اختفى قائد القوات الجوية الروسية الجنرال سيرغي سوروفيكين عن الأنظار بعد تمرد شنته مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة في يونيو (حزيران) الماضي ضد موسكو وكبار قادة الجيش الروسي.
وبعد أسابيع من الغموض والتكهنات بشأن مصيره، أكد الإعلام الرسمي الروسي، الأربعاء، أن سوروفيكين أُعفي من منصبه. ونقلت قناة «آر بي سي» التلفزيونية الروسية وقناة ريبر المقربة من وزارة الدفاع الأربعاء عن مصدر لم تذكر اسمه القول: «أُعفي القائد السابق للقوات الجوية الروسية سيرغي سوروفيكين من منصبه، وعُين الكولونيل جنرال فيكتور أفزالوف رئيس أركان القوات الجوية قائماً بأعمال قائد القوات الجوية مؤقتاً».

وظهر سوروفيكين، الملقب باسم «الجنرال هرمجدون» (جنرال يوم القيامة)، الذي قاد ذات يوم الجهود الحربية في أوكرانيا، كما جاء في تقرير «رويترز»، في مقطع فيديو خلال تمرد «فاغنر» يومي 23 و24 يونيو، وبدا متوتراً ومن دون شارات عسكرية وهو يحث يفغيني بريغوجين قائد «فاغنر» على التراجع عن زحفه صوب موسكو.
وذكرت بعض وسائل الإعلام الروسية والأجنبية أن سوروفيكين، الذي عادة ما كان يشيد به بريغوجين علناً في الفترة التي سبقت التمرد، يجري التحقيق معه بتهمة التواطؤ المحتمل فيه، وهو قيد الإقامة الجبرية حالياً. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مصادر في الاستخبارات الأميركية، أن سوروفيكين كان على علم مسبق بمخططات بريغوجين وأنه قد يكون اعتُقل. لكن الكرملين نفى المعلومات من دون أن يلغي ذلك الغموض الذي يلفّ مصيره. وفي يوليو (تموز)، قال رئيس لجنة الشؤون الدفاعية في «الدوما» أندري كارتابولوف إن سوروفيكين «يرتاح الآن، يتعذر الاتصال به في الوقت الحالي».

وتولى سوروفيكين مسؤولية العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكن الجنرال فاليري جيراسيموف رئيس الأركان العامة تسلم هذه المهمة في يناير (كانون الثاني) وعُين سوروفيكين نائباً له. وكان أفزالوف في السابق نائباً لسوروفيكين ورئيس أركان القوات الجوية على مدى 4 سنوات على الأقل، وفقاً للمخابرات العسكرية البريطانية. وخلال غياب سوروفيكين عن الأنظار، ظهر أفزالوف مع جيراسيموف الشهر الماضي في إفادة صحافية بثها التلفزيون. وتشير التقارير الواردة عن إقالة سوروفيكين إلى أن السلطات وجدت خطأ في سلوكه، لكن تفاصيل المزاعم عن ارتكابه مخالفات لا تزال غير معروفة.
ويعد سوروفيكين (56 عاماً) المولود في سيبيريا، من القادة المخضرمين وظهر بشكل مثير للريبة في شريط مصوّر وحضّ مقاتلي «فاغنر» على التراجع بعدما دعاهم بريغوجين إلى التمرد. ووضع الجنرال حليق الرأس المعروف بتعابير وجهه المتجهمة، بندقية على فخذه، وقال: «أتوجه إلى مقاتلي مجموعة فاغنر وقائدها (...) دمنا واحد، نحن مقاتلون. أطلب منكم التوقف» ووضع حد للتمرد المسلّح «قبل فوات الأوان».
بعد أقل من 24 ساعة، عادت قوات «فاغنر» التي بدأت التوجه نحو موسكو، أدراجها منهية التمرّد بعد اتفاق مع الكرملين من رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو.
منذ ذلك الحين، غاب سوروفيكين عن الحيّز العام، ما أثار تكهّنات بشأن توقيفه أو إقالته.

كان الجنرال طويل القامة وذو البنية الجسدية الضخمة يعدّ أوثق حلفاء «فاغنر» في وزارة الدفاع، حتى حين كان بريغوجين يصعّد من انتقاداته العلنية للوزير سيرغي شويغو ورئيس الأركان فاليري غيراسيموف ويتّهمهما بعدم الكفاءة في إدارة حرب أوكرانيا.
تمّ تعيينه في مايو (أيار) وسيطاً رسمياً بين الجيش ومجموعة «فاغنر» في أعقاب اتهام بريغوجين للقيادة العسكرية بالإخفاق في تزويد مقاتليه الذخيرة التي يحتاجون إليها للقتال في أوكرانيا. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وتحت إمرة سوروفيكين، انسحبت القوات الروسية من مدينة خيرسون والضفة اليمنى لنهر دنيبرو في جنوب أوكرانيا، في انتكاسة عسكرية ثقيلة لموسكو. واختار سوروفيكين الجو مجالاً للرد على خسارة الميدان، فكان مهندس حملة من القصف الجوي والصاروخي خلال الخريف والشتاء طالت بنى تحتية أوكرانية. وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في 2020 إنه كان من بين الضباط الروس «الذين قد يتحملون مسؤولية» الانتهاكات هناك، بما في ذلك الهجمات على المدارس والمستشفيات.

وهو معروف أيضاً لدوره في الانقلاب الفاشل ضد ميخائيل غورباتشوف عام 1991 الذي أذِن ببدء سقوط الاتحاد السوفياتي. وسُجن سوروفيكين بعدما قتلت مجموعة تأتمر به 3 متظاهرين مؤيدين للديمقراطية، لكن أطلق سراحه بعد بضعة أشهر. وبقي الضابط حاضراً في رأس الهرم حتى بعد إبعاده من منصبه رسمياً.
صرّح خبير عسكري روسي لوكالة الصحافة الفرنسية إن سوروفيكين «معروف جداً. الجيش يتحدث عنه كثيراً. وله سمعة بأنه قائد مجنون ومصاب بصدمات الحرب وقاسٍ». وأضاف الخبير، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن الرئيس فلاديمير «بوتين يوقره. وفي سوريا طرد الضباط من هيئة الأركان العامة ليذهب هو ويقود الهجمات». وأشار محللون إلى أن سوروفيكين قاد حتى الخريف الماضي القوات الروسية في جنوب أوكرانيا التي حققت النجاحات الأبرز في الميدان منذ بدء الغزو. ورجّح المدوّن العسكري ريبار الذي يتابعه أكثر من 1.2 مليون مشترك، أن يكون إعفاء سوروفيكين من مهامه تمّ عملياً «مباشرة في أعقاب» تمرّد «فاغنر»، مشيراً إلى أن ذلك ليس بالضرورة «إدانة» له، بل قد يكون إجراء مؤقتاً.




