روسيا تحاول العودة إلى المجلس الأممي لحقوق الإنسان

بعد استبعادها على خلفية غزوها لأوكرانيا

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023 (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023 (رويترز)
TT

روسيا تحاول العودة إلى المجلس الأممي لحقوق الإنسان

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023 (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2023 (رويترز)

تحاول روسيا التي تمّ استبعادها من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بعد غزوها أوكرانيا، العودة إلى هذا المجلس، الثلاثاء، فيما يعدّ رهاناً غير مضمون، يمكن من خلاله تقييم الدعم الذي لا تزال تحظى به على الساحة الدولية.

وستنتخب الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء، 15 عضواً جديداً في هذه الهيئة التي تتخذ من جنيف مقراً، وذلك للفترة ما بين عامي 2024 و2026. وبينما يتم توزيع أعضاء الهيئة البالغ عددهم 47 وفق المناطق الجغرافية الرئيسية، تقوم كلّ مجموعة إقليمية عموماً باختيار مرشحيها مسبقاً الذين ينالون بعد ذلك مصادقة الجمعية العامة من دون صعوبة. لكن هذه السنة، هناك مجموعتان لديهما مرشحون أكثر من عدد المقاعد: أميركا اللاتينية (البرازيل وكوبا وجمهورية الدومينيكان والبيرو مرشحة لثلاثة مقاعد) وأوروبا الشرقية (ألبانيا وبلغاريا وروسيا مرشّحة لمقعدَين).

وتتركّز كلّ الأنظار على ترشيح موسكو، بعد أيام قليلة من مقتل أكثر من 50 شخصاً في غارة روسية في قرية غروزا الأوكرانية. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية: «نأمل أن يرفض أعضاء الأمم المتحدة بحزم هذا الترشيح المنافي للعقل». وأشار إلى أنّ «أفراد القوات الروسية ارتكبوا انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية في أوكرانيا». من جهتها، أشارت ماريانا كاتزاروفا الخبيرة المكلّفة من قبل مجلس حقوق الإنسان، إلى أنّ القمع في روسيا اشتدّ منذ غزو أوكرانيا، وبلغ «مستوى غير مسبوق في التاريخ الحديث».

وتحتاج الدولة إلى 97 صوتاً من أصل 193 دولة عضواً في الأمم المتحدة، كي يتم انتخابها في مجلس حقوق الإنسان. وفي أبريل (نيسان) 2022، أيّدت 93 دولة «تعليق» عضوية روسيا من المجلس، وصوّتت 24 دولة ضدّ هذا التعليق. وكانت هذه الأغلبية ضدّ روسيا أقل من تلك المصوّتة على القرارات التي تدافع عن سلامة أراضي أوكرانيا (نحو 140 صوتاً). غير أنّ مسألة مجلس حقوق الإنسان أكثر تعقيداً، إذ إنّ بعض الدول التي تملك سجلاً مثيراً للجدل في هذا الشأن تخشى أن تلاقي المصير نفسه.

اقتراع سري

وتكمن خصوصية تصويت الثلاثاء في أنه سيتم إجراؤه عن طريق اقتراع سرّي، في عالم منقسم؛ حيث ضاقت دول عدة بالاهتمام الذي يوليه الغرب لأوكرانيا. وقال ريتشارد غوان من مجموعة الأزمات الدولية: «أعتقد أنّ الدبلوماسيين الغربيين في نيويورك يشعرون بالقلق إلى حدّ ما»، معتبراً أنّ انتخاب روسيا سيكون «كارثة للأمم المتحدة على صعيد العلاقات العامة». وأضاف: «روسيا تقول دائماً إنّ كثيراً من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تتعاطف معها سرّاً؛ لكنها لا تدعمها علناً خوفاً من استعداء القوى الغربية».

وتأمل موسكو في الحصول على دعم هذه الأغلبية الصامتة المفترضة في هذا التصويت السري. وفي هذا الإطار، قال سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا: «لا يوجد نموذج للديمقراطية أو دولة مارقة، كما يصفها البعض أحياناً». وأضاف: «لا يمكن لأي دولة عضو أن تدّعي أنها محصّنة ضد انتهاكات حقوق الإنسان».

بدوره، أشار لويس شاربونو من منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى أنّه من المؤكد أنّه لا يوجد بلد «يتمتّع بسجل لا تشوبه شائبة». وأضاف: «لكن يجب على كلّ عضو في الأمم المتحدة أن يدرك أن المجلس لديه معايير العضوية التي تتجاهلها روسيا والصين بشدّة».

ودعت المنظمة غير الحكومية الدول الأعضاء إلى عدم التصويت لبكين؛ خصوصاً بسبب انتهاكات حقوق أقلية الأويغور. ومع ذلك، لن تواجه الصين مشكلة في إطار المجموعة الآسيوية؛ حيث تقدم 4 مرشحين لشغل 4 مقاعد.

كذلك، دعت «هيومن رايتس ووتش» الدول الأعضاء إلى عدم التصويت لكوبا، في حين رأت منظمة «إنترناشيونال سيرفس فور هيومن رايتس» أنه بالإضافة إلى روسيا والصين، فإنّ بوروندي «لا تستحقّ» أن تكون عضواً في المجلس.

وتضم قائمة المرشحين ساحل العاج ومالاوي وغانا والكويت وإندونيسيا واليابان وهولندا وفرنسا.


مقالات ذات صلة

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

العالم منازل مغطاة بالثلوج على ساحل مدينة نوك عاصمة غرينلاند 7 مارس 2025 (أ.ب) play-circle

تهديدات ترمب لغرينلاند تضع «الناتو» أمام تحدٍّ غير مسبوق

تطرح أحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند تحدياً جديداً وربما غير مسبوق لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقد يكون حتى وجودياً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

أوكرانيا: روسيا تهاجم ميناءين بمنطقة أوديسا

قال مسؤولون أوكرانيون إن روسيا هاجمت ميناءين بحريين في منطقة أوديسا الأوكرانية، اليوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثمانية آخرين.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رستم عمروف مستشار الأمن القومي الأوكراني (د.ب.أ)

مستشار الأمن الأوكراني: بحثنا مع واشنطن الإطار العام لإنهاء الحرب

أعلن رستم عمروف، مستشار الأمن القومي الأوكراني رئيس وفد بلاده في المفاوضات، أنه عقد اليوم الأربعاء، جولة أخرى من المشاورات مع الوفد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في صورة تذكارية مع القادة والمسؤولين المشاركين في اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس (الخارجية التركية)

تركيا مستعدة للإشراف على أمن البحر الأسود حال انتهاء حرب روسيا وأوكرانيا

أبدت تركيا استعدادها للإشراف على الأمن في البحر الأسود حال التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين روسيا وأوكرانيا المستمرة لما يقرب من 4 سنوات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (إ.ب.أ)

ستارمر: نشر القوات في أوكرانيا سيخضع لتصويت البرلمان

قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الأربعاء، ​إن أي نشر للقوات البريطانية، بموجب إعلان جرى توقيعه مع فرنسا وأوكرانيا، سيخضع لتصويت برلماني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أوكرانيا: روسيا تهاجم ميناءين بمنطقة أوديسا

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
TT

أوكرانيا: روسيا تهاجم ميناءين بمنطقة أوديسا

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)
جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

قال مسؤولون أوكرانيون إن روسيا هاجمت ميناءين بحريين في منطقة ​أوديسا الأوكرانية، اليوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثمانية آخرين.

ووفقاً لـ«رويترز»، هاجمت روسيا مراراً مواني أوكرانيا والسفن التي تبحر منها وترفع أعلاماً أجنبية في الأسابيع الأخيرة، بعد أن تعهد ‌الرئيس فلاديمير بوتين بعزل ‌أوكرانيا عن ‌البحر ⁠رداً ​على ‌ضربات كييف لناقلات النفط غير المرخص بها التي تبحر إلى روسيا.

وقالت إدارة المواني البحرية الأوكرانية إن الميناءين اللذين تعرضا للهجوم هما تشورنومورسك وبفيديني، وكلاهما شريان تصدير رئيسي لاقتصاد ⁠أوكرانيا الذي يعتمد على السلع الأساسية.

وقال ‌نائب رئيس الوزراء أوليكسي كوليبا: «هذا هجوم آخر من قبل دولة إرهابية على البنية التحتية للمواني التي تشارك في ضمان الأمن الغذائي العالمي».

وأضاف كوليبا أن منشآت المواني والمباني ​الإدارية والصهاريج التي تحتوي على الزيوت النباتية تضررت في هجمات ⁠اليوم، مضيفاً أن المواني مستمرة في العمل حتى مع أعمال إصلاح الأضرار.

وصعّدت روسيا من ضرباتها على المواني الأوكرانية في ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن شنت أوكرانيا ضربات على ناقلات فارغة من «أسطول الظل»، والتي تستخدمها موسكو لشحن نفطها إلى المشترين على الرغم ‌من العقوبات الغربية.


«نستله» توسع نطاق سحب حليب الأطفال إلى أفريقيا والأميركتين وآسيا

يرفرف العلم السويسري فوق مقر شركة «نستله» في فيفي بسويسرا (رويترز)
يرفرف العلم السويسري فوق مقر شركة «نستله» في فيفي بسويسرا (رويترز)
TT

«نستله» توسع نطاق سحب حليب الأطفال إلى أفريقيا والأميركتين وآسيا

يرفرف العلم السويسري فوق مقر شركة «نستله» في فيفي بسويسرا (رويترز)
يرفرف العلم السويسري فوق مقر شركة «نستله» في فيفي بسويسرا (رويترز)

أظهر إحصاء صادر عن شركة «نستله» وبيانات وطنية عن سلامة الغذاء اتساع نطاق سحب بعض دفعات منتجات ​تغذية الرضع التابعة للشركة إلى خارج أوروبا، ليصل إلى أفريقيا والأميركتين وآسيا، بما في ذلك الصين والبرازيل وجنوب أفريقيا.

ولم يتم تأكيد أي أمراض حتى الآن في ما يتعلق بدفعات من عدة منتجات من حليب الأطفال استدعتها «نستله» بسبب احتمال تلوثها بمادة السيريوليد، وهي مادة ‌سامة يمكن ‌أن تسبب الغثيان والقيء.

وأصدرت 37 ⁠دولة ​على ‌الأقل، بما في ذلك معظم الدول الأوروبية، بالإضافة إلى أستراليا والبرازيل والصين والمكسيك وجنوب أفريقيا، تحذيرات صحية بشأن احتمال تلوث حليب الأطفال.

وتزيد عملية السحب من الضغوط على الشركة المصنعة لمنتجات شهيرة مثل «كيت كات» و«نسكافيه» ورئيسها التنفيذي الجديد فيليب نافراتيل الذي يسعى إلى إنعاش النمو من خلال مراجعة ‌محفظة الشركة بعد الاضطرابات الإدارية، إذ انخفضت أسهم «نستله» بحوالي 5.7 في المائة هذا الأسبوع.

وقالت وزارة ‍الصحة البرازيلية، اليوم الأربعاء، إن السحب إجراء وقائي بعد اكتشاف المادة السامة في منتجات منشؤها هولندا.

وقالت «نستله» في أستراليا إن الدفعات التي تقرر ​سحبها هناك تم تصنيعها في سويسرا، بينما قالت «نستله» بالصين إنها قررت سحب دفعات حليب ⁠الأطفال المستوردة من أوروبا.

وذكر إشعار صادر عن اللجنة الوطنية للمستهلكين في جنوب أفريقيا أن حليب الأطفال «نان» الذي تقرر سحبه تم إنتاجه في يونيو (حزيران) 2025 وتمتد صلاحيته حوالي 18 شهراً.

وأضافت اللجنة: «تم تصديره أيضا إلى ناميبيا وإسواتيني».

وقالت وزارة الصحة النمساوية، أمس الثلاثاء، إن عملية السحب طالت أكثر من 800 منتج من أكثر من 10 مصانع، وهي الأكبر ‌في تاريخ «نستله». ولم يتمكن متحدث باسم «نستله» من تأكيد ذلك.


الغربيون ينسقون خطواتهم بشأن أوكرانيا مع توافر الدعم الأميركي

من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)
من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)
TT

الغربيون ينسقون خطواتهم بشأن أوكرانيا مع توافر الدعم الأميركي

من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)
من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)

كانوا ستة وراء منصاتهم الفردية للتحدث للصحافة بعد يوم كامل من المشاورات متعددة الأطراف والأشكال في قصر الإليزيه. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توسط المجموعة التي ضمت إليه الرئيس الأوكراني، والمستشار الألماني، ورئيس الوزراء البريطاني، وأيضاً «وخصوصاً» مستشاري الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير المكلفين ملف الحرب الروسية-الأوكرانية التي ستدخل بعد خمسين يوماً عامها الخامس.

الرئيسان ماكرون وزيلينسكي يصلان معاً إلى قاعة الاجتماع وتظهر في الصورة أعلام الدول المشاركة فيه في قصر الإليزيه (رويترز)

وكان من الطبيعي أن يتحدث إيمانويل ماكرون أولاً، يليه بروتوكولياً فولوديمير زيلينسكي، ثم كير ستارمر، وفريدريتش ميرتس. بيد أن كل الأنظار كانت موجهة نحو الضيفين الأميركيين لمعرفة ما إذا كانت إدارة الرئيس دونالد ترمب قبلت، أخيراً، توفير «الضمانة الأمنية» التي يتمسك بها قادة «تحالف الراغبين» للانخراط في توفير دعم متعدد الأشكال لأوكرانيا، وأهم ما فيه المشاركة في «القوة متعددة الجنسيات» المفترض أن يشكلها هؤلاء للانتشار على الأراضي الأوكرانية بعد أن يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، والأفضل لاتفاقية سلام بين موسكو وكييف.

«شبكة الأمان» الأميركية

منذ أشهر عديدة يدور الحديث حول الضمانة الأميركية التي تعد بمثابة «شبكة أمان» للوحدات العسكرية الأوروبية، إذ تعني أن واشنطن لن تترك الأوروبيين وحيدين في حال عاودت القوات الروسية هجماتها على أوكرانيا بعد انتهاء الحرب. ومنذ أكثر من أسبوع، ما فتئت باريس تروج لأمرين: الأول: التقارب المستجد في التعاطي مع الملف الأوكراني بين واشنطن وكييف والعواصم الأوروبية الأخرى. والثاني: أن ترمب أولاً وبعده وزير خارجيته ماركو روبيو أكدا أن الولايات المتحدة «ستدعم الأوروبيين»، وأنه ستكون لها مشاركة مهمة في الضمانات الأمنية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلقي كلمة في مؤتمر صحافي عقب توقيع إعلان نشر القوات في أوكرانيا (إ.ب.أ)

من هنا، كان ترقب الجميع لما سينطق به ويتكوف وكوشنير. الأول قال عندما جاء دوره إن الرئيس ترمب «مقتنع بأنه يتعين وضع حد لهذه المجزرة» «الحرب في أوكرانيا»، وأن الولايات المتحدة «ملتزمة بالدفاع عن أوكرانيا» في حال تعرضها لاعتداء جديد من روسيا، وأن هذه الحرب ستنتهي إلى الأبد». وعند طرح سؤال بهذا المعنى، رد كوشنير قائلاً: «إذا عمدت أوكرانيا إلى توقيع اتفاقية سلام نهائية، فيتيعن عليها أن تعرف أنها ستحظى، بكل وضوح، بقوة ردع صلبة، وحقيقية، وأن تتأكد أن الحرب لن تعود أبداً». وأضاف ويتكوف من جانبه: «إن الرئيس ترمب يدعم بقوة البروتوكولات الأمنية التي تم التوصل إليها في إطار تحالف الراغبين، والتي غرضها ردع أي هجوم جديد يستهدف أوكرانيا»، مضيفاً أن الرئيس ترمب «لا يتراجع أبداً عن التزاماته، وسوف نكون إلى جانب الأوكرانيين».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روته على مدخل القصر الرئاسي (رويترز)

كان لهذه الكلمات وقع لذيذ على أسماع الحاضرين. وسارع الرئيس ماكرون إلى الإعلان أن «مرحلة جديدة» تم اجتيازها، لأن الأميركيين «أوضحوا مشاركتهم فيها (شبكة الأمان) من خلال قيادة آلية مراقبة وقف إطلاق النار». وأضاف ماكرون لاحقا: «ليس لي أن أتبنى أي نظرية تشكك في التزام الأميركيين بتوفير شبكة الأمان». وبنظره، فإن ما أقدمت عليه واشنطن يعد «التزاماً لصالح السلام».

وبدا ماكرون عازماً على قطع الطريق على التحفظات التي تسمع هنا وهناك، وتحذر من أن الرئيس ترمب متقلب الرأي، ويمكنه أن يتراجع عن التزاماته طالما لم تصبح رسمية. ولذا، فإن الرئيس الأوكراني يطالب بأن يصادق الكونغرس الأميركي رسمياً على هذه الالتزامات لتتحول إلى قانون لا يتغير بتغير العهود، مشيراً إلى أنه «من المهم جداً أن يتوصل تحالف الراغبين إلى توقيع وثائق ملزمة، ولا تبقى الأمور مجرد كلام في الهواء». ونبه زيلينسكي إلى أن كثيراً من التفاصيل تحتاج إلى توضيحات وبالدرجة الأولى كيفية عمل آلية المراقبة، وكيفية الإيفاء بدعم وتمويل الجيش الأوكراني. وسبق له، بمناسبة لقائه ترمب في فلوريدا، قبيل نهاية السنة الماضية، أن طالب بأن تكون الضمانة الأميركية صالحة لخمسين عاماً بدل الـ15 عاماً التي وعده بها ساكن البيت الأبيض.

ماكرون مع كوستا (أ.ب)

وثيقتان

وثيقتان اثنتان صدرتا بمناسبة قمة باريس: الأولى: رسالة نوايا ثلاثية الأطراف، تضم فرنسا، وبريطانيا، وأوكرانيا وقعها قادتها الثلاثة مباشرة بعد انتهاء أعمال القمة، والثانية: «إعلان باريس» الصادر عن قمة التحالف، ووزعها قصر الإليزيه بالإنجليزية، والفرنسية. وبالطبع تتعين الإشارة إلى أن «رسالة النوايا» لا تعني التزامات نهائية، بل إنها توافق مبدئي على مسائل يتعين التفاوض بشأنها لاحقاً.

بيد أن أهميتها تكمن في أنها أول وثيقة ترى النور، وتتناول نشر «القوة متعددة الجنسيات» في أوكرانيا. أما سبب اقتصارها، في الوقت الحاضر، على فرنسا وبريطانيا، لأن هاتين الدولتين تعدان سابقتين ورائدتين في الدعوة إلى تشكيل القوة المذكورة، وقيادتها، وتأكيد المشاركة بها ميدانياً.

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

وقال ماكرون لاحقاً إن بلاده مستعدة للمشاركة «بعدة آلاف» في القوة المذكورة. وتؤكد «الرسالة» على أن نشر «القوة» مرهون بتوصل الطرفين الروسي والأوكراني لاتفاق لوقف إطلاق النار، أو اتفاقية سلام، وأن غرضها توفير الضمانات الأمنية، وردع أي اعتداء جديد على أوكرانيا، ودعم تعزيز قواتها العسكرية المفترض أن تتكون من 800 ألف رجل.

وبموجب الرسالة، تلتزم باريس ولندن بإقامة «مراكز عسكرية، ولوجستية» في أماكن متعددة من الأراضي الأوكرانية، بينما تنتشر «القوة» على الخطوط الخلفية. وأكد ماكرون لاحقاً أن مهمتها «ليست قتالية». وقبل انتشار القوة، يتعين التوصل مع أوكرانيا إلى «إطار قانوني» يتيح لها العمل، والانتشار في أوكرانيا من أجل تأمين المجالين البحري والجوي لأوكرانيا. وتنص «الرسالة» على إنشاء مركز تنسيق مشترك لإدارة عملية الانتشار، ومساهمات الدول الشريكة. وتنص الفقرة الرابعة من «الرسالة» على دور الولايات المتحدة في الإشراف على آلية وقف إطلاق النار من جهة، وأن تلعب دوراً في «شبكة الأمان» في حال تعرض القوة لهجمات.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً المستشار الألماني فريدريتش ميرتس في الإليزيه (د.ب.أ)

تكمن أهمية «إعلان باريس» الصادر عن «تحالف الراغبين، وأوكرانيا، والولايات المتحدة» في أنه يفصل «الضمانات الأمنية القوية من أجل سلام راسخ ودائم في أوكرانيا» بعد أن يحدد المبادئ التي تنطلق منها الأطراف المعنية، والتزامهم بـ«أن ضمان سيادة أوكرانيا، وأمنها المستدام يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من أي اتفاق سلام، وأن أي تسوية يجب أن تكون مدعومة بضمانات أمنية قوية لأوكرانيا»، واعتبارهم أن «قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها تُعد مسألة بالغة الأهمية لضمان مستقبل أمن أوكرانيا، والأمن الجماعي في الفضاء الأوروبي-الأطلسي».

ويلتزم الموقعون على «الإعلان» (الولايات المتحدة ليست بينهم) «بنظام من الضمانات الملزمة سياسياً وقانونياً»، وتفعيله مباشرة بعد وقف النار، معتبرين أنه «استكمال للاتفاقات الثنائية» التي أبرمت سابقاً مع كييف. وتشمل الضمانات المشار إليها المشاركة في آلية لمراقبة وقف إطلاق النار، والتحقق منه بقيادة أميركية، وإقامة لجنة خاصة للنظر في أي خرق، وتحديد المسؤولية عنه، ومعالجته، ودعم الجيش الأوكراني بكافة الوسائل، وتشكيل القوة متعددة الجنسيات، والتوافق على إجراءات تتضمن «تخطيطاً عسكرياً منسقاً لإعداد تدابير طمأنة في الجو، والبحر، والبر».

ومن بين الفقرات المهمة تلك الخاصة بـ«التعهدات الإلزامية لدعم أوكرانيا في حال تعرضها لهجوم مسلح جديد من روسيا من أجل استعادة السلام»، و«قد» يكون من بينها استخدام القدرات العسكرية، وفرض مزيد من العقوبات... ومن الناحية العملياتية، اتفقت الأطراف المعنية على تشكيل خلية تنسيق بين الولايات المتحدة، وأوكرانيا، وتحالف الراغبين يكون مقرها «القيادة العملياتية» للتحالف في باريس.

ما سبق بالغ الأهمية لكن تعوقه ثلاث عقبات رئيسة: الأولى: إنه بمجمله مرتبط بقبول روسيا وقفاً لإطلاق النار. وحتى اليوم لا يبدو أنها راغبة بذلك طالما لم تتحقق أهدافها من الحرب. والثانية: رفض موسكو نشر قوات تكون من بين مكوناتها دول أطلسية. والثالثة: الخلافات المستحكمة بخصوص مصير الأراضي التي تطالب بها روسيا، ومصير محطة زابوريجيا النووية، وحجم الجيش الأوكراني المستقبلي... وتقول مصادر رئاسية إن مهمة إقناع بوتين من مسؤولية الطرف الأميركي. وكل ذلك يدل على أن نهاية الحرب لن تكون غداً، وأن قمماً أخرى ستكون ضرورية قبل بلوغ هذا الهدف.