القربي لـ«الشرق الأوسط»: نقلت رسالة أخيرة إلى صدام فقال لي «هذه معركة كرامة الأمة»

وزير الخارجية اليمني الأسبق: وقعت هجمات سبتمبر فالتقى صالح بوش لنفي وصمة الإرهاب (1 من 2)

TT

القربي لـ«الشرق الأوسط»: نقلت رسالة أخيرة إلى صدام فقال لي «هذه معركة كرامة الأمة»

صدام وصالح خلال قمة عربية استثنائية في بغداد قبل غزو الكويت بـ3 أشهر (غيتي)
صدام وصالح خلال قمة عربية استثنائية في بغداد قبل غزو الكويت بـ3 أشهر (غيتي)

حين دوّت طائرات «القاعدة» في سماء نيويورك، هرع وزير الخارجية اليمني السابق أبو بكر القربي من برلين إلى صنعاء، للتعامل مع اللحظة التي غيرت وجه العالم. دفعت الهجمات - ضمن تداعياتها الكثيرة - الرئيس علي عبد الله صالح، إلى الانخراط الكامل في الحرب الأميركية ضد الإرهاب، بعد ترتيب زيارة سريعة إلى واشنطن لإقناع الرئيس السابق جورج بوش، بأن اليمن ليس بؤرةً لـ«القاعدة».

في الحلقة الأولى من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، يروي القربي الذي تولى منصبه في 4 أبريل (نيسان) 2001 وتركه في 2014، تجربته الطويلة وزيراً لخارجية بلد عاصف كاليمن. يعود إلى الفترة الملتهبة بين تفجير تنظيم «القاعدة» المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» قبالة سواحل عدن في أكتوبر (تشرين الأول) 2000، وغزو العراق، مروراً برسالته الأخيرة إلى صدام حسين الذي رفض اقتراحاً من صالح بالتعاون مع المطالب الأممية، قائلاً إن «هذه معركة كرامة الأمة وسندفع ثمنها». وفيما يلي نص الحلقة:

* أول استحقاق كبير واجهتموه كان هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك وواشنطن. أين كنت في ذلك اليوم؟ وكيف استقبلت الخبر؟

- كنت في زيارة رسمية إلى برلين، وكنا على مأدبة غداء مع وزير خارجية ألمانيا في ذلك الوقت، وفوجئنا بالخبر. كنا نستعد لرحلة على النهر ولحفل استقبال دعوت إليه شخصيات ألمانية والسفارات العربية وغيرها، وفوجئنا بالخبر المزعج فتسمرنا أمام التلفزيون نتابع ما يجري، وقررنا إلغاء الحفل.

* كيف استقبل الرئيس علي عبد الله صالح خبر هجمات 11 سبتمبر؟

- لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال لأنني لم أكن موجوداً (في اليمن) حينها. لكن فيما بعد، القضية كانت مزعجة جداً لنا، خصوصاً بعد حادثة «كول» في عدن. عندما حدث ذلك، وضع اليمن على أنه بؤرة لـ«القاعدة» وللإرهاب، وبالتالي كنا نقيّم تبعات الحادث في نيويورك على النظرة إلى اليمن.

* عندما رجعت من ألمانيا التقيت الرئيس، وكان هذا الموضوع البند الأول في المناقشات. هل كان يعدّه خطراً وقد يرتب على اليمن تبعات؟

- نعم بكل تأكيد، ليس فقط على اليمن، إنما على المنطقة كلها. ولكن كنا ننظر كيف نجنب اليمن تبعات ما يجري، ولهذا كانت أول خطوة اتخذناها هي ترتيب زيارة سريعة للأخ الرئيس إلى واشنطن، وكان هو من أول القادة الواصلين إلى واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام، والتقى بالرئيس جورج بوش.

«مواجهة» صالح وبوش في البيت الأبيض

* كيف كان اللقاء بين الرئيسين؟

- يمكن أن أصفه بأنه نوع من المواجهة من قبل الرئيس لإقناع الرئيس بوش بأن اليمن ليس بؤرة للإرهاب، وبالتالي لا يتحمل تبعات حادثة 11 سبتمبر.

* هل اتهمه بوش؟

- لا، لم يتهمه. أشار الرئيس بوش إلى أنهم حريصون على محاربة الإرهاب، وأهمية دور اليمن في محاربة الإرهاب، وأن هناك إرهابيين في اليمن. وأعتقد في نهاية المطاف، فإن الرئيس صالح احتوى الموضوع بقوله إن اليمن سيكون شريكاً مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، وبدأت العلاقة...

لقاء بوش وصالح بعد 11 سبتمبر بأسابيع (أ.ف.ب)

* هل طلب من اليمن طلبات محددة؟

- في ذلك الوقت لا، لكن فيما بعد اعتقد أن الهدف الرئيسي كان كيف يتم التعاون في مكافحة عناصر «القاعدة» داخل اليمن.

* هل اتخذ اليمن إجراءات جدية آنذاك؟

- بكل تأكيد. اتخذ إجراءات تعقب الجماعات التي ارتكبت حادثة تفجير المدمرة، واعتقلت الأجهزة الأمنية بعضهم. وبدأت تحقيقات معهم، وكانت الولايات المتحدة تطالب بأن تشارك في هذه التحقيقات، إلا أن اليمن رفض ذلك باعتبار أن هذه التحقيقات مسؤولية الحكومة اليمنية، ولكن يمكنهم أن يحضروا هذه التحقيقات، وإذا كانت لديهم أسئلة تطرح عبر المحققين اليمنيين.

* هل كشفت التحقيقات شيئاً مهماً يتعلق بالهجمات؟

- حقيقة لا أذكر بالنسبة إلى هذا الجانب الأمني، لكن بكل تأكيد، كان هناك تبادل مجموعة من المعلومات بين الجهازين الأمنيين.

* انتظم التعاون بين الأجهزة الأمنية في البلدين، هل توقعت بوصفك وزير خارجية أن تخرج أميركا الجريحة في حملة تأديب تشمل أفغانستان، ثم تمتد إلى العراق؟

- كنا ندرك تماماً أن الجرح الأميركي عميق من حادثة 11 سبتمبر، لكن لم أكُن أتوقع أن أميركا ستتسرع في الإجراءات التي اتخذتها. أعتقد أن التسرع ورّط أميركا في المراحل اللاحقة لهذا القرار.

* هل كان الرئيس صالح يشعر بأن أميركا مهمة جداً لكنها مقلقة سواء بوصفها خصماً أو حليفاً؟

- نعم بكل تأكيد. الرئيس علي عبد الله صالح في زيارته إلى أميركا كان يدرك خطورة الموقف الأميركي على اليمن وعلى المنطقة، وهذا ظاهر في مواقفه بكثير من القضايا العربية؛ سواء القضية الفلسطينية أو العدوان على العراق فيما بعد. ولهذا حاولنا أن نتجنب أي مواقف تستفز الولايات المتحدة. كان همنا في ذلك الوقت أن نجنب اليمن المخاطر.

رسالة صالح الأخيرة إلى صدام

* هاجمت أميركا أفغانستان وأسقطت نظام «طالبان»، هل شعرتم بالقلق حين تبين أنها تندفع باتجاه غزو العراق؟

- أعتقد هذا جاء بمرحلة لاحقة في 2003، وكان لأسباب أخرى غير مرتبطة بأفغانستان، ولكن أعتقد أنها في إطار شعور أميركا بأنها تريد مزيداً من الهيمنة على المنطقة، وسياستها ومصالحها والأحداث التي تدور في المنطقة بعد 2001. كان هناك استهداف للأنظمة العربية، ولهذا جاءوا بمشروع «الشرق الأوسط الكبير» وغيره من الأفكار المتعددة و«الفوضى الخلاقة» التي تبنتها (وزيرة الخارجية الأميركية السابقة) كوندوليزا رايس. وكانت كل الدول العربية تشعر بقلق مما تقوم به أميركا في المنطقة.

ولهذا، حتى في الجامعة العربية، نحن بوصفنا وزراء خارجية في ذلك الوقت، كنا نرى كيف نرسل الرسائل إلى أميركا بأن العرب ليسوا كما يتوقعون. يقولون إنهم راعون للإرهاب وغير ذلك، وإن المجموعة العربية مع محاربة الإرهاب ومع الإصلاحات السياسية والاقتصادية في بلدانها.

* اقترب الغزو الأميركي للعراق، ماذا فعل الرئيس علي عبد الله صالح؟ وماذا فعلتم بوصفكم دولة يمنية؟

- دورنا كان من خلال الجامعة العربية أولاً، إذ كان يهمنا أن يكون الموقف العربي موحداً في مواجهة العدوان الأميركي على العراق، وللأسف كان هناك انقسام في مواقف الدول العربية.

والخطوة الثانية كانت كيفية إقناع صدام حسين بتجنب تعريض العراق للعدوان الأميركي. وكنت أنا آخر من ذهب إلى العراق يحمل رسالة إلى صدام حسين، قبل نحو شهر ونصف الشهر أو شهرين من العدوان، لأبلغه بهذه الرسالة؛ يجب أن تحافظ على العراق وعلى إنجازاتك في العراق، وتجنبه العدوان.

* رسالة من الرئيس علي عبد الله صالح؟

- نعم.

* وسلمتها للرئيس صدام حسين؟

- نعم سلمتها للرئيس صدام حسين.

صدام مستقبلاً القربي في بغداد عام 2001 (أ.ف.ب)

* ماذا كان رده؟

- صدام حسين في رده لي قال: أولاً الشكر للرئيس صالح ودعمه وحرصه على العراق، ولكن قال إن هذه معركة كرامة الأمة، وعلينا أن ندفع الثمن دفاعاً عن كرامة الأمة. والرسالة إلى الرئيس صالح أنه يتمنى عليه أن يحافظ هو على الوحدة اليمنية.

* ماذا كان مضمون الرسالة؟ هل تضمنت اقتراحاً ليقوم به صدام حسين؟

- أن يلبي مطالب الأمم المتحدة التي تتبناها أميركا طبعاً.

* ألم يُظهر مرونة؟

- لم يبدِ استعداداً لهذا، وكان يعدّ ذلك مساساً بكرامة الأمة، أن يقوم العراق بقبول المطالب الأميركية في ذلك الوقت.

* بمَ شعرت بوصفك وزير خارجية حينما أجابك بأن هذه معركة الدفاع عن كرامة الأمة؟ هل شعرت بالخطر على العراق؟

- بكل تأكيد. أولاً أنا بعدما تحدثت إليه بالصفة الرسمية، قلت له أريد أن أتحدث إليك بصفة المواطن العربي إلى قائد عربي، وقلت له: نحن ندرك أن هذه معركة كرامة الأمة، ولكنها أيضاً تتطلب الحكمة في مواجهة هذا العدوان، ولا نريد للعراق أن يخسر كل ما حققه الآن من تنمية وبناء المؤسسات وقدرات عسكرية... إلخ، وبالتالي المعركة لن تنتهي بالعدوان على العراق وقد ندفع ثمنها جميعاً بوصفنا عرباً. فقال: لكن، علينا في العراق أن نتحمل هذه المسؤولية.

* من التقيت أيضاً في بغداد؟

- لم ألتقِ بغير الرئيس.

* نقلت رد صدام حسين إلى علي عبد الله صالح، فماذا كان تعليق الرئيس اليمني؟

- الرئيس كان متألماً للرد، لأنه شعر بأن العراق سيتعرض للعدوان، وما ينتج عن هذا العدوان.

* بمَ يشعر وزير خارجية عربي حينما يلتقي بالرئيس صدام حسين؟

- الشعور بأنك أمام قائد عربي حقق لبلده كثيراً من الإنجازات، لكن قرار السلم والحرب، كما هي الحال ربما في كل عالمنا العربي، مرتبط بشخص واحد. وأعتقد أن هذه القضية في كثير من الأمور التي نعاني منها، عندما تتخذ القرارات من شخص واحد من دون الأخذ بإسهام المؤسسات المعنية العسكرية والأمنية والسياسية في اتخاذ مثل هذا القرار.

* هل كان لديك مثل هذا الشعور حيال غزو الكويت، بأن التفرد بالقرار يقود إلى كوارث؟

- بكل تأكيد، لأن كل القضايا التي تحدث الآن في عالمنا العربي هي المأساة نفسها.

* هل هذا الميل إلى التفرد نتيجة شعور القادة بأنهم مكلفون بمهمات تاريخية؟ هل كان علي عبد الله صالح متفرداً بالقرار؟

- أحياناً كان متفرداً، لكن أعتقد أن هذا كان بعد تجربة الحكم والخلافات والحروب التي وقعت. بدأ بتجربة الحوار الوطني لكي يوحّد القوى السياسية، ويكون هناك شركاء في اتخاذ القرار، لكن تظل هناك أحياناً قرارات فردية.

* هل قال علي عبد الله صالح شيئاً عن صدام حسين، إنه عنيد أو متفرد...؟ هذه مسائل للتاريخ.

- لم يقُل هذا الكلام صراحة، لكن أعتقد أنه شعر بأن صدام حسين أخطأ بهذا القرار.

* بدأ غزو العراق، كيف كان مزاج علي عبد الله صالح، وأنت وزير خارجية يجب أن تتصرف؟

- حينها كانت هناك أشهر من النقاش قبل العدوان في الجامعة العربية وبين الدول العربية، وكانت هناك مجموعة من الدول العربية التي تحاول أن تحد من هذا العدوان، وهناك دول، لا أريد أن أقول مشجعة، إنما لا تريد أن تدخل في موقف ضد الموقف الأميركي. كنا، في اليمن نعد أنفسنا للعدوان بأنه سيحدث، وبالنسبة إلينا اعتبرناه كارثة، لذلك أرسل الرئيس أكثر من مبعوث قبل أن أذهب أنا مباشرة قبل العدوان.

* انهار نظام صدام حسين، هل خشي علي عبد الله صالح على مصيره؟

- لا.

* لكنه شعر بالقلق عندما شاهد صدام حسين يعدم، وقال كلاماً علنياً، هل تذكر ذلك؟

- أذكر، وكنت يومها في عمان ولم أكن في صنعاء، أن هذا الحدث كان له تأثير شديد على علي عبد الله صالح. أولاً بالإعدام الذي تم يوم العيد، وشعور الرئيس صالح بأن هذا فيه نوع من روح الانتقام والحقد الشديد على صدام حسين، لأننا كنا نتمنى أن تكون المحاكمة عادلة، وأن يكون الحكم وتنفيذه أكثر إنسانية.

* نقل عنه قوله في قمة عربية، وكنت تشارك في القمم بحكم منصبك، إنه «حين يحلق جارك بلّ دقنك»، وهذا ما حصل لصدام حسين قد يحصل لآخرين.

- ما قاله هو «قبل أن يحلقوا رأسك احلق رأسك أنت»، وكان يقصد أنه قبل أن يفرض عليك الآخرون، اتخذ أنت القرار بإصلاح الأمور.

صالح وصدام: «كيمياء» خاصة

* ما سر هذه العلاقة الشخصية القوية بين علي عبد الله صالح وصدام؟ هل هي مشاركة اليمن في الحرب العراقية - الإيرانية؟

- أعتقد أن المشاركة جاءت بناء على علاقة قوية سابقة بين الرئيسين. شخصياً أعتقد أنهما شخصيتان اتسمتا بالموقف القومي، وبموقف واضح من إسرائيل ومما تقوم به في فلسطين. كيمياؤهما كانت متوافقة وكانا قريبين بعضهما من بعض.

صدام وصالح خلال قمة عربية استثنائية في بغداد قبل غزو الكويت بـ3 أشهر (غيتي)

* هل كان صدام حسين يساعد اليمن؟

- لا أستطيع أن أقول شيئاً في هذا، لأنني ليس لي علم.

* لأن اليمن انخرط في اللقاء مع مصر والأردن والعراق في المجلس العربي؟

- نعم.

* هل تعتقد أن هذا المجلس كان الهدف منه تغيير التوازنات في المنطقة؟

- أعتقد أنه من المؤسف أن العالم العربي تعرض لأزمات كثيرة. وكان كل واحد يعتقد أنه باجتهاد تشكيل مجالس متعددة... إما يهرب من العمل العربي المشترك، أو يفعّل للعمل العربي المشترك. لم يتحقق شيء من هذا، لأن هذه المجالس لم تحقق شيئاً على أرض الواقع.

علاقة مميزة مع الملك عبد الله

* بمن كانت للرئيس صالح علاقات قوية في تلك المرحلة، من الرؤساء والملوك؟

- أعتقد من القادة العرب، بعد توقيع اتفاقية الحدود مع المملكة العربية السعودية، كانت العلاقة مع الملك عبد الله متميزة جداً والثقة عالية جداً. وبعد تعييني وزيراً للخارجية، استطعت مع الأمير سعود (الفيصل) أن نرى كيف نترجم هذه الثقة بدعم اليمن مع وزراء آخرين من دول عربية، خصوصاً وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد.

جمعت صالح علاقة قوية بالملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز (أ.ف.ب)

هذه كلها جعلت العلاقة مع المملكة علاقة خاصة جداً ولفترة طويلة، إلى ربما 2008 عندما توقفت الحرب مع الحوثيين، وكانت السعودية طرفاً فيها. وهناك من نقل معلومات خاطئة إلى المملكة عن موقف الرئيس صالح من وقف الحرب، وبدأت العلاقات تتوتر قليلاً.

هذا بالنسبة إلى الشخصيات العربية التي كانت أقرب إليه في تلك الفترة. من القادة الآخرين أعتقد ملس زيناوي، رئيس وزراء إثيوبيا، كانت له علاقة جيدة بالرئيس صالح. أولاً العلاقة التي كانت لهما شراكة فيها وهي موقفهما من إريتريا، واعتبارها تهديداً للاستقرار في المنطقة عندما هددت الجزر اليمنية، وحربها مع إثيوبيا أيضاً.

* أسياس أفورقي رئيس إريتريا؟

- كانت علاقته طيبة به، لكن بعد حادثة الجزر توترت، ومع ذلك بعد أن حلت المسألة ودياً دخلنا نحن في اليمن لنحاول أن نرمم العلاقة بينهم وبين إثيوبيا، وذهبت أنا إلى البلدين مرات عدة لنحاول أن نوفق بينهما.

* هل كانت هناك علاقة مع حافظ الأسد؟

- أثناء رئاستي لوزارة الخارجية، كانت العلاقة محدودة.

* خلال الأحداث التي عاشتها سوريا، كنتم مؤيدين لموقف السلطة السورية ضد المعارضة؟

- هذه من الأمور التي كان صالح، سواء في العراق أو سوريا، يرى أن التدخل الخارجي في أي بلد عربي، في النهاية، يدمر ذلك البلد.

* كيف كانت العلاقة بين صالح والقذافي؟

- فيها نوع من المماحكة السياسية. تعرف أن القذافي كان يعتقد أنه، بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، هو المكلف بأخذ الموقف الناصري والدفاع عن القومية العربية... إلخ، وكان صالح يرى أنه يبالغ في هذا الموقف بأنه القائد العربي.

* كان صالح ظريفاً، هل كان يسخر من القذافي في مجالسه؟

- لا. لا أعتقد أنه كان يسخر، لكن كان ينتقد بعض مواقفه؛ مثل دعواته إلى الوحدة العربية بعد التجربة التي مرت بها الأمة العربية.

* لماذا ساعد القذافي الحوثيين؟

- لا أدري ما هدفه، لكن ربما نوع من الضغط على صالح، أو نوع من الضغط على المملكة العربية السعودية.

* هل قدم القذافي أسلحة للحوثيين أم أموالاً؟

- لا توجد لدي معلومات، هو كان على تواصل معهم.

بوتين والصين... بوابة السلاح والاستثمار

* رافقت الرئيس صالح في رحلات بهذا العالم، منها رحلة في زيارة فلاديمير بوتين، كيف كانت هذه الرحلة؟

- في الجانب الشخصي بين الاثنين، كانت العلاقة في منتهى الودية. وكان الرئيس بوتين يدرك الوضع السياسي الذي فيه صالح. كانت الزيارة في 2008، وكانت قد بدأت المشاكل مع الحوثيين وغيرهم. واليمن كان يعتمد في تسليحه على روسيا. كان هناك تعاون مع الرئيس بوتين لتلبية احتياجات اليمن، وكان هناك عرض عسكري في الوقت نفسه لأسلحة حديثة في روسيا، وأخذ الرئيس بوتين معه الرئيس صالح إلى العرض العسكري والمعرض والاستعراض، أي كان واضحاً أن الرئيس بوتين يعتبر صالح من الرؤساء العرب القريبين منه، ومن موسكو.

* أعجب صالح بالرئيس بوتين؟

- جداً.

صالح وبوتين خلال لقاء في 2002 (أ.ف.ب)

* ماذا قال عنه؟

- أعتقد قال إنه سيعيد لروسيا دورها السابق.

* بمن أعجب؟ كان صديقاً لصدام حسين وأعجب ببوتين، ألم يعجب بالزعماء الغربيين؟

- أعتقد ربما الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، وجورج بوش إلى حد ما. الرئيس التقاه أكثر من مرة، حتى إن الرئيس بوش في إحدى الزيارات أخذه لزيارة المنطقة التي يعيش فيها بالبيت الأبيض. لكن إجمالاً كان اهتمامه (صالح) الأكبر بالعالم العربي.

* الصين.

- الصين كانت مهمة بالنسبة له، وكانت واحدة من آخر زياراته إلى الصين وكنت معه، وكان يحاول فيها أن يفتح الباب أمام الصين للاستثمار في اليمن، وفعلاً كان هناك استعداد من الصين؛ لكن جاءت الأحداث.

* هل كان يشعر بأهمية التجربة الآسيوية في هذا النهوض الاقتصادي؟

- هذه أحد الأشياء التي نوقشت، وكانت الصين مستعدة لإدخال اليمن ضمن طريق الحرير الذي كانت تخطط له، أن يكون اليمن محطة من محطاته، ووافقوا على تقديم مليار دولار بوصفها قرضاً لليمن لمشاريع، وكان الخلاف بعدها حول كيفية تسديد هذا المبلغ، والبرلمان للأسف عطل المشروع في ذلك الوقت.

وزراء الخارجية العرب في ذاكرة القربي

* تجربة مَن من وزراء الخارجية العرب استوقفتك؟

- أولاً طبعاً رحمه الله الأمير سعود الفيصل.

* ماذا تقول عنه؟

- أقول عنه أولاً إنه تميز بالحكمة وتميز بالصبر عندما يسمع شيئاً لا يريحه، ويحاول دائماً الوصول إلى توافق للحلول. من الشخصيات الأخرى يوسف بن علوي أيضاً. قليل الكلام ولكن عندما يتكلم يسهم في بلورة الحل. الآخرون أيضاً مصطفى عثمان إسماعيل وزير خارجية السودان، أيضاً شخصية رائدة كانت معنا في قضية العراق، حرب العراق الثانية. علي التريكي كان قومي الانتماء، وكان أيضاً من الذين يتصدون لبعض المواقف التي كان القذافي يتبناها.

* هل عرفت، مثلاً، وزير الخارجية الليبي السابق عبد الرحمن شلقم؟

- عرفته نعم وهو مثقف. أذكر دائماً في إحدى زياراتنا للقاهرة، كنا في حفلة عشاء، قام يعزف على العود ويغني لنا.

* هل تعاملت مع عمرو موسى؟ وكيف كانت تجربتك معه؟

- نعم. أنا كنت أولاً من المعجبين بعمرو موسى وهو وزير خارجية لمصر، لأنه كان يتصدى لمواقف كانت أحياناً تتعارض مع رئاسة الجمهورية، خصوصاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وموقفه منها.

وعندما عرفته في الجامعة العربية زاد إعجابي به، وأعتقد أنه من أفضل الأمناء العامين الذين عرفتهم الجامعة العربية على الأقل في عهدي، ليس بوصفي وزير خارجية؛ إنما من خلال متابعتي للجامعة العربية. كان دائماً متمسكاً بالثوابت العربية. طبعاً الجامعة العربية للأسف الشديد خاضعة لقرارات وزراء الخارجية وللدول المؤثرة بالذات، وكثير من القرارات التي تصدر منها لا يتحمل مسؤوليتها الأمين العام، إنما يتحمل مسؤوليتها وزراء الخارجية.

* أنت طبيب، لكن من تحب من الشعراء العرب؟

- القدامى، والمتنبي.

* لماذا تحب المتنبي؟

- لأن في أشعاره كثيراً من القيم المهمة والوقائع التي تمثل بالنسبة إليّ حكماً.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

العالم العربي مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

الحوثيون يعلنون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال خمسة أيام، وسط تأكيد إسرائيلي باعتراض صاروخ دون أضرار، وإشادة إيرانية بانخراط الجماعة في الحرب.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

يرفع اليمن جاهزيته في باب المندب مع «إنهاء بعثة الحديدة الأممية» وسط مخاوف متصاعدة من تهديد الملاحة الدولية واتساع الصراع الإقليمي وتأثيره على أمن البحر الأحمر.

محمد ناصر (عدن)
خاص مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية (مواني البحر العربي)

خاص بن عيفان: مواني البحر العربي مرشحة لتصبح مراكز لوجستية عالمية

مواني البحر العربي قادرة على أن تكون مراكز لوجستية عالمية، بما تمتلكه من ميزة تنافسية وإمكانيات متعددة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

أعلنت «أسبيدس» تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

يثير انخراط الحوثيين لنصرة إيران نقاشاً واسعاً بين اليمنيين وتتفاوت ردود الفعل بين قلق من التبعات وتوقعات بتأثير هذه الخطوة على مستقبل الجماعة الانقلابية.

وضاح الجليل (عدن)

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)

رفعت القوات الحكومية اليمنية مستوى الجاهزية القتالية في جزيرة ميون الاستراتيجية التي تقسم مضيق باب المندب إلى جزأين، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من تهديدات محتملة لحركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية بالعالم، بالتزامن مع إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار في ميناء الحديدة مهامها بشكل نهائي بعد سنوات من العمل دون تحقيق اختراقات ملموسة.

ويأتي هذا التطور في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة بالمنطقة، مع انخراط جماعة الحوثيين في الصراع إلى جانب إيران، وتبنيها إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل؛ مما يثير مخاوف متصاعدة من انعكاسات ذلك على أمن البحر الأحمر وباب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وأكدت مصادر عسكرية يمنية لـ«الشرق الأوسط» أن القوات المرابطة في جزيرة ميون تلقت توجيهات برفع الجاهزية القتالية إلى أعلى مستوياتها، ضمن إجراءات احترازية لمواجهة أي تهديدات محتملة قد تستهدف المضيق الحيوي. وأوضحت المصادر أن هذه التوجيهات جاءت عقب رصد تحركات مريبة، من بينها محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة في مدرج الجزيرة.

فنار إرشاد السفن في جزيرة ميون اليمنية وسط باب المندب (إعلام محلي)

ووفق هذه المصادر، فإن الطائرة، التي يُرجح أنها من طراز نقل عسكري، حاولت تنفيذ عملية هبوط مفاجئة، غير أن القوات الحكومية تصدت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب. ولم تُعرف هوية الطائرة حتى الآن، إلا إن التقديرات تشير إلى احتمال أنها كانت تقل عناصر بهدف تنفيذ عملية إنزال؛ مما يعكس حساسية الموقع الاستراتيجي للجزيرة.

وتحظى جزيرة ميون بأهمية استثنائية؛ نظراً إلى إشرافها المباشر على مضيق باب المندب؛ مما يجعل أي محاولة للسيطرة عليها أو اختراقها تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية، ويمنح الطرف المسيطر عليها قدرة على التأثير في حركة السفن العابرة.

مخاوف متصاعدة

تزامناً مع هذه التطورات، تتصاعد التحذيرات من احتمال استهداف الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر، خصوصاً في ظل سجلهم السابق في مهاجمة السفن خلال العامين الماضيين، في أثناء الحرب على قطاع غزة، عندما تعرضت سفن تجارية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويُعدّ مضيق باب المندب أحد أهم الشرايين البحرية في العالم؛ إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط والبضائع. وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، فضلاً عن تهديد أمن الطاقة العالمي.

حشد في صنعاء دعا إليه زعيم الحوثيين لمساندة إيران (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات ملاحية إلى أن استمرار التهديدات في هذه المنطقة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأعلى تكلفة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح؛ مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسواق العالمية.

إنهاء «بعثة الحديدة»

في موازاة ذلك، أعلنت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، المعروفة باسم «أونمها»، إنهاء عملياتها رسمياً، بعد استكمال نقل مهامها إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي.

وأوضحت البعثة أن فريقاً مشتركاً منها ومن مكتب المبعوث الأممي، برئاسة القائمة بأعمال رئيسها ماري ياماشيتا، عقد مشاورات مع ممثلي الحكومة اليمنية، ركزت على استعراض ما جرى تحقيقه من مهام، وترتيبات المرحلة الانتقالية؛ لضمان استمرار التنسيق بين الأطراف المعنية.

مغادرة بعثة الأمم المتحدة الحديدة بعد إنهاء مهمتها المتعثرة (إعلام محلي)

وكانت البعثة قد أُنشئت عقب الهجوم الذي شنته القوات الحكومية في عام 2018، ووصولها إلى مشارف مدينة الحديدة؛ بهدف مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار في المدينة وموانئها، غير أن أداءها ظل محل انتقادات واسعة.

وتنظر الحكومة اليمنية إلى إنهاء مهمة البعثة بوصفه نتيجة طبيعية لفشلها في تنفيذ بنود الاتفاق، مشيرة إلى أن البعثة خضعت لقيود فرضتها جماعة الحوثيين؛ مما حدّ من قدرتها على التحرك والمراقبة الميدانية.

وكانت الحكومة قد سحبت ممثليها من لجان المراقبة في أبريل (نيسان) 2020، عقب مقتل أحد ضباطها المشاركين في فرق التنسيق برصاص الحوثيين داخل مدينة الحديدة، في حادثة زادت من تعقيد مهمة البعثة وأضعفت ثقة الحكومة بجدواها.

كما طالبت السلطات اليمنية مراراً بنقل مقر البعثة إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين؛ لضمان حرية حركتها، إلا إن الأمم المتحدة لم تستجب لهذه المطالب؛ مما أدى، وفقاً للمصادر الحكومية، إلى تقليص فاعلية البعثة وتحويلها إطاراً شكلياً أكثر منه عملياً.


كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.