أزمة المزارعين في فرنسا تضغط على الحكومة وتتجه إلى مزيد من التصعيد

أكدوا عزمهم على فرض الحصار الغذائي على باريس بدءاً من الاثنين

رئيس الحكومة غابريال أتال يتحدث مع مواطنة في بدلة لاريش القريبة من مدينة تور الأحد سعياً لتهدئة غضب المزارعين (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة غابريال أتال يتحدث مع مواطنة في بدلة لاريش القريبة من مدينة تور الأحد سعياً لتهدئة غضب المزارعين (أ.ف.ب)
TT

أزمة المزارعين في فرنسا تضغط على الحكومة وتتجه إلى مزيد من التصعيد

رئيس الحكومة غابريال أتال يتحدث مع مواطنة في بدلة لاريش القريبة من مدينة تور الأحد سعياً لتهدئة غضب المزارعين (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة غابريال أتال يتحدث مع مواطنة في بدلة لاريش القريبة من مدينة تور الأحد سعياً لتهدئة غضب المزارعين (أ.ف.ب)

من الهند، مروراً بباريس إلى السويد: لم يتوقف الرئيس الفرنسي سوى لفترة قصيرة في باريس لينطلق بعدها إلى السويد، في زيارة دولة ليومين، هي الأعلى بين الزيارات الرسمية.

وفي الهند كان إيمانويل ماكرون «ضيف الشرف» الوحيد في احتفالات «يوم الجمهورية الهندي» التي تخللها اجتماعان مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي، تناولت توثيق وتعزيز العلاقات الاستراتيجية متنوعة الأشكال والقطاعات بين البلدين.

وفيما كان ماكرون يشارك في الاحتفالات، ويتنقل بين قصور الراجستان ونيودلهي، ويزور المعالم الأثرية، ويلتقي الشباب والفنانين والمثقفين، كان غابريال أتال، رئيس الحكومة الشاب الذي وصل إلى منصبه الجديد منذ ثلاثة أسابيع، يواجه أزمة اجتماعية - اقتصادية حادة، عنوانها حراك المزارعين الذين أغلقوا كثيراً من الطرقات بجراراتهم وآلياتهم الزراعية، ونزلوا إلى الساحات، ولم يترددوا في فرش مداخل مقرات المحافظات بالمهملات والقش، وها هم يهددون بفرض الحصار المحكم على العاصمة، بدءاً من الاثنين، ومنع وصول أي شحنة غذائية لداخلها.

«حصار» باريس

الأزمة المستجدة فاجأت أتال الذي ليس له أي صلة سابقة بالقطاع الزراعي. ولم يكف إعلانه عن جملة من التدابير، عشية يوم الجمعة من إحدى المزارع في جنوب غربي فرنسا، وإلى جانبه وزيرا الزراعة والبيئة لتهدئة غضب المزارعين.

جرارات تسير ببطء خلال مظاهرة للمزارعين الفرنسيين على الطريق السريعة في 28 يناير (أ.ف.ب)

ومشكلة أتال أن الحراك الراهن، إذا تواصل، سيغطي على الخطاب الذي سيلقيه يوم الاثنين في البرلمان ليعرض السياسة التي ينوي السير بها؛ بما في ذلك التدابير الإضافية الخاصة بالقطاع الزراعي.

ودعت النقابتان الرئيسيتان، وهما الفيدرالية الوطنية لنقابات المزارعين ونقابة المزارعين الشباب في بيان، أعضاءهما إلى التعبئة في المحافظات المحيطة بالعاصمة من أجل سد الطرقات، والتركيز على الطرقات السريعة المفضية إلى باريس.

وقال ماكسيم بويزار، المسؤول عن نقابة المزارعين الشباب، للقناة الإخبارية «بي إف إم» إن ما يريدونه هو «منع وصول أي شاحنة لتزويد باريس بالمواد الغذائية، وإنهم مستعدون، إذا دعت الحاجة، إلى الصمود لأطول وقت ممكن ليشعر الباريسيون بنقص المواد الغذائية، ولإفهامهم أنهم بحاجة إلى المزارعين حتى يعيشوا».

وحذّر أرنو روسو، رئيس الفيدرالية الوطنية، في حديث للقناة الثانية للتلفزيون، الجمعة، من أن التدابير التي أعلن عنها أتال «لن تهدئ غضب المزارعين، لذا يتعين الذهاب أبعد من ذلك». وقالت لوسي دلبار، المسؤولة عن النقابة في شمال فرنسا إن الدولة «تسخر من المزارعين، ونرى جيداً أن الوضع قابل للانفجار». وبالنظر لما يخطط له المزارعون، فإن تأكيد أتال أن الدولة «لن تتخلى» عنهم ذهب أدراج الرياح.

تقليد مستمر

حقيقة الأمر أنها ليست المرة الأولى التي يُعبّر فيها المزارعون عن غضبهم. فكُل العهود الرئاسية عانت من حراكهم. واللافت أن المزارعين «يخيفون» الدولة بسبب قدرتهم على الإزعاج، وإغلاق الطرقات، والضغط على السكان. والدليل على ذلك أن وزير الداخلية أرسل تعليماته إلى المحافظين ومسؤولي الأمن يدعوهم فيها إلى التعاطي بـ«ليونة» مع المزارعين، والامتناع عن اللجوء إلى القوة، إلا في حالات الضرورة القصوى.

وإذا كان الحراك الراهن معروف الأسباب، وقد رفع المزارعون 120 مطلباً للحكومة تدور حول ثلاثة محاور رئيسية، فإن القطاع الزراعي يعاني من صعوبات «بنيوية» لن تتغلب عليها التدابير التي أعلن عنها أتال الجمعة. فقد سارع رئيس الحكومة إلى الإعلان عن إلغاء الزيادة في الرسوم المفروضة على الديزل الزراعي، وتقديم الدولة مبلغ 215 مليون يورو لتخفيف عبء المحروقات عن المزارعين بالتوازي مع مساعدات طارئة من 50 مليون يورو لمربي الأبقار، والمبلغ نفسه للمتضررين من العواصف غرب البلاد.

ماكرون لدى زيارته موقع مسجد نهاد الدين في نيودلهي بمناسبة زيارته للهند في 26 يناير (أ.ف.ب)

كما وعد أتال بتيسير الإجراءات الإدارية، معلناً «عشرة تدابير تبسيطية فورية». وأشار خصوصا إلى «تنظيف مجاري المياه الزراعية»، و«مهل الاستئناف ضد المشاريع الزراعية».

وعلى المستوى الخارجي، أكد أتال أن باريس «تعارض التوقيع» على الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي ودول أميركا اللاتينية الأعضاء في ميركوسور (البرازيل، والأرجنتين، وباراغواي، وأوروغواي)، بحجة وجود منافسة «غير شريفة» بين مزارعي هذه الدول والمزارعين الفرنسيين. وعدّ أن الدول المذكورة لا تُخضِع مزارعيها للقيود والمعايير نفسها التي يخضع لها المزارعون الفرنسيون، لجهة استخدام المبيدات أو القواعد البيئوية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.

وحثّ رئيس الحكومة على التطبيق السليم للقوانين الفرنسية التي تهدف إلى حماية دخل المزارعين في سياق المفاوضات مع المصنعين والمتاجر الكبرى، وقال إن الحكومة ستفرض «في الأيام المقبلة عقوبات صارمة» على ثلاث شركات لا تحترم هذه القوانين، ووعد أيضاً بتعزيز المراقبة.

أزمة بنيوية

الثابت اليوم أن القطاع الزراعي في فرنسا يعاني، كما في كثير من الدول الأوروبية مثل ألمانيا وبولندا. وفي فرنسا، يشكو المزارعون، والصغار منهم على وجه الخصوص، من تراكم مديونياتهم، وتراجع دخلهم، وانعدام الثقة بالدولة، ومن أوروبا، ومن الفاعلين في قطاع الصناعات الغذائية ومن الوسطاء التجاريين الذين يحصلون على أكبر نسب من الأرباح.

مسيرة بيضاء يوم 27 يناير تعاطفاً مع قتيلتين سقطتا على حاجز زراعي احتجاجاً على الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمزارعين (أ.ف.ب)

ومنذ جائحة «كوفيد - 19»، دأب الرئيس الفرنسي على التركيز على أهمية القطاع الزراعي من أجل توفير ما يسميه «السيادة الغذائية» و«الأمن الزراعي». والحال أن هذا القطاع يتراجع، والدليل على ذلك أن فرنسا كانت تحتل، قبل عشرين عاماً، المرتبة الثانية عالمياً في الصادرات الزراعية، وهي تراجعت إلى المرتبة الخامسة؛ وفق تقرير صادر عن مجلس الشيوخ قبل عام ونصف العام.

وفي عام 2022، بلغت واردات البلاد الزراعية 63 مليار يورو. فرنسا تستورد مثلاً نصف استهلاكها من الدجاج، وأكثر من النصف من لحوم الأبقار، والأكثر إثارة أنها تشتري 71 في المائة من الثمار المستهلكة. والسبب في ذلك أن المنتجات الفرنسية أغلى سعراً من المنتجات المستوردة مثلا من إسبانيا أو إيطاليا أو الأرجنتين. والمفارقة أن تراجع عائدات المزارعين تتزامن مع ارتفاع غير مسبوق في أسعار المنتجات الغذائية والزراعية، ما ينعكس سلباً على القطاع الزراعي بطبيعة الحال، وخصوصاً على «الزراعة العضوية». وما فاقم الأزمة التضخم وبقاء المرتبات، بشكل عام، على الحال نفسها ما أصاب القدرات الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع الفرنسي، وانعكس مباشرة على القطاع الزراعي.

يرى المراقبون أن الأزمة الراهنة ستكون لها انعكاساتها على الحكومة. فالرئيس ماكرون راهن على تعيين أتال رئيساً للحكومة من أجل توفير دعم سياسي لولايته الثانية، ولمواجهة حزب «التجمع الوطني» في الانتخابات الأوروبية المقبلة. والحال أن حراك المزارعين في الأيام الماضية «كسف» هذا التعيين. وإذا لم ينجح الأخير في احتواء الأزمة الحادة في الأيام القليلة المقبلة، وقبل «المعرض الزراعي» السنوي الذي يلتئم كل عام نهاية شهر فبراير (شباط)، فإن الأمور ستسير من سيئ إلى أسوأ، وستكون لها مضاعفات اجتماعية وسياسية مؤكدة.



فرنسا تكثر من الشروط قبل الإقدام على الاعتراف بالدولة الفلسطينية

الرئيس محمود عباس والرئيس الفرنسي خلال مؤتمر صحافي في باريس صيف 2022 (وفا)
الرئيس محمود عباس والرئيس الفرنسي خلال مؤتمر صحافي في باريس صيف 2022 (وفا)
TT

فرنسا تكثر من الشروط قبل الإقدام على الاعتراف بالدولة الفلسطينية

الرئيس محمود عباس والرئيس الفرنسي خلال مؤتمر صحافي في باريس صيف 2022 (وفا)
الرئيس محمود عباس والرئيس الفرنسي خلال مؤتمر صحافي في باريس صيف 2022 (وفا)

في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، كان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في زيارة رسمية لفرنسا. وكان الرئيس إيمانويل ماكرون في العام الأول من ولايته الرئاسية الأولى. وفي المؤتمر المشترك، سُئل ماكرون عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وجاء رده: «هل الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية سيكون مؤثراً؟ لا أعتقد ذلك، وسيُفهم على أنه ردة فعل على القرار الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل الذي أحدث صدمة في العالم العربي وأبعد منه». وأضاف ماكرون: «لن أرتكب خطأ مماثلاً، وفرنسا لن تبني قراراتها على ردود فعل».

بعد سبع سنوات، ما زال ماكرون متردداً في الإقدام على هذه الخطوة رغم الضغوط التي يتعرض لها داخلياً وخارجياً وخصوصاً مع اعتراف دولتين من داخل الاتحاد «إسبانيا وآيرلندا» ودولة أوروبية ثالثة من خارجه «النرويج» بالدولة الفلسطينية، يضاف إليها السويد التي سبقت الآخرين في عام 2014. واليوم هناك 11 دولة أوروبية تعترف بالدولة الفلسطينية، فيما سلوفينيا ومالطا تتأهبان لذلك.

مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتحدث الأربعاء في مؤتمر بروكسل باتجاه موقف أوروبي موحد من الاعتراف بالدولة الفلسطينية (إ.ب.أ)

أما الدول المترددة، فأهمها، إلى جانب فرنسا: ألمانيا وإيطاليا وهولندا والدنمارك وبلجيكا. وبشكل عام، فإن دولاً في أوروبا الغربية، إضافة إلى أميركا الشمالية واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ما زالت خارج اللائحة. وأكد مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الثلاثاء، أنه «يدفع باتجاه موقف موحد» للأوروبيين.

كتابات على جدران في دبلن تقول: «النصر لفلسطين» بعد أن أعلنت آيرلندا أنها ستعترف بالدولة الفلسطينية (رويترز)

اللافت أن الرئيس الفرنسي الذي يوليه الدستور صلاحية رسم سياسة بلاده الخارجية، دأب منذ أشهر على تأكيد أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية «ليس من الممنوعات» بالنسبة إليه.

بيد أن باريس تختبئ وراء حجج وذرائع لتبرر عدم إقدامها على خطوة صوّت عليها البرلمان الفرنسي في توصية تعود لعشر سنوات خلت. وعقب محادثة هاتفية مع محمود عباس، الأربعاء، أصدر قصر الإليزيه بياناً جاء فيه أن ماكرون أكد أنه «أصبح من الملحّ للغاية إعادة إطلاق جهود السلام، ووضع حد للتأجيل المنهجي لتنفيذ حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية». وجاء في فقرة لاحقة أن فرنسا «ملتزمة بالعمل مع شركائها الأوروبيين والعرب لبناء رؤية مشتركة للسلام، توفر ضمانات أمنية للفلسطينيين والإسرائيليين، ولإدراج مسار الاعتراف بدولة فلسطين في إطار دينامية فعالة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول رئيس موريتانيا إلى قصر الإليزيه الأربعاء (أ.ف.ب)

إلا أن ماكرون ربط بشكل غير مباشر بين إصلاح السلطة الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وجاء في البيان الرئاسي أن فرنسا «تريد سلطة فلسطينية يتم إصلاحها وتعزيزها، قادرة على ممارسة مسؤولياتها على كل الأراضي الفلسطينية، بما يشمل قطاع غزة، وبما يصب في مصلحة الفلسطينيين».

الرئيس ماكرون والمستشار الألماني شولتس في حديقة قصر ميسيبيرغ الثلاثاء (أ.ف.ب)

بيد أن أوضح موقف للرئيس الفرنسي جاء، الثلاثاء، في إطار المؤتمر الصحافي المشترك مع المستشار الألماني أولاف شولتس، حيث أكد أولاً أنه «جاهز تماماً للاعتراف بالدولة الفلسطينية»، قبل أن يضيف ما حرفيته: «أعتبر أن هذا الاعتراف يجب أن يحصل في لحظة مفيدة، أي أن يندرج في مسار حيث دول المنطقة وإسرائيل تكون ملتزمة بالسلام»، ما سيتيح، استناداً إلى عملية إصلاح السلطة الفلسطينية، أن يفضي إلى نتيجة مفيدة». وما لا يريده ماكرون أن يكون الاعتراف بفعل «التأثر العاطفي».

وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه (الأول يمين) في اجتماع وزراء خارجية «مثلث ويمار» في ألمانيا 22 مايو: اعتراف إسبانيا وإيرلندا بالدولة الفلسطينية وراءه دوافع انتخابية (د.ب.أ)

ما لم يقله ماكرون صراحة تكفل به وزير الخارجية ستيفان سيجورنيه، وذلك في رده، مساء الأربعاء، على سؤال في مجلس الشيوخ عن تردد باريس في الاحتذاء بما قامت به إسبانيا وآيرلندا. ولم يتردد سيجورنيه في مهاجمة مدريد ودبلن وقال: «فرنسا تريد حل الدولتين، وهذا يعني أن الاعتراف سيحين وقته بطبيعة الحال. ولكن السؤال المطروح هو ما قلته لوزيري خارجية إسبانيا وإيرلندا: ما الفائدة الدبلوماسية من الاعتراف اليوم؟».

وأردف سيجورنيه: «فرنسا تبحث عن حلول دبلوماسية لهذه الأزمة، وأنا آسف لأن عدداً من الدول الأوروبية فضلت التموضع السياسي في إطار حملة الانتخابات الأوروبية، ولكن هذا لا يأتي بأي حلول. أسألكم: ما الذي تغير في وضع غزة بعد الاعتراف الإسباني؟ نحن نعمل في إطار مجلس الأمن من أجل الحل السياسي». وبحسب سيجورنيه، فإن الاعتراف «يجب أن يفضي إلى إحراز تقدم حاسم على المستوى السياسي».

رئيس الوزراء الإسباني ووزير خارجيته مع أعضاء اللجنة الوزارية المشتركة العربية - الإسلامية بشأن غزة في مدريد الأربعاء (رويترز)

ليس تركيز الوزير الفرنسي على إسبانيا محض صدفة؛ إذ إن الدبلوماسية الإسبانية، وفق مصادر أوروبية في باريس، سعت لإقناع فرنسا بمواكبتها في عملية الاعتراف، ما من شأنه أن يوفر «زخماً دبلوماسياً مهماً من شأنه دفع الدول الأوروبية المترددة إلى اللحاق بهما». بيد أن باريس «رفضت وفضلت التريث وعادت إلى الحجج المعروفة، فيما الحرب في غزة وما ينتج عنها تستدعي موقفاً شجاعاً». وفي أي حال، فإن اتهام مدريد باستخدام الاعتراف وسيلة لكسب أصوات في الانتخابات الأوروبية المقبلة، خطير وأمر غير مسبوق، علماً بأن سياسة الحكومة الإسبانية - وكذلك الآيرلندية - تجاه ملف النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، معروفة منذ زمن طويل.

بكلام آخر، فإن الوزير الفرنسي يرفض كافة الحجج التي دفعت 147 دولة للاعتراف بدولة فلسطين والتي تعدّ ذلك تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة العائدة لـ75 عاماً، والتي بموجبها ولدت دولة إسرائيل. كذلك يحجم الوزير أهمية الاعتراف وكونه «وسيلة لتسريع الحل السياسي»، علماً بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية التي يسيطر عليها اليمين الديني المتطرف، ترفض قطعاً ولادة دولة فلسطينية، وهي تسعى، كما غيرها من الحكومات السابقة، إلى توسيع الاستيطان وتهجير الفلسطينيين في الضفة باللجوء إلى العنف.

مأزق ماكرون والحكومة

حقيقة الأمر أن الرئيس ماكرون وحكومته واقعان في مأزق بين ضغوط الشارع والطلاب واليسار بشكل عام من جهة، وأصدقاء إسرائيل واليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف من جهة أخرى. وصدرت في الصحف عدة دعوات من أساتذة جامعيين وأكاديميين ومن دبلوماسيين سبق لهم أن عملوا في المنطقة، تشدد على أهمية إقدام فرنسا على الاعتراف اليوم بالدولة الفلسطينية.

رئيس وزراء آيرلندا (يسار) ووزير خارجيته خلال إعلان الاعتراف بالدولة الفلسطينية (أ.ف.ب)

والأربعاء، طلب سفير إسرائيل السابق لدى فرنسا، إيلي بارنابي، في حديث لإذاعة «فرانس إنفو»، من الحكومة الفرنسية أن تتوقف عن المماطلة، وأن تذهب إلى الاعتراف اليوم وقبل الغد، مؤكداً أن قيام دولة فلسطينية هو الحل الوحيد الممكن الذي يخدم الفلسطينيين والإسرائيليين معاً. من هنا، يأتي التركيز على أهمية الاعتراف «في الوقت المناسب الذي لن يأتي أبداً»، بحسب بارنابي. وثمة قناعة مفادها أن ماكرون والحكومة يسعيان إلى «كسب الوقت». من هنا، فإن تكاثر الشروط التي يضعانها للإقدام على ما يحجمان عنه اليوم، يوفر لهما الحجج للتنصل من الاعتراف الفوري ويدفعهما إلى الاحتماء بخط وسطي ملخصه: «نعم للاعتراف ولكن ليس الآن».

بيد أن ثمة مسألة أخرى تتعين الإشارة إليها، وهي وجود خطين في إطار الأكثرية الرئاسية النسبية، والدليل على ذلك أن وزير الخارجية الأسبق جان إيف لودريان المقرب من ماكرون، رأى أن الاعتراف «لا بديل عنه إذا أردنا المحافظة على حل الدولتين حياً». كذلك، فإن النائب الأوروبي عن حزب «النهضة» الماكروني برنار غيتا، دعا بدوره إلى الاعتراف الفوري وإلى دفع الطرفين للجلوس إلى طاولة المفاوضات. بيد أن فاليري هاير، رئيسة اللائحة التي يحتل فيها المرتبة الثانية، رأت أن «الشروط الضرورية للاعتراف غير متوافرة». وتساءلت: «من سيكون سعيداً باعتراف إسبانيا وإيرلندا؟ أليست حماس مجموعة إرهابية مسلحة؟».

الواضح أن هاير تتبنى قراءة وآيديولوجيا بنيامين نتنياهو حرفياً. فقد اتهم إسرائيل كاتس، وزير خارجية إسرائيل، مدريد بأنها أصبحت «شريكة في الدعوة إلى القضاء على اليهود»، وهاجم الدول الثلاث، واستدعى سفراءها لـ«تأنيبهم» بسبب الاعتراف.