قمة «الناتو» على باب «الحديقة الخلفية» لروسيا

دعم «على النمط الإسرائيلي» لأوكرانيا... والصين ضمن اهتمامات الحلف

رجل أمن يحرس مقر قمة «الناتو» في فيلنيوس الأحد (إ.ب.أ)
رجل أمن يحرس مقر قمة «الناتو» في فيلنيوس الأحد (إ.ب.أ)
TT

قمة «الناتو» على باب «الحديقة الخلفية» لروسيا

رجل أمن يحرس مقر قمة «الناتو» في فيلنيوس الأحد (إ.ب.أ)
رجل أمن يحرس مقر قمة «الناتو» في فيلنيوس الأحد (إ.ب.أ)

ليست مصادفة أن يعقد حلف شمال الأطلسي (الناتو) قمته الرابعة منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في العاصمة الليتوانية فيلنيوس على مسافة عشرات الأميال فقط من بيلاروسيا، حليفة الكرملين وحديقته الخلفية التي «تستضيف» الأسلحة النووية الروسية وعدداً غير معروف من مرتزقة مجموعة «فاغنر»، وعلى مقربة من الأراضي الروسية عند مدينة كالينينغراد.

إنه اختيار رمزي للاجتماع على طرف خاصرة الحلف الشرقية، لتوجيه رسالة قوية إلى الكرملين وسيده فلاديمير بوتين، في ذروة المواجهة الاستراتيجية التي بدأت تعيد تشكيل المعادلات الأمنية في أوروبا، وربما في العالم.

انشغال بروسيا... وعين على الصين

القضية المركزية التي تدور حولها هذه القمة هي التوصل إلى اتفاق سياسي حول مستقبل أوكرانيا وتحديد مسار انضمامها إلى «الناتو» والتعهدات الأمنية في انتظار هذا الانضمام الذي ما زالت واشنطن غير متحمسة له، فضلاً على قضايا أخرى هامة مثل طلب انضمام السويد الذي لا تزال تركيا تعارضه، وإطلاق خطط الدفاع الإقليمية الجديدة التي تشكّل إعادة نظر واسعة في البنية العسكرية للحلف منذ الحرب الباردة.

لا شك في أن الحرب الدائرة في أوكرانيا أعادت الحياة إلى منظمة الدفاع الأطلسية التي كانت قد دخلت مرحلة التشكيك في جدواها بعد التحذيرات المتكررة التي أطلقها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب وتهديده بالانسحاب منها إذا امتنعت الدول الأوروبية عن رفع سقف إنفاقها العسكري وتحمل المزيد من أعباء تمويل موازنة الحلف.

تبدّى منذ بداية هذه الحرب أن الدول الأوروبية التي كانت الداعية إلى إنشاء حلف «الناتو» بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، هي اليوم تحت رحمة العباءة الدفاعية للولايات المتحدة التي كانت مترددة في البداية بالانضمام إلى المشروع الدفاعي الأوروبي، النواة الأولى للحلف الأطلسي.

لكن مشاركة أربع دول من المحيط الهادئ في هذه القمة هي اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، هي أيضاً رسالة مفادها أنه إذا كان تركيز الحلف اليوم على روسيا، فإن الصين أيضاً قد أصبحت ضمن اهتماماته.

مصير عضوية أوكرانيا

في تبريرها للحرب التي تشنّها على أوكرانيا تشدّد موسكو على أن وصول الحلف الأطلسي إلى حدودها هو خط أحمر بالنسبة لأمنها القومي لا يمكن أن تسمح بتجاوزه، وأن الدول الأعضاء في الحلف نكثت بوعودها وتعهداتها بعدم إشراك أوكرانيا في المنظومة الدفاعية الغربية.

ينتظر أن يعد بايدن زيلينسكي بمزيد من المساعدات خلال قمة الحلف (أ.ب)

والقمة التي تبدأ الثلاثاء في فيلنيوس ستخصص الجزء الأكبر من مداولاتها النووية لتحديد إطار العلاقة الأطلسية مع أوكرانيا التي كان الحلف قد وجه إليها دعوة للانضمام خلال قمة بوخارست في 2008، لكن منذ ذلك التاريخ لم يحدث أي تقدم على هذا المسار، حتى بعد إقدام موسكو على ضم شبه جزيرة القرم في 2014.

وبعد بداية الغزو الروسي الواسع مطلع العام الماضي، قرر الحلف رفع مستوى علاقاته الدبلوماسية مع أوكرانيا في مجلس دفاعي مشترك يتيح لحكومة كييف المشاركة على قدم المساواة مع أعضاء الحلف في مناقشة الكثير من القضايا.

ومن المقرر أن يعقد هذا المجلس أول اجتماعاته في هذه القمة التي ينتظر أن يصدر عنها بيان يشدد على أن موقع أوكرانيا هو ضمن الحلف الأطلسي الذي قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، السبت، إنها تستحق الانضمام إليه، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلنسكي في إسطنبول، لكن من غير أن يذهب بعيداً مثل بعض الدول الشرقية التي تطالب بجدول زمني للانضمام أو القول إن كييف لن تكون بحاجة لاستيفاء جميع الشروط اللازمة للعضوية الكاملة في الحلف.

وتقول أوساط أطلسية مطلعة إن أوكرانيا باتت مقتنعة بأن عضويتها لن تكون ناجزة قبل نهاية الحرب، وهذه العضوية لن تتم في أي حال من الأحوال إلا بعد استكمال مجموعة من معايير المنظمة وإجراء تعديلات واسعة في البنى العسكرية الموروثة من العهد السوفياتي وتبنّي القواعد الأطلسية. لكن هذا لن يكون حائلاً دون موافقة القمة على منح أوكرانيا حزمة من المساعدات الاقتصادية لبضع سنوات من أجل تحديث تجهيزاتها العسكرية واستكمال تدريب قواتها الذي كان قد بدأ قبل سنوات من الحرب.

«حماية أمنية» على غرار إسرائيل

أوكرانيا - من جهتها - تسعى إلى الحصول من الحلف، أو من بعض أعضائه، على ضمانات أمنية ملزمة لا تزال الدول الأعضاء ترفض إعطاءها وتحجم عن مدّها بأسلحة هجومية فتّاكة. كما يرفض الحلف أي تعهدات يمكن أن تفسّر على أنها رديفة للمادة الخامسة من معاهدة واشنطن المؤسسة له، والتي تلزم الدول الأعضاء بمساعدة أي عضو يتعرّض لاعتداء خارجي، ما يؤدي في هذه الحالة إلى دخول الحلف الأطلسي في الحرب مباشرة ضد روسيا.

ملعب للأطفال قبالة صواريخ «باتريوت» ألمانية نشرت في مطار فيلنيوس عشية قمة «الناتو» (إ.ب.أ)

وتعتزم مجموعة من الدول، بينها أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، تقديم عرض لأوكرانيا يوفّر لها «حماية أمنية» عبر اتفاقات ثنائية أو جماعية تضمن لها استمرار تدفق المساعدات العسكرية والدعم التقني واللوجيستي على غرار ما تقدمه الولايات المتحدة منذ عقود لإسرائيل.

وتشمل هذه الاتفاقات مدّ أوكرانيا بأسلحة دفاعية وتكنولوجيا متطورة، وتبادل معلومات استخبارية، لكن ليس من المؤكد أن هذه الاتفاقات ستكون جاهزة لتوقيعها على هامش القمة.

طلب انضمام السويد

من المواضيع الأساسية الأخرى التي ستبحثها القمة الأطلسية، إنجاز طلب السويد الانضمام إلى الحلف الذي ما زال يصطدم بمعارضة تركيا التي تصرّ على حظر استوكهولم نشاط الأحزاب الكردية على أراضيها، وتسليم عدد من المطلوبين للعدالة التركية.

إردوغان خلال مؤتمر صحافي مع رئيس وزراء السويد أولف كرستيرسن في أنقرة العام الماضي (أ.ب)

ورغم الضغوط الكبيرة التي تبذلها الدول الأعضاء على تركيا كي تسحب اعتراضها على انضمام السويد، فإن أنقرة تسعى منذ فترة إلى مقايضة تراجعها عن هذا الموقف، بالحصول على أسلحة أميركية متطورة مثل تحديث أسطولها من طائرات «إف 16» وشراء طائرات جديدة.

وكانت واشنطن قد وافقت أخيراً على بيع تركيا حزمة من البرمجيات المتطورة لتحديث مقاتلاتها بعد أن أعطت الضوء الأخضر لانضمام فنلندا إلى الحلف في أبريل (نيسان) الماضي، لكن الموافقة لا تزال تتعثر في الكونغرس.


مقالات ذات صلة

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

أوروبا وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

قالت القوات المسلحة البريطانية، الخميس، إنَّ القوات العسكرية البريطانية قادت ونظيرتها النرويجية عمليةً استمرت أسابيع؛ لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بعد 16 عاماً في السلطة يواجه رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، تحدياً من بيتر ماجيار، الذي يتقدم حزبه في معظم استطلاعات الرأي المستقلة وإن لم يكن تقدماً حازماً

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز) p-circle

موسكو تنفي تقارير أوكرانية عن تحالف متسللين إلكترونيين إيرانيين وروس

ذكرت «الخارجية الروسية»، الأربعاء، أن التقييمات الأوكرانية التي تفيد بأن متسللين إلكترونيين من الروس والإيرانيين يتعاونون في مجال الأمن الإلكتروني غير صحيحة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد السفينة «غويل» غادرت ميناء أوست لوغا الثلاثاء محملة بـ700 ألف برميل من النفط (إكس)

ميناء أوست لوغا الروسي يستأنف تصدير النفط

استأنف ميناء أوست لوغا الروسي على بحر البلطيق تصدير النفط، رغم هجمات تنفَّذ بطائرات مُسيَّرة، وفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا رجال إنقاذ يحملون جثة من الحافلة التي أصابتها مُسيّرة روسية بوسط ​مدينة ‌نيكوبول جنوب شرقي أوكرانيا الثلاثاء (رويترز)

فانس يرى أن حرب أوكرانيا هي «الأصعب» ويتهم أوروبا بالتقصير تجاهها

اتهم نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، الأربعاء، القادة الأوروبيين بالتقصير وعدم بذل جهود كافية لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

المحكمة العليا في روسيا تصنّف «ميموريال» «منظمة متطرفة»

شرطيان خارج مبنى محكمة روسية في موسكو (أرشيفية - رويترز)
شرطيان خارج مبنى محكمة روسية في موسكو (أرشيفية - رويترز)
TT

المحكمة العليا في روسيا تصنّف «ميموريال» «منظمة متطرفة»

شرطيان خارج مبنى محكمة روسية في موسكو (أرشيفية - رويترز)
شرطيان خارج مبنى محكمة روسية في موسكو (أرشيفية - رويترز)

صنَّفت المحكمة العليا في روسيا، الخميس، منظمة «ميموريال» الحقوقية «منظمةً متطرفةً»، في قرار يتيح الملاحقة القضائية لداعمي هذه الجمعية غير الحكومية الحائزة جائزة نوبل للسلام عام 2022.

وأفادت المحكمة، في بيان، بأنها تعدَّ «ميموريال» بمثابة «منظمة متطرفة» وتُحظر «أنشطتها وأنشطة فروعها الهيكلية على أراضي الاتحاد الروسي».

وأوضح البيان أن «المحكمة العليا للاتحاد الروسي عدّت أن نشاط الحركة المدنية الدولية ميموريال، يتسم بوضوح بطابع معادٍ لروسيا».

واتخذ القاضي قراره بناء على طلب قدَّمه المدّعون العامون الروس خلال جلسة مغلقة، لم يتمكَّن محامي «ميموريال» من حضورها، وفقاً لما أفادت المنظمة.

أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

وندَّد «مركز ميموريال لحماية حقوق الإنسان»، وهو الامتداد غير الرسمي لـ«ميموريال» داخل روسيا بهذا القرار، ووصفه بأنه «غير قانوني... ويمثل مرحلة جديدة في الضغط السياسي على المجتمع المدني الروسي».

ويسهّل هذا القرار ملاحقة أنصار المنظمة والناشطين المرتبطين بها في روسيا، ما يعرِّضهم لعقوبات بالسجن.

وعدّت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى روسيا أن هذا القرار «ضربة قاسية للمجتمع المدني» في روسيا.

وكانت السلطات الروسية عدّت المنظمة في عام 2015 «عميلة للخارج»، وأصدر القضاء الروسي عام 2021 قراراً بحلّها.


بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا والنرويج تقودان عملية عسكرية لردع غواصات روسية في شمال المحيط الأطلسي

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت القوات المسلحة البريطانية، الخميس، إنَّ القوات العسكرية البريطانية قادت ونظيرتها النرويجية عمليةً استمرَّت أسابيع؛ لردع غواصات روسية يُشتبه في قيامها بـ«أنشطة خبيثة» في شمال المحيط الأطلسي، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وقال وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، إن فرقاطة وطائرات ومئات من الأفراد قاموا بمراقبة غواصة هجومية روسية وغواصتين تجسُّستَين بالقرب من البنية التحتية تحت سطح البحر شمال المملكة المتحدة. وأضاف أن السفن الروسية غادرت في نهاية المطاف بعد العملية التي استمرَّت أكثر من شهر.

وقال هيلي إنَّ رسالته إلى روسيا هي: «نحن نرى نشاطكم فوق كابلاتنا وخطوط أنابيبنا، ويجب أن تعلموا أنَّ أي محاولة للإضرار بها لن يتم التسامح معها، وستكون لها عواقب وخيمة».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث إلى مشاة البحرية الملكية على متن سفينة «إتش إم إس سانت ألبانز» في أوسلو، خلال زيارته للنرويج يوم 9 مايو 2025 (أ.ب)

وسعى مسؤولون بريطانيون إلى إبقاء روسيا في دائرة الضوء الدولية، حتى في وقت يتركز فيه اهتمام العالم على الصراع في الشرق الأوسط. كما شدَّدوا على الترابط بين النزاعات في الشرق الأوسط وفي أوكرانيا، قائلين إن روسيا زوَّدت إيران بأجزاء طائرات مسيّرة ودعم آخر.

وقال هيلي، في مؤتمر صحافي، إن «بوتين يرغب في أن ننشغل بالشرق الأوسط»، لكن روسيا هي التهديد الرئيسي للمملكة المتحدة وحلفائها.

وأضاف: «لن نرفع أعيننا عن بوتين».

وفي أواخر مارس (آذار)، قالت المملكة المتحدة إنَّ جيشها مستعدٌّ لاحتجاز سفن يُشتبه في أنها جزء من «الأسطول الظلّي» الروسي الذي ينقل النفط، في انتهاك للعقوبات الدولية المفروضة على موسكو بسبب حربها في أوكرانيا. وكانت بريطانيا في السابق تساعد فرنسا والولايات المتحدة فقط على مراقبة السفن قبل الصعود إليها.

وقال هيلي: «نحن مستعدون لاتخاذ إجراءات» ضد تلك السفن.


انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)
بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)
TT

انتخابات تتابعها أوروبا باهتمام في المجر

بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)
بيتر ماجيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

تشهد المجر، الأحد المقبل، انتخابات برلمانية تنطوي على تداعيات واسعة تتجاوز حدود البلاد. وبعد 16 عاماً في السلطة، يواجه رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، تحدياً خطيرا ومتوصلاً من بيتر ماجيار، الذي يتقدم حزبه (تيلزا)، في معظم استطلاعات الرأي المستقلة، وإن لم يكن ذلك تقدماً حاسماً.

ويقول غريغوار روس، المحلل السياسي البارز مدير برامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في «تشاتام هاوس» (المعهد الملكي البريطاني) إن نتيجة السباق سوف تحدد المسار الداخلي في المجر، وقدرة الاتحاد الأوروبي على العمل بشكل متماسك، وأيضاً توازن النفوذ بين روسيا والغرب في وسط أوروبا. كما ستشكل اختباراً لشبكة الحلفاء السياسيين، أصحاب التوجهات المتشابهة التي يبنيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في أوروبا.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)

وأكد روس أن زيارة جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، للمجر، هذا الأسبوع، في دعم علني لأوربان، هي شكل غير معتاد من الانخراط السياسي الأميركي المباشر في انتخابات أوروبية، وتعكس عمق الانقسام بين واشنطن وحلفائها التقليديين عبر الأطلسي.

أكثر من مجرد حكومة: نظام كامل

ومن منظور داخلي بحت، لا تمثل هذه الانتخابات مجرد اختيار بسيط بين الاستمرارية والتغيير، بل هي اختبار لمدى ترسخ نظام سياسي بأكمله. فعلى مدار العقد الماضي، طورت المجر نموذجاً يتميز بمركزية قوية، ودور نشط للدولة في الاقتصاد، بحسب روس. وترجم ذلك إلى سياسات ملموسة: وضع سقف لأسعار الطاقة، وبرامج دعم مباشر للأسر، ونهج تقوده الدولة في القطاعات الاستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الضغوط الاقتصادية أكثر وضوحاً؛ إذ أدى التضخم إلى تآكل القوة الشرائية، وأصبحت المالية العامة أكثر تقييداً مقارنةً بالدورات الانتخابية السابقة.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى وصوله لحضور اجتماع المجلس الأوروبي في بروكسل - 18 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وثمة جانب آخر أساسي في هذا النموذج، ألا وهو الخطاب السياسي القائم على السيادة ومقاومة الضغوط الخارجية. وقد اتسمت علاقة أوربان مع الاتحاد الأوروبي بنزاع متواصل ومتعمق حول قضايا متعددة، من سيادة القانون والهجرة إلى الحرب في أوكرانيا. ولا يزال هناك نحو 20 مليار يورو من أموال الاتحاد الأوروبي مجمَّدة نتيجة لذلك. وقد أدى ذلك إلى نتائج واضح، مثل تأجيل مشاريع البنية التحتية، وانخفاض المنح التنموية للشركات، وتقلص الإنفاق العام.

ويقول روس إنه بعدما جعل نظام أوربان المواجهة مع الاتحاد الأوروبي محوراً أساسياً لمشروعه، بدأ يدرك تداعيات هذه الاستراتيجية عليه، في صورة أموال مؤجلة، وميزانيات أكثر تشدداً، وخيارات سياسية أقل. وقد يكون الثمن السياسي لكل هذا باهظاً.

مزيد من الاحتكاك أم التقارب؟

وتحمل الانتخابات أهمية لديناميكيات الاتحاد الأوروبي الداخلية، فلطالما استخدمت المجر وضعها لتعطيل أو إعادة تشكيل قرارات جماعية للتكتل، خصوصاً فيما يتعلق بالدعم المالي لأوكرانيا، وهو ما خلق توتراً داخل التكتل، حيث لا يزال الإجماع مطلوباً في قضايا السياسة الخارجية الأساسية.

ومن المرجَّح أن يؤدي فوز أوربان إلى تصاعد الدعوات، لا سيما من ألمانيا ودول أخرى، إلى اعتماد التصويت بالأغلبية المؤهلة داخل الاتحاد، لتحجيم قدرة بودابست على تعطيل القرارات.

ويؤكد المحلل روس أن التغيير في القيادة قد يخفف ما تضعه المجر من عراقيل، لكنه لن يعني بالضرورة توافقاً تاماً مع مواقف الاتحاد الأوروبي الرئيسية. وعلى سبيل المثال، من المرجَّح أن يظل الرأي العام في المجر حذراً بشأن الهجرة.

وفيما يتعلق بأوكرانيا وروسيا، تبنت المجر موقفاً مميزاً داخل الاتحاد يجمع بين الموافقة الرسمية على العقوبات والتزامات «حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، مع نهج أكثر حذراً، أحياناً براغماتياً، تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد شمل ذلك استمرار التعاون في مجال الطاقة مع موسكو، وموقفاً أكثر تحفظاً بشأن الدعم العسكري لأوكرانيا.

وقد تعيد حكومة بقيادة بيتر ماجيار ضبط هذا التوازن، لكن القيود الأساسية (الجغرافية والاقتصادية والسياسية) التي تواجه أي حكومة مجرية لن تختفي بين ليلة وضحاها.

استمرارية حتمية

يتعين التعامل بحذر مع احتمالات التغيير؛ حيث إن بيتر ماجيار ليس شخصية خارج النظام تسعى لتفكيكه من جذوره، بل هو مِن داخله ويدرك كيف يعمل هذا النظام.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الكرملين - 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

وقد تحاشت حملته عمداً تصوير الانتخابات كصراع بين «مجر وأخرى» متناقضتين. وهذا مهم، لأنه يشير إلى سيناريو يكون فيه التغيير انتقائياً وتدريجياً، لا جذرياً شاملاً.

وربما تتغير بعض المجالات بسرعة نسبية؛ فقد تستقر العلاقات مع بروكسل، مما يفتح الباب أمام جزء من تمويل الاتحاد الأوروبي. كما قد تتعدل نبرة السياسة الخارجية، خصوصاً تجاه كييف وموسكو.

ولكن ثمة عناصر أخرى أكثر رسوخاً، مثل الدور المركزي للدولة في الاقتصاد، والأهمية الكبيرة لمشروعات الطاقة الضخمة.

تغيير على الهوامش

أعادت الحرب الأخيرة في منطقة الخليج أمن الطاقة إلى صدارة الحملة الانتخابية.

وتنتج محطة «باكس» النووية في المجر نحو نصف كهرباء البلاد. ويعتمد بناء مفاعلات جديدة على التكنولوجيا والتمويل من روسيا عبر «روساتوم» (المؤسسة الحكومة للطاقة النووية في روسيا). كما أن البنية التحتية للغاز في المجر كانت تاريخياً موجهة نحو الإمدادات الروسية.

وأبرزت أحداث حديثة هشاشة هذه البنية؛ إذ عثر على متفجرات في صربيا قرب خط أنابيب يزود المجر بالغاز الروسي. وتزعم أوكرانيا أن روسيا ربما دبرت الحادث، كعملية «راية زائفة»، وهو أمر غير مستبعَد، ولكن لم يتم إثباته.

ويظهر هذا أن الاعتماد على الطاقة ليس قضية اقتصادية فحسب، بل استراتيجية أيضاً.

ورغم أن تنويع مصادر الطاقة ممكن، فإنه يتطلب سنوات من الاستثمار في خطوط أنابيب بديلة، وتحديث الشبكات، والتنسيق الإقليمي، مما يحد من قدرة أي حكومة على المناورة على المدى القصير.

رئيس الوزراء، فيكتور أوربان خلال حملته الانتخابية في 27 مارس 2026 (رويترز)

وينبغي ضبط توقعات الاتحاد الأوروبي وفقاً لذلك. ففي ظل حكومة بقيادة بيتر ماجيار، من المرجح ألا يكون المسار انفصالاً كاملاً عن روسيا، بل إعادة توازن تدريجية تتشكل بقدر ما تمليه القيود العملية وبقدر ما تحدده النيات السياسية.

وجذب نهج إدارة الحملة الانتخابية الانتباه؛ حيث زعم صحافيون ومنظمات غير حكومية وجود ممارسات تطمس الحدود بين السياسات العامة والتعبئة السياسية، خصوصاً في المناطق الأكثر ضعفاً من الناحية الاقتصادية.

وتواجه الحكومة اتهامات بتقديم مزايا مادية وبرامج توظيف عامة لكسب أصوات فئات بعينها، وتنظيم نقل الناخبين إلى مراكز الاقتراع. ولكن الأدلة تشير بشكل أكبر إلى شبكات محلية من المحسوبية والاعتماد، بدلاً من شراء الأصوات. وقد لا يكون ذلك كافياً لإبطال نتائج الانتخابات، لكنه يعكس بيئة تنافس غير متكافئة بشكل متزايد.

خيارات مقيدة

ويتحدث روس عن لوحة خيارات مقيدة أكثر من كونها بدائل واضحة، فسياسات الاقتصاد في المجر تتأثر بضيق الحيز المالي والتمويل الخارجي المشروط، واستراتيجية الطاقة تحددها البنية التحتية طويلة الأمد والتبعية القائمة. أما السياسة الخارجية، فتقع عند تقاطع عضوية الاتحاد الأوروبي والتزامات «الناتو» والاعتبارات البراغماتية.

ويؤكد روس في ختام تحليله أن تغيير القيادة لن يؤدي تلقائياً إلى تحول في النظام، فقد تطور النظام السياسي في المجر خلال العقد الماضي بطريقة تعكس أوجه تفضيل هيكلية ومجتمعية عميقة تتعلق بالسيادة، ودور الدولة، وحدود التأثير الخارجي. وهذه ليست أموراً يسهل تغييرها بمجرد تداول السلطة.