توجيه تهم الشروع بالقتل لمجرم «آنسي» ووضعه في الحبس الاحتياطي

غموض دوافع القتل لدى اللاجئ السوري... وتخصيص قاضيين ومائة محقق لجلاء أسراره

باقات ورد في مكان طعن الأطفال في «آنسي» السبت (إ.ب.أ)
باقات ورد في مكان طعن الأطفال في «آنسي» السبت (إ.ب.أ)
TT

توجيه تهم الشروع بالقتل لمجرم «آنسي» ووضعه في الحبس الاحتياطي

باقات ورد في مكان طعن الأطفال في «آنسي» السبت (إ.ب.أ)
باقات ورد في مكان طعن الأطفال في «آنسي» السبت (إ.ب.أ)

حتى صباح الخميس الماضي، كانت مدينة «آنسي» وبحيرتها الجميلة مقصداً يرتاده الباحثون عن الراحة والجمال الطبيعي الذي يمزج بريق المياه الزرقاء والباردة باخضرار التلال المحيطة، وفي البعيد تظهر بعض جبال الألب. وتقارن المدينة الوادعة بمدينة البندقية الإيطالية وتسمى «بندقية جبال الألب». وغير بعيد عن البحيرة التي يطل عليها حصن قديم حوّل إلى متحف تاريخي ومنه يتمتع النظر بالبحيرة من جهة وبسطوح المدينة من جهة أخرى، تقع «حديقة أوروبا» التي تحبها الأمهات بشكل خاص؛ لأنها تحتضن ملاعب للأطفال والصغار ومنها تنبثق بهجة الحياة. إلا أن «عبد المسيح هاء»، اللاجئ السوري إلى السويد منذ عام 2013، ارتكب، صبيحة ذاك اليوم، جريمة لا يعقلها عاقل ويصعب تفسيرها. إذ امتشق سكينه وهاجم مجموعة من الأطفال بلا سبب واضح. ووفق التصريحات، التي أدلت بها ظهر السبت، لين بونيه ماتيس، المدعية العامة في مدينة آنسي، فإنه طعن الأطفال الأربعة، وهم فرنسيان وهولندي وبريطاني، 11 طعنة، بينها لرضيع عمره 22 شهراً وأكبرهم في الثالث من سنواته أي بعمر طفلته التي تركها مع أمها السويدية التي تزوجها ورفضت اللحاق به إلى فرنسا. ولم يكتف عبد المسيح الذي صاح قبل مباشرة فعلته الشنيعة قائلاً بالإنجليزية: «باسم المسيح»، باستهداف الأطفال الأربعة بل طعن رجلين، الأول يبلغ من العمر 78 عاماً والثاني 70 عاماً. وجروح الأول جاءت طفيفة ولم يدخل إلى المستشفى. لكن الثاني كان أقل حظاً إذ أصيب إصابة بالغة وكان بين الحياة والموت، ومصيبته أنه أصيب أيضاً برصاص رجال الشرطة الذين حاولوا إيقاف الجاني بإطلاق النار عليه. وفتح تحقيق لمعرفة ظروف إصابة هذه الضحية بالرصاص. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن حياته لم تعد في خطر وهي أيضا حال الأطفال الأربعة، بمن فيهم الطفل الهولندي الذي نقل إلى مستشفى في جنيف الواقعة على بعد 30 كيلومتراً من «آنسي». حتى اليوم، ما زالت جريمة عبد المسيح لغزاً دفيناً. فطيلة الساعات الـ48 التي أمضاها في نظارة الشرطة عقب فتح تحقيق قضائي بحقه، التزم الجاني الصمت المطبق. وأفادت المدعية العامة بأنه رفض النطق، وكان مكثراً في الحراك أو منطوياً على نفسه. والتزم الجاني الصمت أمام الشرطة القضائية، وكذلك أمام القاضيين اللذين كلفا بملفه. وبيّن الفحص النفسي، الذي أخضع له في اليوم الثاني من توقيفه على يدي رجال الشرطة التي لا يبعد مقرها عن موقع الجريمة سوى 200 متر، أنه يتمتع بقواه العقلية وقابل للاستجواب ولم يتصرف تحت تأثير الكحول أو المخدرات. وأكدت المدعية العامة أن الجاني سيخضع مجدداً لفحوص نفسية للتأكد من امتلاكه كامل قواه العقلية، وأنه لم يصب بلوثة جنون حين قيامه بجريمته.

لين بونيه ماتيس، المدعية العامة في مدينة آنسي، وبجانبها رئيس الشرطة داميان ديلابي في مؤتمر صحافي السبت (د.ب.أ)

وقال أحد المحامين المتخصصين بهذا النوع من الجرائم إنه إذا ثبت فقدان بصيرته، فإن الأمور يمكن أن تأخذ مساراً مختلفاً بمعنى انعدام المسؤولية. والثابت منذ اليوم الأول أن جريمة «آنسي» ليست عملاً إرهابياً. في المؤتمر الصحافي الذي عقدته أمس واكتفت بتلاوة ورقة مكتوبة رافضة الإجابة عن أسئلة الصحافيين، أكدت المدعية العامة وضع «عبد المسيح هاء» قيد «الاحتجاز الاحتياطي». وأفادت بأنه تم تعيين قاضيين محققين لمتابعة التحقيق، ورصد ما لا يقل عن 100 محقق من الشرطة القضائية لمحاولة فك لغز الجاني. وتراهن باريس على التعاون القضائي مع دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً مع السويد للتوصل إلى فك أسرار لغز من خارج المألوف. وتجدر الإشارة إلى أن العمليات الإرهابية التي حصلت في فرنسا في السنوات العشر الماضية، قام بها متطرفون إسلاميون إما بدفع وتخطيط خارجي وإما على أيدي من يسمون «الذئاب المنفردة»، وكانت ذات أهداف سياسية. والحال أن جريمة «آنسي» لا تدخل في هذا السياق؛ أولاً لأن الجاني ليس متطرفاً إسلاموياً، وثانياً لأن ضحاياه أطفال رضع ورجلان متقدمان في السن، وثالثاً لأنه لا هدف واضحاً لفعلته الآثمة. وأوضحت المدعية العامة أن الجاني كان يحمل صليباً على صدره وفي جيبه صور قديسين، وقد استخدم في عمليته سكيناً يمكن طيها وهي بنصل من 10 سنتيمترات. ووجهت للجاني رسمياً الجمعة تهم «الشروع بالقتل» و«استخدام سلاح لمقاومة عملية توقيفه من قبل رجال الأمن». وبيّنت مقاطع فيديو بثتها القناة الإخبارية «بي إف إم» الفرنسية، عملية نقل الجاني من مقر الشرطة إلى مقر المدعية العامة. وسيكون للشرطة القضائية التي ستعمل تحت إشراف القاضيين المعينين مهمة فك طلاسم هذا الغز، بالتركيز على مسار الجاني منذ خروجه من سوريا وحتى ارتكابه جريمته. الثابت حتى اليوم أن «عبد المسيح هاء» الذي لم تكشف هويته الكاملة، مولود في عام 1991. وقد ترك سوريا في عام 2011، أي منذ بداية الأحداث، فعبر منها إلى تركيا ثم إلى اليونان وبعدها باتجاه وسط أوروبا، وحط رحاله بعد عامين في عام 2013 في السويد. وفي السويد المعروفة بتقبلها للاجئين خصوصاً الذين يعانون من الاضطهاد في بلدانهم، منحته الحكومة حق اللجوء ككثير من السوريين والعراقيين والأفغان. ولا يبدو أن الجاني كان يعاني بشكل خاص من وجوده في السويد، حيث أقام 10 سنوات؛ إذ إنه تزوج هناك من سويدية وأنجب منها طفلة عمرها اليوم 3 سنوات. إلا أنه طلّقها لاحقاً لأنها رفضت اللحاق به إلى فرنسا. وبحسب ما أفادت به، فإنه ترك السويد لأنه لم ينجح في الحصول على جنسيتها، الأمر الذي دفعه للتوجه إلى فرنسا التي وصلها بشكل قانوني في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وسارع في 28 من الشهر نفسه إلى تقديم طلب لجوء. بيد أن حظه في الحصول على صفة لاجئ في فرنسا كان معدوماً مسبقاً؛ لأن الاتفاقيات الأوروبية تمنع اللاجئ من طلب اللجوء إذا كان معترفاً به كلاجئ في بلد آخر باستثناء حالات خاصة لا تنطبق عليه. وفي أبريل (نيسان) الماضي، رفض طلبه ولم يبلغ بالرفض إلا في الرابع من يونيو (حزيران)، أي قبل 4 أيام من ارتكابه جريمته.

وقالت مطلقته إنه أبلغها، بمناسبة اتصال بينهما، أنه يعيش في كنيسة في «آنسي». وحتى توافر المزيد من المعلومات، فإن السؤال يتناول اختياره هذه المدينة بالذات ليحط فيها رحاله وليعيش، وفق شهادات عدد من سكانها الذين تعرفوا على صورته، متنقلاً بين أسواقها وحدائقها. وتبيّن مقاطع فيديو انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي رجلاً ملتحياً قوي البنية، يضع نظارات سوداء اللون ويرتدي «حطة» زرقاء اللون ومرقطة تشبه الكوفية، ومرتدياً سروالاً قصيراً وبيده سكين يظهر نصلها بوضوح وهو في وضع المتأهب للانقضاض على ضحاياه.

وثمة مناطق ظل كثيرة يتعين جلاؤها قبل أن تعرف الشخصية الغامضة لهذا الرجل.


مقالات ذات صلة

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

أوروبا مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

توصلت السلطات الفرنسية والبريطانية لاتفاق جديد لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش بشكل غير قانوني، إلا أن لندن ربطت جزءا من تمويلها بفعالية التدابير المتخذة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا مهاجرون غير نظاميين تم إنقاذهم قبالة شواطئ مدينة طبرق الليبية الأربعاء (الهلال الأحمر الليبي)

مآلات قاسية لحلم الهجرة إلى أوروبا عبر شواطئ طبرق الليبية

سجّلت مدينة طبرق الليبية، شرق البلاد، خلال الأيام الأخيرة، واحدة من أكثر محطات الهجرة غير النظامية قسوة على طريق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا يصطف المهاجرون في طوابير للحصول على شهادة النقل العام التي ستسمح لهم بطلب الحصول على تصاريح عمل وإقامة سريعة بالعاصمة الإسبانية مدريد (أ.ب)

عدد المهاجرين في الاتحاد الأوروبي بلغ ذروة عند 64.2 مليون في 2025

ذكر تقرير أن عدد المهاجرين المقيمين في الاتحاد الأوروبي ارتفع إلى ذروة غير مسبوقة عند 64.2 مليون في 2025، بزيادة تقارب 2.1 مليون مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا الشرطة خلال مهمة بمدينة لايبزيغ الألمانية 21 أبريل 2026 (د.ب.أ)

شبكة تهريب في ألمانيا تستخدم تصاريح إقامة لاجئين سوريين

أطلقت الشرطة الألمانية، الثلاثاء، عملية واسعة لتفكيك شبكة يُشتبه في استغلالها تصاريح إقامة تعود إلى لاجئين سوريين بهدف إدخال آخرين إلى البلاد بشكل غير قانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز)

الأمم المتحدة: 8 آلاف مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في عام 2025

قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، اليوم (الثلاثاء)، إن نحو 8 آلاف شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا أثناء محاولتهم الهجرة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
TT

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

حذرت روسيا، الخميس، من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً ​لهجمات قوات موسكو في حالة نشوب صراع.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مارس (آذار)، عن خطط لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وقال إن فرنسا قد تسمح لشركائها الأوروبيين باستضافة طائراتها ذات القدرات النووية في عمليات نشر مؤقتة.

وقال ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة نشرت، الخميس، إن هذا جزء من «توسع غير منضبط» للقدرات النووية ‌لحلف شمال الأطلسي، مما ‌يشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وشدد على ​قلق ‌موسكو إزاء ​عمليات النشر النووي الفرنسية المحتملة في دول أوروبية أخرى. وقال ماكرون إن باريس تناقش مثل هذه الترتيبات مع بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وقال غروشكو، لشبكة «روسيا اليوم» الإعلامية الحكومية: «من الواضح أن جيشنا سيضطر إلى إيلاء اهتمام بالغ لهذه المسألة في سياق تحديث قائمة الأهداف ذات الأولوية في حالة نشوب صراع كبير... ونتيجة لذلك، فبدلاً من ‌تعزيز فرنسا المعلن للدفاع ‌عن حلفائها الذين لا تقدم لهم، بالمناسبة، أي ​ضمانات قاطعة، فإن أمن هذه ‌البلدان يضعف في الواقع».

وتأتي مبادرة ماكرون في إطار حملة ‌يقودها الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم، بعد الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلف، وفي ضوء تهديداته بالسيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في ‌حلف شمال الأطلسي.

وأدى انتهاء صلاحية آخر معاهدة متبقية للحد من حجم الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير (شباط) إلى خلق فراغ في مجال الحد من التسلح العالمي، في وقت يبلغ فيه التوتر الدولي أعلى مستوياته منذ عقود بسبب حربي أوكرانيا وإيران.

وقال غروشكو إن أي حوار مستقبلي حول الأسلحة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك الترسانات الفرنسية والبريطانية، بالإضافة إلى الترسانة الأميركية.

وانتقد الحلف، هذا الأسبوع، روسيا والصين بسبب سياساتهما المتعلقة بالأسلحة النووية، وحثت البلدين على العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق مزيد ​من الاستقرار والشفافية في ​مؤتمر يفتتح في الأمم المتحدة بنيويورك، الأسبوع المقبل، لمراجعة سير عمل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.


ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
TT

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين، التي دفعتها الحرب مع إيران إلى أدنى مستوياتها منذ 70 عاماً.

وتتزامن هذه الزيارة الرسمية مع الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، حين قررت المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة آنذاك الانفصال عن الملك ​جورج الثالث، جد تشارلز.

وبالنسبة لتشارلز، ستكون هذه الزيارة فرصة للتفكير في كيفية توطيد العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة منذ ذلك الحين وبناء بعض من أقوى الروابط الأمنية والعسكرية والاقتصادية في العالم، بينما ستكون بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة أخرى للتعبير عن حبه للعائلة الملكية البريطانية.

الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في أثناء تفقدهما حرس الشرف خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أسوأ أزمة منذ أزمة السويس

تأتي هذه الزيارة أيضاً في ظل أسوأ توتر في العلاقات بين البلدين منذ أزمة السويس عام 1956، في ظل انتقادات ترمب المتكررة لرئيس الوزراء كير ستارمر بسبب رفضه الانضمام إلى الهجوم على إيران وتقليله من شأن القدرات العسكرية البريطانية.

ورداً على سؤال من «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عما إذا كانت زيارة الملك ستساعد في إصلاح العلاقة، قال ترمب: «بالتأكيد، الإجابة هي نعم».

وقال ‌في مقابلة هاتفية ‌أجرتها معه «بي بي سي»: «أنا أعرفه جيداً، أعرفه منذ سنوات... إنه رجل شجاع، ورجل عظيم».

وعلّق ترمب على مواقف حلفاء بلاده، بما في ذلك بريطانيا، من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قائلاً: «كان ينبغي أن يشاركوا»، قبل أن يضيف: «لكنني لم أكن بحاجة إليهم».

وقال ​نايجل ‌شينوالد سفير بريطانيا ​في واشنطن من 2007 إلى 2012، إن الزيارة لا يمكنها، ولا تهدف إلى، إصلاح أي خلافات حالية بين الحكومتين، لكنها ستُظهر روابط أعمق بكثير من أي أفراد.

وقال شينوالد، لوكالة «رويترز»: «هذه الزيارة تتعلق أكثر من أي زيارة أخرى بالمستقبل البعيد. إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين شعبينا وبلدينا... إنها لا تتعلق بما يحدث اليوم».

وسيبدأ تشارلز، برفقة زوجته الملكة كاميلا، رحلته التي تستغرق أربعة أيام، يوم الاثنين، باحتساء الشاي على انفراد مع ترمب ثم يلقي كلمة أمام الكونغرس ويحضر مأدبة عشاء رسمية ويقوم بزيارة نيويورك وفرجينيا.

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

وأعلن قصر بكنغهام أنه لن يلتقي بأي من ضحايا الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية. وكان أندرو مونتباتن-وندسور الشقيق الأصغر للملك تشارلز قد اعتقل في فبراير (شباط) للاشتباه ‌في تسريبه وثائق حكومية إلى إبستين. ونفى الأمير أندرو السابق ارتكاب أي ‌مخالفة.

وفي بريطانيا، قال بعض السياسيين والمعلقين إنه كان يتعين إلغاء الزيارة بالنظر إلى ​بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترمب. وهناك مخاوف ‌أيضاً من أن يستغل الرئيس الأميركي، المعروف بتقلباته، هذه المناسبة لتوجيه المزيد من الانتقادات، مما قد يحرج الملك.

وقال ‌شينوالد والسفير الأميركي الحالي في لندن وارن ستيفنز إن ذلك سيكون له أثر سلبي. ويقول مستشارون للعائلة الملكية في أحاديث غير رسمية إن ترمب، الذي يصف الملك بأنه «رجل عظيم»، تصرف بشكل مثالي خلال زيارتيه الرسميتين غير المسبوقتين إلى بريطانيا في عام 2019 وفي العام الماضي.

وقال كاتب السيرة الملكية روبرت هاردمان، لوكالة «رويترز»: «إنه (ترمب) من أشد المؤيدين للملكية».

وأضاف: «لديه موقف واحد تجاه الحكومة البريطانية، ‌لكن الملكية البريطانية كيان منفصل تماماً، وهو من أشد المعجبين بها. وكان معجباً بالملكة الراحلة، وهو من أشد المعجبين بالملك. وبالنسبة له، هذه لحظة مهمة».

هل تعيد هذه الزيارة أصداء عام 1957؟

من بعض النواحي، تحمل زيارة تشارلز أصداء الزيارة التي قامت بها والدته الملكة إليزابيث في عام 1957، بعد عام من أزمة السويس التي تسببت في اضطرابات في الشرق الأوسط، حيث اضطرت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية إلى إنهاء هجومها على مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة.

ونجحت زيارتها آنذاك في كسب تأييد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور وتهدئة العلاقات بين الحلفاء.

دونالد وميلانيا ترمب مقابل تشارلز وكاميلا وتنسيق الإطلالتين في «قصر وندسور» (رويترز)

وقال أيزنهاور: «إن الاحترام الذي نكنه لبريطانيا يتجسد في المودة التي نكنها للعائلة الملكية، التي شرفتنا كثيراً بزيارتها لبلادنا».

وهذه ما يطلق عليها «القوة الناعمة» التي سيسعى تشارلز، الذي صقل مهاراته الدبلوماسية على مدى نصف قرن، إلى استخدامها مرة أخرى.

ويتمتع تشارلز بتأثير كبير على الرئيس لدرجة أن هاردمان قال إنه يعلم أن ترمب تراجع عن تعليقاته التي أدلى بها بشأن بقاء القوات البريطانية وقوات حلف شمال الأطلسي الأخرى بعيداً عن الخطوط الأمامية في أفغانستان بعد أن تلقى رسائل خاصة من الملك تفيد بأنه مخطئ.

ويقول دبلوماسيون إن تشارلز سيتمكن مرة أخرى من التحدث ​بصراحة في اجتماعهما الخاص، لكن هاردمان قال إن ​الملك لن يكون هناك «لانتقاد سياسات الرئيس ترمب».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً بينما يستمع إليه الملك تشارلز وكيت أميرة ويلز خلال مأدبة في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

وأضاف: «هذا ببساطة ليس دور الملك، وهو بالتأكيد ليس الغرض من الزيارة الرسمية... سيكون الهدف من هذه الزيارة استعراض جميع تلك الجهود المشتركة بين حليفين عظيمين والتطلع إلى الأمام».


ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.