قمّة «جي 7» مرآة تعكس بوضوح غير مسبوق المشهد السياسي الغربي المضطرب

أجمع قادتها على توجيه تحذيرات لبكين وموسكو وطهران

البابا يحضر جلسة مع قادة المجموعة حول الذكاء الاصصناعي (إ.ب.أ)
البابا يحضر جلسة مع قادة المجموعة حول الذكاء الاصصناعي (إ.ب.أ)
TT

قمّة «جي 7» مرآة تعكس بوضوح غير مسبوق المشهد السياسي الغربي المضطرب

البابا يحضر جلسة مع قادة المجموعة حول الذكاء الاصصناعي (إ.ب.أ)
البابا يحضر جلسة مع قادة المجموعة حول الذكاء الاصصناعي (إ.ب.أ)

منذ تأسيسها في عام 1973، بمبادرة أميركية، لم يحصل أن كانت قمّة الدول الصناعية مرآة تعكس بوضوح غير مسبوق المشهد السياسي المضطرب الذي تعيشه الديمقراطيات الغربية الكبرى، كما الحال في هذه القمة التي تستضيفها إيطاليا للمرة السابعة، وعلى رأس حكومتها، للمرة الأولى، امرأة تعرف من بين ضيوفها أنها الوحيدة التي ليست قلقة على مستقبلها السياسي في القريب المنظور.


تحدث الاثنان لبضع لحظات قبل أن تشير ميلوني نحو إطار شعار مجموعة السبع الذي وقعه كل زعيم حاضر بعلامة (د.ب.أ)

الأميركي جو بايدن، والفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولتس أمام استحقاقات انتخابية وسياسية صعبة جداً، ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، ليس ضمن أحصنة المراهنات على الفوز في الانتخابات القريبة المقبلة، بينما الكندي جاستين ترودو، والياباني فوميو كيشيدا، يواجهان تراجعاً كبيراً في نسبة التأييد الشعبي. واللافت أن الذي تجرّأ على تشخيص هذا الاضطراب السياسي في تصريحاته ليس من قادة مجموعة السبع، بل أحد ضيوف هذه القمة، الرئيس البرازيلي لويس إينياسيو لولا، الذي قال لدى وصوله: «أمامنا مشكلة، وهي أن الديمقراطية في خطر بسبب الذين لا يقيمون وزناً للمؤسسات، مثل البرلمان وأجهزة القضاء».

لكن هشاشة الأوضاع السياسية التي يعاني منها معظم القادة الحاضرين هنا، لم تكن حائلاً دون اتخاذ قرارات هامة في يومهم الأول، مثل «الاتفاق السياسي المبدئي» حول تمويل حزمة مساعدات لأوكرانيا بقيمة 50 مليار دولار من فوائد الأصول الروسية المجمدة في الغرب، وتخصيص جلسة طويلة للعلاقات المتوترة مع الصين، أظهرت تناغماً تاماً بين أعضاء المجموعة حول التعامل مع بكين، خاصة ما يتعلق بالسياسة التجارية وما تسمّيه الدول الغربية «الفائض الإنتاجي الصناعي» في مجال التكنولوجيا النظيفة ومشتقاتها، الذي أصبح يغرق الأسواق العالمية.

وكان الاتحاد الأوروبي قد أعلن منذ أيام أنه يعتزم فرض رسوم جمركية عالية على الصادرات الكهربائية الصينية، ما استدعى ردّاً شديد اللهجة من بكين، التي هددت باللجوء إلى منظمة التجارة العالمية.

وتمكّنت الولايات المتحدة مرة أخرى من إقناع حلفائها في مجموعة السبع بتضمين البيان الختامي فقرة، يعارضون فيها النشاط العسكري الذي تقوم به الصين في منطقة آسيا والمحيط الهادي، وتكون بمثابة رسالة موجهة إلى القيادة الصينية، مفادها أن الوضع في تلك المنطقة هو مبعث للقلق بالنسبة لجميع بلدان المجموعة.

وبينما كانت مروحيّة البابا فرنسيس تهبط عند انتصاف نهار الجمعة، على بعد أمتار من مركز القمة، كان اهتمام المشاركين منصباً على التصريحات التي صدرت عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعرض فيها التوصل إلى وقف لإطلاق النار مقابل انسحاب أوكرانيا من مناطق الدونباس ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، والتخلي عن فكرة الانضمام إلى الحلف الأطلسي.

وجاء الردّ الأول على تصريحات بوتين من الأمين العام للحلف الأطلسي، جينز ستولتنبيرغ، في ختام أعمال مجلس وزراء دفاع الحلف، حيث قال: «إن هذه التصريحات ليست مقترحاً للسلام، بل للاعتداء. روسيا وليس أوكرانيا هي التي يجب أن تسحب قواتها من هذه المناطق، وهذا الاقتراح يعني أن لروسيا الحق في احتلال مزيد من الأراضي الأوكرانية». وقال وزير الدفاع الأميركي إن روسيا ليست في الموقع الذي يفرض شروط السلم، بعد أن احتلّت أراضي أوكرانيا بشكل غير قانوني.

لكن الردّ الأكثر وضوحاً والأبعد مغزى على تصريحات الرئيس الروسي جاء في النص التوافقي لمشروع البيان الختامي الذي يتضمن في بنوده الأولى تصميم مجموعة الدول الصناعية السبع على «تحقيق سلام شامل، ومستديم وعادل في أوكرانيا، وفقاً لأحكام القانون الدولي، والوقوف بجانب كييف مهما طالت حاجتها للدعم». كما يشدّد مشروع البيان على أن تمويل حزمة المساعدات إلى أوكرانيا من فوائد الأصول الروسية المجمدة في الغرب، ومعظمها في أوروبا، هو رسالة واضحة موجهة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ونصّ مشروع البيان الختامي على تأييد المجموعة لقمة السلام في أوكرانيا، التي تنعقد نهاية هذا الأسبوع في جنيف، والخطة التي وضعها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، التي تطالب روسيا بالتعويض عن أضرار الحرب التي خلّفتها.

إلى جانب ذلك، ذكرت مصادر في الوفد الياباني أن الحكومة اليابانية تبحث في احتمال فرض حزمة جديدة من العقوبات على روسيا، أسوة بتلك التي اتخذتها الولايات المتحدة ودول أعضاء أخرى في مجموعة السبع. وقال ناطق بلسان الوفد الياباني: «نسعى إلى فرض عقوبات قاسية لمنع روسيا من الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها من لدن أطراف ثالثة». وأضاف: «إن هذه العقوبات الجديدة تستهدف كيانات وأفراداً في بلدان مثل الصين والهند والإمارات العربية المتحدة وأوزبكستان وكازاخستان».

وبعد أن كان قادة الدول السبع قد أعلنوا عن تأييدهم الكامل للمقترح الأميركي من أجل إنهاء الحرب في غزة وحضّ الطرفين على قبوله، شهدت أروقة القمة بعد وصول البابا فرنسيس نشاطاً دبلوماسياً ملحوظاً تناول تفاقم الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، شاركت فيه وفود فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيطاليا والفاتيكان. وقال مصدر فاتيكاني رفيع، لـ«الشرق الأوسط»، إن البابا يتابع عن كثب تطورات الوضع في جنوب لبنان، وأعطى تعليماته من أجل بذل كل الجهود الممكنة لمنع اتساع المواجهة والتوصل إلى اتفاق دائم بين الطرفين.


بايدن مصافحاً البابا (أ.ف.ب)

ويدعو مشروع نصّ البيان الختامي، الذي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، إيران للكفّ عن دعم روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وإلى «عدم نقل الصواريخ الباليستية وتكنولوجيتها إلى موسكو». ويؤكد مشروع البيان على أن «مجموعة السبع جاهزة للردّ بسرعة وتنسيق بين أعضائها، وبتدابير جديدة أشد قسوة». كما يطلب مشروع البيان من إيران «وقف أنشطتها المزعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، تحت طائلة فرض عقوبات جديدة».

وعن الحرب الدائرة في غزة، جاء في مشروع بيان القمة: «نشعر بقلق عميق إزاء تداعيات العمليات الحربية في رفح على السكان المدنيين، وعلى ما يمكن أن ينجم من تبعات كارثية في حال تنفيذ هجوم عسكري واسع. نطلب إلى الحكومة الإسرائيلية الإحجام عن القيام بهذا الهجوم».


مقالات ذات صلة

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

أوروبا مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)

موسكو تعلن السيطرة على أراض واسعة في أوكرانيا هذا العام

قال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف: «منذ بداية هذا العام صار تحت سيطرتنا 80 منطقة سكنية إجمالاً وأكثر من 1700 كيلومتر ⁠مربع من الأراضي»

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم صورة نشرتها وزارة النقل الروسية لعمال في موقع بناء الجسر (أ.ف.ب)

روسيا وكوريا الشمالية تدشنان أول جسر برّي يربط البلدين

أقامت روسيا وكوريا الشمالية مراسم، اليوم (الثلاثاء)، احتفالاً بإنشاء أول جسر برّي يربط البلدين والمقرر فتحه أمام حركة السير هذا الصيف، حسبما أعلنت موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي يتهم مبعوثَي الولايات المتحدة بعدم احترام أوكرانيا

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبعوثي الولايات المتحدة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بإظهار نقص في الاحترام تجاه أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

طلبت أوكرانيا من تركيا السعي لعقد اجتماع بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي وسط ترحيب فاتر من روسيا باستئناف محادثات السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.