أوكرانيا الطبق الرئيسي على طاولة الرئيس الصيني في فرنسا

الأوروبيون يريدون من بكين وقف إمداد روسيا بالسلع مزدوجة الاستعمال

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال محادثاتهم في «الإليزيه» الاثنين (أ.ف.ب)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال محادثاتهم في «الإليزيه» الاثنين (أ.ف.ب)
TT

أوكرانيا الطبق الرئيسي على طاولة الرئيس الصيني في فرنسا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال محادثاتهم في «الإليزيه» الاثنين (أ.ف.ب)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال محادثاتهم في «الإليزيه» الاثنين (أ.ف.ب)

كما كان مرتقبا، شكلت الحرب في أوكرانيا الطبق الرئيسي في محادثات الرئيس الصيني شي جينبينغ مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في الاجتماع الثلاثي ظهر الاثنين، ولاحقا، ثنائيا، بين الرئيسين الصيني والفرنسي. كذلك، فإن الرئيسين ناقشاها مجددا الثلاثاء خلال الشق غير البروتوكولي لزيارة جينبينغ الذي دار في منطقة جبال البيرينيه (البرانس عند العرب)، وتحديدا عند محطة التزلج «لا مونجي»، حيث دعا ماكرون ضيفه لغداء عائلي ضم زوجتيهما، رغبة منه في بناء علاقة شخصية مع الزعيم الصيني لعلها تساعده على التأثير على مقاربته للمسائل الخلافية بين الطرفين.

الرئيسان الفرنسي والصيني وزوجتاهما على مدخل قصر الإليزيه قبيل العشاء الرسمي على شرف جينبينغ ووفده (أ.ف.ب)

ولم يكن سرا أن ماكرون، كبقية الغربيين، يسعى منذ فترة طويلة لإحداث انعطافة في السياسة الصينية إزاء الحرب في أوكرانيا، وتحديدا دفع بكين للابتعاد عن روسيا التي تقدم لها الدعم الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والعسكري وإن كان بشكل غير مباشر. ومعلوم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيقوم بزيارة رسمية للصين قبل نهاية الشهر الحالي، الأمر الذي سيوفر فرصة لجينبينغ لإبلاغه الرسائل الغربية. وما زالت باريس ترى أن الرئيس الصيني هو الجهة الخارجية الوحيدة القادرة على التأثير على بوتين وبالتالي على مصير الحرب.

ماكرون وإشكالية السلع مزدوجة الاستعمال

وفي المؤتمر الصحافي المشترك، استعاد ماكرون الحجج الرئيسية المحذرة مما يجري في أوروبا عادا أن «العالم وصل إلى نقطة تحول تاريخية حيث التهديدات بلغت مستوى غير مسبوق تحمل بذور تفكك العالم». وعلى هذه الخلفية من عدم الاستقرار، يرى ماكرون أن «العلاقات بين الصين وفرنسا، بحكم عمقها التاريخي والاحترام المتبادل والثقة الراسخة، يمكن أن تلعب دوراً مفيداً يتجاوز العلاقة الثنائية، وبشكل أوسع، العلاقة بين أوروبا والصين واستقرار العالم».

وفق الرؤية الفرنسية، فإن الحرب في أوكرانيا لا تعني فقط أوروبا حيث تجري، بل إن «لها عواقب على هيكلية النظام الدولي الذي عرفناه منذ الحرب العالمية الثانية». وعمليا، ما يريده ماكرون من جينبينغ واضح، إذ قال: «نحن نرحب بالالتزامات التي تعهدت بها السلطات الصينية بالامتناع عن بيع أي أسلحة أو مساعدات لموسكو والرقابة الصارمة على تصدير السلع ذات الاستخدام المزدوج. لقد قلت لي هذا بوضوح شديد قبل أكثر من عام. وقد كررتم ذلك، وأعتقد أن المدة الزمنية ونوعية تبادلنا الآراء حول هذا الموضوع تبعثان على الارتياح».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ وبجانبهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبيل محادثاتهم في «الإليزيه» الاثنين (د.ب.أ)

لكن إشارة ماكرون إلى «التزامات» سابقة وتكرارها مجددا تشير إلى أن باريس ليست مقتنعة بأن بكين تعمل بها. من هنا، إشارته إلى الحاجة لحوار وثيق بين الطرفين «نظراً للمعلومات التي قد تكون لدينا عن هذا التحايل أو ذاك من قبل هذه الشركة أو تلك». وتفيد المصادر الفرنسية بأن الصين وإن لم تكن تصدر بشكل مباشر أسلحة إلى روسيا، إلا أنها تساعدها في مجهودها الحربي بشكل غير مباشر من خلال تزويدها بالمعدات والآلات التي تمكنها من تأهيل صناعتها الدفاعية وتمكينها من تلبية حاجات القوات المقاتلة بالأسلحة والذخائر. وتذهب هذه المصادر إلى حد اعتبار أنه من غير الدعم الصيني، فإن الوضع كان سيتغير ميدانيا.

ما يهم الغربيين عنوانه التشدد في منع الشركات الصينية من توريد ما يسمى «السلع مزدوجة الاستعمال» لروسيا. وفي هذا السياق، قالت فون دير لاين إن سياسة الصين إزاء الحرب الروسية على أوكرانيا تؤثر على العلاقات بين بكين وأوروبا «نظرا للطبيعة الوجودية للتهديدات الناجمة عنها لكل من أوكرانيا وأوروبا». وأضافت المسؤولة الأوروبية أن «هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود للحد من نقل البضائع ذات الاستخدام المزدوج إلى روسيا والتي تصل إلى ساحة المعركة»، مكررة أن الاتحاد الأوروبي يعول على الصين «لاستخدام كل نفوذها على روسيا لإنهاء الحرب العدوانية ضد أوكرانيا».

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والصيني شي جينبينغ في «الإليزيه» الاثنين (رويترز)

حتى اليوم، لم تنفع لا التهديدات الغربية ولا الإغراءات لحمل الصين على تغيير سياستها. وتؤكد بكين، منذ أكثر من عامين أنها تلزم الحياد في هذه الحرب. إلا أن تأكيداتها غير مقنعة. من هنا، فإن الرئيس الصيني اغتنم فرصة المؤتمر الصحافي ليرد عليها وقال ما حرفيته: «الصين لم تتسبب في هذه الأزمة. كما أنها ليست طرفاً أو مشاركاً فيها. لم نقف مكتوفي الأيدي. لقد لعبنا دائماً دوراً نشطاً من أجل تحقيق السلام. وقد بدأ الممثل الخاص للحكومة الصينية للشؤون الأوراسية (الدبلوماسي لي هوي) جولته الدبلوماسية المكوكية الثالثة. وفي الوقت نفسه، نحن نعارض استخدام هذه الأزمة لإلقاء اللوم على بلد ثالث (أي الصين) وتشويه صورته والتحريض على حرب باردة جديدة». وفي عبارته الأخيرة، يشير شي جينبينغ، وإن لم يسمه، إلى موضوع نقل السلاح إلى روسيا ويعد أن الغرب يستغله لابتزاز الصين. ويأخذ الغرب على بكين تقاربها مع موسكو في ما يبدو أنه تحالف لمواجهة الغرب وما يمثله من الليبرالية الديمقراطية.

«لا حل في أوكرانيا إلا عن طريق التفاوض»

صحيح أن بكين لم تنخرط كثيرا في الملف الأوكراني وأن الدعوات الغربية المتلاحقة لها لم تفعل فعلها حقيقة. إلا أنها طرحت العام الماضي «خريطة طريق» لوضع حد للحرب. إلا أن خطتها لاقت فتورا غربيا ورفضا أوكرانيا. ومع ذلك وبناء على إلحاح ماكرون وغيره من القادة الغربيين، قام شي جينبينغ باتصال هاتفي «يتيم» بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي فيما زار مبعوثه كييف. ويريد الغربيون من بكين المشاركة في مؤتمر السلام في أوكرانيا في سويسرا وبدعوة منها يومي 15 و16 يونيو (حزيران) في مدينة «لوسيرن» السويسرية. وجاء الرد المتحفظ على لسان الرئيس الصيني الذي شدد على أمرين: الأول، الحاجة إلى المفاوضات «لأن التاريخ أظهر مراراً وتكراراً، أنه لا يمكن حل النزاعات إلا من خلال التفاوض. وندعو الأطراف المعنية إلى استئناف الاتصال والحوار من أجل بناء الثقة المتبادلة تدريجياً».

وكلام شي يتضمن اتهاما للغرب بأنه يمنع الحوار بين موسكو وكييف بانتظار أن تميل كفة الميزان ميدانيا لصالح أوكرانيا بحيث تدخل المفاوضات من موقع قوة. والأمر الثاني يتمثل في تحفظات الزعيم الصيني على المؤتمر الموعود والذي يقترح البديل عنه، وذلك بقوله: «نحن نؤيد تنظيم مؤتمر سلام دولي في الوقت المناسب، يحظى باعتراف روسيا وأوكرانيا، ويجمع جميع الأطراف على قدم المساواة ويسمح بمناقشة عادلة لجميع خطط السلام. ونحن ندعم بناء هيكل أمني أوروبي متوازن وفعال ومستدام».

ومآخذ شي جينبينغ أن المؤتمر المرتقب يتم بطلب من أوكرانيا وهو بالتالي متحيز حكما لها. لذا تأتي مطالبته بمؤتمر يتم التوافق عليه بين الطرفين المتحاربين. وقد عمدت الحكومة السويسرية إلى دعوة 160 بلدا للمشاركة في المؤتمر. وتستبعد المصادر الفرنسية أن تنضم الصين إليه في غياب التمثيل الروسي. بيد أن ماكرون ما زال يسعى لتغير بكين موقفها.

الرئيس الصيني شي جينبينغ (أ.ب)

يبقى أن دعوات ماكرون لتحرك صيني تحل في وقت زادت خلاله التوترات بين باريس وموسكو. وآخر تجليات التوتر استدعاء السفير الفرنسي بيار ليفي (على غرار استدعاء السفير البريطاني) الاثنين إلى وزارة الخارجية الروسية للتنديد بـ«السياسة الاستفزازية» التي يثابر الرئيس ماكرون في الدعوة إليها لجهة عدم استبعاد إرسال قوات مقاتلة غربية إلى أوكرانيا شرط أن يتم ذلك بطلب من السلطات الأوكرانية وفي حالة اختراق القوات الروسية خطوط الدفاع الأوكرانية. وسبق لماكرون أن طرح فكرته هذه في شهر فبراير (شباط) الماضي وعاد إليها مؤخرا في حديث لمجلة «إيكونوميست» البريطانية وفي خطابه في جامعة السوربون الذي خصصه للدفاع الأوروبي.


مقالات ذات صلة

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

قال مصدر أوكراني لـ«رويترز»، الاثنين، إن إسرائيل تخاطر برد ​كييف دبلوماسياً وقضائياً إذا سمحت برسوّ سفينة تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا...

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.