كابل بين خطر الجفاف والحلول المتأخرة

العاصمة الأفغانية توشك على الجفاف بعد أن أرهقتها قلة الأمطار

صبي يستريح في طريقه إلى جلب الماء من خارج منزله في كابل بأفغانستان الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
صبي يستريح في طريقه إلى جلب الماء من خارج منزله في كابل بأفغانستان الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
TT

كابل بين خطر الجفاف والحلول المتأخرة

صبي يستريح في طريقه إلى جلب الماء من خارج منزله في كابل بأفغانستان الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
صبي يستريح في طريقه إلى جلب الماء من خارج منزله في كابل بأفغانستان الشهر الماضي (نيويورك تايمز)

مع غروب الشمس الذي غلّف كابل في مساء صيفيّ حديث، تبادل جاران الشتائم فجأة بسبب الصراع على مورد آخذ في التلاشي بسرعة: الماء. و قال أمان كريمي بحدة لامرأة وهو ينتزع منها خرطوم المياه ويملأ دلوه من صنبور أحد المساجد: «أنتِ تأتين بأربعة أوعية وتقطعين الدور... إنه دوري وكفى».

أحد أفراد «طالبان» فوق سد شاه في منطقة شاكردارا بولاية كابل (نيويورك تايمز)

اليوم، توشك العاصمة كابل على الجفاف، بعد أن أرهقتها قلة هطول الأمطار وذوبان الثلوج، واستنزافها من خلال الآبار غير المنظمة. وقد أصبحت على درجة من الجفاف أن سكانها البالغ عددهم ستة ملايين نسمة قد يجدون أنفسهم دون ماء بحلول عام 2030، بينما الآن يتشاجرون فيما بينهم للوصول إليه، حسب تقرير لـ«نيويورك تايمز»، الخميس.

مدينة مختنقة بالعطش

تكشف الأرقام عن أنه يجري اليوم استنزاف احتياطيات المياه في المدينة بمعدل يقارب ضعف سرعة تجددها. وإدارة «طالبان»، التي تعاني من نقص الأموال، لم تتمكن حتى الآن من جلب المياه من السدود والأنهار القريبة إلى المدينة المختنقة بالعطش.

مدينة كابل تنمو بسرعة... لكنها تعاني باستمرار من نقص المياه (نيويورك تايمز)

والآن، تواجه كابل خطر أن تصبح أول عاصمة حديثة تُستنزف منها المياه الجوفية بالكامل، حسب تحذيرات منظمة الإغاثة الدولية «ميرسي كور» في تقرير حديث.

أمان كريمي عائداً بعد أن ملأ عبوات المياه من الصنبور بعيد عن منزله بعدما دخل في جدال مع أحد جيرانه بمنطقة دشت برشي في كابل الشهر الماضي (نيويورك تايمز)

وقال كريمي، في أثناء دفعه عربة يدوية محملة بغالونات المياه من المفترض أن تستخدمها أسرته المكونة من خمسة أفراد في الطهي والغسيل والشرب: «نحن نتشاجر أكثر فأكثر، لأن الماء أصبح كالذهب لنا». وأشار إلى أنه يعمل خياطاً، وأنه انتقل رفقة أسرته حديثاً إلى منزل جديد بسبب الارتفاع الشديد في أسعار الإيجارات، لكن المنزل الجديد لا توجد به مياه جارية.

ملء عبوات المياه من الصنبور في المسجد المحلي غرب كابل (نيويورك تايمز)

الحقيقة أن كابل، المحاطة بجبال مكسوّة بالثلوج والتي تعبرها ثلاثة أنهار، لم تكن تُعرف يوماً بأنها مدينة جافة. ومع ذلك، فإنه في الوقت الذي تضاعف عدد سكانها نحو ست مرات خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، لم ينشأ أي نظام فعّال لإدارة المياه قادر على جلبها من مصادر أخرى، أو ينظم استخراج المياه الجوفية من المصانع والمباني السكنية التي تتكاثر في أنحاء المدينة.

محطة تعبئة المياه في دشت برشي بكابل حيث يحمل السكان عربات اليد بعبوات المياه الصفراء (نيويورك تايمز)

وتُعد إمدادات المياه قضية محورية في جميع أنحاء أفغانستان؛ إذ يُجبر الجفاف الناتج عن التغييرات المناخية نحو 700 ألف أفغاني على النزوح سنوياً، حسب تقديرات الأمم المتحدة. كما أن ثلث سكان أفغانستان، البالغ عددهم 42 مليون نسمة، لا يحصلون على مياه شرب نظيفة.

وقد موّل المانحون الدوليون عدة مشاريع لبناء سدود ومبادرات لربط منازل كابل بشبكة أنابيب موثوقة، ورصدوا لذلك مئات الملايين من الدولارات، لكن معظم هذه المشروعات لم يرَ النور قط، أو توقف فجأة بعد عام 2021، حين بسطت «طالبان» سيطرتها على البلاد، ورفضت دول أخرى الاعتراف بالحكومة الجديدة عقب الانسحاب الأميركي.

بائعون يبيعون أعلام إمارة أفغانستان قبيل الذكرى الرابعة لاستيلاء «طالبان» على السلطة على طول شارع في كابل الأربعاء (إ.ب.أ)

في هذا الإطار، قال نجيب الله سديد، خبير موارد المياه: «تعاني كابل من مشكلات المياه منذ عقدين، لكنها لم تكن يوماً أولوية. اليوم، تجف الآبار، وهذه حالة طوارئ».

من جهتهم، يحفر سكان كابل المزيد والمزيد من الآبار الجوفية في الساحات والأقبية، مما يُسبب ثقوباً في مدينة تُستنزف جراء الاستخراج غير المنظم للمياه.

ولا يحصل سوى خُمس سكان كابل على مياه الأنابيب، حسب تقرير صدر عام 2021 عن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. إلا أن أنابيب المياه أصبحت معطلة بشكل متزايد، هي الأخرى. وحتى الوكالة الوطنية للبيئة تعتمد على ناقلة صهريجية تنقل أكثر من 2600 غالون يومياً، لأن بئرها قد جفت وأنابيبها معطلة.

وتعيش كابل كما لو كانت على نظام ري بالتنقيط الوريدي، حيث تُزودها بالماء مئات الدراجات ثلاثية العجلات صينية الصنع وشاحنات من الحقبة السوفياتية تجوب المدينة.

ويعتمد من لا يستطيعون شراء المياه من شركات التوصيل، على آبار المساجد المتناقصة أو على صدقات السكان الميسورين. ومع غروب الشمس، تخرج عربات تجر باليد، وتتألق الشوارع المتعرجة والتلال الشاهقة بعبوات زيت الطهي الكبيرة الصفراء كزهرة دوار الشمس، التي تحولت إلى حاويات مياه.

أحد عناصر أمن «طالبان» المسلحين يقف حارساً بجانب أعلام إمارة أفغانستان التي رُفعت قبل الذكرى الرابعة لاستيلاء الحركة على السلطة في كابل الأربعاء (إ.ب.أ)

وفي صباح أحد الأيام، هرع الحاج محمد ظاهر إلى الطابق السفلي عندما سمع رسالة مسجلة تُعلن عن تدفق المياه في الشارع الذي يسكنه. وانتشرت شركات توصيل المياه في جميع أنحاء كابل، بما في ذلك الأحياء الراقية مثل الحي الذي يعيش به، حيث يتشارك السكان القدامى شوارعهم الآن مع مقاتلي ومسؤولي «طالبان» السابقين.

في هذا السياق، قال ظاهر، الرئيس السابق لمجلس المدينة والمهندس الميكانيكي المتقاعد، إن بئره قد جفّت منذ سنوات، وإن الأنبوب العام المؤدي إلى منزله المكون من طابقين لا يتدفق منه الماء إلا كل ثلاثة أيام. وحثّ «طالبان» على إبقاء موارد المياه متدفقة إلى كابل، لكنه أضاف: «أين المال اللازم لذلك؟».

من ناحيتها، تسعى الحكومة جاهدةً لإيجاد التمويل. وفي جميع أنحاء البلاد، جرى الانتهاء من بناء أربعة سدود منذ عام 2021، بما في ذلك سدود تبعد 20 ميلاً عن كابل، التي إذا جرى ربطها عبر خط أنابيب، يمكنها توفير المياه لآلاف المنازل. ولم يحصل مشروع خط أنابيب آخر من وادي بنغشير القريب على الموافقة النهائية من قيادة البلاد بعد.

ومع ذلك، يفتقر كلا المشروعين إلى التمويل؛ فقد أغلق المانحون الأجانب صنبور المال، بينما تبدو الاستثمارات الخاصة نادرة. عن ذلك، قال مطيع الله عابد، المتحدث باسم وزارة المياه والطاقة الأفغانية، في مقابلة: «مشروعاتنا كبيرة، لكن لا يمكننا توفير سوى نصف الأموال اللازمة لإنجازها».

من ناحية أخرى، فإنه بجوار المسجد الذي وبَّخ فيه كريمي أحد جيرانه، بدأ طابور الناس المنتظرين للمياه يتضاءل ببطء.

ومن بين آخر المنتظرين، كانت عاطفة كاظمي، 26 عاماً، التي ملأت بعض العبوات مقابل بعض المال للمسجد، ثم سارت بعربتها اليدوية مسافة 30 دقيقة إلى المنزل. ورغم أن هناك مسجداً أقرب إلى منزلها، فإن بئره جفّت.


مقالات ذات صلة

عراقجي يتهم القوات الأميركية بضرب محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)

عراقجي يتهم القوات الأميركية بضرب محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم

اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة، السبت، بمهاجمة محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شمال افريقيا اجتماع وزاري لبحث الميزان المائي في مصر (وزارة الري المصرية)

«ميزان مصر المائي» يُظهر فجوة تتجاوز 23 مليار متر مكعب

أظهر تحديث لـ«ميزان مصر المائي» وجود فجوة بين الموارد والاحتياجات تتجاوز 23 مليار متر مكعب سنوياً، حسب وزارة الري والموارد المائية.

عصام فضل (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال مائدة مستديرة حول دعم المزارعين بالبيت الأبيض (أ.ب)

ترمب يهدد المكسيك بزيادة الرسوم 5% بسبب نزاع حدودي على المياه

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الاثنين بفرض رسوم جمركية إضافية خمسة بالمئة على المكسيك، متهما إياها بانتهاك معاهدة لتقاسم المياه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة تُظهر انخفاض مستويات المياه خلف سد على طول نهر الكرخة بسلسلة جبال البرز شمال إيران (أ.ف.ب) p-circle

إيران توقف توليد الكهرباء من سدّ مائي كبير بسبب الجفاف

أوقفت السلطات الإيرانية إنتاج الكهرباء من أحد أكبر سدود البلاد، بسبب انخفاض ملحوظ في منسوب المياه بالخزان، حسبما ذكرت وسائل إعلام رسمية.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

بسبب نقص المياه... بزشكيان: إذا لم تمطر سنضطر لإخلاء طهران

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أنّ العاصمة طهران قد تحتاج الى إجلاء لسكانها بسبب نقص المياه، إذا لم تهطل الأمطار قبل نهاية السنة.

«الشرق الأوسط» (طهران)

سيول: كوريا الشمالية تُطلق نحو عشرة صواريخ باليستية

إطلاق تجريبي لصاروخ «كروز» استراتيجي على متن المدمرة «تشوي هيون» في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ.ف.ب)
إطلاق تجريبي لصاروخ «كروز» استراتيجي على متن المدمرة «تشوي هيون» في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ.ف.ب)
TT

سيول: كوريا الشمالية تُطلق نحو عشرة صواريخ باليستية

إطلاق تجريبي لصاروخ «كروز» استراتيجي على متن المدمرة «تشوي هيون» في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ.ف.ب)
إطلاق تجريبي لصاروخ «كروز» استراتيجي على متن المدمرة «تشوي هيون» في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ.ف.ب)

أطلقت كوريا الشمالية نحو عشرة صواريخ باليستية باتجاه بحر اليابان اليوم (السبت)، وفق ما أعلنت هيئة الأركان المشتركة الكورية الجنوبية، في حين تُجري كوريا الجنوبية مناورات عسكرية سنوية مع واشنطن منذ الاثنين.

وأوضحت هيئة الأركان المشتركة في بيان أن القوات المسلحة في سيول رصدت «نحو عشرة صواريخ باليستية مجهولة أُطلقت من منطقة سونان في كوريا الشمالية باتجاه بحر الشرق قرابة الساعة 13:20» (04:20 بتوقيت غرينيتش)، في إشارة إلى الاسم الكوري لبحر اليابان.

يأتي ذلك بعدما كشفت وسائل إعلام رسمية في كوريا الشمالية يوم الأربعاء أن زعيم البلاد كيم جونغ أون وابنته المراهقة شهدا اختبارات لصواريخ «كروز» استراتيجية أُطلقت من سفينة حربية، في حين هددت بيونغ يانغ بالرد على التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

وأظهرت صور أرسلتها وكالة الأنباء المركزية الكورية الزعيم وابنته في قاعة اجتماعات وهما يطلعان على شاشة تعرض إطلاق الأسلحة من المدمرة «تشوي هيون»، التي أتمت عامها الأول في الخدمة البحرية.


باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
TT

باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

اتهمت حكومة «طالبان» في أفغانستان الجيش الباكستاني، الجمعة، باستهداف منازل المدنيين في غارات جوية ليلية على العاصمة كابل، وعلى ولاية قندهار الجنوبية، مشيرة إلى أن ستة مدنيين قُتلوا وأُصيب أكثر من 24 شخصاً بينهم نساء وأطفال، في الوقت الذي دخلت فيه المعارك بين البلدين الجارين أسبوعها الثالث رغم الدعوات الدولية لضبط النفس.

وأضاف المتحدث ذبيح الله مجاهد، بأن قوات إسلام آباد قصفت مستودع وقود تابعاً لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار الأفغاني، في تصعيد جديد لأعنف صراع تشهده الدولتان الجارتان في جنوب آسيا منذ سنوات، مؤكداً أن هذا العدوان «لن يمر دون رد».

مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)

وقال مجاهد، على منصة «إكس»، إن الطائرات الباكستانية قصفت مستودعات وقود تابعة لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار. وقال: «هذه الشركة تورد الوقود لشركات الطيران المدني وكذلك لطائرات الأمم المتحدة»، في تصعيد جديد لأعنف صراع بين الجارتين الواقعتين في جنوب آسيا منذ سنوات رغم جهود تهدئة التوتر.

وقال مصدر أمني باكستاني، الجمعة، إن الجيش نفّذ ضربات جوية في أفغانستان خلال الليل، بما فيها العاصمة كابل. وقال المصدر الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات كانت ضد «أهداف دقيقة تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»؛ إذ تتّهم إسلام آباد حكومة كابل بإيواء مسلحي حركة «طالبان باكستان» الذين تبنوا سلسلة من الهجمات الدامية في باكستان، وكذلك من ولاية خراسان التابعة لتنظيم «داعش - خراسان».

وقال التلفزيون الباكستاني الحكومي إن القوات المسلحة نفذت «غارات جوية ناجحة في عمق أفغانستان» في إطار العملية الجارية لاستهداف ما قالت إنها أربعة مخابئ محتملة للمسلحين وبنيتهم التحتية في أفغانستان.

قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان 28 فبراير 2026 (د.ب.أ)

واندلع القتال الشهر الماضي بشن غارات جوية باكستانية داخل أفغانستان، وقالت إسلام آباد إنها استهدفت معاقل مسلحين. وذكرت مصادر أمنية باكستانية أن أربعة «معسكرات إرهابية وبنى تحتية للدعم» تعرّضت إلى «الاستهداف والتدمير» في كابل وولايات حدودية، بالإضافة إلى منشأة لتخزين النفط في مطار قندهار. ووصفت أفغانستان الغارات بأنها انتهاك للسيادة وردت بهجمات انتقامية.

وكتب الناطق باسم شرطة العاصمة الأفغانية خالد زدران على «إكس»: «في منطقة غوزار (...) في كابل، استُهدفت منازل مدنيين في قصف شنه النظام الباكستاني أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 15 آخرين»، موضحاً أن نساءً وأطفالاً كانوا بين الضحايا.

أفغان يهتفون بشعارات مناهضة لباكستان خلال احتجاج على الغارات الجوية الباكستانية في أعقاب الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ورأى فريق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في منطقة غوزار في كابل منزلاً مدمّراً ونحو عشرة منازل أخرى تعرّضت لأضرار بالغة انهارت أسقفها وجدرانها. وانتشرت الشرطة بشكل كبير في المنطقة في حين نزل السكان الذين بدت الصدمة واضحة عليهم إلى الشوارع، بينهم أشخاص كانت وجوههم مضمّدة. وقال مسؤول محلي هو عبد الرحيم تراكيل إن «رجلين وامرأتين استشهدوا». وأضاف: «لا توجد أي مواقع عسكرية هنا... هناك أشخاص عاديون فقط، أناس فقراء. لا علاقة لهم إطلاقا بالسياسة». وقال عامل يدعى عبد الواحد (29 عاماً) إنه وأربعة من أفراد عائلته أُصيبوا بجروح عندما استُهدف منزلهم بعيد منتصف الليل. وأفاد: «فجأة، سمعنا صوتاً من منزل آخر. لا أعرف ماذا حصل بعد ذلك. سقطت الحجارة عليّ. كان هناك نساء وأطفال تحت الأنقاض أيضاً».

وقبل الهجوم الأحدث، لم يبلغ أي من الطرفين عن أي غارات جوية باكستانية على أفغانستان في الأيام القليلة الماضية، كما تراجعت حدة القتال البري على الحدود الممتدة لنحو 2600 كيلومتر. وقالت «رويترز» الخميس، إن جهود الوساطة الصينية، التي تدعو إلى وقف العنف، أسهمت في تخفيف حدة القتال بين البلدين. وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي أن إسلام آباد وبكين منخرطتان في «حوار» بشأن أفغانستان.

وتأتي التطورات وسط تصاعد مثير للتوترات بين البلدين، أشارت إليها باكستان بأنها «حرب مفتوحة». وأفادت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان بأن 56 مدنياً قُتلوا في أفغانستان، بينهم 24 طفلاً جراء العمليات العسكرية الباكستانية بين 26 فبراير (شباط) و5 مارس (آذار). وأُجبر نحو 115 ألف شخص على الفرار من منازلهم، حسبما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
TT

كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

ترتبط الصين بعلاقات اقتصادية قوية بإيران، ومع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، ثارت تساؤلات بشأن انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الصيني.

وقالت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إنه بعد إنفاق مليارات الدولارات من قبل الدولة، راكمت الصين ما يعتقد الخبراء أنه من أكبر مخزونات النفط والسلع الحيوية الأخرى في العالم، والآن، يُمثل الصراع في الشرق الأوسط، الذي يعوق أحد أهم طرقها التجارية، أكبر اختبار حتى الآن لمدى استعداد بكين لمواجهة صدمات إمدادات الموارد.

ويمرّ نحو ثلث واردات الصين من النفط و25 في المائة من وارداتها من الغاز عبر مضيق هرمز، حيث توقفت حركة الملاحة فيه بشكل شبه كامل منذ أن أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران المنطقة في أزمة.

وطرحت أسئلة حول ما إذا كانت بكين ستلجأ إلى استخدام الاحتياطات للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار السلع، مثل الارتفاع الحاد في أسعار النفط.

ولفتت الصحيفة إلى تصريح سابق للرئيس الصيني شي جينبينغ عندما فاز بولاية ثالثة مدتها خمس سنوات كزعيم للصين في أواخر عام 2022، بدأ بتحذير كبار المسؤولين من الاستعداد لـ«الظروف الصعبة» و«أسوأ السيناريوهات» التي تنتظر الدولة التي يبلغ تعداد سكانها 1.4 مليار نسمة.

وقالت إيفن باي، مديرة مجموعة «تريفيوم تشاينا» للاستشارات الاستراتيجية، مشيرةً إلى المخاطر الواضحة التي لم يتم الاستعداد لها بالشكل الكافي: «إن قيادة الحزب مهووسة بأزمات وحيد القرن الرمادي، تماماً كما هو الحال الآن»، وذلك في إشارة إلى مصطلح اقتصادي يشير إلى تهديد مالي محتمل بدرجة عالية له تأثير كبير ويتم في الغالب تجاهله.

خريطة توضح مضيق هرمز وإيران تظهر خلف خط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

وأضافت: «الأمن الغذائي والطاقي ليس مجرد موضوع روتيني للنقاش بين القادة، فالحكومة الصينية تُنفق مبالغ طائلة من الموارد المالية على الاستعداد للأزمات والأمن الاقتصادي».

وتُبقي الصين حجم مخزوناتها من الموارد سراً شديد السرية، ويستخلص الخبراء تقديرات متباينة على نطاق واسع من تحليلاتهم لوثائق الميزانية وبيانات التجارة وصور الأقمار الاصطناعية، لكن معظمهم يُرجّح أن احتياطيات الصين من النفط - بما في ذلك الاحتياطي الاستراتيجي الرسمي وبعض المخزونات التجارية - قد زادت بشكل حاد خلال العام الماضي لتتراوح بين 1.1 مليار و1.4 مليار برميل.

وتشير تقديرات «بيرنشتاين للأبحاث» إلى أن حوالي 1.4 مليار برميل تكفي لتغطية واردات النفط لمدة 112 يوماً.

ويقول بعض المحللين إن الاحتياطات أكبر من ذلك، إذ تُقدّرها مؤسسة «جافيكال للأبحاث» في بكين بأكثر من ملياري برميل.

وأظهرت بيانات الجمارك هذا الأسبوع ارتفاعاً بنسبة 16في المائة في واردات النفط الخام خلال أول شهرين من هذا العام، وهي زيادة لم تُقابلها زيادة مماثلة في الطلب المحلي.

وتعكس هذه الزيادات الأولويات التي حددها شي جينبينغ، الذي طالب في عام 2023 المسؤولين بتسريع بناء الاحتياطات، قائلاً إنه يجب جعلها «أكثر قدرة على حماية الأمن القومي».

وقال أندريا غيسيللي، الخبير في سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بجامعة إكستر البريطانية: «يمكن القول إنهم ربما لم يتوقعوا تاريخ الهجوم على إيران، لكنهم توقعوا وقوع شيء ما».

وذكر داي جياكوان، كبير الاقتصاديين في معهد البحوث الاقتصادية والتكنولوجية التابع لمجموعة النفط الحكومية الصينية، لصحيفة «فايننشال تايمز» بأنه يتوقع أن تستخدم الحكومة الاحتياطات الاستراتيجية فقط لمعالجة اضطرابات الإمداد.

وأضاف داي: «حسب فهمي الشخصي، لا يرتبط الأمر بأسعار النفط»، مؤكداً أن احتياطات الصين «بالتأكيد» تتجاوز متطلبات وكالة الطاقة الدولية لتغطية واردات تكفي لمدة 90 يوماً.

وأشار خبراء صينيون إلى أن بلادهم اكتسبت مرونة ملحوظة مقارنةً بالعديد من الدول المتقدمة الكبرى.