قذائف مدفعية في المنطقة الحدودية تصعّد التوتر بين الكوريتين

واشنطن حثّت بيونغ يانغ على العودة إلى الدبلوماسية... وبكين دعت إلى ضبط النفس

جنود من البحرية الكورية الجنوبية يصلون إلى جزيرة يونبيونغ في 6 يناير (أ.ف.ب)
جنود من البحرية الكورية الجنوبية يصلون إلى جزيرة يونبيونغ في 6 يناير (أ.ف.ب)
TT

قذائف مدفعية في المنطقة الحدودية تصعّد التوتر بين الكوريتين

جنود من البحرية الكورية الجنوبية يصلون إلى جزيرة يونبيونغ في 6 يناير (أ.ف.ب)
جنود من البحرية الكورية الجنوبية يصلون إلى جزيرة يونبيونغ في 6 يناير (أ.ف.ب)

أطلقت كوريا الشمالية، السبت، أكثر من 60 قذيفة مدفعية قرب جزيرة يونبيونغ الكورية الجنوبية، وفق ما أعلن الجيش الكوري الجنوبي، غداة دفعة أولى أطلقتها بيونغ يانغ، ما استدعى ردّاً من سيول مع تدريبات بالذخيرة الحية في المنطقة.

وقالت هيئة الأركان الكورية الجنوبية: «أطلقت قوات كوريا الشمالية أكثر من 60 قذيفة مدفعية (بين الساعة السابعة والثامنة بتوقيت غرينتش)»، محذرة بيونغ يانغ من مواصلة عمليات القصف، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وأطلقت بوينغ يانغ، الجمعة، أكثر من 200 قذيفة مدفعية قرب جزيرتي يونبيونغ وبانغيوندو، الواقعتين جنوب حدود بحرية قائمة بحكم الأمر الواقع بين الكوريتين. ويسكن الجزيرتين عدد قليل جداً من الأشخاص.

تصعيد عسكري

وتقع يونبيونغ التي يسكنها نحو ألفَي شخص، على بعد 115 كيلومتراً تقريباً غرب سيول، وعلى بعد نحو عشرة كيلومترات جنوب ساحل كوريا الشمالية.

وتقع بانغيوندو القريبة كذلك من كوريا الشمالية، والتي يصل عدد سكانها إلى 4900 تقريباً، على بعد 210 كيلومترات غرب العاصمة الكورية الجنوبية سيول. ولم تتسبّب القذائف التي أطلقتها بيونغ يانغ، الجمعة، في وقوع أي ضحايا أو أضرار، بحسب سيول. وطُلب من سكان الجزيرتين الانتقال إلى الملاجئ، وعُلّقت حركة العبارات في تصعيد عسكري يُعدّ الأخطر في شبه الجزيرة الكورية منذ قصفت بيونغ يانغ جزيرة يونبيونغ في عام 2010، رداً على مناورة كورية جنوبية بالذخيرة الحية قرب الحدود. وتسبّب ذلك الهجوم الكوري الشمالي، والذي كان الأول على مدنيين منذ الحرب الكورية التي امتدت من 1950 حتى 1953، في سقوط أربعة قتلى هما عسكريان ومدنيان. واستمرّ التراشق المدفعي قرابة الساعة، أطلق خلالها كلّ معسكر مئتَي قذيفة تقريباً.

استعدادات «الحرب»

جاءت عملية الإطلاق، الجمعة، بعد تحذيرات متكررة من كوريا الشمالية بزعامة كيم جونغ أون من استعدادها لخوض حرب ضد جارتها الجنوبية وحليفتها الولايات المتحدة اللتين هدد بمحوهما.

زعيم كوريا الشمالية خلال زيارته المصنع العسكري رفقة ابنته جو - آي (أ.ف.ب)

وسقطت القذائف التي أُطلقت، الجمعة والسبت، في المنطقة العازلة على طول الحدود، والتي أُنشئت بموجب اتفاق خفض التوتر الذي تم التوصل إليه في عام 2018، لكنه انهار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، بعدما أطلقت بيونغ يانغ قمراً اصطناعياً لأغراض التجسس، ثمّ رفضت كوريا الشمالية الاتفاق برمته بعد فترة وجيزة.

تحذير كوري جنوبي

وقال الجيش الكوري الجنوبي، السبت، إن القصف المدفعي الكوري الشمالي «المتكرر» في هذه المنطقة «يشكّل تهديداً للسلام في شبه الجزيرة الكورية». وأصدر الجيش «تحذيراً شديداً» لبيونغ يانغ، طالباً منها الكفّ فوراً عن القصف، ومؤكداً أنه رداً على ذلك «سيتخذ الإجراءات المناسبة لحماية كوريا الجنوبية». وأضاف الجيش أنه «بعدما أعلنت الإلغاء الكامل للاتفاق العسكري العائد لـ19 سبتمبر (أيلول) 2018، تواصل كوريا الشمالية تهديد مواطنينا بنيران المدفعية المستمرة داخل المنطقة التي تحظر فيها الأعمال العدائية».

جنود يمرّون إلى جانب لافتة تبيّن موقع ملجأ في جزيرة يونبيونغ في 6 يناير (أ.ف.ب)

وكان الجيش الكوري الشمالي قد أكد، الجمعة، إجراء مناورة بحرية بالذخيرة الحية «كإجراء طبيعي مضاد» ضد التهديدات الكورية الجنوبية، بحسب بيان نشرته «وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية». كما حذّر جيش بيونغ يانغ سيول من الإقدام على «عمل استفزازي بحجّة ما يُسمّى العمل المضاد»، قائلاً إنها إذا فعلت ذلك، فإن كوريا الشمالية «ستلجأ إلى رد مضاد صارم على مستوى غير مسبوق»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الكورية الشمالية».

دعوات التهدئة

سارعت الأسرة الدولية إلى الدعوة إلى الهدوء. وحضّت الصين على «ضبط النفس»، فيما حثّت الولايات المتحدة كوريا الشمالية على وقف أفعالها «المزعزعة للاستقرار والعودة إلى الدبلوماسية». وفي خطاب طويل ألقاه في ختام اجتماع لمناسبة نهاية العام حدّد فيه التوجهات الاستراتيجية لبلاده، أطلق الزعيم الكوري الشمالي تهديدات جديدة بتوجيه ضربات نووية ضد سيول، وأمر بتسريع الاستعدادات العسكرية لـ«حرب» يمكن أن «تندلع في أي وقت» في شبه الجزيرة.

شاشة تعرض صوراً لتدريبات عسكرية كورية شمالية في محطة قطارات بسيول في 6 يناير (أ.ب)

وفي مسعى لردع بيونغ يانغ، أرسل الجيش الأميركي إلى كوريا الجنوبية، الشهر الماضي، الغواصة «ميزوري» العاملة بالدفع النووي، فيما أشرك حاملة الطائرات «رونالد ريغان» وقاذفة استراتيجية من طراز «بي - 52» في مناورات عسكرية مع سيول وطوكيو. وردّت بيونغ يانغ بتجربة لإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات «هواسونغ - 18»، هو الأقوى في الترسانة الكورية الشمالية، ويرجّح أنه قادر على بلوغ كل الأراضي الأميركية، في تحذير صريح لواشنطن. والعلاقات بين الكوريتين هي حالياً في أحد أدنى مستوياتها منذ عقود، بعدما كرّس كيم وضع بلاده قوةً نووية في الدستور، وأجرت بلاده سلسلة اختبارات على العديد من الصواريخ الباليستية المتطورة العابرة للقارات.

القوات الأميركية

وفي سياق الدعم الأميركي لسيول، قال وزير التوحيد في كوريا الجنوبية كيم يونغ هو، في مقابلة تلفزيونية، إن من غير المرجح أن تخفض الولايات المتحدة قواتها في كوريا الجنوبية، حتى لو فاز الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

صورة جماعية للقوات الكورية الجنوبية والأميركية بعد تدريبات مشتركة بالذخيرة الحية بالقرب من المنطقة منزوعة السلاح في 2 يناير (رويترز)

وفي المقابلة التي بثتها قناة «كيه بي إس»، السبت، قال الوزير إن هذا يرجع إلى أن الكونغرس الأميركي قد قرر الأمر بالفعل في مشروع قانون الدفاع الذي أقره في الآونة الأخيرة. وقال كيم: «أحد المخاوف التي تساور الكثير من الناس هو... مسألة أي انسحاب للقوات الأميركية من كوريا» إذا أعيد انتخاب ترمب. لكن كيم ذكر أن قانون تفويض الدفاع الوطني، الصادر في ديسمبر (كانون الأول)، ينصّ على أن الإدارة الأميركية تحتاج إلى موافقة الكونغرس لتقليص عدد قواتها البالغ عددها 28500 جندي في كوريا الجنوبية. وأضاف أن تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان سيساعد في التغلب على أي تغييرات سياسية في الولايات المتحدة. جاءت هذه التصريحات رداً من كيم على سؤال بشأن تقرير لصحيفة «بوليتيكو»، أفاد بأن ترمب يدرس السماح لكوريا الشمالية بالاحتفاظ بأسلحتها النووية وتقديم حوافز مالية لوقف صنع قنابل جديدة، وهو ما نفاه ترمب ووصفه بأنه «أخبار كاذبة». وقال كيم رداً على سؤال عن آراء بعض الخبراء الأميركيين «الاعتراف بكوريا الشمالية قوةً نووية يعني أنه لن يكون أمام كوريا الجنوبية خيار سوى تطوير أسلحة نووية واليابان (أيضاً)».


مقالات ذات صلة

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

آسيا تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

وسط مشاعر مختلطة بين الحزن والغضب، شيعت تركيا جنازة ضحايا هجوم مسلح نفذه طالب يبلغ من العمر 14 عاماً داخل مدرسة إعدادية في كهرمان ماراش بجنوب البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية كردي يرفع صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (أ.ب)

تركيا: أوجلان يطلب التشاور مع قيادات «الكردستاني» بشأن «قانون السلام»

طلب زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان تمكينه من التشاور مع قيادات الحزب في شمال العراق بشأن مشروع قانون في إطار «عملية السلام» في تركيا

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية علم إيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية على طهران (رويترز) p-circle

تقرير: إيران تُعيد تأهيل منصات إطلاق صواريخ مدفونة وسط هدنة هشة

في ظلّ هدنة مؤقتة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تكشف المعطيات الميدانية عن سباق خفي لإعادة ترتيب القدرات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مسعفون ينقلون القتلى والمصابين في هجوم على مدرسة في كهرمان ماراش بجنوب تركيا وسط انتشار للشرطة (إعلام تركي)

تركيا: مقتل وإصابة 24 شخصاً في هجوم على مدرسة إعدادية 

قتل 4 أشخاص وأصيب 20 آخرون على الأقل في هجوم مسلح على مدرسة إعدادية في ولاية كهرمان ماراش في جنوب تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات في مارس 2022  (أ.ب)

غروسي: كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة» في قدرتها على صنع أسلحة نووية

حذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي، في سيول، الأربعاء، من أن كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة جداً» في قدرتها على صنع أسلحة نووية.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

بيانات: ناقلة ترفع علم باكستان محملة بخام إماراتي تخرج من هرمز

خريطة توضح مضيق هرمز وبراميل نفط (رويترز)
خريطة توضح مضيق هرمز وبراميل نفط (رويترز)
TT

بيانات: ناقلة ترفع علم باكستان محملة بخام إماراتي تخرج من هرمز

خريطة توضح مضيق هرمز وبراميل نفط (رويترز)
خريطة توضح مضيق هرمز وبراميل نفط (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن الصادرة من «كبلر» ومجموعة بورصات لندن أن ناقلة النفط (شالامار) ​التي ترفع علم باكستان أبحرت من الخليج عبر مضيق هرمز محملة بنفط خام تم تحميله من الإمارات، وفق «رويترز».

وأظهرت بيانات «كبلر» أن الناقلة غادرت الممر المائي أمس الخميس محملة بنحو 440 ألف ‌برميل من ‌مزيج خام داس ​بعد ‌أن ⁠تم ​تحميلها في وقت ⁠سابق من هذا الأسبوع. وتبحر الناقلة باتجاه ميناء كراتشي لتفريغ حمولتها في 19 أبريل (نيسان).

وكانت شالامار واحدة من ناقلتي نفط باكستانيتين دخلتا المضيق يوم الأحد لتحميل ⁠النفط الخام والمنتجات النفطية. ‌وقال وزير ‌النفط الباكستاني يوم الأربعاء إن ​شالامار حملت ‌نفطا خاما من الإمارات في محطة ‌تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك). ولم ترد شركة شحن باكستان الوطنية، التي تدير الناقلة، على الفور على طلب للتعليق.

وبدأت ‌الولايات المتحدة هذا الأسبوع حصارا للمضيق للسيطرة على حركة السفن. وقالت ⁠البحرية ⁠الأميركية في بيان صدر أمس الخميس إن الحصار تم توسيعه ليشمل الشحنات التي تعتبر مهربة، وأن أي سفن يشتبه في محاولتها الوصول إلى الأراضي الإيرانية ستكون عرضة للاعتلاء والتفتيش.

وذكرت القيادة المركزية الأميركية على منصة «إكس» إن 14 سفينة عادت أدراجها في ظل ​الحصار بناء ​على توجيهات القوات الأمريكية بعد 72 ساعة من بدء التنفيذ.


مقتل 8 أشخاص جراء تحطم هليكوبتر بإقليم كاليمانتان الغربي بإندونيسيا

حطام في موقع تحطم طائرة هليكوبتر لفي إقليم كاليمانتان الغربي (رويترز)
حطام في موقع تحطم طائرة هليكوبتر لفي إقليم كاليمانتان الغربي (رويترز)
TT

مقتل 8 أشخاص جراء تحطم هليكوبتر بإقليم كاليمانتان الغربي بإندونيسيا

حطام في موقع تحطم طائرة هليكوبتر لفي إقليم كاليمانتان الغربي (رويترز)
حطام في موقع تحطم طائرة هليكوبتر لفي إقليم كاليمانتان الغربي (رويترز)

قالت السلطات الإندونيسية، اليوم (الجمعة)، إن ثمانية أشخاص ​كانوا على متن طائرة هليكوبتر لقوا حتفهم إثر تحطمها في إقليم كاليمانتان الغربي، فيما تواصل فرق البحث محاولاتها لانتشال الجثث وحطام الطائرة.

وذكر محمد ‌شفيعي رئيس ‌وكالة ​الإنقاذ ‌الإندونيسية ⁠أن ​الاتصال انقطع بالطائرة ⁠وهي من طراز «إيرباص إتش130» صباح أمس الخميس بعد خمس دقائق من إقلاعها من منطقة مزارع في ميلاوي.

وأضاف «يقع ⁠موقع الحادث أو فقدان ‌الاتصال ‌في منطقة غابات ​كثيفة ذات ‌تضاريس جبلية شديدة الانحدار»، ‌موضحا أن فرق الإنقاذ عثرت على حطام يشتبه في أنه ذيل الطائرة على بعد ‌حوالي ثلاثة كيلومترات غرب المكان الذي فقد فيه ⁠الاتصال.

ولا ⁠تزال أسباب الحادث غير واضحة. وقال متحدث باسم وكالة الإنقاذ المحلية إن الركاب الستة وطاقم الطائرة المكون من شخصين لقوا حتفهم.

ويحاول رجال الإنقاذ، وبينهم أفراد من الجيش والشرطة، الوصول إلى ​موقع ​الحادث عبر الطرق البرية اليوم الجمعة.


تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)
تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)
TT

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)
تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)

وسط مشاعر مختلطة بين الحزن والغضب، شيعت تركيا جنازة ضحايا هجوم مسلح نفذه طالب يبلغ من العمر 14 عاماً داخل مدرسة إعدادية في كهرمان ماراش بجنوب البلاد.

وقتل في الهجوم 8 من طلاب مدرسة «آيسر تشاليك» في منطقة «12 شباط» في كهرمان ماراش، تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً، ومعلمة رياضيات، تبلغ من العمر 55 عاماً، حاولت حماية مجموعة من تلاميذها بجسدها، فاخترقه الرصاص.

وخيم حزن عميق وساد غضب عارم في الشارع تم التعبير عنه عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسط انتقادات حادة من المواطنين وأحزاب المعارضة لغياب التدابير الأمنية في المدارس ومطالبات بإقالة وزير التعليم.

حوادث نادرة وضحايا

وفي بلد تعد فيه مثل هذه الحوادث من النوادر، تكررت حوادث إطلاق النار مرتين في يومين متتاليين، حيث دخل طالب سابق في مدرسة «أحمد كويونجو» الثانوية الفنية في منطقة «سيفريك» في ولاية شانلي أورفا (جنوب شرقي تركيا) المدرسة بمسدس وأطلق النار عشوائياً، ما تسبب في إصابة 16 طالباً، ثم انتحر.

ودّعت تركيا الخميس ضحايا الهجوم على مدرسة في كهرمان ماراش في واحدة من الحوادث النادرة (أ.ف.ب)

والأربعاء، نفذ طالب بالصف الثامن بمدرسة «آيسر تشاليك» في كهرمان ماراش هجوماً داخل مدرسته، مستخدماً 5 أسلحة تعود لوالده مفتش الأمن السابق، وأفرغ 7 مخازن ذخيرة في صفين دراسيين.

وقال وزير الداخلية التركي، مصطفى تشيفتشي، إن الحادث أسفر عن 9 قتلى وإصابة 13 شخصاً، بينهم 6 في حالة خطيرة.

وذكر والي كهرمان ماراش، مكرم أونلوير، أن منفذ الهجوم انتحر بإطلاق النار على نفسه.

وأفادت الشرطة التركية بأن المهاجم، ويدعي «عيسى أراس مرسينلي»، شارك على حسابه في «واتساب»، صورة للأميركي إليوت رودجر، الذي نقذ هجوماً عام 2014 في حرم جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا عام 2014 وكان يبلغ من العمر 22 عاماً، فقتل 6 أشخاص، قبل أن يُنهي حياته، ونشر قبيل هجومه مقطعاً مصوراً قال فيه إن ما سيقدم عليه هو بمثابة «عقاب» للنساء اللواتي رفضنه. وكتب مرسينلي اسمه على «واتساب» قبل الحادث: «عيسى أراس مرسينلي قاتل المدرسة».

اعترافات صادمة

واعتقل والد مرسينلي، وهو مفتّش شرطة سابق، الأربعاء، ووضع رهن الحجز، وتمت مصادرة الأجهزة الرقمية التي ضبطت خلال عمليات التفتيش في منزله وسيارته.

عائلات طلاب مدرسة «آيسر نشاليك» الإعدادية في كهرمان ماراش جنوب تركيا عقب تعرضها لهجوم مسلح على يد أحد الطلاب (رويترز)

وقال والد المهاجم، خلال التحقيقات معه، إن ابنه كان يعاني من مشاكل نفسية، وإنه عرضه أكثر من مرة على اختصاصيين نفسانيين، وإنه رفض مؤخراً زيارة طبيب نفسي، ولاحظ اهتمامه المتزايد بالأسلحة قبل شهر.

والدة أحد ضحايا هجوم مدرسة كهرمان ماراش في جنوب تركيا تبكي على نعشه في أثناء تشييع جنازات الضحايا (إعلام تركي)

وقال إن ابنه كان «منشغلاً باستمرار بأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، وكان يلعب ألعاباً تفاعلية، وكان يرفض أن يُري أحداً أي شيء، وكان يتحدث الإنجليزية، وإنه هو نفسه لم يكن يفهم ما يُقال لعدم معرفته باللغة الإنجليزية، ولهذا السبب لم تتمكن الأسرة من رصد أي سلوك سلبي له».

تحقيقات واعتقالات

وأعلن وزير العدل أكين غورليك، عبر حسابه في «إكس»، البدء بإجراءات قانونية ضد 130 صاحب حساب على منصات التواصل الاجتماعي، ممن نشروا منشورات تتعلق بالهجومين اللذين وقعا على مدرستين خلال يومين.

وقال إنه تم احتجاز 95 شخصاً في إطار التحقيقات، ولا تزال الجهود جارية للقبض على 35 آخرين، وتم حظر الوصول إلى 1104 حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، وتم تحديد الحسابات التي أثارت قلقاً عاماً باستهدافها المدارس والتهديد بشن هجمات؛ وفي هذا السياق، تم احتجاز 67 مستخدماً استهدفوا 54 مدرسة، وتستمر الإجراءات القانونية ضدهم.

وأضاف غورليك أن هذه العملية يتابعها 171 مكتباً للنيابة العامة في جميع الولايات البالغ عددها 81 ولاية، بالتنسيق مع وزارتي الداخلية والتعليم.

ولفت إلى أنه تم تقديم طلبات لإزالة المحتوى وحظر الوصول إلى 66 رابطاً على تطبيق «تلغرام»، تبين أنها نشرت منشورات استفزازية، وتم إغلاق مجموعة على التطبيق ذاته تضم نحو 100 ألف عضو، حيث تم تبادل صور متعلقة بالهجمات.

احتجاجات للمعلمين

وأثار الهجومان المتتاليان في شانلي أورفا وكهرمان ماراش غضباً واسعاً في أوساط المعلمين، وخرج الآلاف منهم في احتجاجات في مختلف أنحاء البلاد بدعم من نقابات العاملين بالتعليم واتحاد النقابات.

منعت الشرطة آلاف المعلمين في أنقرة من السير إلى مبنى وزارة التعليم (حساب اتحاد نقابات المعلمين الأتراك في إكس)

وتجمع نحو 4 آلاف معلم في ميدان «تان دوغان» في العاصمة أنقرة، الخميس، محاولين السير إلى مبنى وزارة التعليم لكن الشرطة قامت بتطويق التجمع ومنعت المسيرة.

ودعا اتحاد نقابات العاملين بالتعليم إلى إضراب لمدّة يومين في عموم تركيا، ورفع المحتجون لافتات تطالب بوقف العنف في المدارس والشوارع، وإقالة وزير التعليم يوسف تكين.

وقدم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان التعازي لأسر ضحايا حادث إطلاق النار في مدرسة كهرمان ماراش، مؤكداً، عبر حسابه في «إكس» أنه سيتم الكشف عن الحادث بكل جوانبه.

وقال إن «من واجبنا الأخلاقي والضميري ألا يُستغلّ هجوم كهذا الذي أشعل نار الغضب في قلوب أمتنا بأسرها، في جدل سياسي أو لتحقيق مكاسب إعلامية».

بدوره، قال زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، عبر «إكس»: «في المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، بات من الواضح أن العنف في المدارس لم يعد يُفسّر بحوادث معزولة، يجب أن يكون أمن المدارس من أهم أولويات تركيا الآن».

وأبرزت الهجمات المسلحة على المدرستين جوانب الضعف الأمني ​​في المؤسسات التعليمية، وأعادت إلى الأذهان مطالبة المعارضة، خلال اجتماع لجنة التخطيط والميزانية بالبرلمان في سبتمبر (أيلول) الماضي، بزيادة ميزانية وزارة التعليم البالغة 1.9 تريليون ليرة تركية، بمقدار 225 مليار ليرة إضافية لتلبية احتياجات المدارس من عمال النظافة والأمن والصحة العامة.

خرج آلاف المعلمين في إسطنبول في مظاهرة مطالبين بوقف العنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي يوسف تكبن (حساب اتحاد نقابات المعلمين في إكس)

ورفض نواب حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، وحليفه حزب «الحركة القومية»، ما قالوا إنه مزاعم نقص الأمن في المدارس، قائلين إنه «مشهد من تركيا القديمة، وإنه تم تخصيص حراس أمن لـ132 مدرسة عالية الخطورة»، ورفضوا اقتراح المعارضة.