القلق الأمني يخيم على القمة الأوروبية... وقادتها يؤيدون تقديم التزامات دائمة لأوكرانيا

ناقشوا التبعات التي قد تنشأ عن لجوء قائد «فاغنر» وعدد غير معروف من مقاتليه إلى بيلاروسيا

قادة أوروبا خلال محادثات الطاولة المستديرة للقمة (إ.ب.أ)
قادة أوروبا خلال محادثات الطاولة المستديرة للقمة (إ.ب.أ)
TT

القلق الأمني يخيم على القمة الأوروبية... وقادتها يؤيدون تقديم التزامات دائمة لأوكرانيا

قادة أوروبا خلال محادثات الطاولة المستديرة للقمة (إ.ب.أ)
قادة أوروبا خلال محادثات الطاولة المستديرة للقمة (إ.ب.أ)

لتعزيز أمن أوكرانيا على المدى البعيد، حض الرئيس فولوديمير زيلينسكي قادة أوروبا على العمل على جولة جديدة من العقوبات بحق روسيا. وخلال قمة بروكسل، كرر القادة تنديدهم بحرب روسيا على أوكرانيا، وقالوا إن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء «جاهزون» للمساهمة في الالتزامات التي من شأنها أن تساعد أوكرانيا في الدفاع عن نفسها على المدى البعيد. وقال المسؤول عن السياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بورّيل للصحافيين: «الدعم العسكري لأوكرانيا يتعين (أن يكون) طويل الأمد»، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي قد يؤسس صندوقا للدفاع الأوكراني على غرار صندوق السلام.

رئيس وزراء بلجيكا ألكساندر دي كرو يتحدث حول الدعم الأوروبي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

وأضاف بوريل: «التدريب يجب أن يستمر وتحديث الجيش يجب أن يستمر. تحتاج أوكرانيا لالتزامنا حتى تواصل ضمان أمنها أثناء الحرب وبعد انتهائها».

وتقول مصادر أوروبية مسؤولة إن مفهوم «التعهدات الأمنية» الذي تقف فرنسا وراءه، قد يبقى مجرد حبر على ورق بسبب تردد دول عديدة في الذهاب أبعد من الصيغة الراهنة لتقديم المساعدات إلى أوكرانيا. وتخشى هذه الدول من أن حصول أوكرانيا على أسلحة هجومية أكثر تطوراً على غرار المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة إلى إسرائيل، قد يدفع موسكو إلى خيارات عسكرية أكثر خطورة.

وقالت المصادر، كما نقلت عنها «رويترز»، إن فرنسا، التي تدعو لتعزيز الدور الأمني والدفاعي للاتحاد الأوروبي، هي التي اقترحت نص البيان الختامي. لكن البيان جرى تعديله ليراعي مخاوف الدول المحايدة عسكريا وتلك التي تؤيد بشدة التعاون عبر ضفتي الأطلسي، مثل دول البلطيق التي ترى أن حلف شمال الأطلسي هو المسؤول الأساسي عن الأمن الأوروبي مع اضطلاع الولايات المتحدة بدور كبير. وقال النص النهائي للبيان إن الاتحاد الأوروبي سيسهم «مع الشركاء... ومع الاحترام الكامل للسياسات الأمنية والدفاعية لدول أعضاء بعينها». ويتماشى البيان مع مناقشة جرت بين دول أعضاء وقوى عسكرية بحلف شمال الأطلسي (الناتو) مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا حول إجراءات طمأنة أوكرانيا بشأن التزام الغرب بتعزيز أمنها على المدى البعيد.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين

وتقول أوكرانيا إن أفضل طريقة لضمان أمنها وأمن أوروبا هي السماح لها بالانضمام إلى التكتل العسكري. لكن كييف أقرت أن ذلك غير ممكن أثناء الحرب ويدور خلاف بحلف شمال الأطلسي بشأن موعد حدوث ذلك بعد الحرب. وعبر زيلينسكي في كلمة أمام قادة الاتحاد الأوروبي عبر الإنترنت عن شكره لهم على الحزمة الحادية عشرة من العقوبات على روسيا التي أقرها الاتحاد في وقت سابق من الشهر الحالي بهدف منع المزيد من الدول والشركات من التحايل على العقوبات القائمة. وقال زيلينسكي وفقا لنص كلمته المنشور على الموقع الإلكتروني للرئاسة الأوكرانية: «من المهم عدم التوقف عن فرض العقوبات». وأشار أيضا إلى تمرد مجموعة فاغنر، قائلا: «كلما كانت روسيا أضعف وكان قادتها في خوف من حركات التمرد والانتفاضات، فسيخشون مضايقتنا. ضعف روسيا سيجعل الوضع آمنا بالنسبة للآخرين وهزيمتها ستحل مشكلة هذه الحرب».

وكان من المفترض أن تكون الأحداث المتلاحقة في روسيا منذ نهاية الأسبوع الماضي مبعثاً على الارتياح في الأوساط الأوروبية، لا سيما أن ثمة إجماعاً بين المحللين والمراقبين على أن التمرّد الذي قاده زعيم مجموعة فاغنر كان أقرب ما يكون إلى انقلاب على الكرملين وسلطة فلاديمير بوتين، ودليلاً على أن الرئيس الروسي لم يعد يملك السيطرة الكاملة على المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية أمام تعثّر العمليات الحربية في أوكرانيا.

لكن القلق كان هو الشعور الذي ساد أجواء القمة التي تختتم بها السويد اليوم رئاسة الاتحاد الدورية التي تنتقل خلال النصف الثاني من هذه السنة إلى إسبانيا، التي قرر رئيس حكومتها بيدرو سانتشيز أن يفتتحها غداً في كييف بلقاء مع فولوديمير زيلينسكي.

إسبانيا تتسلم رئاسة الاتحاد الدورية... وقرر رئيس حكومتها بيدرو سانتشيز أن يفتتح الدورة الجديدة غداً في كييف بلقاء مع فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

قلق إزاء انعدام الرؤية الواضحة لما يحصل في الدوائر العليا للقرار العسكري الروسي والتداعيات المحتملة لهذا التمرّد الذي ما زال يكتنفه غموض كثيف، وقلق من التبعات التي قد تنشأ عن لجوء قائد «فاغنر» وعدد غير معروف من مقاتليه إلى بيلاروسيا التي أصبحت تضمّ جزءاً من ترسانة موسكو النووية، ومخاوف حذّرت منها البلدان المجاورة مثل بولندا وليتوانيا، وليتوانيا التي تستضيف بعد أسبوعين قمة حاسمة للحلف الأطلسي الذي شارك أمينه العام في القمة الأوروبية إلى جانب رئيس المجلس شارل ميشال.

وأعرب عدد من القادة الأوروبيين عن قلقهم الشديد من التطورات المحتملة التي قد تنشأ عن الوضع الجديد في بيلاروسيا، والتي قال بعضهم إنه يستحيل التكهّن بها، فيما دعا آخرون إلى إدراج مجموعة فاغنر على قائمة المنظمات الإرهابية.

وبدا واضحاً أن قادة الاتحاد يواجهون صعوبة في الموازنة بين موقف اعتبار تمرّد زعيم «فاغنر» وما أعقبه من تدابير تطهيرية في المؤسسة العسكرية شأناً روسياً داخلياً، والخشية من أن التصدّع الذي أحدثته هذه التطورات في نظام بوتين ستكون له تداعيات على الحرب الدائرة في أوكرانيا، وعلى الاتحاد الأوروبي.

وقد عبّر عن ذلك جوزيب بورّيل بقوله: «حتى الآن كنا نعد روسيا تهديداً للأمن الأوروبي، لأنها قوة عسكرية تمّ استخدامها من غير مبرر ضد أوكرانيا. أما الآن فقد أصبح لازماً التعامل معها كخطر بسبب زعزعة الاستقرار الداخلي فيها». واعتبر «أن بوتين ضعيفاً هو أكثر خطورة»، وأن فقدانه السيطرة الكاملة على النظام قد يدفعه إلى شن هجمات عسكرية كثيفة على أوكرانيا.

المستشار الألماني أولاف شولتس مع الرئيس الفرنسي (أ.ف.ب)

ويؤكد البيان الختامي للقمة على أن تغييرا في النظام السياسي الروسي ستكون له تداعيات أكيدة على الأمن الأوروبي تستدعي اليقظة والجهوزية المشتركة لمواجهته. وحذّر الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا من أن وجود عدد كبير من المقاتلين على درجة عالية من الخبرة في بيلاروسيا قد لا يشكّل تهديداً عسكرياً مباشراً، لكنه بالتأكيد سيكون منطلقاً لمحاولات تسلل إلى البلدان الأوروبية المجاورة لزعزعة الاستقرار فيها، خاصة بعد انكفاء مجموعة فاغنر عن مسرح المعارك الدائرة في أوكرانيا.

ومن جهتها كشفت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين أن المعلومات المتوفرة لدى الأجهزة الأوروبية تفيد عن دور نشط لمجموعة فاغنر في تحريك تدفقات الهجرة من أفريقيا باتجاه بلدان الاتحاد الأوروبي، وحذّرت من دور مشابه على حدود الاتحاد الشرقية.

وقال المستشار الألماني أولاف شولتس إن ما قامت به مجموعة فاغنر في أوكرانيا وأفريقيا لا يغتفر، وهي تشكّل تهديداً للاستقرار في بلد مثل روسيا، مشدداً على أن هدف الاتحاد الأوروبي ليس تغيير النظام في روسيا، بل الحفاظ على استقلال أوكرانيا ووحدة أراضيها.

وبدا واضحاً من النقاش الذي دار بين القادة الأوروبيين حول التطورات الأخيرة في روسيا أن ثمة معسكرين بين البلدان الأعضاء: الأول يعد أن التصدّع الذي أصاب سلطة بوتين على الكرملين من شأنه أن يؤدي إلى فوضى قد تكون خطيرة على الاتحاد الأوروبي، لأنها تحصل في بلد يملك ترسانة نووية ضخمة، والثاني الذي يضمّ بلدان البلطيق ويرى أن التهديد الروسي قائم في جميع الحالات.

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

جمهوريون يهددون بعرقلة 350 مليار دولار لتمويل «البنتاغون» احتجاجاً على قرار ترمب

الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمر صحافي مشترك في قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون المشتركة بألاسكا - 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

جمهوريون يهددون بعرقلة 350 مليار دولار لتمويل «البنتاغون» احتجاجاً على قرار ترمب

أثار قرار الرئيس دونالد ترمب تعليق عقوبات جديدة على موسكو غضب الجمهوريين والديمقراطيين على السواء مما عدّوه سياسة تمنح الرئيس الروسي موارد إضافية للحرب

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز) p-circle

زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

قال الرئيس الأوكراني زيلينسكي، الأحد، إن روسيا شنّت عشرات الهجمات على منشآت الكهرباء والنفط والغاز في بلاده خلال الأسبوع الذي تلا إعلان الرئيس ترمب وقف الهجمات.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ملصق أصفر يحمل كلمة «مخبأ» عند مدخل قبوٍ مخصص ليكون ملجأ للسكان في حال حدوث خطر وذلك في حي فابيونيشكيس السكني في فيلنيوس بليتوانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

ليتوانيا تطلب من سكانها التوجه إلى الملاجئ بعد رصد جسم طائر

أصدرت السلطات في ليتوانيا تعليمات لسكان المناطق الوسطى والشمالية بالتوجه إلى الملاجئ لمدة ساعة تقريباً، بسبب رصد جسم طائر غير معروف.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس )
أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
TT

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

خاطب البابا ليو الرابع عشر آلاف الذين احتشدوا في ساحة القديس بطرس، الأحد، وذلك في أول صلاة أسبوعية له منذ خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني في الرئة.

وغادر رأس الكنيسة الكاثوليكية التي تضم 1.4 مليار شخص في العالم، المستشفى، في روما، السبت، بعد فترة نقاهة أمضاها فيه عقب خضوعه لجراحة الثلاثاء، تمَّ خلالها استئصال ورم سرطاني وجزء من رئته اليمنى.

وأطل البابا البالغ 71 عاماً من نافذة الشقة البابوية، وبدا في حالة جيدة، وتحدث بطريقة طبيعية ودون صعوبة.

وشكر البابا من صلُّوا لأجله، قائلاً: «بعد تجاوز هذه المرحلة الدقيقة -كما تعلمون- سأستأنف الآن أنشطتي تدريجياً»، وذلك على وقع هتافات: «يعيش البابا!» في الساحة.

وأُدخل ليو الرابع عشر الثلاثاء إلى مستشفى «جيميلي» في روما، الواقع شمال الفاتيكان؛ حيث خضع للعملية. وعاد إلى الفاتيكان السبت؛ إذ اعتبر طبيباه أنه «بات مؤهلاً لمغادرة المستشفى».

وقد ألغى ليو الرابع عشر كل استقبالاته حتى 20 أكتوبر (تشرين الأول).

وكان البابا قد تولى بنفسه في 11 أكتوبر إبلاغ الجمهور المحتشد في ساحة القديس بطرس أنه سيخضع «في الأيام المقبلة» لعملية جراحية لإزالة ورم اكتُشف «في مرحلة مبكرة جداً»؛ مشيراً إلى أن «الأطباء يرون أن التدخل الجراحي هو الخيار الأنسب».

ولا تزال نتائج الفحوص الرامية إلى تحديد ما إذا كان السرطان قد انتشر قيد الانتظار.

واستأنف البابا بعضاً من أنشطته في المستشفى؛ إذ أجرى اتصالاً الجمعة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حثَّه فيه على وقف إطلاق النار في مدينة أوليشكي الأوكرانية التي تحتلها موسكو.


زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)
موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)
TT

زيلينسكي: روسيا هاجمت قطاع الطاقة الأوكراني 76 مرة في أسبوع

موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)
موقع المنازل التي تضررت بسبب غارة جوية روسية في مدينة سلوفيانسك على الخطوط الأمامية الأوكرانية (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الأحد)، إن روسيا شنَّت عشرات الهجمات على منشآت الكهرباء والنفط والغاز في بلاده خلال الأسبوع الذي تلا إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة.

وكتب على «إكس»: «منذ أن أعلن الرئيس الأميركي وقف إطلاق النار على منشآت الطاقة قبل أسبوع، شنَّت روسيا هجمات متعمَدة على قطاعات الكهرباء والنفط والغاز في أوكرانيا 76 مرة»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف زيلينسكي أن الهجمات الأخيرة استهدفت محطات فرعية في مناطق فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا.

ولم تؤكد كييف ولا موسكو وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترمب.


توقيف 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً... فرنسا تعاين أضرارها غداة الاحتجاجات

رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)
رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)
TT

توقيف 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً... فرنسا تعاين أضرارها غداة الاحتجاجات

رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)
رجل يصلح نافذة متجر «سالومون» (Salomon) تضرر خلال اشتباكات وقعت في اليوم التالي لمظاهرات وطنية احتجاجاً على غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في باريس (رويترز)

تُعاين فرنسا، الأحد، حجم الأضرار التي أصابتها بعد يوم من أعمال عنف ونهب وفوضى غطَّت على مشهد احتجاجي شارك فيه مئات الآلاف تنديداً بغلاء المعيشة، وذلك قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية.

وفي مواجهة توتر اجتماعي متصاعد، وفي ظلِّ حالة من العجز الحكومي بسبب الافتقار لغالبية برلمانية، تعهدت الحكومة بالتعامل بحزم مع مثيري الشغب.

رجل يمر بدراجته بجوار سيارة محترقة في أحد شوارع باريس (رويترز)

وكانت أعمال الشغب أشد مما كانت عليه في احتجاجات عام 2023 واحتجاجات «السترات الصفراء» عامي 2018 و2019، وفق ما لاحظ مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية».

في باريس، كما في شوارع المدن الكبرى، استُهدفت مئات المؤسسات والمتاجر، وغطى الحطام وهياكل الدراجات النارية المحترقة شوارع بأكملها. وقالت السلطات المحلية إن «شوارع بأكملها خُربت بشل منهجي».

عامل في البلدية ينظف الشارع في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات خلال يوم وطني من المظاهرات المنددة بتكلفة المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في مدينة مرسيليا بفرنسا (رويترز)

وأفاد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس بأن مجموعات صغيرة من الشبان كانت تنفِّذ عمليات النهب بطريقة منظمة، إذ عمد أفرادها، وهم يضعون أقنعة وقفازات، إلى تعطيل كاميرات المراقبة قبل تحطيم الواجهات الزجاجية للمتاجر واقتحامها.

رجل يجلس في منتصف الشارع بجوار نفايات خلّفها مثيرو الشغب في باريس (رويترز)

في مرسيليا (جنوب) وليل (شمال) وبوردو (جنوبي غرب)، اقتحم متظاهرون مباني للبلديات والمحافظات وخربوها. أما في ليموج (وسط)، فقد أتى حريق على جزء كبير من مبنى البلدية، وهو صرح ضخم يعود إلى القرن التاسع عشر، وفق السلطات المحلية.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عبر منصة «إكس»، بملاحقة ومعاقبة «كل من ارتكب أعمال تخريب أو اعتدى على مؤسسات أو شركات أو شارك في أعمال نهب».

حريق يلتهم مبنى البلدية بعد أن اقتحمته مجموعة من الأفراد خلال احتجاجات ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» في مدينة ليموج بوسط فرنسا (أ.ف.ب)

وقالت السلطات إنها أوقفت 1200 شخص السبت، وإن 150 عنصر أمن أُصيبوا في المواجهات مع المتظاهرين.

وأُصيب عدد من المتظاهرين أيضاً، بعضهم بجروح خطرة، لا سيما في سانت إتيان (وسط)، حيث بُترت يد شاب في الـ17 من العمر، بسبب قنبلة ألقتها الشرطة.

سيارة تحترق بمحاذاة قناة «سان مارتان» في باريس وذلك خلال احتجاجات جرت أمس ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» (أ.ف.ب)

وقال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، بعد زيارة ليلية لقوات الأمن: «معجزة ألا تكون الحصيلة أكبر هذا المساء».

«تكلفة باهظة»

ناهز عدد المتظاهرين 550 ألفاً بحسب تقديرات وزارة الداخلية، لكن المنظمين يتحدثون عن 800 ألف.

وقالت ريجين مونفروا، وهي مرشدة اجتماعية كانت في صفوف المتظاهرين: «أتيت للاحتجاج على غلاء المعيشة، ولأقول إننا سئمنا الكدح مقابل أجور زهيدة بينما بدلات الإيجار ترتفع باستمرار».

عناصر من الشرطة يتقدمون في «ساحة الجمهورية» خلال مظاهرة احتجاجاً على «ارتفاع تكاليف المعيشة» في باريس (أ.ف.ب)

وأثارت الاحتجاجات وما رافقها من أعمال شغب مواقف متباينة بين الأحزاب السياسية. فبينما شارك رئيس حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي جان لوك ميلانشون في مظاهرة في باريس داعياً للابتعاد عن أعمال العنف والتخريب، أكدت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، والتي تتصدر الاستطلاعات، أن حزبها «التجمع الوطني» يقف في صفِّ الشرطة، عادة أن موقف اليسار «يُضفي الشرعية على العنف» ويدفع البلاد نحو الفوضى.

متظاهر يركل حواجز وسط سحب من الغاز المسيل للدموع أمام مكتب السياحة في مدينة ليون جنوب شرقي فرنسا (أ.ف.ب)

وقبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية، ترتفع حدة المواجهة السياسية بين ميلانشون ولوبان، اللذين تشير استطلاعات رأي عدة إلى احتمال أن يتواجها في الدورة الثانية.

ومع استمرار أعمال العنف حتى وقت متأخر من المساء، خصوصاً في باريس، حذَّر لوكورنو من أن «التكلفة المالية للأضرار ستكون باهظة».

وقال رئيس اتحاد التجارة والتوزيع، ألكسندر بومبار، إنه يتوقع «عواقب اقتصادية ومالية كبيرة».