القادة الأوروبيون اعتمدوا قرارات استثنائية لدعم كييف وتعزيز حماية أوروبا

فرنسا تقول إن أوكرانيا تحولت إلى خط الدفاع الأول للقارة... وبوريل يرى ما سيحدث الصيف المقبل «مفصلياً»

مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)
مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)
TT

القادة الأوروبيون اعتمدوا قرارات استثنائية لدعم كييف وتعزيز حماية أوروبا

مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)
مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)

قطعاً، تعد قمة الاتحاد الأوروبي التي امتدت يومين في بروكسل استثنائية بكل المقاييس لجهة القرارات التي اتخذتها، والمشاريع التي قررت استكشافها من أجل توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها ضد روسيا من جانب، ولتعزيز الدفاع الأوروبي من جانب آخر.

أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية تتوسط عدداً من قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

ولم يتردد مسؤولون عدة عن وصف القمة بأنها كانت أشبه بـ«مجلس حربي» وذلك على خلفية ازدياد المخاوف مما يجري ميدانياً على الأراضي الأوكرانية، وأن تتمكن القوات الروسية من إنزال الهزيمة بالجيش الأوكراني.

وما يزيد المشهد سوداوية، تواصل تخبط الإدارة الأميركية التي فشلت حتى اليوم في الحصول على تصويت مجلس النواب لصالح مشروع تقديم مساعدة كبيرة لأوكرانيا بقيمة 60 مليار دولار، والخوف من أن تفضي الانتخابات الرئاسية إلى عودة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مع ما يعنيه ذلك من الضبابية التي تحيط بالسياسة التي قد يسير على هديها إزاء أوكرانيا وروسيا. والخلاصة التي تحكم الأداء الأوروبي الجديد مردها الشعور بأن دعم أوكرانيا يقع على كاهله، ومن ثم عليه استخلاص النتائج المترتبة على ذلك.

إزاء ما سبق، يمكن فهم التحذيرات التي صدرت عن القادة الأوروبيين قبل القمة وخلالها؛ فرئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، نبه بأن التقصير «في توفير المساعدات الكافية لأوكرانيا من أجل وقف التقدم الروسي يعني أننا سنكون الهدف اللاحق»، وهو ما كان قد حذر منه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي رأى أنه «إذا تركنا أوكرانيا تخسر هذه الحرب، فعندها روسيا ستهدد وبشكل قاطع مولدوفا ورومانيا وبولندا».

ماكرون السباق في المطالبة بـ«الاستقلالية الاستراتيجية» (إ.ب.أ)

كذلك، فإن مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل الذي رأى ما سيحدث الصيف المقبل «سيكون مفصلياً»، وأن أوروبا «ستكون في خطر». ولخص رئيس الوزراء الفنلندي بيتري أربو الموقف بقوله إن أجواء القادة الأوروبيين «تبدلت حيث إن مزيداً من الدول الأعضاء ترى أن التهديد الروسي يتناول كل أوروبا». وأوجز مصدر فرنسي الوضع بقوله إن أوكرانيا اليوم «تحولت إلى خط الدفاع الأول عن أوروبا، ومساعدتها على الوقوف بوجه الجيش الروسي تعني حماية أوروبا».

الرئيس الفرنسي مع رئيس الوزراء المجري في قمة بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

الارتقاء إلى مستوى التحدي

لأن الوضع بهذه الخطورة، فقد سعى القادة الأوروبيون إلى أن يرتقوا إلى مستوى التحدي في القرارات التي اعتمدوها والهادفة لتوفير الدعم العسكري لأوكرانيا. فحتى اليوم، قدم الأوروبيون ما قيمته الإجمالية 31 مليار يورو لتسليحها مقرونة بوعود لمدها بعشرين مليار يورو إضافية حتى نهاية العام الحالي.

وسبق لهم أن أقروا بداية فبراير (شباط) تزويدها بـ50 مليار يورو على شكل مساعدات اقتصادية لسنوات 2024 ــ 2027. لكن يبدو أن هذه الأموال غير كافية مقارنة بما تكرسه روسيا لمجهودها الحربي البالغ 15 مليار يورو في الشهر، وهو ما يساوي 3 أضعاف ما تكرسه كييف.

من هنا، تأتي موافقة القادة الـ27 على المقترح الذي قدمته أورسولا فون دير لاين القاضي باستخدام عائدات الأصول الروسية المجمدة في أوروبا ومنها 190 مليار لدى مؤسسة «يوروكلير» لتبادل الأوراق المالية.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عقب مؤتمر صحافي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وبشكل عام، فإن العائدات يمكن أن تبلغ 3 مليارات يورو في العام، 90 في المائة منها سيذهب لتسديد قيمة الأسلحة الأوروبية المعطاة لأوكرانيا، و10 في المائة لتعزيز صناعتها الدفاعية. وعملياً، فإن الأصول الروسية ستكون الممول لأسلحة أوكرانيا بعد أن اتُّفق سابقاً على تخصيصها لإعادة إعمار ما تهدم فيها بسب بالحرب. ووعدت فون دير لاين تحويل أول مليار يورو لكييف بداية يوليو (تموز) المقبل.

جوزيب بوريل لدى وصوله إلى بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

وقبل ذلك يتعين الانتهاء من الترتيبات القانونية لتنفيذ القرار الذي احتجت عليه موسكو بقوة. وقبل ذلك ببضعة أيام، اتفق الأوروبيون على ضخ مبلغ 5 مليارات يورو إضافية لـ«مرفق السلام الأوروبي» المخصص هو أيضاً لمشتريات السلاح. ووفق مسؤولي الاتحاد، فإن خطتهم سليمة من الناحية القانونية؛ لأن الأرباح التي تحصل عليها الشركات المالية ليست مملوكة من روسيا. لكن يبدو أن الأوروبيين لن يتوقفوا عند هذا الحد؛ إذ اقترح رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر در كرو اللجوء إلى استخدام الهندسة المالية لزيادة الأرباح من الأصول السيادية الروسية المجمدة بهدف توليد مستوى أعلى كثيراً من التمويل لأوكرانيا. وخلال العام الماضي، حققت الأصول الروسية أرباحاً وصلت إلى 4.4 مليار يورو.

في بيان الـ27 الخاص بأوكرانيا، كانت لافتة العبارة التي وردت في البيان هي أنهم «ملتزمون بدعم أوكرانيا بالكثافة الضرورية ولطيلة الفترة الزمنية التي تحتاج إليها»؛ لذا من هذا المنطلق يمكن فهم المقترح الذي قدمته فون دير لاين والداعي إلى فرض رسوم مرتفعة على واردات الحبوب الروسية إلى الاتحاد الأوروبي التي تقلصت في العامين الأخيرين، وتراجعت العام الماضي إلى 15.3 مليون طن من الحبوب بقيمة 437.5 مليون يورو، وهي مستويات أقل بـ10 مرات على الأقل من الكميات المستوردة من أوكرانيا والتي تمثل حصة ضئيلة من استهلاك الاتحاد الأوروبي.

وقالت رئيسة المفوضية، في مؤتمر صحافي: «لقد أعددنا اقتراحا يهدف إلى زيادة التعريفات الجمركية على واردات الحبوب والبذور الزيتية والمنتجات ذات الصلة، الروسية منها والبيلاروسية. هذا سيمنع الحبوب الروسية من زعزعة استقرار السوق الأوروبية لهذه المنتجات». كما أن الإجراء «سيحرم روسيا من عائدات هذه الصادرات، وسيضمن عدم دخول الصادرات غير القانونية من الحبوب الأوكرانية التي سرقتها روسيا إلى سوق الاتحاد الأوروبي».

شارل ميشال وفون دير لاين يتحدثان معاً للصحافة الجمعة في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (إ.ب.أ)

وحتى يصبح المقترح قابلاً للتطبيق، لا بد من التصديق عليه من جانب غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء، أي ما لا يقل عن 15 دولة تمثل 65 في المائة من سكان الاتحاد الأوروبي. وتعد تشيكيا وبولندا ودول البلطيق الثلاث رأس الحربة الداعية لفرض حظر كامل على واردات الحبوب من روسيا وبيلاروسيا.

تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية

لا يرى الأوروبيون أن الدعم المتواصل لأوكرانيا لا يمكن أن يتحقق من غير تعزيز استراتيجيتهم الدفاعية وعلى رأسها الارتقاء بصناعاتهم العسكرية. ويعترف الاختصاصيون أن الطريق لتحقيق هذا الهدف طويلة وشاقة، إلا أنهم رفعوا جميعاً من مستوى جهودهم الدفاعية في العامين المنصرمين حيث بلغت، وفق فون دير لاين، 100 مليار يورو.

وبداية الشهر الحالي، اقترحت رئيسة المفوضية تخصيص مبلغ 1.5 مليار يورو للمشاريع الصناعية الدفاعية. لكن يبدو اليوم، أن الحاجة أكبر من ذلك كثيراً. من هنا تركز البحث على وسيلتين رئيسيتين: الأولى، إشراك بنك الاستثمار الأوروبي ومقره في لوكسمبورغ، والذي يعد أكبر مؤسسة تمويل متعددة الأطراف في العالم، في تمويل المشاريع الدفاعية المشتركة. وحتى اليوم، لم تكن النصوص المؤسسة للبنك المذكور إقراض أموال تستخدم لتمويل منظومات الأسلحة. وجل ما تتيحه قروض لتمويل منظومات مزدوجة الاستعمال (مدني وعسكري).

والمطلوب اليوم من البنك رفع القيود حتى يغرف منه الأوروبيون لدفع صناعاتهم الدفاعية إلى الأمام. وفي بيانهم المشترك، طلب القادة الـ27 من البنك أن «يعدل سياسة القروض لتشمل الصناعات الدفاعية». وقال رئيس المجلس الأوروبي: «قطعاً، نحن نعي تماماً أننا بحاجة لمصادر تمويلية للصناعات الدفاعية» وأن القادة الأوروبيين طلبوا من المفوضية «استكشاف كل الخيارات» التي من شأنها إتاحة الارتقاء بالقدرات التمويلية.

شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي متحدثاً للصحافة الخميس بمناسبة القمة الأوروبية (إ.ب.أ)

ويفترض أن ترفع المفوضية تقريراً بهذا الشأن في يونيو (حزيران) المقبل. وسبق لـ فون دير لاين أن أعربت عن دعمها هذا التوجه. كذلك، فإن فرنسا و13 دولة أوروبية بينها ألمانيا وإيطاليا، تدفع باتجاه توسيع نطاق تفويض البنك ليشمل الصناعات الدفاعية.

تبقى الوسيلة الثانية وعنوانها الاقتراض الجماعي الأوروبي من الأسواق الدولية على غرار ما حدث إبان جائحة «كوفيد ــ 19». والبادرة جاءت من رئيسة وزراء إستونيا كاجا كالاس التي اقترحت استدانة 100 مليار يورو.

ولاقت المبادرة دعماً سريعاً من باريس ووارسو. وبالتوازي، بعث وزراء خارجية فرنسا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا والبرتغال ورومانيا برسالة مشتركة إلى بوريل جاء فيها: «بمواجهة (كوفيد ــ 19)، سعينا متضامنين، ونجحنا في توفير وسائل مالية غير مسبوقة. وبمواجهة العدوان الروسي، فإننا سندخل التاريخ» في حال النجاح في مسعى الاستدانة الجماعية. وينقسم الأوروبيون إلى قسمين: الدافعين بشدة من جهة والمترددين من جهة أخرى. وكما في عام 2020، فإن دول الشمال تفرمل الاندفاعة بينما دول الجنوب الأوروبي متحمسة بشكل عام، وهو حال إيطاليا وإسبانيا واليونان... ويبرز، في هذا السياق، دور ألمانيا المؤثر الذي يحظى بدعم هولندا والدنمارك... وغيرهما. لكن المعلومات الواردة من بروكسل تفيد بأن المواقف متحركة والمرجح أن تتوصل العواصم الأوروبية إلى تفاهم في الأسابيع المقبلة.


مقالات ذات صلة

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

استُدعي السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، صباح الثلاثاء، بعد وصول شحنة إلى ميناء حيفا محملة، بحسب كييف، بحبوب أوكرانية «مسروقة» من قبل روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.