في أسباب «حرب الاستنزاف» الروسية – الأطلسية على الأرض الأوكرانية

دمار في خاركيف الأوكرانية بعد قصف روسي طال مؤسسة تعليمية (أ.ف.ب)
دمار في خاركيف الأوكرانية بعد قصف روسي طال مؤسسة تعليمية (أ.ف.ب)
TT

في أسباب «حرب الاستنزاف» الروسية – الأطلسية على الأرض الأوكرانية

دمار في خاركيف الأوكرانية بعد قصف روسي طال مؤسسة تعليمية (أ.ف.ب)
دمار في خاركيف الأوكرانية بعد قصف روسي طال مؤسسة تعليمية (أ.ف.ب)

لا شك في أن مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) موضوعة في ثلاجة، لا لأن نظام هذا الحلف العسكري – السياسي يمنع انضمام دولة هي في حالة حرب فحسب، بل لأن النقاش بين دوائر صنع القرار ونخب الفكر السياسي الاستراتيجي في الغرب لم تصل إلى توافق على الأمر.

في النقاش المستمر عبر أورقة الحكومات والمنتديات السياسية، والمراكز الأكاديمية، والصفحات الإعلامية، ثمة من يقول إن أكبر تهديد لأمن أوروبا اليوم هو «الإمبريالية» الروسية. ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن موسكو لا تنظر إلى اتجاه كييف غرباً ورغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والناتو باعتبارهما تهديداً للأمن الروسي، بل ترى أن أوكرانيا يجب ألا تكون موجودة كدولة مستقلة. ويستدل أصحاب هذا الرأي على ذلك بالقول إن مختلف الاستطلاعات تُظهر أن أكثر الروس لا يرغبون في رؤية الأراضي التي احتلها جيشهم تعود إلى أوكرانيا.

ويضيف هؤلاء «الأطلسيون الصقور» أن الناتو لم يخطئ عندما أورد في إعلان قمة بوخارست عام 2008 أن أوكرانيا وجورجيا ستصبحان عضوين في الحلف، علماً أن ذلك الكلام بقي نظرياً. ويؤكدون أن الطريقة الوحيدة لضمان الأمن والاستقرار في أوروبا هي أن تصير أوكرانيا – قبل سواها - أطلسية.

في معسكر الصقور، يقول أستاذ العلاقات الدولية الأكاديمي الأميركي جيمس غولدغايغر إن أوكرانيا إذا انضمت إلى الناتو (بعد انتهاء الحرب)، ستجعل الحلف يواجه خياراً صعباً عندما تقرر روسيا في المرة المقبلة مهاجمة جارتها: سيكون على الناتو أن يقرر ما إذا كان سيخوض حرباً مع روسيا أو يتغاضى عن المادة 5 من ميثاقه التي تنص على أن أي هجوم على عضو واحد في الحلف يُعتبر هجوماً على الجميع.

راجمة صواريخ أوكرانية على جبهة باخموت (أ.ب)

ويضيف غولدغايغر أنه يجب النظر إلى الاحتمال السابق ذكره من منظار بانورامي واسع على النحو الآتي: «روسيا الإمبريالية ليست راضية عن العيش داخل حدود عام 1991 المعترف بها دولياً. ولو فعلت لكان الغرب مستعداً لمناقشة المصالح الأمنية القومية المشروعة لروسيا في ضمان أمن حدودها».

ويعتبر أن روسيا اختارت عدم مهاجمة عضو في الحلف عسكرياً لأن القيام بذلك سيجعلها تدخل مباشرة في حرب مع الناتو. وبالتالي، لو كانت أوكرانيا عضواً في الناتو لما هاجمتها روسيا. وبالذهاب أبعد في هذا المنطق، تغدو الطريقة الوحيدة للتعامل مع هذا التهديد على المدى الطويل هي ضم أوكرانيا إلى الناتو لمنع اي غزو روسي في المستقبل.

 

*أصل المشكلة

هل يستقيم منطق القول إن روسيا استضعفت أوكرانيا لأنها ليست أطلسية ولو كانت كذلك لما هاجمتها؟!

ربما يصح الاستنتاج بناء على هذا المنطق أن الناتو فكّر في تسريع خطوات ضم أوكرانيا – بعد انقلاب الحكم فيها من ضفة إلى ضفة عام 2014 - لكي يحرج روسيا ويمنعها من التدخل عسكرياً في الأرض المجاورة مخافة إشعال حرب روسية – أطلسية. واستطراداً يجوز القول إن هذه الفكرة – الخطة لم تتحقق لأن سيف روسيا سبق العزل الأطلسي عبر ضم شبه جزيرة القرم وقيام حركة التمرد الانفصالية في دونيتسك ولوغانسك.

... قد يخبرنا التاريخ يوماً الحقيقة.

ببساطة أكبر، يجدر السؤال: ألم يؤد توسيع حلف شمال الأطلسي من 16 دولة إلى 31 إلى تأجيج التوتر مع روسيا، خصوصاً أن غالبية الدول التي انضمت بعد سقوط الستار الحديدي الشيوعي عام 1990 كانت تدور في فلك موسكو أو مقرّبة منها؟

في مقال نُشر قبل نحو عشرة أشهر، كتب جوزف ناي عالم السياسة المخضرم الذي شغل مناصب حساسة في عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون وكان وروبرت أوين كيوهاين مؤسسَي نظرية النيوليبرالية في العلاقات الدولية، أن فهم الأسباب التي أدت إلى حرب أوكرانيا يقتضي التمييز بين الأسباب العميقة والوسيطة والفورية للنزاع. ويؤكد أنه حتى مع اجتماع الأنواع الثلاثة لا تكون الحرب أمراً محتماً، بل يمكن دائماً تجنّبها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

وأضاف ناي أنه بينما يرى كثر في الغرب أن الحرب التي بدأت في 24 فبراير (شباط) 2022 هي صنيعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يرد آخرون الصراع إلى نهاية الحرب الباردة وفشل الغرب في دعم روسيا بشكل كافٍ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. ويشرح أن الأنواع الثلاثة من الأسباب تشبه عملية إشعال النار في كومة من الحطب. فالحطب يمثل الأسباب العميقة، والمادة القابلة للاشتعال تمثل الأسباب الوسيطة، وعود الثقاب يمثل الأسباب الفورية المباشرة...

لا خلاف على أن فلاديمير بوتين أشعل عود الثقاب، لكن ماذا عن الطبقتين الأخريين من الأسباب؟

 

*روسيا الكبرى؟

في الأسباب الوسيطة للحرب، يمكن التحدث عن خيبة أمل بوتين، المسؤول السابق في الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي)، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وضمور النفوذ الروسي في العالم مقابل أحادية القطب التي تمتعت بها الولايات المتحدة أكثر من عقدين من الزمن.

لكنْ مع اشتداد العود الاقتصادي لروسيا بفضل ما منّت به الطبيعة من نفط وغاز، كان استيقاظ الأحلام أمراً طبيعياً. ولعل ضم شبه جزيرة القرم، أو استعادة هذه المنطقة كما يحلو للروس أن يقولوا، كان تجربة لجس نبض اوكرانيا ومن ورائها الغرب وقياس رد الفعل المحتمل على توسع ميداني روسي.

وفي الأسباب الوسيطة أيضاً للحرب، وفق جوزف ناي، أن الولايات المتحدة لم تَصدق عندما طمأنت الرئيس الروسي بوريس يلتسين إلى أن الناتو لن يتوسع، فـ«العائلة الأطلسية» تعاظمت بسرعة وتعاظم معها توجّس موسكو من محاصرتها وخنقها وربما تفجيرها من الداخل. وكان إعلان قمة بوخارست 2008 «القشة الأطلسية» التي قصمت ظهر «البعير الروسي»...

أما في الأسباب العميقة للحرب، فيعود جوزف ناي إلى ما أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي من فوضى في روسيا التي لم تتمكن من تحقيق الانتقال السلس من نظام اقتصادي اشتراكي موجّه وشديد المركزية إلى اقتصاد السوق، فكان أن انتشر الفساد وسوء الإدارة، فيما راحت تتركز القوة الاقتصادية في أيدي استغلاليين من الأوليغارشيين الذين أثروا على حساب مواطن خالَ أن البحبوحة آتية بمجرد سقوط النظام الشيوعي.

في ظل هذا الاهتراء لجأ الرئيس الضعيف يلتسين إلى رجل الاستخبارات القوي فلاديمير بوتين ليعيد فرض النظام ويحمي البلد من شرور الانهيار الوشيك... ولم يكن في الحقيقة صعباً على الرجل الصارم صاحب الرؤية أن يصعد سلالم السلطة بسرعة ليحكم قبضته على البلاد منذ أواخر تسعينات القرن الماضي. (بالمناسبة، الاسم فلاديمير المنتشر في العالم السلافي يعني «الحاكم الحكيم» وكذلك «حاكم العالم»!).

 

جنديان أوكرانيان في عربة «فلاكبانزر غيبارد» ألمانية مجهزة بمدفعين مضادين للطائرات يحرسان أجواء كييف من المسيّرات الروسية (أ.ف.ب)

*خليط متفجّر

أهي الإمبريالية الروسية أم الإمبريالية الأطلسية؟

أيهما أدت إلى حرب أوكرانيا؟

الأرجح أن الآفتين اجتمعتا في خليط متفجّر لتوقعا أوروبا في أخطر صراع منذ الحرب العالمية الثانية. صراع لا يبدو في الأفق ما يبشّر بنهاية قريبة له. فالسلاح يتدفق على أوكرانيا التي فشلت في هجوم مضاد لم يُعِد إلى «سيادتها» إلا بعض البلدات والدساكر، بحيث إذا استمر على هذه الوتيرة سيحتاج إخراج الروس من الأراضي التي غنموها في بداية الحرب إلى سنوات...

وفي المقابل، تبدو روسيا غير قادرة على الحسم ومستعدة لحرب طويلة الأمد لا لمجرّد «عملية عسكرية خاصة» كما سماها بوتين في البداية، موحياً أنها ستكون سريعة ربما على غرار الحرب الروسية – الجورجية التي لم تستغرق أكثر من خمسة أيام في أغسطس (آب) 2008 وانتهت بنصر روسي في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.

في الواقع، يبدو أن المواجهة على الأرض الأوكرانية هي حرب استنزاف بين الناتو – بجنود أوكرانيين – وروسيا: اشتباكات وقصف متبادل وهجمات فاشلة، واختراقات بالمسيّرات تروّع المدنيين ولا تغيّر شيئاً في الميدان.

أفراد من أجهزة الإنقاذ بعد إصابة مبنى للمكاتب في موسكو بهجوم شنته مسيّرات أوكرانية (أ.ف.ب)

هي حرب «خنادق» عصرية، تدور في ظل سباقات متعددة على النفوذ العالمي والكسب الاقتصادي، فيما مصانع السلاح تعمل بأقصى سرعة لتغذية الجنون المتمادي، والعالم يئنّ اقتصادياً، والاصطفافات والمحاور تتبلور بحيث يتعاظم خطر اندلاع نزاعات وحروب في بقاع أخرى من عالم يواجه في الوقت نفسه حرباً تشنّها الطبيعة الغاضبة عليه...

عالم تكثر فيه صراعات التحكّم والحكم، فيما يحتاج إنقاذه إلى حسن الحوكمة وعمق الحكمة.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

طالب الرئيس الأوكراني بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة، وأشاد الرئيس الأميركي بنظيره الروسي، ويعتقد أن «أوكرانيا قد هُزمت عسكرياً».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)

زيلينسكي: حرب إيران تركت أوكرانيا معلّقة في انتظار مفاوضات السلام

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن بلاده تعيش حالة من الجمود في انتظار استئناف محادثات السلام بين واشنطن وطهران

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)

أوكرانيا تطلب توضيحاً من أميركا بشأن مقترح روسيا لوقف إطلاق النار

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن كييف ستطلب توضيحات من فريق الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب بشأن تفاصيل مقترح روسيا لوقف إطلاق نار قصير الأمد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا اشتعال النيران في سيارة بمنطقة بيلغورود الروسية بعد غارة أوكرانية (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

بروكسل تدرس تشديد شروط قرض 100 مليار دولار لكييف وسفيرة أميركا لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

فون دير لاين تتهم روسيا بإقامة «ستار حديدي رقمي»

اتهمت رئيسة المفوضية الأوروبية، روسيا، الأربعاء، بإقامة «ستار حديدي رقمي» عبر تقييد اتصال مواطنيها بالإنترنت للتستر على تدهور الأوضاع الاقتصادية نتيجة العقوبات.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))

ستارمر يتّهم إيران بمحاولة «إلحاق الأذى باليهود البريطانيين»

جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)
جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)
TT

ستارمر يتّهم إيران بمحاولة «إلحاق الأذى باليهود البريطانيين»

جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)
جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)

اتهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إيران بالسعي إلى «إيذاء اليهود البريطانيين»، مؤكداً أن بلاده بحاجة إلى «صلاحيات أقوى لمواجهة التهديدات الخبيثة التي تمثلها دول مثل إيران، لأننا نعلم على وجه اليقين أنهم يريدون إلحاق الضرر باليهود البريطانيين»، في أعقاب الهجوم الذي استهدف الجالية اليهودية في شمال لندن، وفي ظل تحذيرات متكررة من استخدام طهران لوكلاء لتنفيذ أعمال عنف داخل المملكة المتحدة.

وجاءت تصريحات ستارمر غداة حادث طعن مزدوج في منطقة غولدرز غرين شمال لندن، حيث تعرّض رجلان يهوديان، يبلغان 34 و76 عاماً، لإصابات خطيرة، قبل أن تعلن السلطات أن حالتهما مستقرة، في هجوم صنّفته الشرطة عملاً إرهابياً. وأعلنت الشرطة توقيف رجل يبلغ 45 عاماً للاشتباه في شروعه في القتل، بينما يعمل المحققون على تحديد الدوافع، بما في ذلك احتمال وجود صلة بجهات مرتبطة بإيران. وقال مفوض شرطة العاصمة مارك رولي إن المشتبه به لديه «تاريخ من العنف الخطير ومشكلات في الصحة النفسية»، مشيراً إلى احتمال تورطه في حادث آخر قبل ساعات من الهجوم.

مشاكل نفسية وسوابق عنيفة

أفادت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأن المشتبه به يُدعى عيسى سليمان، وهو بريطاني من أصل صومالي قدم إلى المملكة المتحدة في أوائل التسعينات، ويحمل الجنسية البريطانية. وكان قد أُحيل عام 2020 إلى برنامج «بريفنت» الحكومي لمكافحة التطرف قبل إغلاق ملفه في العام نفسه. وبعد توقيفه، نُقل لفترة وجيزة إلى المستشفى قبل أن يُحتجز لدى الشرطة، فيما تواصل السلطات تفتيش عنوان مرتبط به في جنوب شرقي لندن.

وتأتي الواقعة في سياق تصاعد الهجمات ضد الجالية اليهودية في بريطانيا، التي يقدَّر عدد أفرادها بنحو 300 ألف شخص، وسط زيادة ملحوظة في الحوادث المعادية للسامية عبر الإنترنت وفي الشوارع منذ هجوم «حماس» على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والحرب التي تلته على غزة، وفق مؤسسات رصد محلية.

ومنذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير (شباط)، شهدت لندن سلسلة من هجمات الحرق المتعمد استهدفت كُنساً ومواقع يهودية، إضافة إلى معارضين للحكومة الإيرانية. وأعلنت الشرطة توقيف 28 شخصاً على خلفية تلك الهجمات، التي لم تسفر عن إصابات، مع توجيه اتهامات إلى عدد منهم وإدانة مراهق بعد إقراره بالذنب.

دور إيراني

تبنّت عبر الإنترنت جماعة تُعرف باسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بعض هجمات الحرق العمد، كما ادّعت مسؤوليتها عن حادث الطعن، وهو ما قالت وزيرة الداخلية شابانا محمود إن السلطات تتحقق من مدى مصداقيته، في ظل تحذيرات أمنية من احتمال أن يكون الاسم مجرد واجهة.

ستارمر لدى عقده مؤتمراً صحافياً حول الهجوم الإرهابي في شمال لندن يوم 30 أبريل (رويترز)

وتتهم بريطانيا إيران باستخدام وكلاء إجراميين لتنفيذ هجمات على الأراضي الأوروبية تستهدف خصوصاً وسائل إعلام معارضة والجالية اليهودية. ووفق جهاز الاستخبارات الداخلية «إم آي 5»، تم إحباط أكثر من 20 مخططاً «قد يكون مميتاً» مدعوماً من إيران خلال عام واحد.

وفي مواجهة الضغوط المتزايدة، تعهد ستارمر بأن تلقى هذه الهجمات رداً «سريعاً وواضحاً» من نظام العدالة الجنائية، فيما قالت وزيرة الداخلية إن الحكومة تتعامل مع معاداة السامية بوصفها «قضية أمنية أولى».

تشريع جديد

وأعلنت الحكومة تخصيص 25 مليون جنيه إسترليني (33 مليون دولار) لتعزيز الحماية حول الكُنس والمدارس والمراكز المجتمعية، وزيادة الدوريات الأمنية في المناطق التي تضم كثافة سكانية يهودية. كما أكدت أنها ستطرح تشريعاً جديداً يسمح بملاحقة «الأفراد والجماعات الذين يعملون نيابة عن منظمات مدعومة من دول»، بما يتيح التعامل معهم على غرار قضايا التجسس.

جانب من زيارة ستارمر لموقع الهجوم في شمال لندن يوم 30 أبريل (أ.ب)

وقالت الحكومة إن القانون المرتقب يأتي لمواجهة نمط متزايد من «التهديدات برعاية دول»، وسط تحذيرات أمنية من أن إيران، إلى جانب روسيا والصين، باتت تعتمد بشكل أكبر على عناصر غير رسمية لتنفيذ أنشطة عدائية. ولم تفصح وزيرة الداخلية عما إذا كان القانون الجديد سيستخدم ضد «الحرس الثوري» الإيراني، لكنها قالت لـ«سكاي نيوز»: «أتوقع أن أصدر قرارات في القريب العاجل عن جماعات سنصنفها على أنها مرتبطة بدول».

وكانت السلطات البريطانية قد وجهت في الشهر الماضي اتهامات لرجلين بموجب قانون الأمن القومي لتلقيهما توجيهات من إيران لتنفيذ أعمال مراقبة عدائية، كما أُدين ثلاثة أشخاص العام الماضي بتنفيذ هجوم حرق متعمد على شركات مرتبطة بأوكرانيا. ويقول مسؤولون إن ‌موسكو لجأت إلى مجرمين أو من لديهم مظالم قائمة في أعقاب طرد جواسيس روس بسبب واقعة تسميم العميل الروسي السابق سيرجي سكريبال عام 2018.

في المقابل، نفت موسكو وبكين وطهران هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها «مسيسة».


زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

بوتين وترمب خلال «قمة ألاسكا» (أ.ب)
بوتين وترمب خلال «قمة ألاسكا» (أ.ب)
TT

زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

بوتين وترمب خلال «قمة ألاسكا» (أ.ب)
بوتين وترمب خلال «قمة ألاسكا» (أ.ب)

طلبت كييف من واشنطن معلومات إضافية عن عرض الكرملين وقفاً لإطلاق النار يوم 9 مايو (أيار) 2026، تزامناً مع احتفالات روسيا بانتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، بعد أن ناقش الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال اتصال هاتفي، الأربعاء، احتمال وقف إطلاق نار مؤقت في حرب أوكرانيا، وفق ما أفاد به الجانبان.

صورة نُشرت يوم 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، في بيان على وسائل التواصل الاجتماعي: «لقد وجّهتُ ممثلينا بالتواصل مع فريق رئيس الولايات المتحدة وتوضيح تفاصيل مقترح روسيا لوقف مؤقت لإطلاق النار».

وذكر في منشور على منصة «إكس»: «سنستوضح ما المقصود بالضبط من هذا؛ هل هي بضع ساعات من الأمن من أجل إقامة عرض عسكري في موسكو، أم إنه أكثر من ذلك؟»، مضيفاً أن مقترح أوكرانيا هو وقف إطلاق نار طويل الأمد، و«أمن موثوق ومضمون للناس، وسلام دائم... أوكرانيا تسعى إلى السلام وتقوم بالعمل الدبلوماسي اللازم لوضع حد حقيقي لهذه الحرب».

وأشار مصدر في الكرملين إلى أن ⁠بوتين ‌طرح ‌خلال ​الاتصال وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار ⁠على ⁠أوكرانيا بمناسبة ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية في مايو. ولفت زيلينسكي إلى أن «مقترحنا يقضي بوقف طويل الأمد لإطلاق النار، وأمن موثوق به ومضمون للمدنيين، وسلام دائم. أوكرانيا مستعدّة للعمل من أجل ذلك بأيّ صيغة لائقة وفعّالة».

ويُعدّ العرض العسكري في 9 مايو، الذي يُقام في «الساحة الحمراء» ويشرف عليه بوتين، المحور الرئيسي لاحتفالات روسيا. لكن موسكو أعلنت هذا الأسبوع أن العتاد العسكري لن يُدرج في الفعاليات هذا العام، في إجراء احترازي على خلفية التهديد بضربات انتقامية أوكرانية، رغم أن المناسبة تستقطب عادة قادة دول حليفة لروسيا.

وكان الجيش الأوكراني كثّف في الأشهر الأخيرة ضرباته بعيدة المدى ضدّ أهداف طاقوية وأخرى عسكرية في عمق الأراضي الروسية.

وشكّل الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي بدأ في فبراير (شباط) 2022، أعنف نزاع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية؛ إذ أسفر عن مقتل مئات الآلاف وتشريد ملايين الأشخاص.

وقال مستشار السياسة الخارجية في الكرملين، يوري أوشاكوف، إن بوتين منفتح على هدنة خلال الاحتفالات الروسية في «الساحة الحمراء». ووصف أوشاكوف المحادثة التي استمرت 90 دقيقة بأنها كانت «صريحة وذات طابع عملي»، مضيفاً أنها جاءت بمبادرة من الجانب الروسي.

وقالت موسكو إن بوتين عرض خلال المكالمة رؤيته بشأن الوضع على خطوط الجبهة، واتهم كييف بتنفيذ هجمات ضد المدنيين، مع إعادة تأكيد أهداف روسيا في الحرب. وأضاف الكرملين أنه يفضل مع ذلك تحقيق هذه الأهداف عبر التفاوض.

فلاديمير بوتين خلال ترؤسه اجتماعاً لـ«مجلس الأمن القومي» في موسكو (أ.ب)

وفي البيت الأبيض، قال ترمب عن بوتين: «أجرينا محادثة جيدة جداً، وأنا أعرفه منذ فترة طويلة». وعند سؤاله عمّا إذا كانت حرب إيران أم حرب أوكرانيا ستنتهي أولاً، قال ترمب إنه لا يعرف، مشيراً إلى أن كلتيهما قد تسير ضمن «إطار زمني متشابه». وأضاف: «أعتقد أن أوكرانيا، عسكرياً، قد هُزمت».

كما قال ترمب إنه يعتقد أن بوتين كان مستعداً منذ فترة للتوصل إلى اتفاق. وأضاف: «أعتقد أنه كان مستعداً لإبرام صفقة منذ فترة. وأعتقد أن بعض الأشخاص جعلوا الأمر صعباً عليه لإتمامها». وكان ترمب قد غير موقفه من حرب أوكرانيا مرات عدة، لكنه تعرض مراراً لانتقادات بسبب مواقف عُدّت متعاطفة مع روسيا.

وأضاف ترمب، خلال لقائه رواد الفضاء من مهمة «أرتيميس2» في البيت الأبيض، أنه اقترح خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الروسي «وقف إطلاق النار لبعض الوقت» في الحرب الدائرة بأوكرانيا. وتابع ترمب: «أعتقد أنه قد يفعل ذلك»، ثم سأل الصحافيين عمّا إذا كان بوتين قد أعلن بالفعل وقف إطلاق النار.

وقال ترمب إن بوتين، كما نقلت عنه «رويترز»، عرض المساعدة في مسألة اليورانيوم المخصب لدى إيران، وهو عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب معها، لكن «قلت إنني أفضل أكثر أن تعمل على إنهاء الحرب مع أوكرانيا». وأضاف ترمب: «قلت له: قبل أن تساعدني؛ أريد إنهاء حربك».

قال ديميتري ميدفيديف، نائب رئيس «مجلس الأمن الروسي»، الخميس، إنه ليس من المرجح أن تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط بفاعلية في صراعات دولية، مشيراً إلى تصرفاتها على الساحة العالمية. وتتعارض تصريحات ميدفيديف؛ الرئيس الروسي السابق، على ما يبدو، مع الموقف الرسمي للكرملين الذي يرى أن الولايات المتحدة تلعب دوراً قيماً في السعي إلى حل سلمي بين روسيا وأوكرانيا.

وقال ميدفيديف، أمام الحضور في منتدى تعليمي: «من الصعب عدّ دولة تختطف رؤساء وتشن حروباً بهذه السهولة وسيطاً فعالاً في جميع المواقف». وأشار بهذا، على ما يبدو، إلى حرب إيران، وكذلك إلى عملية القوات الخاصة الأميركية التي أمر بها الرئيس دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) الماضي للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم تتعلق بالمخدرات.

الدخان وألسنة اللهب يتصاعدان من مصفاة «توابسي» النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

ومع ذلك، فإن ميدفيديف أقر بأن إدارة ترمب تبذل جهوداً لحل الأزمة الأوكرانية على عكس الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، على حد قوله.

ومن ناحية أخرى، قال في الفعالية نفسها إن أوروبا تمر بعملية عسكرة شبهها بالتحضيرات التي سبقت الحرب العالمية الثانية.

وميدانياً؛ قال جهاز الأمن الأوكراني، الخميس، إن طائراته المسيّرة قصفت مصفاة نفط قرب مدينة بيرم الروسية، في ثاني هجوم على منشآت نفطية بالمنطقة، في وقت تسعى فيه كييف إلى الحد من عوائد موسكو من الطاقة التي تستخدمها لتمويل الحرب. وأضاف الجهاز أن المصفاة؛ المملوكة لشركة «لوك أويل» وتقع على مسافة تزيد على 1500 كيلومتر من الأراضي الأوكرانية، من كبرى المصافي في روسيا، وأن طاقتها الإنتاجية تبلغ نحو 13 مليون طن سنوياً.

اشتعال النيران في سيارة بمنطقة بيلغورود الروسية بعد غارة أوكرانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وذكر الجهاز أن الهجوم، وفقاً للمعلومات الأولية، استهدف وحدة رئيسية للمعالجة الأولية للنفط داخل المصفاة؛ ما أدى فعلياً إلى تعطيلها. وأضاف أن هجوماً آخر استهدف محطة ضخ نفط في المنطقة، كانت توفر إمدادات الخام للمصفاة. وقال إن المحطة تعرضت لهجوم خلال الليل تسبب في اندلاع بؤر جديدة للحريق.

في المقابل، قال مسؤولون، الخميس، إن طائرات روسية مسيّرة هاجمت مدينة أوديسا في جنوب أوكرانيا خلال الليل لثاني مرة هذا الأسبوع؛ ما أسفر عن إصابة 18 شخصاً على الأقل وإلحاق أضرار بمبان سكنية. وقال سيرهي ليساك، رئيس الإدارة العسكرية في أوديسا، إن الضربات تسببت في أضرار بالغة بمنطقة بريمورسكي المركزية، حيث تضررت بنايات سكنية عالية وأخرى مؤلفة من 5 طوابق. وأضاف ليساك عبر تطبيق «تلغرام» أن الهجمات تسببت في اندلاع حرائق كبيرة بالطوابق العليا وعلى أحد الأسطح، وأنه تم احتواؤها منذ ذلك الحين.


زيلينسكي: حرب إيران تركت أوكرانيا معلّقة في انتظار مفاوضات السلام

صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)
صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: حرب إيران تركت أوكرانيا معلّقة في انتظار مفاوضات السلام

صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)
صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن بلاده تعيش حالة من الجمود في انتظار استئناف محادثات السلام بين واشنطن وطهران، التي قد تُنهي الحرب مع روسيا، مؤكداً أن الاضطراب الناجم عن النزاع في إيران يمثل عقبة رئيسية أمام استئناف تلك المفاوضات.

وفي مقابلة هاتفية مع وكالة بلومبيرغ للأنباء، اليوم الخميس، أوضح زيلينسكي أن أوكرانيا لم تتلق بعدُ أي إشارات جديدة من الجانبين الروسي أو الأميركي بشأن موعد استئناف المفاوضات، مضيفاً أن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لا يزالان يدرسان فكرة زيارة كييف.

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تُظهر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين بطهران (إ.ب.أ)

وخلص الرئيس الأوكراني إلى أنه لا توجد أي مؤشرات جديدة حول موعد أو مكان انعقاد المحادثات التي ترعاها إدارة الرئيس دونالد ترمب، قائلاً: «أعتقد أن الأمر كله مرهون بكيفية تطور الأوضاع في الشرق الأوسط».

ومع دخول الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا عامها الخامس، توقفت مفاوضات السلام بين الطرفين في منتصف فبراير (شباط) الماضي، بعد الجولة الأخيرة التي عُقدت في جنيف، وهي المفاوضات التي لم تشهد تقدماً يُذكَر منذ البداية. ثم خرجت العملية عن مسارها بالكامل لاحقاً بسبب الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وكان زيلينسكي قد طلب من الولايات المتحدة توضيحاً بشأن مقترح موسكو لوقف إطلاق النار بدءاً من 9 مايو (أيار) المقبل.

وقال زيلينسكي، في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، اليوم الخميس: «سنوضح ما المقصود من هذا المقترح تحديداً؛ هل هو بضع ساعات من الأمن من أجل عرض عسكري في موسكو، أم شيء آخر؟».

وأضاف زيلينسكي: «مقترحنا هو وقف إطلاق نار طويل الأمد، وأمن موثوق ومضمون للشعب، وسلام دائم».

وقال زيلينسكي إنه كلَّف فريقه بالتواصل مع الجانب الأميركي للحصول على مزيد من التفاصيل.