امتنعت المصادر الرئاسية الفرنسية الاثنين عن الخوض مباشرة في موضوع خطط الهند لشراء أسلحة فرنسية رئيسية بعشرات المليارات تاركة المسألة «مفتوحة» بانتظار أن تتوافر «معلومات دقيقة ومؤكدة». لكن الثابت، وفق مصادر واسعة الاطلاع، أن باريس ونيودلهي تبحثان منذ فترة، في مسألة حصول الهند على 26 طائرة رافال «بحرية» لإحدى حاملات طائراتها، وعلى ست غواصات من طراز «سكوربين» تقليدية الدفع.

وسبق للطرفين أن وقعا عقودا دفاعية رئيسية منذ انطلاق شراكتهما الاستراتيجية قبل 25 عاما. وبهذه المناسبة، قام الرئيس ماكرون بدعوة رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي بوصفه ضيف شرف في احتفالات باريس بالعيد الوطني، وفي العرض العسكري التقليدي الذي يجري كل عام في جادة الشانزليزيه.
وستشارك أربع وحدات هندية (241 رجلا) وثلاث طائرات «رافال» هندية وموسيقى القوات المسلحة الهندية في العرض. كذلك تم إعداد برنامج حافل لمودي؛ إذ سيكون ضيف ماكرون لعشاء خاص مساء الخميس، ثم ضيفه أيضاً لعشاء شرف موسع في متحف اللوفر بحضور 200 شخصية سياسية واقتصادية وثقافية ورياضية. كذلك سيتابع المسؤولان حفل إطلاق الألعاب النارية، وهو الأكبر والأجمل في فرنسا، بمناسبة العيد الوطني، الذي يتم منتصف ليل الجمعة - السبت.

وليست الصفقات وحدها التي تهم فرنسا في علاقاتها مع أكثر دول العالم كثافة سكانية.
صحيح أن القطاع الدفاعي يمثل رافعة أساسية لعلاقات البلدين إلا أن مصادر قصر الإليزيه، في معرض تقديمها للزيارة، ركزت، إلى ذلك، على أهمية الشراكة في قطاعات أساسية أخرى، مثل التعاون في قطاعات الفضاء والطاقة، خصوصاً الشمسية، والأنشطة السيبرانية، والحرب على الإرهاب...
وتستذكر باريس، أن الهند خسرت 74 ألف جندي من القوة الكبيرة التي شاركت في الحرب العالمية الأولى (1.3 مليون هندي) منهم ما يزيد على 7 آلاف قتلوا على الأراضي الفرنسية. وتذكر باريس أيضا أن الهند تعد خامس اقتصاد عالمي، وأول قوة زراعية، فضلا عن أنها ترأس العام الحالي مجموعة العشرين، وتريد أن يكون لها دور في إدارة شؤون العالم. ثم إن الهند تعد ثالث «منتج» لثاني أكسيد الكربون في العالم ما يجعل التفاهم معها ضرورياً في إطار جهود خفض الانبعاثات المتسببة في الاحتباس الحراري.
ومنذ وصوله إلى السلطة، دأب مودي على زيارة باريس. وزيارته يومي الخميس والجمعة المقبلين هي الخامسة من نوعها، والرابعة منذ وصول ماكرون إلى الإليزيه في عام 2017. وتريد باريس تنشيط المبادلات متعددة الأشكال مع الهند، بما في ذلك استقبال مزيد من الطلاب الهنود إلى جامعاتها، بحيث يصل عددهم إلى 30 ألفاً في عام 2025، بالتوازي مع تعزيز تعليم الفرنسية في مدارسها.

حقيقة الأمر أن باريس تراهن على الهند لتكون الرافعة لتعزيز حضورها في منطقة الهندي - الهادي. وقالت المصادر الرئاسية الفرنسية، إن التعاون بين الطرفين مبني على «الرغبة المشتركة في المحافظة على الأمن والاستقرار في المنطقة المذكورة، حيث لباريس كما لنيودلهي مصالح أساسية. والطرفان يسعيان لتوثيق حضورهما متنوع الأشكال فيها».
وليس خفيا على المتابعين للسياسة الفرنسية أن الرئيس ماكرون يعمل دوما على بناء علاقات شخصية مع كبار زعماء العالم. قام بذلك مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، ومع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي الحالتين لم يحصد أي ثمار من ذلك. ومنذ أن أصابته الخيبة الكبرى بتخلي أستراليا عن صفقة شراء غواصات فرنسية الصنع تعمل بالدفع التقليدي لصالح شراء غواصات أميركية - بريطانية تعمل بالدفع النووي، بالإضافة إلى استبعاد بلاده من الحلف الثلاثي الأميركي - البريطاني - الأسترالي، استدارت باريس نحو الهند التي جعلتها في قلب استراتيجيتها في جنوب شرقي آسيا والمحيط الهندي وامتداداته في المحيط الهادي. وكان مودي أول رئيس حكومة (أو دولة) يأتي إلى باريس لتهنئة ماكرون شخصيا ومباشرة بإعادة انتخابه ربيع العام الماضي لولاية رئاسية ثانية.

تسعى باريس ليكون لها دور في دفع الهند لتعديل موقفها من الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 500 يوم، وهي تعد أنها نجحت في ذلك حين مكنت الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من الوصول إلى هيروشيما ليكون ضيف مجموعة السبع في القمة التي استضافتها اليابان.
وفي هيروشيما، حصل اجتماع بين زيلينسكي ومودي، وقام الأخير بالتواصل مع الرئيس الأوكراني هاتفيا خمس مرات. من هنا، فإن باريس ترى في زيارة المسؤول الهندي فرصة للتحضير لقمة العشرين التي ستلتئم في نيودلهي يومي 9 و10 سبتمبر (أيلول) المقبل.
ولا شك أن الحرب في أوكرانيا ستكون موضوعاً رئيسياً في لقاء ماكرون - مودي، خصوصاً أنه يأتي عقب القمة الأطلسية في فيلنيوس التي سيهيمن عليها الملف المذكور.
وفي الخلاصة، فإن باريس ترى أن علاقتها مع الهند «كثيفة وواثقة»، وبالتالي يتعين البناء على ثوابتها للذهاب أبعد مما وصلت إليه، خصوصاً أن مصالح الطرفين متوازية، وشراكتهما أثبتت أنها «مثمرة» لهما معاً.



