ماكرون لا يستبعد إرسال قوات غربية إلى أوكرانيا... ويثير جدلاً

كييف ترحب وموسكو تحذر من «حتمية» الصراع المباشر مع «الأطلسي»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال افتتاحه الاجتماع في باريس أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال افتتاحه الاجتماع في باريس أمس (رويترز)
TT

ماكرون لا يستبعد إرسال قوات غربية إلى أوكرانيا... ويثير جدلاً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال افتتاحه الاجتماع في باريس أمس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال افتتاحه الاجتماع في باريس أمس (رويترز)

حتى وقت قريب، كان من «المحرمات» التفكير في إرسال قوات أوروبية للقتال إلى جانب القوات الأوكرانية. والسبب في ذلك أن الغربيين كانوا حريصين على تجنب الانخراط مباشرة في الحرب الدائرة رحاها منذ عامين في أوكرانيا حتى لا يعدوا «مشاركين» فيها، رغم وقوفهم إلى جانب أوكرانيا وتزويد قواتها بالسلاح والعتاد والمعلومات الاستخبارية والخبراء والتدريب فضلا عن كل أنواع الدعم الأخرى، أكانت سياسية ودبلوماسية أو اقتصادية ومالية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث في ختام المؤتمر الدولي لدعم أوكرانيا (إ.ب.أ)

الأهم من ذلك أنهم حرصوا على حرمان روسيا من ذريعة لتوسيع نطاق الحرب التي كان يمكن أن تتطور لتصبح حربا بينها وبين الحلف الأطلسي. والحال أن هذه «المحرمة» قد تكون على وشك السقوط بالنظر إلى ما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ختام الاجتماع رفيع المستوى الذي التأم مساء وليل الاثنين في العاصمة الفرنسية، والذي ضم 27 دولة، وحضره 21 رئيس دولة وحكومة. وقد تمثلت الولايات المتحدة بمساعدة وزير خارجيتها فيما مثل بريطانيا وزير خارجيتها ديفيد كاميرون.

هزيمة روسيا

ينطلق ماكرون من مسلمة أساسية عبر عنها بقوله: «نحن مقتنعون بأن هزيمة روسيا ضرورية للأمن والاستقرار في أوروبا». ولأجل بلوغ هذا الهدف فإنه «لا ينبغي استبعاد أي شيء. سنفعل كل ما يلزم لضمان عدم تمكن روسيا من الفوز في هذه الحرب» بما في ذلك إرسال قوات برية إلى أوكرانيا. بيد أنه استدرك قائلا: «ليس هناك إجماع اليوم من أجل إرسال قوات إلى أوكرانيا بشكل رسمي وتحمل تبعات ذلك. إلا أن هناك دينامية، ولا يتعين علينا استبعاد أي شيء. كل شيء ممكن إذا كان مفيدا من أجل تحقيق هذا الهدف».

الرئيسان الفرنسي والأوكراني يتصافحان بحرارة في 16 فبراير الحالي بمناسبة التوقيع على اتفاقية أمنية طويلة المدى بين البلدين (أ.ب)

وإذ كشف أن مقترح إرسال قوات غربية إلى أوكرانيا كان موضع نقاش، حرص على تأكيد أنه «لم يقل أبدا أن فرنسا لا توافق على ذلك». لكنه عندما سئل مرة ثانية في المؤتمر الصحافي حول تفاصيل الموقف الفرنسي، احتمى وراء الحاجة للبقاء داخل إطار «الغموض الاستراتيجي». وقال ما حرفيته: «لن أتخلى عن الغموض بخصوص النقاشات التي حصلت هذا المساء ولن أذكر أسماء، وما أريد قوله أن هذه المسألة طرحت من جملة الخيارات» المتاحة.

وخلاصته: «لا شيء يجب أن يكون مستبعدا من أجل تحقيق هدفنا، وهو أن روسيا يجب ألا ولا تستطيع أن تربح هذه الحرب». وعاد الرئيس الفرنسي سنتين إلى الوراء للتذكير بأن كثيرين من القادة الغربيين كانوا يرفضون تزويد كييف بالدبابات والطائرات والصواريخ بعيدة المدى. إلا أنهم غيروا مواقفهم لاحقا، ملمحا إلى أن من يرفض نشر قوات غربية في أوكرانيا اليوم سيقبل غدا. لكن ما لم يشر إليه أن فرنسا كانت من أكثر الدول ترددا في إرسال أسلحتها إلى أوكرانيا وكانت تنهج خطا قريبا جدا من ألمانيا.

لتبرير موقفه، كشف ماكرون أن المجتمعين توافقوا على السير قدما في خمس نقاط رئيسية: الدفاع السيبراني لمواجهة الهجمات الروسية السيبرانية، الإنتاج المشترك لمنظومات السلاح والذخيرة في أوكرانيا نفسها، الدفاع عن الدول المهددة بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، في إشارة إلى مولدافيا التي ليست عضوا في الحلف الأطلسي، وتوفير الدعم لأوكرانيا عند حدودها المشتركة مع بيلاروسيا ولكن من غير قوات عسكرية.

وأخيرا تكثيف عمليات نزع الألغام التي تركتها القوات الروسية وراءها. وبحسب الرئيس الفرنسي، فإن العمل بهذه النقاط «يفترض عدم استبعاد نشر مجموعات من العناصر (العسكرية) لتوفير الحماية لها». وصباح الثلاثاء، قال غبريال أتال، رئيس الحكومة الفرنسية في حديث إذاعي: «لا يمكن استبعاد أي شيء بالنسبة لحرب تدور في قلب أوروبا».

جدل في الداخل

لم يخف الرئيس الفرنسي وجود انقسامات داخل صفوف الغربيين بالنسبة لإرسال قوات إلى أوكرانيا. لكن الانقسامات موجودة داخل فرنسا نفسها. فقد سارع جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد إلى مهاجمة ماكرون الذي وصف تصريحات الأخير بأنها «غير مسؤولة» وكتب في تغريدة على منصة «إكس» (تويتر سابقا): «إن إرسال قوات إلى أوكرانيا سيجعل منا مشاركين في الحرب، وهو بمثابة جنون، والتصعيد البلاغي العدواني من جانب دولة تتمتع بالقوة النووية ضد دولة نووية رئيسية يعد عملا غير مسؤول».

زيلينسكي يتوسط ضيوفه في كييف بمناسبة الذكرى الثانية للحرب (إ.ب.أ)

وأضاف ميلونشون أنه «يتعين على البرلمان أن يرفض (وأن يقول) لا للحرب، فقد حان الوقت للتفاوض حول السلام في أوكرانيا مع توفير ضمانات أمنية متبادلة». كذلك كتب الأمين العام للحزب الاشتراكي أوليفيه فور على المنصة نفسها للتنديد بـ«الخفة الرئاسية مبعث القلق». وإذ أعرب فور عن تأييده لدعم أوكرانيا، إلا أن «الدخول في حرب ضد روسيا وجر القارة (الأوروبية) وراءنا محض جنون». وبدورها لم تتأخر مارين لوبن، المرشحة الرئاسية السابقة وزعيمة حزب «التجمع الوطني» عن اتهام ماكرون بأنه «يريد أن يلعب دور القائد الحربي ولكن حياة أطفالنا هي التي يتحدث عنها بلا مبالاة. إنه السلام أو الحرب في بلادنا على المحك»، متسائلة عما إذا كان الجميع «يعون خطورة تصريحات» الرئيس الفرنسي. وفي السياق عينه، هاجم جوردان بارديلا، رئيس الحزب المذكور ماكرون، متهما إياه بأنه «يفقد رباطة جأشه» ومؤكدا أن دور فرنسا هو أن «تجسد التوازن» فيما «التهديد بإرسال قواتنا في مواجهة قوة نووية عمل خطير ومتهور».

رفض في الخارج وتهديد روسي

الانقسام الداخلي في فرنسا يوازيه انقسام خارجها. فقد أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك، بمناسبة اجتماع مع نظيره التشيكي بيتر فيالا، في براغ الثلاثاء، أن بلاده «لا تنوي نشر قواتها على التراب الأوكراني»، داعيا إلى «الامتناع عن التكهنات اليوم بشأن الظروف التي يمكن أن تقود إلى الإقدام على خطة كهذه». ومن جانبه قال فيالا: «أنا مقتنع بأن علينا الاستمرار في تطوير سبل الدعم (لأوكرانيا) منذ العدوان الروسي وأن لا حاجة لاستبدالها».

كما سارع وزير خارجية المجر إلى التأكيد أن بلاده «لا تخطط لإرسال أسلحة أو قوات إلى أوكرانيا». ومعروف أن سلوفاكيا تسير على النهج نفسه. غير أن الأهم من ذلك كله ما نقلته «رويترز» عن مصدر في البيت الأبيض ومفاده أنه لا الولايات المتحدة ولا الحلف الأطلسي ينويان إرسال قوات إلى أوكرانيا. وفي السياق نفسه، قال أولف كريسترسون، رئيس الوزراء السويدي الذي ستصبح بلاده قريبا جدا عضوا في الحلف المذكور، إن موضوع إرسال قوات إلى أوكرانيا «غير مطروح راهنا» وإن كييف «لا تطلب ذلك».

وبالفعل، فإن ميخايلو بودولياك، أحد مستشاري الرئيس الأوكراني، لم يأت على ذكر هذا الطلب، مكتفيا بالقول «إنه أولاً وقبل كل شيء، هذا يدل على وعي مطلق بالمخاطر التي تشكلها روسيا العسكرية والعدوانية على أوروبا».

بيد أن التحذير الأكبر جاء بطبيعة الحال من روسيا نفسها. إذ حذر الكرملين الثلاثاء من أن الصراع بين روسيا وحلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة سيصبح حتميا إذا أرسلت الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف قوات للقتال في أوكرانيا. وردا على سؤال عن تصريحات ماكرون، قال دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين للصحافيين: «حقيقة مناقشة مدى إمكانية إرسال وحدات معينة من دول حلف شمال الأطلسي إلى أوكرانيا هي عنصر جديد مهم جدا». كما قال ردا على سؤال عن مخاطر نشوب صراع مباشر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي إذا أرسل أعضاء في الحلف قوات للقتال في أوكرانيا: «في هذه الحالة، لن نحتاج للحديث عن احتمال، وإنما عن حتمية (الصراع المباشر)».

وأعلن بيسكوف أن خطوة كهذه «لن تكون مطلقا في مصلحة هذه البلدان التي عليها أن تكون واعية لهذا الأمر». وأضاف: «نحن على علم تماما بمواقف ماكرون الذي يسعى لإنزال هزيمة استراتيجية بروسيا»، ملوحا بأن خطوة كهذه ستعني «بلا شك نزاعا {بين روسيا} والغرب».

وواضح أن ماكرون فتح بابا لجدل لن يغلق قريبا. وواضح أيضا أن ألمانيا ترفض السير فيه. والدليل على ذلك أن المستشار أولاف شولتس رفض الاثنين بشكل قاطع تزويد أوكرانيا بصواريخ «توروس» بالغة الدقة وبعيدة المدى، بعكس ما فعلته بريطانيا وفرنسا، متخوفا من أن تكون ألمانيا «منغمسة بشكل ما في الحرب»، ما يدل على أن برلين بعيدة لسنوات ضوئية عما يطرحه ماكرون. كذلك، فإن خطوة كالتي يطرحها ماكرون لا يمكن أن تحصل من غير ضوء أميركي وتوافق داخل الحلف الأطلسي. ولذا، لم يكن مستغربا أن تثير طروحاته هذا الجدل بسبب خطورة تبعاتها وما يمكن أن تفضي إليه من نزاع بين قوى نووية.

المستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد توقيع الاتفاق الأمني (أ.ف.ب)

وأكد شولتس الثلاثاء أنه لن يتم إرسال «أي جندي» إلى أوكرانيا من الدول الأوروبية أو الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي. وقال خلال مؤتمر صحافي: «ما تم الاتفاق عليه منذ البداية ينطبق أيضا على المستقبل، وهو أنه لن تكون هناك قوات على الأراضي الأوكرانية مرسلة من الدول الأوروبية أو دول الناتو».

لا تختصر إشكالية إرسال القوة ما تم في اجتماع باريس الذي خلص إلى قرارات عملية منها إقامة تحالف جديد لتزويد أوكرانيا بـ«صواريخ وقنابل متوسطة وطويلة المدى لتنفيذ ضربات عميقة».

وقال ماكرون إن هناك «إجماعا واسعا على بذل المزيد بشكل أسرع»، مضيفا أن هناك إجماعا أيضا على زيادة الإنتاج المشترك للأسلحة مع أوكرانيا وتعزيز صناعتها العسكرية وتعزيز الدعم المالي لأوكرانيا. والتحالف الجديد ينضم إلى التحالفات الثمانية الموجودة والتي تندرج كلها في إطار «مجموعة رمشتاين» للدول الداعمة لكييف. وبحسب ماكرون، فإن مشكلة توفير قذائف المدفعية لأوكرانيا مرتبطة بعدم توافر البارود بكميات كافية.

كذلك برز توافق حول ما طرحته تشيكيا لجهة التوجه نحو الخارج لتوفير الذخائر وقذائف المدفعية، باعتبار أن الصناعات العسكرية الأوروبية لم تكن قادرة على الوفاء بتعهداتها لتزويد أوكرانيا بمليون قذيفة مدفعية بحلول شهر مارس (آذار). كذلك حصل نقاش بشأن اقتراح يقضي باستنساخ ما قام به الأوروبيون زمن وباء كوفيد بالقيام بمشتريات مشتركة من اللقاحات بتمويل أوروبي مشترك من خلال إصدار سندات أوروبية. وحتى لا تبقى التفاهمات مجرد وعود، فقد تم الاتفاق على أن يعمد وزيرا الدفاع والخارجية الفرنسيان إلى التواصل مع زملائهما في الدول التي حضرت الاجتماع من أجل التوصل إلى خلاصات عملية بشأن العمل على تنفيذ ما تقرر خلال عشرة أيام.


مقالات ذات صلة

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

قال مصدر أوكراني لـ«رويترز»، الاثنين، إن إسرائيل تخاطر برد ​كييف دبلوماسياً وقضائياً إذا سمحت برسوّ سفينة تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا...

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.