أحجار الدومينو الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي تتداعى

الرئيس محمد بازوم والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نيامي، 2 مايو 2023 (أ.ف.ب)
الرئيس محمد بازوم والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نيامي، 2 مايو 2023 (أ.ف.ب)
TT

أحجار الدومينو الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي تتداعى

الرئيس محمد بازوم والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نيامي، 2 مايو 2023 (أ.ف.ب)
الرئيس محمد بازوم والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نيامي، 2 مايو 2023 (أ.ف.ب)

مفارقتان رئيسيتان لا بد من التوقف عندهما في ما يتبين أن الانقلاب العسكري في النيجر سينجح في الإطاحة بحكم الرئيس محمد بازوم القريب من فرنسا، وتحديداً من الرئيس إيمانويل ماكرون.

الأولى، تبين أنه في الوقت الذي يسعى فيه ماكرون لتعزيز حضور بلاده في منطقة الهندي - الهادئ، حيث لها مصالح مهمة، منها تمتعها هناك بمنطقة اقتصادية خالصة تجعل منها ثاني أكبر دولة في العالم على هذا الصعيد، فإنها بالتوازي آخذة بخسارة مواقعها في ما يمكن اعتباره «حديقتها الخلفية» أي بلدان الساحل.

فانقلاب عسكر النيجر هو الثالث من نوعه (بعد مالي وبوركينا فاسو) الذي يصيب النفوذ الفرنسي في القلب. إذ تخسر باريس حليفاً وصديقاً وقّع معها اتفاقيات عسكرية أساسية مكّنتها من إعادة نشر قوات «برخان» التي اضطرت إلى سحبها من مالي إلى قواعد في النيجر، أهمها في العاصمة نيامي، حيث ترابط قوة فرنسية من 1500 رجل.

وإذا خسرت باريس هذا الموقع، فإن قدرتها على محاربة التنظيمات الجهادية والإرهابية في منطقة الساحل تكون قد تراجعت بنسبة كبيرة، بل قد لا تكون عملياً متوافرة في المستقبل بعد أن اضطرت قواتها للخروج من مالي، كما اضطرت لاحقاً إلى سحب قوة الكوماندوز الخاصة (غير معروفة العدد) لأمن واغادوغو (عاصمة بوركينا فاسو).

وباختصار، فإن كل ما استثمرته باريس أمنياً في 3 من مستعمراتها السابقة، خصوصاً منذ انطلاق «عملية برخان» في العام 2014 بعد أن أنقذت مالي من هيمنة المجموعات «الجهادية» والإرهابية عليها، يكون قد ذهب مع الريح.

ثم لا بد من الإشارة إلى أهمية النيجر بالنسبة لفرنسا، حيث إنها تمثل مصدراً رئيسياً لتوفير اليورانيوم الطبيعي لصناعتها النووية. فمنذ أكثر من 50 عاماً، تقوم شركة «أورانو» الفرنسية والشركات التابعة لها باستخراج اليورانيوم من المناجم الواقعة شمال غرب النيجر، وبالتالي فإن خسارتها ستشكل نكسة كبيرة لباريس سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

وليس من المؤكد أن السلطات الجديدة في النيجر، في حال تمكن الانقلابيون من السيطرة على الوضع تماماً كما فعل نظراؤهم في باماكو وواغادوغو، على الرغم من تنديد فرنسا والدول الأفريقية والأمم المتحدة وأطراف أخرى بهم، سوف تحترم الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية الموقعة مع الجانب الفرنسي، ما يعني تراجع نفوذ الدولة المستعمرة السابقة في منطقة الساحل.

وكان لافتاً البيان الصادر عن الانقلابيين الذين اتهموا فيه باريس بانتهاك قرار إغلاق المجال الجوي الذي فرض منذ حدوث الانقلاب.

يمكن اعتبار البيان المذكور «أول الغيث» الذي يؤشر على طبيعة المرحلة المقبلة من العلاقات المتوترة بين باريس ونيامي.

وكما في الحالتين السابقتين (مالي وبوركينا فاسو)، ستعمل فرنسا على ممارسة الضغوط على المجموعة العسكرية الانقلابية مباشرة، ولكن أيضاً من خلال تفعيل رافعتين؛ الأولى المجموعة الأفريقية، والثانية الاتحاد الأوروبي. بيد أن التجارب السابقة مع باماكو وواغادوغو، من خلال فرض نوع من العزلة الدبلوماسية أو العقوبات المالية والاقتصادية، لم تؤتِ أكلها، ولا شيء يشي بأنها قد تنجح في حالة النيجر.

وفي أي حال، فإن الانقلاب الثالث الذي حصل في بلدان الساحل الثلاثة على الرغم من وجود قوة عسكرية فرنسية كبيرة فيها، يبين للقاصي والداني أن قدرات باريس التأثيرية على القرار الأفريقي هناك قد تآكلت حقيقة.

ولا تقل المفارقة الثانية عن الأولى أهمية، إذ يتعين النظر لما يحصل في نيامي وموسكو في وقت واحد. من جهة، «الدومينو الفرنسيّ» في هذه المنطقة آخذ بالانفراط، فيما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل في مدينة بطرسبرغ ليومين 17 رئيس دولة أفريقية، ليبين لمن لا يريد أن يرى أن الجهود الغربية، وتحديداً الفرنسية لجهة تغلغل موسكو في أفريقيا لم تفضِ إلى أي نتيجة إيجابية.

متظاهرون مؤيدون للانقلابيين في نيامي، الخميس (أ.ب)

وليس سراً أن باريس عملت لاستغلال النفوذ الذي تتمتع به لدى عدد لا يستهان به من الدول الأفريقية لغرض إبعاد دول القارة السوداء عن موسكو. والحال أن النفوذ الروسي يتعزز، فيما الهيمنة الفرنسية السابقة تتراجع.

وكانت لافتة الصور الواردة من نيامي حيث مئات المتظاهرين هتفوا للمطالبة بخروج القوات الفرنسية من بلادهم، في الوقت الذي رفعت فيه الأعلام الروسية.

وما يجري راهناً في العاصمة النيجرية جرى مثله سابقاً في عواصم الجوار. وحتى الساعة، ليست هناك معلومات عن دور لمجموعة «فاغنر» التي إن أصيبت بضربة موجعة في روسيا وأوكرانيا بعد مغامرة رئيسها بريغوجين الفاشلة، فإن حضورها في أفريقيا ما زال قائماً.

وكانت باريس جعلت من تمدد «فاغنر» في أفريقيا هدفاً دائماً لهجماتها السياسية ولاتهاماتها بأنها تعمد إلى سرقة ثروات هذه الدول، سواء أكان في أفريقيا الوسطى أو السودان، وصولاً إلى مالي وبوركينا فاسو.

والحال أن الواقع على الأرض يفرض نفسه وهو يبين أن «فاغنر» تعزز حضورها، فيما الحضور الفرنسي يتراجع.

بعد النكسات المتتالية التي أصابت باريس في بلدان الساحل وأفريقيا، قررت السلطات الفرنسية تغيير نهج تعاطيها مع هذه المنطقة وتوجيه جهودها باتجاه دول ما يسمى «خليج غينيا»، وأبرزها ساحل العاج وغانا وتوغو وبنين والكاميرون... وقام ماكرون بزيارة رسمية لـ3 منها العام الماضي، مشدداً على خطط بلاده الجديدة.

والحال أن ما يحصل في النيجر يبين أن على فرنسا أن تتعامل بشكل مغاير تماماً لما قامت به حتى اليوم، وإلا فإن أحجار الدومينو الفرنسية في منطقة الساحل وأفريقيا سيتواصل انفراطها، وليست النيجر سوى مؤشر ملموس على ذلك.



بوتين يتباحث مع الرئيس السنغالي حول الإرهاب في الساحل

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع بعض قادة أفريقيا (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع بعض قادة أفريقيا (رويترز)
TT

بوتين يتباحث مع الرئيس السنغالي حول الإرهاب في الساحل

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع بعض قادة أفريقيا (رويترز)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع بعض قادة أفريقيا (رويترز)

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مباحثات هاتفية مع الرئيس السنغالي بشيرو ديوماي فاي، ناقشا خلالها الوضع الأمني في منطقة الساحل والصحراء، حيث يتصاعد خطر الجماعات الإرهابية، حسب ما أعلن الكرملين. وقال الكرملين في بيان صحافي، إن المباحثات جرت، الجمعة، بمبادرة من الرئيس السنغالي، وتم خلالها الاتفاق على «تعزيز الشراكة» بين البلدين، والعمل معاً من أجل «الاستقرار في منطقة الساحل».

الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي (أ.ب)

الأمن والإرهاب

وتعاني دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو، المحاذية للسنغال، من تصاعد خطر الجماعات الإرهابية منذ أكثر من عشر سنوات، ما أدخلها في دوامة من عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية المتتالية.

وتوجهت الأنظمة العسكرية الحاكمة في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، نحو التحالف مع روسيا التي أصبحت الشريك الأول لدول الساحل في مجال الحرب على الإرهاب، بدلاً من الحلفاء التقليديين؛ فرنسا والاتحاد الأوروبي.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)

وبموجب ذلك، نشرت روسيا المئات من مقاتلي مجموعة (فاغنر) في دول الساحل لمساعدتها في مواجهة تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، كما عقدت صفقات سلاح كبيرة مع هذه الدول، حصلت الأخيرة بموجبها على طائرات حربية ومعدات عسكرية متطورة ومسيرات.

ومع ذلك لا تزالُ الجماعات الإرهابية قادرة على شن هجمات عنيفة ودامية في منطقة الساحل، بل إنها في بعض الأحيان نجحت في إلحاق هزائم مدوية بمقاتلي «فاغنر»، وقتلت العشرات منهم في شمال مالي.

في هذا السياق، جاءت المكالمة الهاتفية بين الرئيس الروسي ونظيره السنغالي، حيث قال الكرملين إن المباحثات كانت فرصة لنقاش «الوضع في منطقة الصحراء والساحل وغرب أفريقيا، على خلفية عدم الاستقرار المستمر هناك، الناجم عن أعمال الجماعات الإرهابية».

وتخشى السنغال توسع دائرة الأعمال الإرهابية من دولة مالي المجاورة لها لتطول أراضيها، كما سبق أن عبرت في كثير من المرات عن قلقها حيال وجود مقاتلي «فاغنر» بالقرب من حدودها مع دولة مالي.

الرئيس إيمانويل ماكرون مودعاً رئيس السنغال بشير ديوماي فاي على باب قصر الإليزيه (رويترز)

وفي تعليق على المباحثات، قال الرئيس السنغالي في تغريدة على منصة «إكس» إنها كانت «ثرية وودية للغاية»، مشيراً إلى أنه اتفق مع بوتين على «العمل معاً لتعزيز الشراكة الثنائية والسلام والاستقرار في منطقة الساحل، بما في ذلك الحفاظ على فضاء الإيكواس»، وذلك في إشارة إلى (المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا)، وهي منظمة إقليمية تواجه أزمات داخلية بسبب تزايد النفوذ الروسي في غرب أفريقيا.

وكانت الدول المتحالفة مع روسيا (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) قد جمدت عضويتها في المنظمة الإقليمية، واتهمتها بأنها لعبة في يد الفرنسيين يتحكمون فيها، وبدأت هذه الدول الثلاث، بدعم من موسكو، تشكيل منظمة إقليمية جديدة تحت اسم (تحالف دول الساحل)، هدفها الوقوف في وجه منظمة «إيكواس».

صورة جماعية لقادة دول مجموعة «إكواس» في أبوجا السبت (رويترز)

علاقات ودية

وفيما يزيد النفوذ الروسي من التوتر في غرب أفريقيا، لا تتوقف موسكو عن محاولة كسب حلفاء جدد، خاصة من بين الدول المحسوبة تقليدياً على فرنسا، والسنغال تعد واحدة من مراكز النفوذ الفرنسي التقليدي في غرب أفريقيا، حيث يعود تاريخ الوجود الفرنسي في السنغال إلى القرن السابع عشر الميلادي.

ولكن السنغال شهدت تغيرات جذرية خلال العام الحالي، حيث وصل إلى الحكم حزب «باستيف» المعارض، والذي يوصف بأنه شديد الراديكالية، ولديه مواقف غير ودية تجاه فرنسا، وعزز هذا الحزب من نفوذه بعد فوزه بأغلبية ساحقة في البرلمان هذا الأسبوع.

وفيما وصف بأنه رسالة ودية، قال الكرملين إن بوتين وديوماي فاي «تحدثا عن ضرورة تعزيز العلاقات الروسية السنغالية، وهي علاقات تقليدية تطبعها الودية، خاصة في المجالات التجارية والاقتصادية والاستثمارية».

ميليشيا «فاغنر» تتحرك على أرض مالي ومنطقة الساحل (رويترز)

وأضاف بيان الكرملين أن الاتفاق تم على أهمية «تنفيذ مشاريع مشتركة واعدة في مجال الطاقة والنقل والزراعة، خاصة من خلال زيادة مشاركة الشركات الروسية في العمل مع الشركاء السنغاليين».

وفي ختام المباحثات، وجّه بوتين دعوة إلى ديوماي فاي لزيارة موسكو، وهو ما تمت الموافقة عليه، على أن تتم الزيارة مطلع العام المقبل، حسب ما أوردت وسائل إعلام محلية في السنغال.

وسبق أن زارت وزيرة الخارجية السنغالية ياسين فال، قبل عدة أشهر العاصمة الروسية موسكو، وأجرت مباحثات مع نظيرها الروسي سيرغي لافروف، حول قضايا تتعلق بمجالات بينها الطاقة والتكنولوجيا والتدريب والزراعة.

آثار الاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين بدكار في 9 فبراير (رويترز)

حياد سنغالي

رغم العلاقة التقليدية القوية التي تربط السنغال بالغرب عموماً، وفرنسا على وجه الخصوص، فإن السنغال أعلنت اتخاذ موقف محايد من الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، وطلبت قبل أشهر من السفير الأوكراني مغادرة أراضيها، بعد أن أدلى بتصريحات اعترف فيها بدعم متمردين في شمال مالي، حين كانوا يخوضون معارك ضد الجيش المالي وقوات «فاغنر».

من جانب آخر، لا تزالُ فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للسنغال، رغم تصاعد الخطاب الشعبي المعادي لفرنسا في الشارع السنغالي، ورفع العلم الروسي أكثر من مرة خلال المظاهرات السياسية الغاضبة في السنغال.

ومع ذلك، لا يزالُ حجم التبادل التجاري بين روسيا والسنغال ضعيفاً، حيث بلغت صادرات روسيا نحو السنغال 1.2 مليار دولار العام الماضي، وهو ما يمثل 8 في المائة من إجمالي صادرات روسيا نحو القارة الأفريقية، في المرتبة الثالثة بعد مصر (28 في المائة) والجزائر (20 في المائة). ولا يخفي المسؤولون الروس رغبتهم في تعزيز التبادل التجاري مع السنغال، بوصفه بوابة مهمة لدخول أسواق غرب أفريقيا.