ألمانيا تفتح باب الترحيل إلى أفغانستان وسوريا وتبعِد 28 مخالفاً إلى كابل

برلين وصفت العملية بأنها «رسالة» لكل طالب لجوء يفكر بارتكاب جرائم

نانسي فايزر وزيرة الداخلية والشؤون الداخلية الألمانية تشارك في الجلسة الخاصة للجنة الشؤون الداخلية في «البوندستاغ» بشأن هجوم السكين في زولينغن وترحيل اللاجئين إلى أفغانستان (د.ب.أ)
نانسي فايزر وزيرة الداخلية والشؤون الداخلية الألمانية تشارك في الجلسة الخاصة للجنة الشؤون الداخلية في «البوندستاغ» بشأن هجوم السكين في زولينغن وترحيل اللاجئين إلى أفغانستان (د.ب.أ)
TT

ألمانيا تفتح باب الترحيل إلى أفغانستان وسوريا وتبعِد 28 مخالفاً إلى كابل

نانسي فايزر وزيرة الداخلية والشؤون الداخلية الألمانية تشارك في الجلسة الخاصة للجنة الشؤون الداخلية في «البوندستاغ» بشأن هجوم السكين في زولينغن وترحيل اللاجئين إلى أفغانستان (د.ب.أ)
نانسي فايزر وزيرة الداخلية والشؤون الداخلية الألمانية تشارك في الجلسة الخاصة للجنة الشؤون الداخلية في «البوندستاغ» بشأن هجوم السكين في زولينغن وترحيل اللاجئين إلى أفغانستان (د.ب.أ)

بدأت تداعيات اعتداء زولينغن الإرهابي في ألمانيا الظهور بخطوات عملية تتخذها الحكومة الألمانية، بعضها قد يكون حتى مثيراً للجدل. فلم تمضِ أيام قليلة على طعن لاجئ سوري كان مفترضاً ترحيله إلى بلغاريا، رواد حفل وقتله ثلاثة منهم، حتى أعلنت الحكومة الألمانية عن ترحيل 28 لاجئاً أفغانياً مدانين بجرائم إلى أفغانستان، في سابقة منذ عودة «طالبان» إلى السلطة عام 2021.

وزيرة الداخلية والشؤون الداخلية الألمانية نانسي فيزر (الثانية من اليمين) تحضر الجلسة الخاصة للجنة الشؤون الداخلية بالبرلمان الألماني في برلين - الجمعة 30 أغسطس 2024 (أ.ب)

ورغم أن عملية الترحيل هذه جاءت بعد أسبوع على عملية زولينغن التي تباناها «داعش»، فإن الحكومة الألمانية كانت تعدّ لها منذ أشهر.

وفتحت برلين مفاوضات عبر قطر مع «طالبان» لاستعادة اللاجئين المدانين بجرائم جنسية بمعظمهم، علماً بأن برلين لا تقيم علاقات مع أفغانستان منذ عودة «طالبان».

ونُقِل المدانون الـ28 من مختلف الولايات الألمانية إلى مطار لايبزغ في شرق ألمانيا، ومنها إلى كابل على طائرة للخطوط الجوية القطرية.

وأُخرج بعض اللاجئين من السجون، حيث كانوا يقضون محكوميات بجرائم ارتكبوها، لترحيلهم. وبحسب وسائل إعلام ألمانية، فقد تلقى كل لاجئ مبلغ 1000يورو للمغادرة. وعلى عكس طائرات الترحيل التي تحمل لاجئين ويرافقهم عناصر من الشرطة الألمانية، فإن الشرطة لم ترافق الأفغان في الطائرة إلى كابل.

ومن بين الذين تم ترحيلهم، أفغاني يقدّر عمره 16 عاماً، اغتصب فتاة ألمانية بعمر 11 عاماً قبل عامين في ماكلنبيرغ، إضافة إلى 5 أفغان من ولاية بادن فورتمبيرغ من بينهم أفغاني مدان بـ160 جريمة. وتم كذلك ترحيل أفغاني اغتصب إلى جانب اثنين من اللاجئين فتاة في سن الـ14، وقضى في السجن قرابة عامين أُطلق سراحه بعد خروجه عام 2022، بحسب ما نقل موقع مجلة «بيلد».

وأصدرت الحكومة الألمانية بياناً أعلنت فيه عن عملية الترحيل من دون تقديم تفاصيل، وقال المتحدث باسم الحكومة شتيفان هيبرشترايت إن الحكومة بذلت في الأشهر الماضية «جهوداً ضخمة لاستئناف إعادة حالات كهذه وطلبت دعماً من الشركاء الإقليميين في تسهيل عمليات الترحيل؛ بسبب الظروف الصعبة للغاية». وأضاف أن الحكومة الألمانية «ملتزمة بتنفيذ عمليات إعادة شبيهة» لأشخاص ليس لديهم الحق في البقاء في ألمانيا وصدرت بحقهم قرارات ترحيل. وأضاف أن «أمن ألمانيا أهم من حماية أشخاص مجرمين وخطيرين».

المستشار الألماني أولاف شولتس يعتمر خوذة أثناء زيارته منتزه تكنولوجيا التعدين وإعادة زراعة مناجم الليغنيت في غروسبويسنا بالقرب من لايبزيغ - شرق ألمانيا 30 أغسطس (أ.ف.ب)

ووصف المستشار الألماني أولاف شولتس عملية ترحيل الأفغان بأنها «إشارة واضحة لأي شخص يريد ارتكاب جرائم»، وأضاف: «لقد أعلنا بأننا سنرحّل مجرمين إلى أفغانستان، وقد حضّرنا لذلك بشكل دقيق من دون أن نتحدث بالأمر كثيراً؛ لأن خططاً كهذه يمكن أن تنجح فقط ببذل جهود وتنفيذها بتكتم، وهذا ما حصل».

وكانت وزيرة الداخلية نانسي فيزر أعلنت قبل يومين أن ألمانيا ستبدأ في تنفيذ عمليات ترحيل «قريباً جداً إلى أفغانستان وسوريا»، من دون أن توضح كيف وحتى قانونية ذلك، علماً أنه لا توجد علاقات بين برلين وحكومتي الدولتين. وأعلنت فيزر في تغريدة على منصة «إكس» عن ترحيل «28 مجرماً مداناً إلى أفغانستان»، بأن «أمننا مهم والحكومة تتصرف» للحفاظ عليه.

ولكن قرار الترحيل إلى أفغانستان أثار انتقادات وتساؤلات حول مدى قانونيته، وجاءت الانتقادات حتى من حزب الخضر المشارك في الحكومة الألمانية، وقال زعيم الحزب أوميد نوريبوري إن الحكومة لن تكون قادرة على إجراء عمليات ترحيل أكبر إلى أفغانستان من دون أن تقيم علاقات مع «طالبان». وقال رغم ترحيبه بترحيل مجرمين مدانين، إن تنفيذ عمليات ترحيل أوسع «سيتطلب تعاوناً مباشراً بين الدولتين، وهو أمر غير ممكن»، مضيفاً: «هذه الرحلة لا يجب أن تؤدي إلى شرعنة (طالبان)».

وطالب حزب المعارضة الرئيسي، الاتحاد المسيحي الديمقراطي، بعمليات ترحيل إضافية لمجرمين إلى أفغانستان وسوريا، وقال رئيس حكومة ولاية هسن بوريس راين: «أتوقع من الحكومة الفيدرالية أن تنفذ عمليات ترحيل إضافية لمجرمين وأشخاص خطيرين بأسرع وقت ممكن».

وقبل يوم، أعلنت الحكومة الألمانية عن مجموعة من الخطوات لتشديد ترحيل اللاجئين المدانين بجرائم، إضافة إلى وقف الإعانات المالية عن اللاجئين غير الشرعيين المرفوضة طلبات لجوئهم وصدرت بحقهم قرارات ترحيل في حال قبول الدولة الأوروبية التي دخلوها أولاً، بحسب اتفاقية دبلن، باستعادتهم. وبحسب اتفاقية دبلن، فإن على طالبي اللجوء تقديم طلب في أول دولة يدخلونها في الاتحاد الأوروبي. ولكن عدداً كبيراً من طالبي اللجوء يكملون إلى ألمانيا رغم تسجيل دخولهم في دول أخرى، بسبب الإعانات المالية المرتفعة التي يحصلون عليها، مقارنة بالدول الأخرى.

الزهور والشموع بالقرب من مكان وقوع هجوم بالسكين في مهرجان مدينة زولينغن. قُتل وأُصيب أشخاص عدة في هجوم بالسكين مساء الجمعة في مهرجان المدينة الذي يحتفل بالذكرى الـ650 لتأسيس مدينة زولينغن (د.ب.أ)

وتتزايد الدعوات منذ عمليات زولينغن بوقف هذه الإعانات والتوقف عن تقديم حوافز مالية للاجئين للقدوم إلى ألمانيا.

وكان اللاجئ السوري الذي نفذ العملية الإرهابية في زولينغن قد صدر بحقه قرار بالترحيل إلى بلغاريا، الدولة الأوروبية الأولى التي دخلها. وحاولت السلطات في ولاية شمال الراين فستفاليا، حيث كان قد تقدم بطلب لجوء، ترحليه مرة واحدة، وعندما لم تعثر عليه لم تحاول مرة جديدة. وبحسب القانون، إذا لم تنجح السلطات بترحيل الأشخاص خلال 6 أشهر، يمكن لهم أن يبقوا في ألمانيا. وقد أثار تصرف سلطات الهجرة تساؤلات كثيرة حول طريقة عملهم والأسباب التي دفعتهم إلى عدم محاولة ترحيله مرة ثانية. وحتى المستشار الألماني قال عندما سئل عن سبب عدم ترحيل السوري: «أنا أيضاً أريد أن أعرف ذلك»، مضيفاً أن على السلطات المحلية في ولاية شمال الراين فستفاليا أن توضح ما الذي حصل «بهدف تعلم العبر وتفادي تكرار ذلك في المستقبل، وليس لتوزيع اللوم». وأضاف شولتس في تصريحات لمجلة «دير شبيغل»: «لا يمكن أن نفسر لأحد لماذا حاولت السلطات مرة واحدة فقط ترحيله، لماذا لم يعودوا عندما لم يعثروا عليه المرة الأولى، ولماذا لم يتقدموا بطلب تمديد الفترة التي يمكن خلالها ترحيله». وأضاف بأنه يتفهم قلق الألمان من هذه الناحية، وقال: «أنا لا أفهم ما حصل أيضاً، لقد خلقنا قواعد لتسهيل عمليات الترحيل كهذه لو تم اتباعها».

وتأتي هذه التطورات في حين تستعد ولايتان في شرق ألمانيا، ساكسونيا وتورنغن، لإجراء انتخابات محلية الأحد المقبل، يتقدم فيها حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف. وتتخوف الأحزاب الألمانية الأخرى من استفادة «البديل لألمانيا» المعادي للاجئين والمهاجرين، من عملية زولينغن، لتحقيق مكاسب إضافية. وتأمل الحكومة بأن تساعد الخطوات التي أعلنت عنها لجهة تشديد قوانين ترحيل اللاجئين، بتخفيف الخطاب الشعبوي لدى الحزب المتطرف وتخفيف نقمة الناخبين كذلك.


مقالات ذات صلة

«الكردستاني» يهدد بوقف «عملية السلام» مع تركيا

شؤون إقليمية قيادات حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق (رويترز)

«الكردستاني» يهدد بوقف «عملية السلام» مع تركيا

هدد حزب «العمال الكردستاني» بوقف «عملية السلام» الجارية مع تركيا، بسبب التركيز على نزع السلاح، وطالب بتحديد وضع زعيمه عبد الله أوجلان وموقف قياداته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا ضباط أميركيون يدربون جنوداً نيجيريين على تكنولوجيا المسيّرات في ولاية باوتشي النيجيرية (القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا - أفريكوم)

مقتل 1487 إرهابياً ومتمرداً خلال شهرين في نيجيريا

قُتل 1487 إرهابياً ومتمرداً خلال شهرين في نيجيريا، وخسر الجيش في عملياته 93 جندياً و249 مدنياً...

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا «منظمة العفو الدولية» حضّت  الرئيس قيس سعيد على إلغاء أحكام وصفتها بأنها «ظالمة» (موقع الرئاسة)

تونس: محكمة النقض تنظر في قضية «التآمر على أمن الدولة»

تشرع محكمة النقض التونسية، الخميس، النظر في ما يُعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة"، التي حكم فيها على عشرات الأشخاص.

أوروبا ألكسندر دوبرينت وزير الداخلية الألماني يتحدّث في مؤتمر صحافي بمقر وزارة الداخلية الاتحادية في برلين في الأول من سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

ألمانيا تُرَحِّل 22 أفغانياً مدانين بارتكاب جرائم

قامت الشرطة الاتحادية الألمانية مجدداً بترحيل 22 أفغانياً ملزمين بمغادرة ألمانيا إلى بلادهم في طائرة مستأجرة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ سارة لينزي سانتياغو المتهمة بالمساعدة والتحريض في عملية إطلاق نار (رويترز) p-circle

الولايات المتحدة: اتهام فتاة بمساعدة منفّذي هجوم مسجد سان دييغو

وجهت هيئة محلفين في ولاية نورث كارولاينا يوم الاثنين لائحة اتهام لفتاة تبلغ من العمر 17 عاماً، للاشتباه في مساعدتها وتحريضها في عملية إطلاق نار وقعت في 18 مايو.

«الشرق الأوسط» (سكرامنتو (الولايات المتحدة))

اليمين المتطرف يتلمّس طريقه للحكم محلياً في ألمانيا

أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)
أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)
TT

اليمين المتطرف يتلمّس طريقه للحكم محلياً في ألمانيا

أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)
أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)

بدت مدينة ماغدبورغ، عاصمة ولاية ساكسونيا-أنهالت، غداة فوز حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الاثنين، هادئة ساكنة، لا يربطها الكثير بالفوضى والصدمة التي تسببت بها نتائج الانتخابات المحلية التي شهدتها قبل يوم. فالولاية الصغيرة لا يتعدى عدد سكانها مليوني نسمة؛ ولكنها أصبحت أول ولاية ألمانية يفوز فيها حزب يميني متطرف منذ النازيين ويملك حظوظاً حقيقية بالحكم.

المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» أولريش سيغموند (يسار) يتحدث في برلين الاثنين غداة فوز حزبه في الانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)

ورغم الفوز الكبير للحزب الذي ناهزت نسبة الأصوات التي حظي بها الـ44 في المائة، فإن طريقه إلى الحكم لن يكون سهلاً، ذلك أن كل الأحزاب الأخرى تعهدت بعدم التحالف معه. ولكن تلميح حزب صغير جديد من أقصى اليسار هو «حزب فاغنكناشت»، بأنه لن يعرقل وصول «البديل من أجل ألمانيا» إلى السلطة، قد يكون مفتاح الحزب المتطرف الذي يتلمّس طريقه ويتطلع لقيادة الولاية. ويتعين الآن على البرلمان أن ينعقد خلال 30 يوماً من الانتخابات والتصويت لرئيس حكومة الولاية. وقال نجم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قاد الحزب لهذا النصر، أولريش زيغموند، إنه سيتواصل مع كل الأحزاب ويدعوها للتحالف لتشكيل حكومة، رغم معرفته المسبقة بأن الجواب سيكون سلبياً.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً في برلين الاثنين غداة خسارة حزبه في ولاية ساكسونيا-أنهالت (د.ب.أ)

انقسامات وتحالفات

ويمكن في المقابل للأحزاب الأخرى مجتمعة أن تشكل حكومة، ولكن ذلك قد يكون صعباً بسبب رفض الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يرأسه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، التحالف مع حزب «دي لينكا» من أقصى اليسار. كما أن تحالفاً شبيهاً قد يؤدي إلى تمرد داخل الحزب وانقسامات كبيرة. ويرفض كثيرون من حزب ميرتس أن يرأس حزب حكومة وهو لم يحظَ بأكثر من 17 في المائة من الأصوات.

أما زيغموند الشاب (35 عاماً) الذي حقق لـ«البديل من أجل ألمانيا» أكبر فوز له حتى الآن، فهو يصر على عدم ترؤس حكومة أقلية. ويقول إنه يريد قيادة حكومة مستقرة تحظى بالأغلبية حتى ولو تطلب ذلك إعادة الانتخابات. وبحسب القانون، يتعين على البرلمان التصويت لاختيار رئيس حكومة يجب أن ينجح بالأغلبية في التصويتين الأول والثاني ولكن في التصويت الثالث يفوز من يحصل على أكبر عدد من الأصوات. وفي حال امتنع «حزب فاغنكناشت» عن التصويت كما قالت زعيمته، فيمكن حينها أن يفوز زيغموند برئاسة الحكومة ويشكل حكومة أقلية. ولكن عملها سيكون صعباً، إذ سيتعين عليها جمع الأكثرية قبل تمرير أي قانون.

برلمان ساكسونيا - أنهالت المحلي في مدينة ماغدبورغ (أ.ف.ب)

وتتطابق خطط الحزب اليميني المتطرف مع خطط «حزب فاغنكناشت» الشعبوي في الكثير من المجالات، مثل الهجرة وتأييد إعادة العلاقات مع روسيا. ولكن من غير الواضح إلى أي مدى قد يحظى حزب البديل بتأييد في سياساته الأكثر تطرفاً، مثل فصل طلاب المدارس الأجانب ومن أصول مهاجرة عن الطلاب الألمان وإقامة صفوف خاصة.

قلق وسط المهاجرين

وتثير خطط حزب «البديل من أجل ألمانيا» للولاية قلقاً كبيراً بين المهاجرين الذين بات يفكر عدد كبير منهم في ترك الولاية. ويقول طارق رجب، رئيس قسم إعادة تأهيل أمراض عصبية في عيادة خاصة في ماغدبورغ، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفكر جدياً في الانتقال إلى ولاية أخرى بسبب المخاوف من المستقبل الغامض. ويقر بأنه يبحث عن «مكان آمن» يمكنه أن يقدم فيه الخدمات والكفاءات المطلوبة «من دون مخاوف». وأكثر ما يخيف طارق الذي وصل لاجئاً من سوريا قبل 10 سنوات، وحصل على الجنسية الألمانية، هو مستقبل ولديه اللذين يبلغان من العمر عامين و3 أعوام وما زالا في الروضة. ويقول إنه شعر بالصدمة عندما اطلع على برنامج حزب «البديل من أجل ألمانيا» حول المهاجرين وخططه لفصل الأطفال من أصول مهاجرة «لأنهم سيضعونهم في صفوف منفصلة يشرف عليها مدرسون أجانب تمهيداً للترحيل».

ويشكو لاجئ سوري آخر من مخاوف بشأن تعرض زوجته المحجبة لمضايقات بعد فوز «البديل» بسبب تزايد مشاعر الكراهية ضد المسلمين والأجانب. ويقول هو أيضاً إنه يفكر في مغادرة الولاية مع زوجته وأولاده. ومقابل مخاوف المهاجرين، تبدو الصدمة واضحة كذلك على مناصري الأحزاب الأخرى الذين لم يتوقعوا أن يحقق الحزب المتطرف النجاح الذي حققه. وقد عبّر عن ذلك المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي مُني حزبه بخسارة تاريخية وانخفضت أصواته إلى النصف في الولاية بنسبة لم تتعدَّ الـ17 في المائة. وقد اعترف ميرتس في كلمة ألقاها غداة الانتخابات بـ«خسارة هي الأقسى» التي يمنى بها حزبه منذ سنوات، قائلاً: «لم نتوقع» أن تأتي النتائج على هذا الشكل.

وكان ميرتس قد تعهد خلال حملته الانتخابية قبل عامين بأن يقلص تأييد حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى النصف، ولكن العكس هو الذي حصل، على الأقل في ولاية ساكسونيا أنهالت. وأضاف أنه ستكون هناك ارتدادات لخسارة حزبه الذي حكم الولاية الشرقية لـ28 عاماً، وأنه «لا يمكن المضي قدماً وكأن شيئاً لم يحصل».

وبنى حزب «البديل من أجل ألمانيا» الكثير من شعبيته في ولاية ساكسونيا-أنهالت بانتقاد حكومة برلين ودعمها لأوكرانيا و«إهدارها أموال دافعي الضرائب» على دعم أوكرانيا بدلاً من استثمارها في الولاية. وتعاني الولايات الشرقية من حرمان مقارنة بالولايات الغربية وتبدو بشكل واضح أفقر منها. كما أن معدل مستوى المرتبات فيها أقل من المرتبات في الولايات الغربية.

ويبدي الكثير من سكان الولاية استياءهم من ذلك، وقال هانو، أحد السكان وهو في السبعينات من العمر، ورفض التصويت، إنه لم يجد أن أياً من الأحزاب تطرق إلى أساس مشكلة الولاية، وهي غياب التنمية وانخفاض المرتبات مقارنة بالولايات الغربية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» لا يقدم أي حلول في هذه المجالات وأنه لا يعطيه أي أمل. ولكن الكثير ممن هم في عمر الشباب يرون العكس؛ وقد أظهرت استطلاعات أن شعبية الحزب مرتفعة بين الشبان الذين هم بين 18 و24 عاماً. وينشط الحزب بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، ولدى زيغموند مثلاً نحو مليوني متابع على «إنستغرام» و«تيك توك» و«فيسبوك».


رياح اليمين المتطرف تعصف بالشراع الأوروبي

المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)
المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)
TT

رياح اليمين المتطرف تعصف بالشراع الأوروبي

المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)
المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)

لن تسمع أحداً هنا، في مسقط رأسه النمسا، يلفظ اسمه ولو همساً. لكن طيف أدولف هتلر ماثل بقوة في الأذهان كلما ارتفع رصيد الأحزاب اليمينية المتطرفة في عدّاد الانتخابات الأوروبية، وباتت رياحها تعصف بالشراع، كما حصل نهاية الأسبوع الماضي عندما حصد حزب «البديل من أجل ألمانيا » على أكثر من 44 في المائة من الأصوات في أحد الانتخابات الإقليمية التي سجّلت فيها المشاركة رقماً قياسياً تجاوز 80 في المائة من الناخبين.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تلتقط صورة مع مؤيديها خلال تجمع لحزب «إخوان إيطاليا» في مدينة باري الإيطالية 4 سبتمبر (د.ب.أ)

وبينما كان الناخبون يتوافدون إلى صناديق الاقتراع في مقاطعة ساكسونيا - أنهالت الشرقية لترسيخ صعود النازيين الجدد في ألمانيا، حيث باتت شعبيتهم تزيد على 30 في المائة على الصعيد الفيدرالي حسب الاستطلاعات الأخيرة، كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وزعيمة حزب «إخوان إيطاليا» الذي تأسس على ركام الحزب الفاشي، تحتفل بكون حكومتها أصبحت الأطول عمراً في تاريخ بلادها الحديث بعد أن مرّ على تشكيلها 1412 يوماً، وتراقب بطرف عينها كيف أن تنظيماً سياسياً جديداً يزداد عليها في التطرف، باتت شعبيته تتجاوز شعبية حلفائها في الحكومة.

سياسات فاشلة

هذا الزلزال الألماني المعلن الذي ما زالت تداعياته تتردد في أرجاء الاتحاد الأوروبي، معطوفاً على الصعود المطرد للقوى والأحزاب اليمينية المتطرفة، أثبت أن كل التدابير التي كانت والوسائل التي لجأت إليها الأحزاب التقليدية في أوروبا لكبح إعصار التطرف واحتوائه، قد باءت بالفشل أو أنها أثمرت عكس النتيجة المنشودة منها، وأنه لم يعد من مناص سوى إعادة النظر بشكل جذري في الاستراتيجيات التي اتبعتها طيلة العقود الماضية. لم ينفع مثلاً ما قامت به الأحزاب اليمينية المعتدلة عندما استنسخت برامج اليمين المتطرف، لأن الناخبين كانوا يميلون في غالبيتهم إلى تفضيل النسخة الأصلية عند الدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع. ولم ينفع تجاهل المخاوف الحقيقية أو المتخيلة التي تساور بعض السكان من ظاهرة الهجرة. كما فشل أيضاً الحجر الصحي الذي مارسته الأحزاب التقليدية ضد اليمين المتطرف وقطعت عليه طريق الوصول إلى الحكم، كما يتبيّن من صعود شعبية «البديل من أجل ألمانيا» ومارين لوبان في فرنسا.

لا شك في أن سياسة الخطوط الحمر التي نهجتها الأحزاب التقليدية في الاتحاد، وعزل القوى المتطرفة، ومنع إقامة التحالفات معها، قد ساعد على إقصائها عن السلطة. وهي سياسة يبررها أخلاقياً حظر التحالف أو التعاون مع أحزاب ترفض المبادئ الأساسية التي قامت عليها الديمقراطيات الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لكن من الواضح أن كل ذلك أثبت عدم جدواه في كل مرة كانت الأحزاب اليمينية ترسخ صعودها تحت شعارات مثل «الجميع ضدنا» أو «النخب ضد الشعب»، وتحوّل الأسلحة التي رفعت لإضعافها، إلى رافعات لشعبيتها. يضاف إلى ذلك أن الحجر الصحي الذي يفرض على حزب معيّن بهدف عزله أو إضعافه، يفقد مفعوله عندما يصبح هذا الحزب قادراً على القفز فوقه وتجاوزه كما حصل بالأمس في إيطاليا، واليوم في ألمانيا، وربما غداً في فرنسا. والمفارقة المذهلة التي يتوقف عندها الأوروبيون اليوم ويستشعرون بمرارة العبرة المستخلصة من هذه الانتخابات الألمانية، هي أنه لا يوجد بلد في العالم انكبّ على التبحّر في دراسة ماضيه الإجرامي كما فعلت ألمانيا التي بذلت جهوداً غير مسبوقة في المدارس والمجتمع المدني لفهم جذور الفكر النازي وتداعياته. وهي فعلت ذلك بوصفه واجباً أساسياً بعد نهوضها من ركام الحرب التي دمرت أوروبا، وانطلاقاً من قناعتها بأن فهم الأخطاء ودراستها وتحليلها والتكفير عنها هي الحائل دون تكرارها.

عدد من قادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين غداة فوز حزبهم بالانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)

مشهد جديد يتشكل

لكن المشهد السياسي الذي يتشكّل منذ سنوات في أوروبا، ويندفع نحو أقصى اليمين مدعوماً من المعسكر اليميني المتطرف في الولايات المتحدة الذي يعيش عصره الذهبي مع دونالد ترمب، وناهلاً من الأزمات المتعاقبة على الاتحاد الأوروبي، التي ليست الهجرة أعظمها شأناً، يستدعي نقلة نوعية وخطوات جريئة قبل فوات الأوان. اليمين المتطرف يُمسك بزمام الحكم في إيطاليا منذ أكثر من ثلاث سنوات، وليس ما يوحي بأن انتخابات العام المقبل ستقصيه عن السلطة، لا بل إنه قد يذهب نحو مزيد من التشدد بعد ظهور حزب جديد يقوده جنرال متقاعد ليس خطابه السياسي بعيداً عن خطاب موسوليني، وقد يكون المفاجأة الكبرى في الاستحقاق الانتخابي المقبل. في الجمهورية التشيكية يقود اليمين المتطرف الحكومة الائتلافية، مدعوماً من القوى القومية والمناهضة للمشروع الأوروبي وللهجرة والسياسات البيئية. وفي سلوفاكيا يقود الحكومة القومي روبرت فيكو، متحالفاً مع اليمين المتطرف الذي يطالب بإغلاق الحدود في وجه المهاجرين من خارج الاتحاد. رئيس الوزراء السلوفيني جانيز جانسا، لا يخفي إعجابه برئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، وبالرئيس الأميركي دونالد ترمب. وفي كرواتيا يرتفع رصيد التيار القومي الذي يشارك في الحكومة الائتلافية، ويرجح أن يكون النصر حليفه في الانتخابات المقبلة. في فنلندا، يحتل حزب «الفنلنديون الحقيقيون» المركز الثاني في الائتلاف الحاكم، حيث تمكن من فرض سياسة متشددة في موضوع الهجرة. وفي السويد يقود رئيس الوزراء أولف كريترسون تحالفاً يمينياً بدعم من اليمين المتطرف الذي يطمح إلى الفوز في انتخابات الأحد المقبل. اليمين الفرنسي المتطرف الذي تقوده مارين لوبان، أحكم قبضته على عشرات المدن في الانتخابات البلدية التي أجريت في مارس (آذار) الماضي، وقد أصبحت زعيمته أوفر المرشحين حظاً للفوز في الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل.

وقد أحدثت لوبان تغييراً عميقاً في عقيدة الحزب الذي أسسه والدها، فأبعدته عن الطروحات النازية، وجنحت به نحو بعض الاعتدال، لكنها أبقت على مناهضة الهجرة ومكافحتها بأشد التدابير. وفي البرتغال يسيطر اليمين المتطرف على ثاني أكبر كتلة في البرلمان، ويقود زعيمه أندريه فنتورا المعارضة الحالية بعد أن أوشك أن يفوز مؤخراً في انتخابات الرئاسة. وفي النمسا يشكّل اليمين المتطرف القوة السياسية الأولى بما يزيد على 40 في المائة من التأييد بعد أن فاز في الانتخابات الأخيرة، وعجز عن تشكيل حكومة لامتناع الأحزاب الأخرى عن التحالف معه. والسيناريو ذاته يتكرر في هولندا وبلجيكا وإسبانيا واليونان وبولندا والنرويج ورومانيا وقبرص وبلغاريا، حيث تشارك الأحزاب اليمينية في الحكومة أو تدعمها بشروط تملي بموجبها تدابيرها المتشددة.


الأمم المتحدة قلقة من استخدام مسيّرات فتاكة ذاتية التشغيل في أوكرانيا

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ونائبته آوا دابو في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بسويسرا لحضور الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان - 7 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ونائبته آوا دابو في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بسويسرا لحضور الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان - 7 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة قلقة من استخدام مسيّرات فتاكة ذاتية التشغيل في أوكرانيا

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ونائبته آوا دابو في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بسويسرا لحضور الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان - 7 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ونائبته آوا دابو في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بسويسرا لحضور الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان - 7 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

أعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك، اليوم (الاثنين)، عن قلقه البالغ إزاء تقارير تفيد بأن طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل قتلت أشخاصاً في أوكرانيا.

ودعا إلى الحظر العاجل لاستخدام الأسلحة الفتاكة بدون أي تدخل بشري، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال تورك خلال افتتاح الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، إنه يشعر ﺑ«قلق بالغ من التقارير التي تفيد بأن طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل أطلقتها روسيا الاتحادية، قتلت ثلاثة أوكرانيين الشهر الماضي» خلال الحرب الدائرة بين البلدين.

وسلّط تورك الضوء أيضاً على تقارير مفادها بأن أوكرانيا قامت «باختبار هذه الأسلحة ميدانياً».

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية قد أوردت الشهر الماضي أن طائرة مسيّرة روسية موجّهة كلياً بواسطة نظام ذكاء اصطناعي قتلت ثلاثة مدنيين في منطقة زابوريجيا جنوب شرق أوكرانيا في 6 يوليو (تموز).

وأوضحت الصحيفة أن مشغّلين بشريين قاموا ببرمجة الطائرة المسيّرة للتوجه إلى محطة وقود محددة، لكنها اختارت هدفها الدقيق، الذي يُرجّح أنه كان خزانات بروبان، من دون تدخل بشري.

وتتصاعد ضغوط المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية من أجل تنظيم ما يسمى الأسلحة الذاتية التشغيل الفتاكة، التي يُشار إليها كثيراً باسم «الروبوتات القاتلة».

والشهر الماضي، وجّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش، نداءً مشتركاً للحد من استخدام هذه الأسلحة، محذرَين من أن العالم أصبح «في شكل خطير على وشك تجاوز خط أحمر أخلاقي، يتمثل في قيام الآلات بتحديد البشر واستهدافهم بشكل مستقل».

وقال تورك الاثنين: «أضم صوتي إلى الدعوات المُطالبة بالحظر العاجل للأسلحة القادرة على إزهاق الأرواح من دون تدخل بشري».

وبعد سنوات من المناقشات، اتفقت 128 دولة في الأمم المتحدة، السبت، على تعريف للأسلحة الذاتية التشغيل، رغم اتهام منظمات غير حكومية للولايات المتحدة وروسيا، خصوصاً بالسعي إلى إضعاف النص المتفق عليه.

ومن المقرر أن تحسم الدول في نوفمبر (تشرين الثاني) مسألة إطلاق مفاوضات كاملة للتوصل إلى معاهدة تنظّم الأسلحة الذاتية التشغيل.