أرمينيا... الحلقة الأضعف على مسرح القوقاز المضطرب

تسعى لتنويع تحالفاتها بعد الهزيمة العسكرية التي تكبّدتها أمام أذربيجان

حاجز للشرطة في مواجهة متظاهرين أمام مقر الحكومة في يريفان في 26 مايو 2024 (أ.ب)
حاجز للشرطة في مواجهة متظاهرين أمام مقر الحكومة في يريفان في 26 مايو 2024 (أ.ب)
TT

أرمينيا... الحلقة الأضعف على مسرح القوقاز المضطرب

حاجز للشرطة في مواجهة متظاهرين أمام مقر الحكومة في يريفان في 26 مايو 2024 (أ.ب)
حاجز للشرطة في مواجهة متظاهرين أمام مقر الحكومة في يريفان في 26 مايو 2024 (أ.ب)

مَن يعتقد بأن الشرق الأوسط هو الرُّقعة الأكثر تعقيداً على المسرح الدولي، عليه أن يُلقي نظرةً على منطقة القوقاز وما تختزنه من الصراعات العرقية والجغرافية والدينية التي كانت لسنوات قليلة خلت نائمةً تحت عباءة الاتحاد السوفياتي، والتي تنذر التحولات الجيوسياسية الأخيرة بتفجيرها على امتداد آسيا الوسطى ومحيطها.

الحلقة الأضعف حالياً في هذه المنطقة التي تتضارب فيها مصالح القوى الإقليمية وتتشابك تحت العيون الساهرة للدول الكبرى هي أرمينيا، خصوصاً بعد أن سحبت عنها موسكو غطاء الحماية التاريخي، معاقبة لها على ارتمائها في أحضان الغرب، وتركتها لقمةً سائغةً في فم جارتها اللدود، أذربيجان، التي تتنافس القوى الإقليمية والدولية على خطب ودّها طمعاً في ثرواتها النفطية والمعدنية.

بعد الهزيمة العسكرية التي أنزلتها أذربيجان بجارتها، واستعادة سيطرتها كاملة على إقليم ناغورنو كاراباخ، وطردها ما يزيد على 100 ألف من سكانها الأرمن، كثّفت أرمينيا جهودها لتنويع تحالفاتها، والحد من اعتمادها الاقتصادي والعسكري على روسيا التي تبدو مستعدة للتضحية بها ضمن مساعيها لاجتذاب أذربيجان إلى محورها، وإبعادها عن المحور الغربي.

دائرة النفوذ الروسية

صورة لإطلاق سراح جنود أرمينيين بعد إبرام صفقة تبادل بين باكو ويريفان في 13 ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

في مارس (آذار) الماضي، طلب مجلس الأمن الأرمني من موسكو سحب قواتها التابعة لجهاز الأمن الفيدرالي من مطار يريفان، الذي كانت تتمركز فيه منذ 3 عقود. وجاء هذا الطلب بعد سلسلة من التدابير التي اتخذتها الحكومة الأرمنية في الأشهر الأخيرة وأثارت غضب موسكو، مثل المصادقة على دستور روما الذي يعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي يُلزم أرمينيا بإلقاء القبض على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حال قام بزيارة الأراضي الأرمينية، أو تجميد مشاركتها في منظمة «معاهدة الأمن الجماعي»، التي تُعرف باسم «الناتو الروسي».

كل هذه الخطوات تندرج في سياق السعي إلى الخروج من دائرة النفوذ الروسية، لكنها تنطوي على قدر كبير من المجازفة لعدم وجود تحالفات بديلة يمكن لأرمينيا أن تعتمد عليها في القريب المنظور.

عندما وصل رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان إلى السلطة عام 2018 على أكتاف انتفاضة شعبية واسعة ضد النظام الفاسد الذي كان يحكم البلاد منذ عقود، حرص على عدم إغضاب موسكو، وطلب من أنصاره عدم رفع الرايات الأوروبية والأميركية في الساحات العامة، كما حصل في الانتفاضات الأخرى التي شهدتها جمهوريات سابقة في الاتحاد السوفياتي بعد نيلها الاستقلال.

وقام باشينيان بزيارات عديدة إلى موسكو، وكان يتحادث هاتفياً باستمرار مع بوتين. لكن بعد امتناع روسيا عن التدخل في المواجهة العسكرية الأخيرة مع أذربيجان، عدّت الحكومة الأرمنية أن شريكتها في منظمة «معاهدة الأمن الجماعي»، التي لا تنتمي إليها أذربيجان، قد تخلّت عنها، ولم تُحرّك ساكناً لمنع التطهير العرقي في ناغورنو كاراباخ.

التقارب مع الاتحاد الأوروبي

متظاهر ضد حكومة باشينيان يهتف من داخل حافلة للشرطة بعد اعتقاله في يريفان في 27 مايو 2024 (رويترز)

في موازاة ذلك، كثّفت أرمينيا اتصالاتها مع الاتحاد الأوروبي الذي وقّعت معه اتفاقات عدة للتعاون، وقبلت بنشر بعثة مراقبة أوروبية على الحدود مع أذربيجان اعترضت عليها موسكو وباكو، في حين يُردّد كبار المسؤولين الأرمن منذ أشهر أن الحكومة تدرس إمكانية تقديم طلب انضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وكان البرلمان الأوروبي الجديد، الذي بدأت ولايته مطلع هذا الصيف، قد وافق بأغلبية ساحقة على قرار يدعو الاتحاد إلى توطيد علاقاته مع أرمينيا، تمهيداً لبدء مفاوضات انضمامها إلى «النادي الأوروبي».

على الصّعيد العسكري، وقّعت أرمينيا أخيراً اتفاقاً لشراء أسلحة من فرنسا والهند، وأبرمت اتفاقاً للتعاون والتدريب العسكري مع اليونان، في حين تراجعت مشترياتها العسكرية من روسيا من 96 في المائة إلى 9 في المائة. ولم تتردّد موسكو في الإعراب عن استيائها من هذا التوجه، إذ صرّح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأن بلاده ستعيد النظر في مستقبل علاقاتها مع أرمينيا إذا واصلت جنوحها نحو الغرب، مُحذّراً من أن ذلك «يتسبب بضرر لا يعوّض، ويشكّل خطراً على سيادة أرمينيا».

ويخشى مراقبون دبلوماسيون في العاصمة الأرمينية أن «غضب موسكو» يمكن أن يؤدّي إلى مقاطعة اقتصادية تُلحق ضرراً كبيراً بمصالح أرمينيا، أو حتى إلى إعطاء ضوء أخضر لهجوم أذربيجاني جديد، يُشكّل هاجساً دائماً في المجتمع الأرمني، خصوصاً بعد التقارب الأخير الذي شهدته العلاقات بين موسكو وباكو، وتكرّس في الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس فلاديمير بوتين إلى أذربيجان.

مغامرة استراتيجية

مظاهرة ضد رئيس الوزراء نيكول باشينيان في يريفان في 24 سبتمبر 2023 (أ.ب)

ويقول أوليغ إيغناتوف، أستاذ العلوم السياسية في جامعة يريفان، إن هذه السياسة التي تنتهجها الحكومة الأرمنية، ربما تحت وطأة فقدانها نهائياً السيطرة على إقليم ناغورنو كاراباخ واشتداد ضغط المعارضة، محفوفة بمخاطر كثيرة، لا سيما أن أرمينيا لم توقّع بعد اتفاقية سلام مع أذربيجان، وما زالت علاقاتها مضطربة مع تركيا والحدود معها مقفلة، وتريد الابتعاد عن روسيا قبل ضمان حليف بديل يمكن أن يُؤمّن لها الحماية.

ويستبعد إيغناتوف أن يقدّم الأوروبيون أي دعم عسكري لأرمينيا، خصوصاً في الظروف الراهنة مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وبعد أن أصبحت أذربيجان مصدراً رئيسياً للطاقة إلى الاتحاد الأوروبي. ويرى أن مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا زالت مُجرّد سراب في الوقت الحاضر، وأن بروكسل ليس في وارد فتحها، حتى كخطوةٍ رمزيةٍ ودعم سياسي كما فعلت مع أوكرانيا وجورجيا ومولدوفيا.

ويضيف: «مهما بدا الأمر غريباً، الجهة الوحيدة التي يمكن أن تمُدّ يد المساعدة العسكرية لأرمينيا في حال تعرضت لعدوان من أذربيجان، هي إيران. لكن حتى ذلك يبدو مستبعَداً في الوقت الراهن؛ بسبب العلاقات الوثيقة التي أقامتها أرمينيا مع الغرب أخيراً». يُضاف إلى ذلك، أن جميع القوى الإقليمية الوازنة، من روسيا إلى تركيا وأذربيجان وإيران، تُعارض استدعاء قوى خارجية لتعزيز وجودها في المنطقة.

لكن اعتماد أرمينيا على روسيا لا يقتصر على الجانب العسكري، إذ بلغت المبادلات التجارية بين البلدين رقماً قياسياً العام الماضي. كما أن عشرات الآلاف من الروس الذين هربوا من التعبئة العسكرية الإلزامية التي فرضها بوتين لمواجهة احتياجات الحرب في أوكرانيا، استقروا في يريفان التي أصبحت أيضاً منصّة رئيسية للالتفاف على العقوبات الغربية عن طريق إعادة تصدير المواد الخاضعة للعقوبات من أرمينيا إلى روسيا. لذلك، من المستبعد أن تلجأ موسكو إلى الانتقام من أرمينيا، لأن ذلك سيضرّ مباشرة بمصالحها.



باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
TT

باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

اتهمت حكومة «طالبان» في أفغانستان الجيش الباكستاني، الجمعة، باستهداف منازل المدنيين في غارات جوية ليلية على العاصمة كابل، وعلى ولاية قندهار الجنوبية، مشيرة إلى أن ستة مدنيين قُتلوا وأُصيب أكثر من 24 شخصاً بينهم نساء وأطفال، في الوقت الذي دخلت فيه المعارك بين البلدين الجارين أسبوعها الثالث رغم الدعوات الدولية لضبط النفس.

وأضاف المتحدث ذبيح الله مجاهد، بأن قوات إسلام آباد قصفت مستودع وقود تابعاً لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار الأفغاني، في تصعيد جديد لأعنف صراع تشهده الدولتان الجارتان في جنوب آسيا منذ سنوات، مؤكداً أن هذا العدوان «لن يمر دون رد».

مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)

وقال مجاهد، على منصة «إكس»، إن الطائرات الباكستانية قصفت مستودعات وقود تابعة لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار. وقال: «هذه الشركة تورد الوقود لشركات الطيران المدني وكذلك لطائرات الأمم المتحدة»، في تصعيد جديد لأعنف صراع بين الجارتين الواقعتين في جنوب آسيا منذ سنوات رغم جهود تهدئة التوتر.

وقال مصدر أمني باكستاني، الجمعة، إن الجيش نفّذ ضربات جوية في أفغانستان خلال الليل، بما فيها العاصمة كابل. وقال المصدر الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات كانت ضد «أهداف دقيقة تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»؛ إذ تتّهم إسلام آباد حكومة كابل بإيواء مسلحي حركة «طالبان باكستان» الذين تبنوا سلسلة من الهجمات الدامية في باكستان، وكذلك من ولاية خراسان التابعة لتنظيم «داعش - خراسان».

وقال التلفزيون الباكستاني الحكومي إن القوات المسلحة نفذت «غارات جوية ناجحة في عمق أفغانستان» في إطار العملية الجارية لاستهداف ما قالت إنها أربعة مخابئ محتملة للمسلحين وبنيتهم التحتية في أفغانستان.

قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان 28 فبراير 2026 (د.ب.أ)

واندلع القتال الشهر الماضي بشن غارات جوية باكستانية داخل أفغانستان، وقالت إسلام آباد إنها استهدفت معاقل مسلحين. وذكرت مصادر أمنية باكستانية أن أربعة «معسكرات إرهابية وبنى تحتية للدعم» تعرّضت إلى «الاستهداف والتدمير» في كابل وولايات حدودية، بالإضافة إلى منشأة لتخزين النفط في مطار قندهار. ووصفت أفغانستان الغارات بأنها انتهاك للسيادة وردت بهجمات انتقامية.

وكتب الناطق باسم شرطة العاصمة الأفغانية خالد زدران على «إكس»: «في منطقة غوزار (...) في كابل، استُهدفت منازل مدنيين في قصف شنه النظام الباكستاني أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 15 آخرين»، موضحاً أن نساءً وأطفالاً كانوا بين الضحايا.

أفغان يهتفون بشعارات مناهضة لباكستان خلال احتجاج على الغارات الجوية الباكستانية في أعقاب الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ورأى فريق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في منطقة غوزار في كابل منزلاً مدمّراً ونحو عشرة منازل أخرى تعرّضت لأضرار بالغة انهارت أسقفها وجدرانها. وانتشرت الشرطة بشكل كبير في المنطقة في حين نزل السكان الذين بدت الصدمة واضحة عليهم إلى الشوارع، بينهم أشخاص كانت وجوههم مضمّدة. وقال مسؤول محلي هو عبد الرحيم تراكيل إن «رجلين وامرأتين استشهدوا». وأضاف: «لا توجد أي مواقع عسكرية هنا... هناك أشخاص عاديون فقط، أناس فقراء. لا علاقة لهم إطلاقا بالسياسة». وقال عامل يدعى عبد الواحد (29 عاماً) إنه وأربعة من أفراد عائلته أُصيبوا بجروح عندما استُهدف منزلهم بعيد منتصف الليل. وأفاد: «فجأة، سمعنا صوتاً من منزل آخر. لا أعرف ماذا حصل بعد ذلك. سقطت الحجارة عليّ. كان هناك نساء وأطفال تحت الأنقاض أيضاً».

وقبل الهجوم الأحدث، لم يبلغ أي من الطرفين عن أي غارات جوية باكستانية على أفغانستان في الأيام القليلة الماضية، كما تراجعت حدة القتال البري على الحدود الممتدة لنحو 2600 كيلومتر. وقالت «رويترز» الخميس، إن جهود الوساطة الصينية، التي تدعو إلى وقف العنف، أسهمت في تخفيف حدة القتال بين البلدين. وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي أن إسلام آباد وبكين منخرطتان في «حوار» بشأن أفغانستان.

وتأتي التطورات وسط تصاعد مثير للتوترات بين البلدين، أشارت إليها باكستان بأنها «حرب مفتوحة». وأفادت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان بأن 56 مدنياً قُتلوا في أفغانستان، بينهم 24 طفلاً جراء العمليات العسكرية الباكستانية بين 26 فبراير (شباط) و5 مارس (آذار). وأُجبر نحو 115 ألف شخص على الفرار من منازلهم، حسبما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
TT

باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

اتهمت حكومة «طالبان» في أفغانستان الجيش الباكستاني، الجمعة، باستهداف منازل المدنيين في غارات جوية ليلية على العاصمة كابل، وعلى ولاية قندهار الجنوبية، مشيرة إلى أن ستة مدنيين قُتلوا وأُصيب أكثر من 24 شخصاً بينهم نساء وأطفال، في الوقت الذي دخلت فيه المعارك بين البلدين الجارين أسبوعها الثالث رغم الدعوات الدولية لضبط النفس.

وأضاف المتحدث ذبيح الله مجاهد، بأن قوات إسلام آباد قصفت مستودع وقود تابعاً لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار الأفغاني، في تصعيد جديد لأعنف صراع تشهده الدولتان الجارتان في جنوب آسيا منذ سنوات، مؤكداً أن هذا العدوان «لن يمر دون رد».

مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)

وقال مجاهد، على منصة «إكس»، إن الطائرات الباكستانية قصفت مستودعات وقود تابعة لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار. وقال: «هذه الشركة تورد الوقود لشركات الطيران المدني وكذلك لطائرات الأمم المتحدة»، في تصعيد جديد لأعنف صراع بين الجارتين الواقعتين في جنوب آسيا منذ سنوات رغم جهود تهدئة التوتر.

وقال مصدر أمني باكستاني، الجمعة، إن الجيش نفّذ ضربات جوية في أفغانستان خلال الليل، بما فيها العاصمة كابل. وقال المصدر الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات كانت ضد «أهداف دقيقة تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»؛ إذ تتّهم إسلام آباد حكومة كابل بإيواء مسلحي حركة «طالبان باكستان» الذين تبنوا سلسلة من الهجمات الدامية في باكستان، وكذلك من ولاية خراسان التابعة لتنظيم «داعش - خراسان».

وقال التلفزيون الباكستاني الحكومي إن القوات المسلحة نفذت «غارات جوية ناجحة في عمق أفغانستان» في إطار العملية الجارية لاستهداف ما قالت إنها أربعة مخابئ محتملة للمسلحين وبنيتهم التحتية في أفغانستان.

قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان 28 فبراير 2026 (د.ب.أ)

واندلع القتال الشهر الماضي بشن غارات جوية باكستانية داخل أفغانستان، وقالت إسلام آباد إنها استهدفت معاقل مسلحين. وذكرت مصادر أمنية باكستانية أن أربعة «معسكرات إرهابية وبنى تحتية للدعم» تعرّضت إلى «الاستهداف والتدمير» في كابل وولايات حدودية، بالإضافة إلى منشأة لتخزين النفط في مطار قندهار. ووصفت أفغانستان الغارات بأنها انتهاك للسيادة وردت بهجمات انتقامية.

وكتب الناطق باسم شرطة العاصمة الأفغانية خالد زدران على «إكس»: «في منطقة غوزار (...) في كابل، استُهدفت منازل مدنيين في قصف شنه النظام الباكستاني أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 15 آخرين»، موضحاً أن نساءً وأطفالاً كانوا بين الضحايا.

أفغان يهتفون بشعارات مناهضة لباكستان خلال احتجاج على الغارات الجوية الباكستانية في أعقاب الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ورأى فريق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في منطقة غوزار في كابل منزلاً مدمّراً ونحو عشرة منازل أخرى تعرّضت لأضرار بالغة انهارت أسقفها وجدرانها. وانتشرت الشرطة بشكل كبير في المنطقة في حين نزل السكان الذين بدت الصدمة واضحة عليهم إلى الشوارع، بينهم أشخاص كانت وجوههم مضمّدة. وقال مسؤول محلي هو عبد الرحيم تراكيل إن «رجلين وامرأتين استشهدوا». وأضاف: «لا توجد أي مواقع عسكرية هنا... هناك أشخاص عاديون فقط، أناس فقراء. لا علاقة لهم إطلاقا بالسياسة». وقال عامل يدعى عبد الواحد (29 عاماً) إنه وأربعة من أفراد عائلته أُصيبوا بجروح عندما استُهدف منزلهم بعيد منتصف الليل. وأفاد: «فجأة، سمعنا صوتاً من منزل آخر. لا أعرف ماذا حصل بعد ذلك. سقطت الحجارة عليّ. كان هناك نساء وأطفال تحت الأنقاض أيضاً».

وقبل الهجوم الأحدث، لم يبلغ أي من الطرفين عن أي غارات جوية باكستانية على أفغانستان في الأيام القليلة الماضية، كما تراجعت حدة القتال البري على الحدود الممتدة لنحو 2600 كيلومتر. وقالت «رويترز» الخميس، إن جهود الوساطة الصينية، التي تدعو إلى وقف العنف، أسهمت في تخفيف حدة القتال بين البلدين. وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي أن إسلام آباد وبكين منخرطتان في «حوار» بشأن أفغانستان.

وتأتي التطورات وسط تصاعد مثير للتوترات بين البلدين، أشارت إليها باكستان بأنها «حرب مفتوحة». وأفادت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان بأن 56 مدنياً قُتلوا في أفغانستان، بينهم 24 طفلاً جراء العمليات العسكرية الباكستانية بين 26 فبراير (شباط) و5 مارس (آذار). وأُجبر نحو 115 ألف شخص على الفرار من منازلهم، حسبما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
TT

كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

ترتبط الصين بعلاقات اقتصادية قوية بإيران، ومع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، ثارت تساؤلات بشأن انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الصيني.

وقالت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إنه بعد إنفاق مليارات الدولارات من قبل الدولة، راكمت الصين ما يعتقد الخبراء أنه من أكبر مخزونات النفط والسلع الحيوية الأخرى في العالم، والآن، يُمثل الصراع في الشرق الأوسط، الذي يعوق أحد أهم طرقها التجارية، أكبر اختبار حتى الآن لمدى استعداد بكين لمواجهة صدمات إمدادات الموارد.

ويمرّ نحو ثلث واردات الصين من النفط و25 في المائة من وارداتها من الغاز عبر مضيق هرمز، حيث توقفت حركة الملاحة فيه بشكل شبه كامل منذ أن أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران المنطقة في أزمة.

وطرحت أسئلة حول ما إذا كانت بكين ستلجأ إلى استخدام الاحتياطات للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار السلع، مثل الارتفاع الحاد في أسعار النفط.

ولفتت الصحيفة إلى تصريح سابق للرئيس الصيني شي جينبينغ عندما فاز بولاية ثالثة مدتها خمس سنوات كزعيم للصين في أواخر عام 2022، بدأ بتحذير كبار المسؤولين من الاستعداد لـ«الظروف الصعبة» و«أسوأ السيناريوهات» التي تنتظر الدولة التي يبلغ تعداد سكانها 1.4 مليار نسمة.

وقالت إيفن باي، مديرة مجموعة «تريفيوم تشاينا» للاستشارات الاستراتيجية، مشيرةً إلى المخاطر الواضحة التي لم يتم الاستعداد لها بالشكل الكافي: «إن قيادة الحزب مهووسة بأزمات وحيد القرن الرمادي، تماماً كما هو الحال الآن»، وذلك في إشارة إلى مصطلح اقتصادي يشير إلى تهديد مالي محتمل بدرجة عالية له تأثير كبير ويتم في الغالب تجاهله.

خريطة توضح مضيق هرمز وإيران تظهر خلف خط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

وأضافت: «الأمن الغذائي والطاقي ليس مجرد موضوع روتيني للنقاش بين القادة، فالحكومة الصينية تُنفق مبالغ طائلة من الموارد المالية على الاستعداد للأزمات والأمن الاقتصادي».

وتُبقي الصين حجم مخزوناتها من الموارد سراً شديد السرية، ويستخلص الخبراء تقديرات متباينة على نطاق واسع من تحليلاتهم لوثائق الميزانية وبيانات التجارة وصور الأقمار الاصطناعية، لكن معظمهم يُرجّح أن احتياطيات الصين من النفط - بما في ذلك الاحتياطي الاستراتيجي الرسمي وبعض المخزونات التجارية - قد زادت بشكل حاد خلال العام الماضي لتتراوح بين 1.1 مليار و1.4 مليار برميل.

وتشير تقديرات «بيرنشتاين للأبحاث» إلى أن حوالي 1.4 مليار برميل تكفي لتغطية واردات النفط لمدة 112 يوماً.

ويقول بعض المحللين إن الاحتياطات أكبر من ذلك، إذ تُقدّرها مؤسسة «جافيكال للأبحاث» في بكين بأكثر من ملياري برميل.

وأظهرت بيانات الجمارك هذا الأسبوع ارتفاعاً بنسبة 16في المائة في واردات النفط الخام خلال أول شهرين من هذا العام، وهي زيادة لم تُقابلها زيادة مماثلة في الطلب المحلي.

وتعكس هذه الزيادات الأولويات التي حددها شي جينبينغ، الذي طالب في عام 2023 المسؤولين بتسريع بناء الاحتياطات، قائلاً إنه يجب جعلها «أكثر قدرة على حماية الأمن القومي».

وقال أندريا غيسيللي، الخبير في سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بجامعة إكستر البريطانية: «يمكن القول إنهم ربما لم يتوقعوا تاريخ الهجوم على إيران، لكنهم توقعوا وقوع شيء ما».

وذكر داي جياكوان، كبير الاقتصاديين في معهد البحوث الاقتصادية والتكنولوجية التابع لمجموعة النفط الحكومية الصينية، لصحيفة «فايننشال تايمز» بأنه يتوقع أن تستخدم الحكومة الاحتياطات الاستراتيجية فقط لمعالجة اضطرابات الإمداد.

وأضاف داي: «حسب فهمي الشخصي، لا يرتبط الأمر بأسعار النفط»، مؤكداً أن احتياطات الصين «بالتأكيد» تتجاوز متطلبات وكالة الطاقة الدولية لتغطية واردات تكفي لمدة 90 يوماً.

وأشار خبراء صينيون إلى أن بلادهم اكتسبت مرونة ملحوظة مقارنةً بالعديد من الدول المتقدمة الكبرى.