الاتحاد الأوروبي في زمن العواصف... بين حلم «المؤسسين» وواقع «السيادة»

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لايين (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لايين (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي في زمن العواصف... بين حلم «المؤسسين» وواقع «السيادة»

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لايين (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لايين (رويترز)

في خطاب ألقته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لايين، عن حال الاتحاد الأوروبي في سبتمبر (أيلول) 2023، عبّرت السيدة الألمانية التي تولت عدداً من المناصب الوزارية في عهد المستشارة أنغيلا ميركل آخرها منصب وزيرة الدفاع (2013 – 2019)، عن أملها في أن تكون الانتخابات البرلمانية الأوروبية في يونيو (حزيران) المقبل «الوقت المناسب لاتخاذ القرار بشأن المستقبل الذي يتمناه الناخبون وأوروبا التي يريدونها». وأكدت أن «اتحادنا اليوم يعكس رؤية أولئك الذين حلموا بمستقبل أفضل بعد الحرب العالمية الثانية»...

لا جدال في شأن الحلم الأوروبي - الذي بدأ مع المؤسسين - بمستقبل آمن وسلام دائم وازدهار وافر بعد حربين عالميتين قاسيتين وما سبقهما من حروب على مدى قرون في قارة فسيفسائية معقدة. أما قول فون در لايين إن الاتحاد الأوروبي يعكس تلك الرؤية اليوم ففيه الكثير من المبالغة والقليل من الواقع. ويكفي هنا أن نتذكر حرب البوسنة التي خلخلت استقرار منطقة البلقان وأوروبا كلها، وحرب أوكرانيا وروسيا التي ستكمل بعد أقل من شهر عامها الثاني من دون أن يكون في الأفق ما يشير إلى خط النهاية فيها. وإذا كان صحيحاً أن هاتين الحربين لا تدخلان ضمن النطاق الجغرافي للاتحاد الأوروبي، فإن الصحيح أيضاً أنهما طالتاه بتداعياتهما العميقة، والأصح أنهما أثبتتا عجز التكتل عن التعامل معهما استباقياً بمعنى الحؤول دون وقوعهما، واستلحاقياً بواقع العجز عن إنهائهما.

واليوم يقف الاتحاد الأوروبي بدوله السبع والعشرين وسط لجج متلاطمة، أولاها جيوسياسي وآخرها اقتصادي، مع سلسلة متنوعة من المشكلات الممتدة بينهما.

جنود أوكرانيون قرب الحدود مع بيلاروسيا (أ.ف.ب)

 

معضلة دعم أوكرانيا

يقول كارل بيلدت، رئيس الوزراء السويدي سابقاً (1991 – 1994)، إن العام 2024 مليء بالتحديات للاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها حكماً الحرب في أوكرانيا حيث «سيطيل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين النزاع لأطول فترة ممكنة»، على حد تعبيره.

ولا شك في أن أوروبا كلها تتلظى بين نارين هنا، نار انقطاع الغاز الروسي عنها بقرار من الاتحاد نفسه مدفوعاً بضغط أميركي، مع ما يرتبه ذلك من أكلاف باهظة على موازنات الدول وجيوب الأفراد، ونار استمرار الدعم العسكري لكييف الذي استنزف مليارات اليوروهات من خزائن عواصم الاتحاد ومخازن أسلحة جيوشها.

وعلى الرغم من الخلافات بين الدول الأعضاء على حجم المساعدة المطلوبة لأوكرانيا، فإنها كلها منضوية تحت لواء استمرار الدعم، مدركةً أن الرئيس الروسي صار قادراً أكثر على خوض حرب طويلة المدى، مراهناً على التعب الأوروبي من الاستنزاف الاقتصادي، وكذلك على الاحتمال الكبير لفوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي تقام الخريف المقبل وبالتالي تراجع دعم واشنطن لكييف كون ترمب يؤكد مراراً وتكراراً أنه لو كان رئيساً لما اندلعت هذه الحرب...

في ظل هذا الواقع، لا يجد الأوروبيون «الاتحاديون» مفراً من مواصلة ما غرقوا فيه: دعم أوكرانيا. وهنا يقول كارل بيلدت: «لإنهاء الحرب، يجب على الأوروبيين أن يثبتوا لبوتين أن تصميمهم ثابت وأن يتخذوا خطوات واضحة لإعداد أوكرانيا لمستقبل من السلام، بغض النظر عما يحدث في واشنطن».

وقد رأينا وزير الخارجية الفرنسي الجديد ستيفان سيجورنيه يجزم من كييف قبل أيام بأن فرنسا ستواصل الدعم العسكري لأوكرانيا، واعداً أيضاً بتشجيع شركات فرنسية على الاستثمار في الدولة الغارقة في الحرب.

لكن لب المشكلة يبقى في كلفة الدعم ومدته، وكيف ستستطيع أوروبا أن تتعامل مع واقع ما بعد الحرب من حيث مصير أوكرانيا بنظامها وجغرافيتها، والأهم من حيث العلاقة مع روسيا.

مقاتلة بريطانية من طراز «تايفون» في قاعدة أكروتيري بقبرص قبل إقلاعها لضرب أهداف للحوثيين (أ.ب)

غزة والشرق الأوسط

قبل أيام، حض وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي إسرائيل على القبول بحل الدولتين مع الفلسطينيين بعد الحرب في غزة.

هذه الحرب أغرقت الشرق الأوسط في اضطرابات جديدة وأثارت مخاوف من صراع أوسع نطاقاً، ولا حاجة هنا إلى سرد ما يحصل في لبنان والعراق وبالطبع البحر الأحمر.

مرة جديدة، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام معضلة التأييد «الطبيعي» لما يعتبره «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس» وفي الوقت نفسه حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وبالتالي في العيش ضمن حدود دولة مستقلة.

والواقع المرّ أن بروكسل لا تستطيع الدفع في اتجاه سلام حقيقي لأن المفتاح لذلك موجود في مكان آخر. وبالتالي تجد الحكومات الأوروبية أنفسها ملزمة بمواصلة دعم الموقف الإسرائيلي، في موازاة استهوال ما يحصل من مجازر بحق الفلسطينيين في غزة، والاكتفاء بدور الداعم المالي الأكبر للشعب القابع تحت الاحتلال والقيام بحراك دبلوماسي لا يسمن ولا يغني من جوع.

والحال الأوروبي لا يختلف حيال ما يجري في البحر الأحمر من تصعيد يقوده الحوثيون. ويبدو موقف بروكسل شبيهاً بموقف المراقب. وها هو فالديس دومبروفسكيس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، الذي يراقب اقتصاد التكتل، يقول إن حركة الشحن عبر البحر الأحمر انخفضت 22% في شهر واحد بسبب هجمات الحوثيين المدعومين مع إيران. ويضيف: «لم يكن هناك تأثير يذكر على أسعار الطاقة أو تأثير بشكل عام على أسعار السلع حتى الآن. لكننا نرى تأثيرا على أسعار النقل التي ارتفعت... إنه بالتأكيد عامل خطر». ويلاحظ السياسي اللاتفي أن «التأثير الاقتصادي الأوسع على أسعار المستهلكين واقتصاد الاتحاد الأوروبي بوجه عام سيعتمد بدرجة كبيرة على مدة هذه الأزمة... وبالتالي، من الضروري اتخاذ إجراء سريع».

لكن ما هو هذا الإجراء؟

تحدث مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق «من حيث المبدأ» على تشكيل «مهمة بحرية لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر»... وفي انتظار عمل ملموس، يأتي الرد الميداني من الولايات المتحدة وبريطانيا التي خرجت من الاتحاد في 31 يناير (كانون الثاني) 2020.

مقاتلة «ج 15» صينية تقلع من حاملة الطائرات «شاندونغ» خلال تدريب في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

شرق آسيا

لا يستطيع الاتحاد الأوروبي عدم التفاعل مع ما يجري في محيط الصين.

«لدينا مصلحة عميقة في تحقيق الاستقرار في شرق آسيا أيضاً. وفي ما يتعلق بمسألة مستقبل تايوان، فإن كل كلمة لها أهميتها، ويظل الحذر هو السياسة الأكثر حكمة. يجب على تايبيه وبكين تشكيل علاقتهما المستقبلية مع مرور الوقت في سلام ودون أي نوع من الإكراه. إن الصراع حول مستقبل تايوان سرعان ما قد يتحول إلى صراع بين الولايات المتحدة والصين، وستكون له عواقب عالمية عميقة»، كما يقول كارل بيلدت.

أما جوزيب بوريل فيقول: «آسيا هي المنطقة الأكثر ديناميكية في العالم، والأزمات الدولية الرئيسية تؤثر في جنوب شرق آسيا. وبالتالي على الاتحاد الأوروبي أن يكون أكثر حضوراً وانخراطاً في هذه المنطقة المحورية. والعمل مع رابطة آسيان وتعميق شراكتنا الاستراتيجية أمر أساسي للقيام بذلك».

تتألف رابطة آسيان من الدول الآتية: بروناي، بورما (ميانمار)، كمبوديا، إندونيسيا، لاوس، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، تايلاند، فيتنام. وتضم الدول العشر 647 مليون نسمة مع ناتج محلي إجمالي يبلغ 2.9 تريليون دولار.

لا عجب أن تواجه منطقة تشهد نمواً اقتصادياً مطّرداً، ديناميكيات جيوسياسية كبيرة، خصوصاً في ظل التنافس المتعاظم بين الولايات المتحدة والصين. وفي الوقت نفسه، تتصاعد التوترات الأمنية في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، حيث تؤدي المطالبات الإقليمية المتداخلة، وإجراء التدريبات البحرية إلى توترات بين الجيران. وتتفاوض رابطة «آسيان» والصين على مدونة قواعد السلوك في بحر الصين الجنوبي، لكن يبدو من غير المرجح أن تنتهي هذه المحادثات في وقت قريب. وبالتوازي مع ذلك، أصبحت الولايات المتحدة أكثر نشاطا في المنطقة، مع التمسك بمبدأ حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي.

للدلالة على أهمية هذه المنطقة بالنسبة إلى بروكسل، أن الاتحاد الأوروبي هو ثالث أكبر شريك تجاري لـ«آسيان» بعد الصين والولايات المتحدة، وبلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين 280.6 مليار دولار أميركي عام 2019. منذ عام 1998، تسجل منطقة «آسيان» فائضاً تجارياً مع الاتحاد الأوروبي، بلغ ذروته عند 54.6 مليار دولار عام 2017. وكان الاتحاد الأوروبي أيضًا ثالث أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة عام 2019 بتدفقات بلغت 16.2 مليار دولار، وهو ما يمثل 10.1في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر هناك.

يلتقي وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي نظراءهم من دول «آسيان» في الثاني من فبراير (شباط) المقبل في بروكسل، ويرأس الاجتماع جوزيب بوريل. وسيتركز البحث على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية» التي أطلقاها عام 2020، والاتفاق على عقد مؤتمرات قمة منتظمة على مستوى القادة.

هذا يقود إلى السؤال عن مدى التاثير «الميداني» للاتحاد الأوروبي هناك، والجواب أنه شبه معدوم في ظل تصادم العملاقين الأميركي والصيني، صاحبي الاقتصادين الأول والثاني عالمياً.

مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

العائلة الاتحادية

هذه التحديات الجيوسياسية والجيو – اقتصادية الكبرى وسواها، تنعكس بقوة على داخل العائلة الأوروبية. ولئن كان الاتحاد الأوروبي قد نجح بعض الأحيان في تجنب العواصف التي تحملها أزمات كبيرة، فإنه يبدو مشوباً بكثير من الهشاشة هذه المرة.

ولعل أول التحديات المقبلة المتأثرة بكل ما سبق مسألة توسيع الاتحاد ليشمل دولاً مثل أوكرانيا ومولدوفا، وأخرى في غرب البلقان مثل ألبانيا ومقدونيا الشمالية ومونتينيغرو وكوسوفو.

لكن المسألة ليست بهذه البساطة، ففي زمن الحروب نرى الدول تعود إلى لغة السيادة الوطنية وكذلك التدابير الحمائية للاقتصاد، وهو ما يناقض فلسفة الاتحاد الأوروبي. لذلك نرى تصاعد الاتجاهات السيادية المشككة في صواب توسيع الاتحاد وتحقيق مزيد من الاندماج بين أعضائه. وهي لغة تعلو أصواتها في هولندا والمجر وبولندا وسلوفاكيا مع القوى الحاكمة، وفي صفوف الأحزاب المعارضة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وفنلندا...

لكن المشكلة الكبرى تكمن في الأمن، فكل أعضاء الاتحاد الأوروبي من الاندماجيين والمتحفظين والمشككين يحتاجون إلى الغطاء الأمني الذي يوفره حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وبالتالي لا يبدو المستقبل الأوروبي متعلقاً بديناميكيات الاتحاد بمقدار تعلقه بما سيجري على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي بعد أشهر...

 


مقالات ذات صلة

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ميناء جوادر الاستراتيجي بالمناطق الساحلية الجنوبية من البلاد (إعلام باكستاني)

تباطؤ صادرات باكستان للأسواق الأوروبية على خلفية حرب إيران

سجلت صادرات باكستان إلى الأسواق الرئيسية في غرب وشمال أوروبا نمواً ضعيفاً خلال الأشهر الـ9 الأولى من العام المالي الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شمال افريقيا رئيسا مصر وقبرص يوقّعان إعلان الشراكة الاستراتيجية (الرئاسة المصرية)

الشراكة الاستراتيجية بين مصر وقبرص... تقارب سياسي وفوائد اقتصادية

عكس إعلان مصر وقبرص ترفيع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية تقارباً في المواقف السياسية، ورغبة في تعزيز الفوائد الاقتصادية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.