استنفدت فرنسا كل عناصر التكريم البروتوكولية المتاحة احتفاءً برئيس وزراء الهند نارندرا مودي، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة استثنائية لباريس استمرت يومين وكان خاتمتها حفل عشاء أراده قصر الإليزيه في متحف اللوفر التاريخي، بحضور 200 شخصية من عالم السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة.
وقبلها، جلس مودي إلى يمين الرئيس إيمانويل ماكرون في المنصة التي نُصبت في ساحة الكونكورد لمشاهدة العرض العسكري التقليدي بمناسبة العيد الوطني الفرنسي، حيث كانت الهند «ضيف الشرف». وبرّرت الرئاسة الفرنسية ذلك مؤكدةً أن تكريم الهند يعود لمرور 25 سنة على الشراكة الاستراتيجية المبرمة بين البلدين، بعد توقيع صفقة شراء 6 غواصات فرنسية الصنع عام 2005، كانت أولى بواكير التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين.
استقبال حافل
ولم يكتفِ الرئيس الفرنسي بذلك، بل قلَّد مودي، صباحاً، وسام جوقة الشرف من أعلى مرتبة، وحضر معه خلاصات مؤتمر لرجال أعمال فرنسيين وهنود. ولأن باريس أرادت إظهار الصداقة التي تربط الطرفين، فقد منحت 241 جندياً هندياً شرف افتتاح مسيرة الجنود المشاة في العرض العسكري، فيما شاركت ثلاث طائرات قتالية هندية «طائرتا ميراج وطائرة (رافال) من صناعة شركة (داسو) الفرنسية للطيران» في العرض الجوي.

جاء ذلك كله بعد أن استعرض ماكرون القوات المشاركة في العرض من على مركبة قيادة عسكرية قادته إلى ساحة الكونكورد، وإلى جانبه الحاكم العسكري لمنطقة باريس. وحظي ماكرون بكثير من التصفيق، ولكن أيضاً بصيحات الاستهجان بعض الأحيان.
لم يأتِ مودي فارغ اليدين إلى فرنسا. فقد كشفت وزارة الدفاع الهندية، الخميس، عبر المجلس المنوط به المشتريات العسكرية، عن قراره شراء 26 طائرة إضافية من طراز «رافال» بحري لتجهيز حاملة الطائرات الوحيدة «آي إن سي فيكرانت» التي تملكها، وهي من صُنع روسي أُهِّلت للخدمة في سلاح البحرية الهندي. وبالتوازي، أعلن أيضاً عن الرغبة في اقتناء ثلاث غواصات إضافية من طراز «سكوربين»، لتنضم إلى ست غواصات من الطراز نفسه سُلِّمت للهند.
وكان منتظراً أن تكون هذه الصفقة إحدى نقاط المحادثات التي جرت عصر الجمعة بين ماكرون ومودي، إلى جانب الملفات السياسية والاقتصادية التي تهم الطرفين. ولم تُعرف بالتحديد قيمة الصفقة التي تقدر فيما خصَّ الطائرات القتالية بما يزيد على 3 مليارات يورو. وكان المسؤولان قد التقيا مساء الخميس إلى الجمعة في إطار عشاء خاص اقتصر عليهما وحدهما.
والمهم بالنسبة إلى الغواصات أنها ستجمَّع في الأحواض الهندية وليس في فرنسا، ما سيوفر للهند أمرين: من جهةٍ فرص العمل لتقنييها، ومن جهة أخرى نقل الخبرات التكنولوجية والصناعية التي يمكن أن تساعدها مستقبلاً على توفير الاكتفاء الذاتي. وأفاد بيان وزارة الدفاع الهندية بأن الغواصات الثلاث ستبنيها شركة «مازغون دوك» التي يقع موقعها قريباً من مدينة مومباي الساحلية.
تعاون متعدد المجالات
بيد أن التعاون بين الهند وفرنسا لا يتوقف فقط على المشتريات الدفاعية، بل إن الطرفين، وفق تأكيد مصادر رئاسية في قصر الإليزيه، يسعيان لـ«تعميق وتكثيف التعاون» في كل المجالات والسير بالشراكة الاستراتيجية إلى حدودها القصوى. وفي هذا السياق، كشف البلدان أيضاً عن عدة اتفاقات تعاون في المجال الفضائي، بينها وضع نظام مشترك للمراقبة البحرية عبر الأقمار الاصطناعية وإطلاق بناء قمر اصطناعي فرنسي - هندي يعمل بالأشعة تحت الحمراء.

حقيقة الأمر أن رهان باريس على نيودلهي كبير وطَموح. وقال ماكرون، مساء الخميس، في كلمة له بمناسبة الاحتفال الذي جرى في وزارة الدفاع إن الهند «دولة عملاقة في تاريخ العالم وسيكون لها دور مؤثر على مستقبلنا، فضلاً عن أنها شريك استراتيجي وبلد صديق». ورد مودي على التحية بأحسن منها، إذ قال في كلمة له أمام الجالية الهندية في باريس إن القرب بينه وبين ماكرون «ليس بين قائدي البلدين فحسب بل هو انعكاس للصداقة التي لا تتزعزع بين الهند وفرنسا». وسبق له أن غرّد كاتباً: «أتطلع لتعزيز التعاون بين الهند وفرنسا خلال هذه الزيارة»، وهي الخامسة التي يقوم بها إلى باريس منذ وصوله إلى السلطة عام 2014، والرابعة في عهد ماكرون.
وفي حديث صحافي لجريدة «لي زيكو» الاقتصادية قبل وصوله إلى باريس، كشف مودي عن رؤيته لعلاقات بلاده مع فرنسا، معتبراً أن للطرفين «الرغبة في التوصل إلى الاستقلالية الاستراتيجية وأن كليهما متعلق بالعمل وفق منطق القانون الدولي ويسعى إلى عالم متعدد الأقطاب». وذهب مودي إلى رؤية أن فرنسا «تعد أحد شركائنا الرئيسيين عبر العالم».
استراتيجية التسلح الهندي
حتى سنوات قليلة، كانت الهند التي ترأس للعام الجاري مجموعة العشرين المقررة قمتها في نيودلهي في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، قريبة جداً من روسيا. وكانت موسكو مزوِّدها الرئيسي بالأسلحة. ورغم أن السلاح الروسي ما زال يشكّل الأساس لتسليح الهند، فإن الأخيرة عمدت إلى تنويع مصادرها واتّجهت إلى فرنسا التي أخذت توفر لها نحو ثلث تسلحها، فيما 10 في المائة تأتي من الولايات المتحدة.
وليس سراً أن الهند ترى في الصين التي تخطتها هذا العام من حيث عديد السكان، المنافس وربما التهديد الأول لها. وأخذت تنهج خطاً سياسياً واستراتيجياً منفتحاً على الجميع، بحيث حافظت على علاقاتها مع روسيا، وانفتحت على واشنطن التي زارها مودي مؤخراً، ولقي فيها استقبالاً لائقاً.
وفي الرؤية الغربية، وتحديداً الأميركية، تعويل على الهند لمحاولة احتواء الصين. بيد أن فرنسا ترى فيها رافعة لتعزيز حضورها في منطقة الهندي - الهادئ. وشرح ماكرون مساء الخميس سياسة بلاده إزاء الهند بقوله: «لقد نجحنا في تعزيز علاقاتنا مع الهند وبلدان أخرى، وبنينا تحالفات غير مسبوقة وأساسية، خصوصاً في منطقة الهندي - الهادئ». وأضاف ماكرون أن «الطريق الوسطية التي ننتهجها هي الصحيحة، والهند في إطارها هي الشريك الرئيسي».
وقال الباحث فيليب لوكور، العامل في إطار «مركز آسبي» للدراسات، إن فرنسا والهند «تتشاركان الرؤية نفسها للسلام والأمن في أوروبا، ولكن أيضاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ». ولباريس مصالح استراتيجية رئيسية فيها، حيث يعيش ما لا يقل عن 1.3 مليون فرنسي في ممتلكاتها في هذه المنطقة، وحيث تقع 75 في المائة من المنطقة الاقتصادية الفرنسية الخالصة.

وليس سراً أن فشل «صفقة القرن» التي كانت مبرمة بين فرنسا وأستراليا، والتي كانت باريس ستزوّد بموجبها كانبيرا بـ12 غواصة تعمل بالدفع التقليدي، أثار غيظ فرنسا ودفعها للاستدارة نحو الهند بديلاً عن أستراليا لتعزيز حضورها في منطقة الهندي - الهادئ. وقد استبعدت باريس من التحالف العسكري الثلاثي «أوكوس» الذي نشأ بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا وغرضه مواجهة التمدد الصيني في المنطقة.
يبقى أن الاحتفاء غير المحدود بمودي أثار أحزاب اليسار والخضر والكثير من جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان التي انتقدت ماكرون بسبب مغالاته في تكريم المسؤول الهندي، وأخذت عليه التغطية على سياسة مودي المغالية في نزعتها القومية الهندوسية، وعدم احترامه لحقوق الإنسان، وتراجع الديمقراطية، واضطهاد الأقليات، ومنها المسلمة والمسيحية، لا بل إن البرلمان الأوروبي طالب بقرار دمج ملف حقوق الإنسان «في جميع المجالات» التي تغطيها الشراكة القائمة بين الاتحاد الأوروبي والهند والتي تشمل، بالطبع، فرنسا. لكن يبدو أن هذه الاعتبارات الإنسانية ليست الأساسية التي تأخذها باريس بعين الاعتبار عندما تكون بمواجهة مصالح سياسية واستراتيجية أساسية.






