باريس غير مطمئنة لخطط ترمب إزاء أوكرانيا و«الأطلسي»

وزير الدفاع الفرنسي: خطاب ترمب «ركلة قوية» للأوروبيين

مصافحة بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب بعد قمة مجموعة السبع بفرنسا في 26 أغسطس 2019 (د.ب.أ)
مصافحة بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب بعد قمة مجموعة السبع بفرنسا في 26 أغسطس 2019 (د.ب.أ)
TT

باريس غير مطمئنة لخطط ترمب إزاء أوكرانيا و«الأطلسي»

مصافحة بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب بعد قمة مجموعة السبع بفرنسا في 26 أغسطس 2019 (د.ب.أ)
مصافحة بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب بعد قمة مجموعة السبع بفرنسا في 26 أغسطس 2019 (د.ب.أ)

الخوف الأكبر الذي يعتمل الأوروبيين من عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، عنوانه المفترض سعيه منفرداً لإبرام اتفاق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين حول وقف الحرب في أوكرانيا، من غير أن يضع في الحسبان لا مخاوف الأوكرانيين ومتطلباتهم ولا المصالح الأوروبية، ولا قلقهم من اتفاق هجين لن يردع الطرف الروسي عن القيام بمغامرات لاحقة ضد جيرانه الأوروبيين.

من هنا، يمكن أن نفهم الأسباب التي دفعت الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى أن يستبق تنصيب ترمب، في الكلمة التي وجهها للقوات المسلحة الفرنسية عصر الأحد، بمناسبة السنة الجديدة ليذكره بمواقف بلاده وبمواقف دول الاتحاد الأوروبي بشكل عام. وقال ماكرون ما حرفيته: «لا يمكن أن يكون هناك سلام وأمن في أوروبا من دون الأوروبيين ومن دون أن يتفاوض الأوروبيون بشأنهما»، مضيفاً: «إن التحدي اليوم هو توفير وسائل الصمود لأوكرانيا، وتمكينها من الدخول في أي مفاوضات مستقبلية من موقع قوة. أما تحدي اليوم التالي، بعد أن تتوقف الأعمال العدائية، فهو إعطاء أوكرانيا ضمانات ضد أي عودة للحرب على أراضيها، لكن أيضاً ضمانات لأمننا الخاص». وفي أي حال، أكد ماكرون وبعكس ما يزعمه ترمب أن حرب أوكرانيا «لن تنتهي غداً ولا بعد غد».

اللقاء الثلاثي في قصر الإليزيه السبت الماضي الذي جمع رؤساء فرنسا والولايات المتحدة وأوكرانيا 7 ديسمبر 2024 (د.ب.أ)

صفقة سلام غير معروفة المعالم

كان لافتاً، في خطاب التنصيب، أن ترمب لم يأتِ على ذكر حرب أوكرانيا، لكنه عاد إليها لاحقاً في المكتب البيضاوي رداً على أسئلة الصحافيين، وما جاء على لسانه لا يبدو أنه يطمئن الأوروبيين، فهو دعا الرئيس بوتين، رسمياً وللمرة الأولى، بصفته الرئيس الأميركي، إلى إيجاد «اتفاق سلام» مع أوكرانيا، وأنه «سيتحدث مع بوتين الذي سيكون سعيداً بوضع حد لهذه الحرب»، مشيراً إلى أنه على «وفاق تام معه» وأنه «يأمل بالتوصل إلى اتفاق». وأضاف ترمب: «يريد زيلينسكي (الرئيس الأوكراني) التوصل إلى اتفاق. لا أعرف ما إذا كان بوتين يريد ذلك، ربما لا يريد ذلك. (ولكن) عليه أن يفعل ذلك. أعتقد أنه يدمّر روسيا بعدم التوصل إلى تسوية».

لكن كلام ترمب الذي يحمل لهجة تهديدية لن يكون كافياً لطمأنة الأوروبيين لأنه لم يكشف أبداً عن رؤيته للاتفاق أو للسلام الذي يفترض أن ينتج منه. كذلك، فإن الرئيس الأميركي لم يعط، حتى اليوم، أي تطمينات لزيلينسكي أو للأوروبيين حول محتوى السياسة التي ينوي السير بها بشأن الحرب في أوكرانيا، علماً أنه عبَّر مراراً عن غيظه من المليارات التي تعطى لكييف من دافعي الضرائب الأميركيين. وسبق للطرف الروسي أن عدَّد مراراً مطالبه من أوكرانيا، وأبرزها الامتناع عن الانضمام إلى الحلف الأطلسي (ناتو) والتخلي عن الأراضي التي تحتلها القوات الروسية وأولها شبه جزيرة القرم. وبالمقابل، فإن زيلينسكي يراهن على ما يسميه ترمب «السلام عبر القوة». لكن، هل هذه النظرية صالحة للتعامل مع ثاني أكبر قوة نووية في العالم؟

أكد ماكرون وبعكس ما يزعمه ترمب أن حرب أوكرانيا «لن تنتهي غداً ولا بعد غد» (أرشيفية - رويترز)

يكمن مصدر القلق الثاني لفرنسا ومعها الأوروبيون في احتمال ابتعاد ترمب عن الحلف الأطلسي أو حتى رفضه. ولوح الأخير مرات عدة، بالامتناع عن تفعيل البند الخامس من شرعة الحلف الذي ينص على مد يد المساعدة لأي عضو أطلسي يتعرض لاعتداء خارجي. ورداً على ذلك، عاد ماكرون مجدداً للتشديد على أهمية أن يحقق الأوروبيون ما يسميه «الصحوة الإستراتيجية» التي تعني، وفق ما شرحه في مناسبات سابقة، إمساك الأوروبيين بقدرهم وبالدفاع عن أنفسهم بقدراتهم الذاتية، في حال نزعت عنهم المظلة العسكرية الأميركية والأطلسية.

ولا يستبعد ماكرون، ومعه الكثير من الأوروبيين، أن ينفض ترمب يده من الهموم الأوروبية بالنظر لتركيز إدارته على الصين وما تشكله من منافس استراتيجي ومنهجي للولايات المتحدة. والطريق إلى ذلك، بنظره، تمر عبر تعزيز الشراكات الإستراتيجية والصناعات العسكرية الأوروبية ودعم شركاتها الدفاعية وجعلها المصدر الوحيد للأسلحة والمعدات الأوروبية وليس تغذية الشركات المنافسة الأميركية. وعمد ماكرون إلى الطلب من وزارة الدفاع أن تقدم له خلال أشهر قليلة رصداً «وتحديثاً» لما سماه «المخاطر الجديدة» التي ستواجه الأوروبيين في المستقبل.

لو كورنو: شراء الأسلحة الأميركية خطأ

لم يشذ وزير الدفاع، سيباستيان لو كورنو، عن مقاربة رئيسه وذهب أبعد من ذلك بقوله في مقابلة إذاعية صباح الثلاثاء إن خطاب التنصيب يعد «ركلة قوية للعواصم الأوروبية»، وإنه «يجب أن يحدّد أخيراً إطاراً للاستقلالية الأوروبية» في مجال الدفاع، آملاً أنه «ربما يمكن أن تؤدي قساوة كلماته، في النهاية، إلى صدمة وصحوة» للأوروبيين.

وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لو كورنو خلال مؤتمر صحافي في أوكرانيا يوم 28 سبتمبر 2023 (رويترز)

وإذ دعا الوزير الفرنسي إلى «عدم الاستهانة بالثورة الجيواستراتيجية» الأميركية، فقد رأى أن عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض هي «الوقت المناسب للتحدث مرة أخرى حول أمننا». وما يريده لو كورنو «تسريع عملية إعادة تسليحنا وإعادة تأكيد استقلاليتنا وسيادتنا أكثر من أي وقت مضى».

ولأن أمراً كهذا يتطلب مخصصات دفاعية إضافية، فقد أكد أن ميزانية الدفاع الفرنسية ستصل في العام الحالي إلى 50.5 مليار يورو وسترتفع تدريجياً لتبلغ 67 مليار يورو. وذهب لو كورنو إلى اعتبار أن رغبة الأوروبيين في شراء أسلحة أميركية «تعدُّ خطأً تاريخياً». وكما ماكرون، دعا وزير الدفاع إلى تطوير الصناعات الدفاعية الأوروبية، آخذاً على شركاء بلاده الأوروبيين تمسكهم «منذ عقود عدّة، بإغراء وضع أنفسهم تحت المظلة النووية الأميركية».

وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا تمتلك السلاح النووي منذ ستينات القرن الماضي، وأن الرئيس الأسبق شارل ديغول ومن تبعه تمسكوا دوماً بـ«استقلالية» قوتها النووية غير الموضوعة بتصرف الحلف الأطلسي. وكان لافتاً في تصريحات لو كورنو أنه نأى بنفسه عن مضمون كلام لستيفان سيجورنيه، وزير الخارجية الفرنسي السابق ونائب رئيس المفوضية الأوروبية حالياً، الذي لمح السبت الماضي إلى شكل من أشكال «الصفقة» مع ترمب بشأن الدفاع الأوروبي مقابل «السلام التجاري» مع واشنطن، في الوقت الذي تهدّد فيه الأخيرة الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية شديدة مرتفعة على الصادرات الأوروبية. وقال: «لن نقايض أمننا مقابل الهامبرغر و(مبيعات) السيارات الألمانية» إلى الولايات المتحدة.

قطعاً، فرنسا غير مرتاحة وهي تتلمس طريقة التعامل مع ساكن البيت الأبيض القديم - الجديد. وكان رئيس الحكومة فرنسوا بايرو قد نبَّه من أنه «إذا لم نفعل شيئاً، (لمواجهة أميركا) فسوف نخضع للهيمنة ونتعرض للسحق والتهميش... والأمر مناط بنا نحن الفرنسيين والأوروبيين لاستعادة زمام الأمور»، في حين هدد وزير الخارجية جان نويل بارو بـ«الرد إذا تعرَّضت مصالحنا للضرر».


مقالات ذات صلة

ترمب يهدد بفرض «رسوم جمركية كبيرة» على المملكة المتحدة

الولايات المتحدة​ الملك تشارلز الثالث والرئيس دونالد ترمب خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

ترمب يهدد بفرض «رسوم جمركية كبيرة» على المملكة المتحدة

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض «رسوم جمركية كبيرة» على بريطانيا إذا لم تتراجع عن ضريبة الخدمات الرقمية المفروضة على شركات التواصل الاجتماعي الأمريكية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الحرب بيت هيغسيث في مؤتمر صحافي مع ترمب بالبيت الأبيض في 6 أبريل 2026 (د.ب.أ)

أبرز القادة العسكريين الكبار المقالين خلال إدارة ترمب

تعد إقالة وزير البحرية الأميركي جون ‌فيلان هذا الأسبوع أحدث حلقة في سلسلة عمليات إقالة لكبار المسؤولين العسكريين خلال إدارة الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (أرشيفية - تسنيم)

أسراب الزوارق الإيرانية تزيد مخاطر الملاحة في مضيق هرمز

استخدمت إيران سربا من الزوارق صغيرة الحجم للاستيلاء على سفينتي حاويات بالقرب من مضيق هرمز، في إجراء يقوض الادعاءات بأن ​القوات الأميركية قد عطلت تهديدها البحري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب) p-circle

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
TT

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

حذرت روسيا، الخميس، من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً ​لهجمات قوات موسكو في حالة نشوب صراع.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مارس (آذار)، عن خطط لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وقال إن فرنسا قد تسمح لشركائها الأوروبيين باستضافة طائراتها ذات القدرات النووية في عمليات نشر مؤقتة.

وقال ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة نشرت، الخميس، إن هذا جزء من «توسع غير منضبط» للقدرات النووية ‌لحلف شمال الأطلسي، مما ‌يشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وشدد على ​قلق ‌موسكو إزاء ​عمليات النشر النووي الفرنسية المحتملة في دول أوروبية أخرى. وقال ماكرون إن باريس تناقش مثل هذه الترتيبات مع بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وقال غروشكو، لشبكة «روسيا اليوم» الإعلامية الحكومية: «من الواضح أن جيشنا سيضطر إلى إيلاء اهتمام بالغ لهذه المسألة في سياق تحديث قائمة الأهداف ذات الأولوية في حالة نشوب صراع كبير... ونتيجة لذلك، فبدلاً من ‌تعزيز فرنسا المعلن للدفاع ‌عن حلفائها الذين لا تقدم لهم، بالمناسبة، أي ​ضمانات قاطعة، فإن أمن هذه ‌البلدان يضعف في الواقع».

وتأتي مبادرة ماكرون في إطار حملة ‌يقودها الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم، بعد الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلف، وفي ضوء تهديداته بالسيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في ‌حلف شمال الأطلسي.

وأدى انتهاء صلاحية آخر معاهدة متبقية للحد من حجم الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير (شباط) إلى خلق فراغ في مجال الحد من التسلح العالمي، في وقت يبلغ فيه التوتر الدولي أعلى مستوياته منذ عقود بسبب حربي أوكرانيا وإيران.

وقال غروشكو إن أي حوار مستقبلي حول الأسلحة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك الترسانات الفرنسية والبريطانية، بالإضافة إلى الترسانة الأميركية.

وانتقد الحلف، هذا الأسبوع، روسيا والصين بسبب سياساتهما المتعلقة بالأسلحة النووية، وحثت البلدين على العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق مزيد ​من الاستقرار والشفافية في ​مؤتمر يفتتح في الأمم المتحدة بنيويورك، الأسبوع المقبل، لمراجعة سير عمل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.


ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
TT

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين، التي دفعتها الحرب مع إيران إلى أدنى مستوياتها منذ 70 عاماً.

وتتزامن هذه الزيارة الرسمية مع الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، حين قررت المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة آنذاك الانفصال عن الملك ​جورج الثالث، جد تشارلز.

وبالنسبة لتشارلز، ستكون هذه الزيارة فرصة للتفكير في كيفية توطيد العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة منذ ذلك الحين وبناء بعض من أقوى الروابط الأمنية والعسكرية والاقتصادية في العالم، بينما ستكون بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة أخرى للتعبير عن حبه للعائلة الملكية البريطانية.

الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في أثناء تفقدهما حرس الشرف خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أسوأ أزمة منذ أزمة السويس

تأتي هذه الزيارة أيضاً في ظل أسوأ توتر في العلاقات بين البلدين منذ أزمة السويس عام 1956، في ظل انتقادات ترمب المتكررة لرئيس الوزراء كير ستارمر بسبب رفضه الانضمام إلى الهجوم على إيران وتقليله من شأن القدرات العسكرية البريطانية.

ورداً على سؤال من «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عما إذا كانت زيارة الملك ستساعد في إصلاح العلاقة، قال ترمب: «بالتأكيد، الإجابة هي نعم».

وقال ‌في مقابلة هاتفية ‌أجرتها معه «بي بي سي»: «أنا أعرفه جيداً، أعرفه منذ سنوات... إنه رجل شجاع، ورجل عظيم».

وعلّق ترمب على مواقف حلفاء بلاده، بما في ذلك بريطانيا، من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قائلاً: «كان ينبغي أن يشاركوا»، قبل أن يضيف: «لكنني لم أكن بحاجة إليهم».

وقال ​نايجل ‌شينوالد سفير بريطانيا ​في واشنطن من 2007 إلى 2012، إن الزيارة لا يمكنها، ولا تهدف إلى، إصلاح أي خلافات حالية بين الحكومتين، لكنها ستُظهر روابط أعمق بكثير من أي أفراد.

وقال شينوالد، لوكالة «رويترز»: «هذه الزيارة تتعلق أكثر من أي زيارة أخرى بالمستقبل البعيد. إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين شعبينا وبلدينا... إنها لا تتعلق بما يحدث اليوم».

وسيبدأ تشارلز، برفقة زوجته الملكة كاميلا، رحلته التي تستغرق أربعة أيام، يوم الاثنين، باحتساء الشاي على انفراد مع ترمب ثم يلقي كلمة أمام الكونغرس ويحضر مأدبة عشاء رسمية ويقوم بزيارة نيويورك وفرجينيا.

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

وأعلن قصر بكنغهام أنه لن يلتقي بأي من ضحايا الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية. وكان أندرو مونتباتن-وندسور الشقيق الأصغر للملك تشارلز قد اعتقل في فبراير (شباط) للاشتباه ‌في تسريبه وثائق حكومية إلى إبستين. ونفى الأمير أندرو السابق ارتكاب أي ‌مخالفة.

وفي بريطانيا، قال بعض السياسيين والمعلقين إنه كان يتعين إلغاء الزيارة بالنظر إلى ​بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترمب. وهناك مخاوف ‌أيضاً من أن يستغل الرئيس الأميركي، المعروف بتقلباته، هذه المناسبة لتوجيه المزيد من الانتقادات، مما قد يحرج الملك.

وقال ‌شينوالد والسفير الأميركي الحالي في لندن وارن ستيفنز إن ذلك سيكون له أثر سلبي. ويقول مستشارون للعائلة الملكية في أحاديث غير رسمية إن ترمب، الذي يصف الملك بأنه «رجل عظيم»، تصرف بشكل مثالي خلال زيارتيه الرسميتين غير المسبوقتين إلى بريطانيا في عام 2019 وفي العام الماضي.

وقال كاتب السيرة الملكية روبرت هاردمان، لوكالة «رويترز»: «إنه (ترمب) من أشد المؤيدين للملكية».

وأضاف: «لديه موقف واحد تجاه الحكومة البريطانية، ‌لكن الملكية البريطانية كيان منفصل تماماً، وهو من أشد المعجبين بها. وكان معجباً بالملكة الراحلة، وهو من أشد المعجبين بالملك. وبالنسبة له، هذه لحظة مهمة».

هل تعيد هذه الزيارة أصداء عام 1957؟

من بعض النواحي، تحمل زيارة تشارلز أصداء الزيارة التي قامت بها والدته الملكة إليزابيث في عام 1957، بعد عام من أزمة السويس التي تسببت في اضطرابات في الشرق الأوسط، حيث اضطرت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية إلى إنهاء هجومها على مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة.

ونجحت زيارتها آنذاك في كسب تأييد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور وتهدئة العلاقات بين الحلفاء.

دونالد وميلانيا ترمب مقابل تشارلز وكاميلا وتنسيق الإطلالتين في «قصر وندسور» (رويترز)

وقال أيزنهاور: «إن الاحترام الذي نكنه لبريطانيا يتجسد في المودة التي نكنها للعائلة الملكية، التي شرفتنا كثيراً بزيارتها لبلادنا».

وهذه ما يطلق عليها «القوة الناعمة» التي سيسعى تشارلز، الذي صقل مهاراته الدبلوماسية على مدى نصف قرن، إلى استخدامها مرة أخرى.

ويتمتع تشارلز بتأثير كبير على الرئيس لدرجة أن هاردمان قال إنه يعلم أن ترمب تراجع عن تعليقاته التي أدلى بها بشأن بقاء القوات البريطانية وقوات حلف شمال الأطلسي الأخرى بعيداً عن الخطوط الأمامية في أفغانستان بعد أن تلقى رسائل خاصة من الملك تفيد بأنه مخطئ.

ويقول دبلوماسيون إن تشارلز سيتمكن مرة أخرى من التحدث ​بصراحة في اجتماعهما الخاص، لكن هاردمان قال إن ​الملك لن يكون هناك «لانتقاد سياسات الرئيس ترمب».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً بينما يستمع إليه الملك تشارلز وكيت أميرة ويلز خلال مأدبة في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

وأضاف: «هذا ببساطة ليس دور الملك، وهو بالتأكيد ليس الغرض من الزيارة الرسمية... سيكون الهدف من هذه الزيارة استعراض جميع تلك الجهود المشتركة بين حليفين عظيمين والتطلع إلى الأمام».


ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.