قمّة «جي 7» مرآة تعكس بوضوح غير مسبوق المشهد السياسي الغربي المضطرب

أجمع قادتها على توجيه تحذيرات لبكين وموسكو وطهران

البابا يحضر جلسة مع قادة المجموعة حول الذكاء الاصصناعي (إ.ب.أ)
البابا يحضر جلسة مع قادة المجموعة حول الذكاء الاصصناعي (إ.ب.أ)
TT

قمّة «جي 7» مرآة تعكس بوضوح غير مسبوق المشهد السياسي الغربي المضطرب

البابا يحضر جلسة مع قادة المجموعة حول الذكاء الاصصناعي (إ.ب.أ)
البابا يحضر جلسة مع قادة المجموعة حول الذكاء الاصصناعي (إ.ب.أ)

منذ تأسيسها في عام 1973، بمبادرة أميركية، لم يحصل أن كانت قمّة الدول الصناعية مرآة تعكس بوضوح غير مسبوق المشهد السياسي المضطرب الذي تعيشه الديمقراطيات الغربية الكبرى، كما الحال في هذه القمة التي تستضيفها إيطاليا للمرة السابعة، وعلى رأس حكومتها، للمرة الأولى، امرأة تعرف من بين ضيوفها أنها الوحيدة التي ليست قلقة على مستقبلها السياسي في القريب المنظور.


تحدث الاثنان لبضع لحظات قبل أن تشير ميلوني نحو إطار شعار مجموعة السبع الذي وقعه كل زعيم حاضر بعلامة (د.ب.أ)

الأميركي جو بايدن، والفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولتس أمام استحقاقات انتخابية وسياسية صعبة جداً، ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، ليس ضمن أحصنة المراهنات على الفوز في الانتخابات القريبة المقبلة، بينما الكندي جاستين ترودو، والياباني فوميو كيشيدا، يواجهان تراجعاً كبيراً في نسبة التأييد الشعبي. واللافت أن الذي تجرّأ على تشخيص هذا الاضطراب السياسي في تصريحاته ليس من قادة مجموعة السبع، بل أحد ضيوف هذه القمة، الرئيس البرازيلي لويس إينياسيو لولا، الذي قال لدى وصوله: «أمامنا مشكلة، وهي أن الديمقراطية في خطر بسبب الذين لا يقيمون وزناً للمؤسسات، مثل البرلمان وأجهزة القضاء».

لكن هشاشة الأوضاع السياسية التي يعاني منها معظم القادة الحاضرين هنا، لم تكن حائلاً دون اتخاذ قرارات هامة في يومهم الأول، مثل «الاتفاق السياسي المبدئي» حول تمويل حزمة مساعدات لأوكرانيا بقيمة 50 مليار دولار من فوائد الأصول الروسية المجمدة في الغرب، وتخصيص جلسة طويلة للعلاقات المتوترة مع الصين، أظهرت تناغماً تاماً بين أعضاء المجموعة حول التعامل مع بكين، خاصة ما يتعلق بالسياسة التجارية وما تسمّيه الدول الغربية «الفائض الإنتاجي الصناعي» في مجال التكنولوجيا النظيفة ومشتقاتها، الذي أصبح يغرق الأسواق العالمية.

وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن منذ أيام أنه يعتزم فرض رسوم جمركية عالية على الصادرات الكهربائية الصينية، ما استدعى ردّاً شديد اللهجة من بكين، التي هددت باللجوء إلى منظمة التجارة العالمية.

وتمكّنت الولايات المتحدة مرة أخرى من إقناع حلفائها في مجموعة السبع بتضمين البيان الختامي فقرة، يعارضون فيها النشاط العسكري الذي تقوم به الصين في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وتكون بمثابة رسالة موجهة إلى القيادة الصينية، مفادها أن الوضع في تلك المنطقة هو مبعث للقلق بالنسبة لجميع بلدان المجموعة.

وبينما كانت مروحيّة البابا فرنسيس تهبط عند انتصاف نهار الجمعة، على بعد أمتار من مركز القمة، كان اهتمام المشاركين منصباً على التصريحات التي صدرت عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعرض فيها التوصل إلى وقف لإطلاق النار مقابل انسحاب أوكرانيا من مناطق الدونباس ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، والتخلي عن فكرة الانضمام إلى الحلف الأطلسي.

وجاء الردّ الأول على تصريحات بوتين من الأمين العام للحلف الأطلسي، جينز ستولتنبيرغ، في ختام أعمال مجلس وزراء دفاع الحلف، حيث قال: «إن هذه التصريحات ليست مقترحاً للسلام، بل للاعتداء. روسيا وليس أوكرانيا هي التي يجب أن تسحب قواتها من هذه المناطق، وهذا الاقتراح يعني أن لروسيا الحق في احتلال مزيد من الأراضي الأوكرانية». وقال وزير الدفاع الأميركي إن روسيا ليست في الموقع الذي يفرض شروط السلم، بعد أن احتلّت أراضي أوكرانيا بشكل غير قانوني.

لكن الردّ الأكثر وضوحاً والأبعد مغزى على تصريحات الرئيس الروسي جاء في النص التوافقي لمشروع البيان الختامي الذي يتضمن في بنوده الأولى تصميم مجموعة الدول الصناعية السبع على «تحقيق سلام شامل، ومستديم وعادل في أوكرانيا، وفقاً لأحكام القانون الدولي، والوقوف بجانب كييف مهما طالت حاجتها للدعم». كما يشدّد مشروع البيان على أن تمويل حزمة المساعدات إلى أوكرانيا من فوائد الأصول الروسية المجمدة في الغرب، ومعظمها في أوروبا، هو رسالة واضحة موجهة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ونصّ مشروع البيان الختامي على تأييد المجموعة لقمة السلام في أوكرانيا، التي تنعقد نهاية هذا الأسبوع في جنيف، والخطة التي وضعها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، التي تطالب روسيا بالتعويض عن أضرار الحرب التي خلّفتها.

إلى جانب ذلك، ذكرت مصادر في الوفد الياباني أن الحكومة اليابانية تبحث في احتمال فرض حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، أسوة بتلك التي اتخذتها الولايات المتحدة ودول أعضاء أخرى في مجموعة السبع. وقال ناطق بلسان الوفد الياباني: «نسعى إلى فرض عقوبات قاسية لمنع روسيا من الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها من لدن أطراف ثالثة». وأضاف: «إن هذه العقوبات الجديدة تستهدف كيانات وأفراداً في بلدان مثل الصين والهند والإمارات العربية المتحدة وأوزبكستان وكازاخستان».

وبعد أن كان قادة الدول السبع قد أعلنوا عن تأييدهم الكامل للمقترح الأميركي من أجل إنهاء الحرب في غزة وحضّ الطرفين على قبوله، شهدت أروقة القمة بعد وصول البابا فرنسيس نشاطاً دبلوماسياً ملحوظاً تناول تفاقم الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، شاركت فيه وفود فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيطاليا والفاتيكان. وقال مصدر فاتيكاني رفيع، لـ«الشرق الأوسط»، إن البابا يتابع عن كثب تطورات الوضع في جنوب لبنان، وأعطى تعليماته من أجل بذل كل الجهود الممكنة لمنع اتساع المواجهة والتوصل إلى اتفاق دائم بين الطرفين.


بايدن مصافحاً البابا (أ.ف.ب)

ويدعو مشروع نصّ البيان الختامي، الذي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، إيران للكفّ عن دعم روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وإلى «عدم نقل الصواريخ الباليستية وتكنولوجيتها إلى موسكو». ويؤكد مشروع البيان على أن «مجموعة السبع جاهزة للردّ بسرعة وتنسيق بين أعضائها، وبتدابير جديدة أشد قسوة». كما يطلب مشروع البيان من إيران «وقف أنشطتها المزعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، تحت طائلة فرض عقوبات جديدة».

وعن الحرب الدائرة في غزة، جاء في مشروع بيان القمة: «نشعر بقلق عميق إزاء تداعيات العمليات الحربية في رفح على السكان المدنيين، وعلى ما يمكن أن ينجم من تبعات كارثية في حال تنفيذ هجوم عسكري واسع. نطلب إلى الحكومة الإسرائيلية الإحجام عن القيام بهذا الهجوم».


مقالات ذات صلة

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

أوروبا لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب) p-circle

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة» وعارضتا استئناف الحرب بالشرق الأوسط وحذرتا من خطر العودة إلى «قانون الغاب»

رائد جبر (موسكو)
العالم جنود صينيون يسيرون خلال عرض عسكري في بكين (رويترز - أرشيفية)

صحيفة ألمانية: الجيش الصيني درّب سرّاً جنوداً في الجيش الروسي

درّب الجيش الصيني سرّاً على أراضيه المئات من الجنود الروس، نُشر بعضهم في أوكرانيا، حسبما ذكرت صحيفة «دي فيلت» الألمانية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

حذّرت روسيا من هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة تنطلق من دول البلطيق، مؤكدة أن عضوية «الناتو» لن تمنع الردّ الانتقامي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية الفريق الروسي للجمباز حصد ذهبية أولمبياد باريس تحت علم اللجنة الأولمبية الروسية (رويترز)

الاتحاد الدولي للجمباز يدافع عن قراره رفع القيود عن رياضيي روسيا وبيلاروسيا

دافع الاتحاد الدولي للجمباز، الثلاثاء، عن قراره رفع جميع القيود المفروضة على الرياضيين من روسيا وبيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
الاقتصاد يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)

بيانات: ناقلة غاز روسية تسلم شحنة إلى الصين بعد 6 أشهر في البحر

أظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن مجموعة بورصة لندن، أن ناقلة غاز سلّمت شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا إلى الصين بعد أن ظلت ستة أشهر تقريباً في البحر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ألمانيا تعتقل «جاسوسين» يعملان لصالح الصين

شرطيان يرافقان متهماً إلى المحكمة الفيدرالية في مدينة كارلسروه حيث مقر المدعي العام الفيدرالي في ألمانيا يوم 20 مايو (أ.ف.ب)
شرطيان يرافقان متهماً إلى المحكمة الفيدرالية في مدينة كارلسروه حيث مقر المدعي العام الفيدرالي في ألمانيا يوم 20 مايو (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا تعتقل «جاسوسين» يعملان لصالح الصين

شرطيان يرافقان متهماً إلى المحكمة الفيدرالية في مدينة كارلسروه حيث مقر المدعي العام الفيدرالي في ألمانيا يوم 20 مايو (أ.ف.ب)
شرطيان يرافقان متهماً إلى المحكمة الفيدرالية في مدينة كارلسروه حيث مقر المدعي العام الفيدرالي في ألمانيا يوم 20 مايو (أ.ف.ب)

اعتقلت ألمانيا جاسوسين قالت إنهما يعملان لصالح الصين وحاولا جمع معلومات علمية يمكن استخدامهما للتطوير العسكري، حسب بيان للمدعي العام الفيدرالي الذي كشف عن اعتقال الزوجين في مدينة ميونيخ. وقال المدعي العام إن الزوجين اللذين يحملان الجنسية الألمانية، وهما من أصل صيني، تواصلا مع مجموعة من العلماء في عدد من الجامعات الألمانية ومراكز الأبحاث «نيابةً عن المخابرات الصينية»، وأنهما كانا يدّعيان أنهما مترجمان أو مديران تنفيذيان في قطاع السيارات.

واستهدف الجاسوسان، حسب المدعي العام، خبراء في مجالات هندسة الطيران والفضاء والذكاء الاصطناعي، وتم استدراج بعض هؤلاء الخبراء إلى الصين بذريعة إلقاء محاضرات مدفوعة الأجر أمام طلاب أو حضور مدني. ولكن المدعي العام أضاف أن هذه المحاضرات أُلقيت على موظفين في شركات دفاع مملوكة من الدولة الصينية. وداهمت الشرطة عدة أماكن بعد اعتقال الزوجين في مجموعة من الولايات الألمانية لجمع الأدلة، ولاستجواب شهود في القضية.

وتشكل المخابرات الصينية صُداعاً لألمانيا، إذ تُحذّر المخابرات الألمانية الداخلية بأن تحركات الصين داخل ألمانيا لتجنيد عملاء والقيام بعمليات تجسس تزداد وتشكل خطراً على الأمن القومي الألماني، وأن عمليات التجسس تُركّز على النواحي العلمية والاقتصادية ومحاولة الحصول على معلومات تتعلق بتكنولوجيا متطورة وحساسة، إضافةً إلى معلومات سياسية.

تحذير رسمي

تُحذّر المخابرات الألمانية من أساليب أكثر هدوءاً تتّبعها الصين لجمع معلومات من ألمانيا، مثل بناء علاقات طويلة مع باحثين أو موظفين، أو استغلال المؤتمرات والشراكات الأكاديمية، أو استخدام واجهات تجارية وثقافية للحصول على معرفة غير متاحة علناً. والعام الماضي، أدانت محكمة ألمانية جاسوساً صينياً كان يعمل موظفاً لدى نائب في البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) ينتمي إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وحكمت عليه بالسجن لنحو 5 سنوات. ولدى اعتقاله في نهاية عام 2024، كان جيان غ. يعمل لدى النائب ماكسيمليان كراه عندما كان نائباً في البرلمان الأوروبي، قبل أن يفوز بمقعد في البوندستاغ عام 2025.

كان جيان يحمل كذلك الجنسية الألمانية، ولكنه من أصل صيني. واتُّهم بجمع معلومات سياسية حساسة من خلال منصبه كمساعد للنائب وتمريرها للمخابرات الصينية. كما اتُّهم بأنه جمع معلومات حول معارضين صينيين في ألمانيا.

ونفى جيان جميع التهم الموجهة إليه، وبقي متمسكاً ببراءته طوال فترة محاكمته وإدانته. واتُّهم جيان كذلك بأنه جنّد عميلة صينية كانت تعمل لدى شركة لوجستية في مطار لايبزيغ. واعتُقلت العميلة كذلك، وأُدينت بعد اتهامها بتمرير معلومات حول الشحن والمسافرين. واعترفت بأنها مررت معلومات، ولكنها نفت أي تصرفات تجسسية. ونفى النائب كراه أي علم له بخلفية موظفه، وقال إنه علم بالتهم من خلال الإعلام. ولكنه هو أيضاً يخضع لتحقيق حول تلقيه رشى من الصين. ووافق البوندستاغ على رفع حصانة النائب لفتح المجال أمام إكمال التحقيقات التي ما زالت جارية بحقه.

اعتقالات سابقة

وتتكرر عمليات اعتقال جواسيس لصالح الصين في ألمانيا. إذ سبق اعتقال جيان وتوقيف 3 مواطنين ألمان يعملون جواسيس لصالح الصين في عام 2024. واتّهموا آنذاك بجمع معلومات تتعلق بتكنولوجيا حساسة ونقلها إلى الصين، وتحديداً تقنيات متطورة تتعلق بغيار محركات السفن وهي تقنيات يمكن استخدامها عسكرياً. ومن بين التهم التي وُجّهت إلى الثلاثة، شراء وتصدير جهاز ليزر عالي القدرة تم دفع ثمنه بأموال من وزارة أمن الدولة الصينية، حسب المدعي العام الألماني.

واتهم الألماني توماس ر. بأنه عمل وسيطاً بين جهاز الاستخبارات الصيني والمشتبه بهما الآخرين، وهما زوجان يديران شركة هندسية في مدينة دوسلدورف.

وتُحذّر المخابرات الألمانية الجامعات بشكل مستمر من الحذر في التعاون مع خبراء أو الدخول في اتفاقيات تعاون مع الصين، يمكن أن تكون مزدوجة الاستخدام، أي للاستخدام المدني أو العسكري.

وترفض الصين بشكل قاطع الاتهامات الموجهة إليها بالتجسس داخل ألمانيا، وترى السفارة الصينية أن الاتهامات ذات أغراض سياسية وتهدف إلى تشويه سمعة الصين.


روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)
جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)
TT

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)
جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)

وضعت نتائج زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين إطاراً لتحرك مشترك يعزز مصالح موسكو وبكين على الصعيد الثنائي، وينظم أولويات البلدين في التعامل مع المتغيرات الدولية. وعكس البيان الختامي المشترك بعد جولات مطولة من المحادثات توجه موسكو وبكين إلى تمتين الشراكات في مجالات عدة، واستثمار الزخم القوي في العلاقات في مواجهة التحديات العالمية الجديدة.

الزعيم الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستعرضان حرس الشرف أمام قاعة الشعب الكبرى في بكين (إ.ب.أ)

وإلى جانب التوقيع على عشرات الاتفاقيات الجديدة التي وسعت مجالات التعاون بين البلدين، ومنحت «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» أبعاداً أعمق، برزت مساعي الطرفين لإظهار تماسك العلاقة في مواجهة محاولات احتواء الصين وروسيا، وإطلاق رؤية مشتركة للتعامل مع التقلبات الدولية وسياسات واشنطن والغرب عموماً تجاه ملفات إقليمية ودولية تمس مصالح موسكو وبكين. وهو ما تم التعبير عنه بوضوح في وثيقتين أساسيتين تم توقيعهما في ختام المحادثات، الأولى تمثلت في إعلان مشترك حول «عالم متعدد الأقطاب» تلعب فيه روسيا والصين دوراً محورياً من خلال التكتلات الاقتصادية والسياسية والعلاقات التي تجمع البلدين مع شركائهما في العالم. والثانية تمثلت في بيان مشترك اشتمل على برنامج متكامل لتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

ووفقاً لمساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، فإن هذه الوثيقة عكست «برنامجاً سياسياً شاملاً يتكون من 47 صفة، ويحدد مسارات التنمية الرئيسية للعلاقات الثنائية متعددة الأوجه بين روسيا والصين، ورؤية مشتركة واضحة للقضايا الدولية الملحة، والصيغ الرئيسية للتعاون في الشؤون العالمية».

وفي هذا الإطار، عكست تصريحات الزعيمين الصيني والروسي في ختام القمة مستوى التفاهم على التحرك المشترك المطلوب للبلدين. وحذر بيانهما المشترك من أن «محاولات بعض الدول السيطرة على الشؤون العالمية بروح ‌العصر الاستعماري ‌باءت بالفشل، ‌لكن ⁠العالم يواجه خطر العودة ⁠إلى (قانون الغاب)».

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين (أ.ب)

وذكر البلدان في البيان الذي نشره الكرملين باللغة الروسية: «الوضع العالمي ⁠يزداد تعقيداً... تواجه ‌أجندة ‌السلام والتنمية ‌في العالم مخاطر وتحديات ‌جديدة، ويواجه المجتمع الدولي خطر التشرذم والعودة إلى (قانون الغاب)». وأضافا: «فشلت ‌محاولات عدد من الدول لإدارة ⁠الشؤون ⁠العالمية من جانب واحد، وفرض مصالحها على العالم بأسره، والحد من التنمية السيادية للبلدان الأخرى، بروح العصور الاستعمارية».

في الوقت نفسه، حذّر الرئيسان من التداعيات السلبية الكبيرة للحرب في منطقة الشرق الأوسط، وقال شي إن «استئناف العمليات العسكرية في الشرق الأوسط سيكون غير مناسب»، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمعاودة الضربات على إيران. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (شينخوا) عن جينبينغ قوله: «الوضع في منطقة الخليج على مفترق طرق بين الحرب والسلم. من الضروري بشكل عاجل التوصل إلى وقف كامل للحرب». وأضاف: «استئناف العمليات العسكرية لن يكون مناسباً، ومواصلة المفاوضات أكثر أهمية من أي وقت مضى».

وأشاد الرئيس الروسي بالزخم «القوي والإيجابي» في التعاون بين روسيا والصين «حتى في ظل العوامل الخارجية غير المواتية». وردَّ الرئيس الصيني مشيداً بـ«العلاقة الراسخة» بين الصين وروسيا، وقال: «استطعنا باستمرار تعميق ثقتنا السياسية المتبادلة، وتنسيقنا الاستراتيجي، بصلابة تبقى راسخة على الرغم من التجارب والتحديات».

نموذج للعلاقات بين الدول

وفي تلخيص رئاسي لمجريات النقاش قال بوتين إن علاقات موسكو وبكين وصلت إلى مستوى عالٍ غير مسبوق، لتكون بمثابة «نموذج للشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي الحقيقي». وأكد أن روسيا والصين تتشاركان هدفاً مشتركاً، ألا وهو ازدهار ورفاهية شعبيهما، وهو ما يفسر نجاح علاقاتهما في اجتياز كثير من اختبارات القوة والمرونة.

وأشار الرئيس الروسي إلى أنه تجري هناك «عملية معقدة لبناء عالم متعدد الأقطاب قائم على توازن مصالح جميع أطرافه»، مضيفاً أنه «جنباً إلى جنب مع أصدقائنا الصينيين، ندافع عن التنوع الثقافي والحضاري، ونحترم التنمية السيادية للدول، ونسعى جاهدين إلى بناء نظام عالمي أكثر عدلاً وديمقراطية».

وقال: «نعمل على تعزيز التنسيق على منصات الأمم المتحدة، ومجموعة (بريكس)، و(مجموعة العشرين)، وغيرها من المحافل، وسنواصل التفاعل الفعال في إطار منظمة شنغهاي للتعاون»، التي وصفها بأنها أصبحت «مثالاً رائعاً لكيفية حل المشكلات بشكل عادل وتعزيز التكامل في منطقة جغرافية مشتركة واسعة». وأكد أن روسيا تؤيد بشكل كامل أنشطة الرئاسة الصينية لمنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ هذا العام.

بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بقاعة الشعب الكبرى في بكين (أ.ب)

وزاد أن علاقات البلدين أظهرت قدرة على الاكتفاء الذاتي، موضحاً أن موسكو وبكين أنشأتا نظاماً مستداماً للتجارة المتبادلة محمياً من التأثيرات الخارجية والاتجاهات السلبية في الأسواق العالمية. وفي عام 2025، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي ما يقارب 240 مليار دولار. وتُجرى جميع معاملات الدفع تقريباً بين البلدين بالروبل واليوان. ولفت بوتين إلى أنه علاوة على ذلك، تُعد روسيا من أكبر مُصدّري النفط والغاز الطبيعي، بما في ذلك الغاز المسال، والفحم إلى الصين. كما يجري التعاون في قطاع الطاقة النووية: حيث يقترب بناء وحدات الطاقة المصممة روسياً من الاكتمال في محطتي تيانوان وشودابو للطاقة النووية. وأكد أن البلدين يعملان أيضاً على تعزيز شراكتهما في مجال العناصر والمعادن الحيوية لتسهيل التوسع في تبني التقنيات الخضراء. كما أشار إلى ازدياد حركة السياحة المتبادلة، ما يسهل نظام السفر المتبادل من دون تأشيرة. وفي عام 2025، وصل أكثر من مليوني روسي إلى الصين، بينما زار أكثر من مليون مواطن صيني روسيا.

صورة للرئيسين الروسي والصيني قبيل مباحثاتهما في بكين (أ.ف.ب)

بدوره ركز شي على «التغيرات الخطيرة التي يشهدها العالم وخطر العودة إلى قانون الغاب. وقال إن العالم يشهد مظاهر للهيمنة والانقسام في ظل الوضع الدولي المضطرب»، مؤكداً أن العلاقات بين روسيا والصين القائمة على الاحترام المتبادل والتعاون، تجعل العالم الغارق في الفوضى أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ به.

وأكد شي أن العلاقات بين روسيا والصين بلغت أعلى مستوياتها، وأن البلدين «يظهران شجاعة في دعم العدالة الدولية»، مشدداً على أنه يتعين على الصين وروسيا بناء نظام أكثر عدلاً للحوكمة العالمية. وأضاف: «في ظل هذه الخلفية، تتضح أكثر فأكثر أهمية وقيمة معاهدة حُسن الجوار والصداقة والتعاون بين الصين وروسيا».

وأكد أن موسكو وبكين التزمتا لسنوات كثيرة بمبدأ عدم الانحياز. حتى الآن، ومع بلوغ علاقاتهما الثنائية آفاقاً جديدة، يجب أن يكون كل منهما سنداً استراتيجياً للآخر. وزاد: «علينا تعميق التفاعل والتعاون في المحافل متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة (البريكس)، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، ... لتوحيد دول الجنوب العالمي».

اهتمام عالمي

وقد تصدرت زيارة الرئيس الروسي إلى الصين اهتمام وسائل الإعلام العالمية، التي رأت فيها محطة سياسية ودبلوماسية تحمل رسائل تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين موسكو وبكين. وبينما ركزت بعض الصحف ووكالات الأنباء على متانة الشراكة الروسية الصينية التي تعززت خلال السنوات الأخيرة في مجالات التجارة والطاقة والأمن، عدّت أخرى أن الزيارة تمثل استعراضاً جديداً للتحالف المتنامي بين الطرفين في مواجهة النفوذ الأميركي والغربي. كما سلطت التغطيات الضوء على العلاقة الشخصية الوثيقة بين الرئيسين وعلى الرمزية السياسية والبروتوكولية للزيارة التي جاءت بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الصينية.


إيطاليا تستدعي السفير الإسرائيلي بعد احتجاز مواطنين في أسطول الصمود

جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة شحن كما شوهدت من أشدود جنوب إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة شحن كما شوهدت من أشدود جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

إيطاليا تستدعي السفير الإسرائيلي بعد احتجاز مواطنين في أسطول الصمود

جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة شحن كما شوهدت من أشدود جنوب إسرائيل (رويترز)
جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة شحن كما شوهدت من أشدود جنوب إسرائيل (رويترز)

قالت ​الحكومة الإيطالية اليوم (الأربعاء)، إن معاملة إسرائيل لنشطاء ‌أسطول ‌الصمود، ​الذين كانوا ‌يحاولون ⁠توصيل ​مساعدات إلى ⁠قطاع غزة، غير مقبولة، وإنها ستستدعي السفير ⁠الإسرائيلي ‌لتقديم توضيح.

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد ذكرت ‌رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ووزير الخارجية أنطونيو تاياني، في ‌بيان شديد اللهجة، أن ⁠روما «تطلب ⁠اعتذاراً عن معاملة» النشطاء و«التجاهل التام» لمطالب الحكومة الإيطالية.

وفي وقت سابق اليوم، قالت منظمة حقوقية إسرائيلية ومنظمو رحلة أسطول الصمود ​الذي حاول الوصول إلى قطاع غزة، إن النشطاء، الذين كانوا على متن زوارقه واعترضتها القوات البحرية الإسرائيلية، تم احتجازهم في ميناء إسرائيلي قبل نقلهم إلى السجن.

وحاول الأسطول من جديد توصيل مساعدات إلى قطاع غزة بعدما اعترضت إسرائيل مهمات سابقة في المياه الدولية. وأظهرت لقطات فيديو قوات إسرائيلية تُطلق النار على زورقين على الأقل من زوارق الأسطول أمس (الثلاثاء)، لكنَّ إسرائيل قالت إنها طلقات تحذيرية.

ويقول المنظمون إن الهدف من الأسطول هو كسر الحصار الإسرائيلي على غزة من خلال توصيل مساعدات إنسانية تقول منظمات إغاثة إن هناك نقصاً ‌فيها رغم وقف ‌إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين إسرائيل وحركة «​حماس»، ​والذي دخل حيز ⁠التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ويشمل ضمانات بزيادة المساعدات.

وتم ترحيل النشطاء، الذين كانوا على متن زوارق الأساطيل السابقة التي اعترضتها إسرائيل، بعد احتجازهم.

وأبحرت زوارق الأسطول من جنوب تركيا يوم الخميس، لثالث مرة.

وقالت إسرائيل إنها نقلت جميع النشطاء البالغ عددهم 430 من قوارب الأسطول إلى سفن إسرائيلية، وإن السلطات ستسمح لهم بمقابلة ممثليهم القنصليين بعد وصولهم إلى إسرائيل. ويقول منظمو الأسطول إن المشاركين ينتمون إلى 40 دولة على متن ⁠50 قارباً.

وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية يوم الاثنين، على «إكس»، ‌إنها «لن تسمح بأي انتهاك للحصار البحري القانوني المفروض ‌على غزة».

أحد مراكب أسطول «الصمود» الذي كان مبحراً إلى غزة وأوقفته البحرية الإسرائيلية (أ.ب)

وذكر المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل (عدالة) ​في بيان، أن النشطاء «احتجزوا في ميناء ‌أشدود... ونُقلوا إلى إسرائيل رغماً عنهم، وأن محامين من مركز (عدالة) دخلوا لإجراء مشاورات قانونية».

وقال ‌منظمو الأسطول في بيان، إن النشطاء سيتم نقلهم إلى سجن كتسيعوت في صحراء النقب جنوب إسرائيل، مشيرين إلى أن المحامين من مركز «عدالة» لن يتمكنوا من زيارتهم قبل وصولهم إلى السجن هناك.

Your Premium trial has ended