها لن ترسل قوة عسكرية إلى أوكرانيا، وأنها لن تكون، بالتالي، جزءاً من توفير الضمانات. وسبق لوزير الدفاع الأميركي، بيتر هيغسيث، أن قال علنا إن القوة الأوروبية لن تذهب إلى أوكرانيا باسم الحلف الأطلسي بل باسم الاتحاد الأوروبي، أو باسم كل دولة مشاركة على حدة.

رفض روسي لنشر أي قوة غربية في أوكرانيا
بيد أن الصدمة الكبرى جاءت من روسيا التي أعلن وزير خارجيتها أنها ترفض وجود قوات تابعة لحلف شمال الأطلسي على الأرض في أوكرانيا. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هذا الأسبوع إن موسكو ترى «تهديداً مباشراً» في فكرة وجود قوات تابعة للحلف هناك حتى لو كانت تنتشر تحت علم مختلف.
وقال الكرملين، الخميس، إن أي خطة بريطانية لإرسال قوات إلى أوكرانيا في إطار مهمة حفظ سلام محتملة ستكون غير مقبولة بالنسبة لروسيا، مضيفاً أنه يتابع بقلق تصريحات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي قد قال إنه «مستعد وراغب» في نشر قوات بريطانية على الأرض في أوكرانيا بوصفه ضماناً أمنياً في حالة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين موسكو وكييف. وذكرت صحيفة «تلغراف» أن ستارمر يخطط لطرح خطة على الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإرسال أقل من 30 ألف جندي أوروبي إلى أوكرانيا مقابل الحماية الأميركية للقوات. وذكر المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف للصحافيين في إفادة يومية الخميس: «هذا يثير قلقنا لأننا نتحدث عن إرسال وحدات عسكرية، عن إرسال محتمل في نهاية المطاف لوحدات عسكرية من دول حلف شمال الأطلسي إلى أوكرانيا». وأضاف: «هذا الأمر له معنى مختلف تماماً من منظور أمننا. ونحن نراقب هذا الأمر من كثب». كما يبدو واضحاً أن ملف تشكيل قوة أوروبية يواجه كثيراً من العقبات. أولاها أن الدول الأوروبية منقسمة على نفسها بين من يؤيد ومن يعارض، كما أن هناك ضبابية حول كيفية استخدامها، والغرض المفترض أن تؤديه.

وكان ماكرون واضحاً بقوله إن الأوروبيين يريدون دعماً من واشنطن «كون روسيا دولة تملك قدرة نووية، وهذا أمر رئيس بالنسبة إلى الشركاء الأوروبيين».
والمهم أن الأوروبيين متفقون على أن قوتهم المشتركة «التي لن تكون محمية بمعاهدة الحلف الأطلسي» ستكون محدودة المهمات. وقال ماكرون إن من بين الحلول التي توفر ضمانات أمنية لكييف في إطار اتفاق سلام محتمل مع موسكو، إمكان «إرسال خبراء أو قوات محدودة العدد خارج أي منطقة نزاع بهدف طمأنة الأوكرانيين (...) هذا ما نفكر فيه مع البريطانيين». وفي أي حال، فإن باريس، بحسب رئيسها «لا تستعد لإرسال قوات مقاتلة في نزاع على الجبهة».
ويبدو اليوم أن أوروبا تبحث عن طريقها، وتسعى إلى الحفاظ على مصالحها، والنظر في كيفية توفير الأمن لدولها في الفترة التي تلي انتهاء الحرب الأوكرانية. وبكلام أوضح، تريد أوروبا التأكد من أن بوتين الذي يعد أحد الرابحين من عودة ترمب للبيت الأبيض، لن يقوم بمغامرات عسكرية لاحقة بعد أوكرانيا تستهدف الأمن الأوروبي. ولتدارك هذا الاحتمال، فإنهم يعمدون إلى تسريع تسلحهم تحسباً من انفكاك الحلف الأطلسي. من هنا، فإن كيفية انتهاء الحرب الأوكرانية ستكون بالغة التأثير على المستقبل الأوروبي للعقود المقبلة.
