القربي لـ«الشرق الأوسط»: نقلت رسالة أخيرة إلى صدام فقال لي «هذه معركة كرامة الأمة»

وزير الخارجية اليمني الأسبق: وقعت هجمات سبتمبر فالتقى صالح بوش لنفي وصمة الإرهاب (1 من 2)

TT

القربي لـ«الشرق الأوسط»: نقلت رسالة أخيرة إلى صدام فقال لي «هذه معركة كرامة الأمة»

صدام وصالح خلال قمة عربية استثنائية في بغداد قبل غزو الكويت بـ3 أشهر (غيتي)
صدام وصالح خلال قمة عربية استثنائية في بغداد قبل غزو الكويت بـ3 أشهر (غيتي)

حين دوّت طائرات «القاعدة» في سماء نيويورك، هرع وزير الخارجية اليمني السابق أبو بكر القربي من برلين إلى صنعاء، للتعامل مع اللحظة التي غيرت وجه العالم. دفعت الهجمات - ضمن تداعياتها الكثيرة - الرئيس علي عبد الله صالح، إلى الانخراط الكامل في الحرب الأميركية ضد الإرهاب، بعد ترتيب زيارة سريعة إلى واشنطن لإقناع الرئيس السابق جورج بوش، بأن اليمن ليس بؤرةً لـ«القاعدة».

في الحلقة الأولى من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، يروي القربي الذي تولى منصبه في 4 أبريل (نيسان) 2001 وتركه في 2014، تجربته الطويلة وزيراً لخارجية بلد عاصف كاليمن. يعود إلى الفترة الملتهبة بين تفجير تنظيم «القاعدة» المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» قبالة سواحل عدن في أكتوبر (تشرين الأول) 2000، وغزو العراق، مروراً برسالته الأخيرة إلى صدام حسين الذي رفض اقتراحاً من صالح بالتعاون مع المطالب الأممية، قائلاً إن «هذه معركة كرامة الأمة وسندفع ثمنها». وفيما يلي نص الحلقة:

* أول استحقاق كبير واجهتموه كان هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك وواشنطن. أين كنت في ذلك اليوم؟ وكيف استقبلت الخبر؟

- كنت في زيارة رسمية إلى برلين، وكنا على مأدبة غداء مع وزير خارجية ألمانيا في ذلك الوقت، وفوجئنا بالخبر. كنا نستعد لرحلة على النهر ولحفل استقبال دعوت إليه شخصيات ألمانية والسفارات العربية وغيرها، وفوجئنا بالخبر المزعج فتسمرنا أمام التلفزيون نتابع ما يجري، وقررنا إلغاء الحفل.

* كيف استقبل الرئيس علي عبد الله صالح خبر هجمات 11 سبتمبر؟

- لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال لأنني لم أكن موجوداً (في اليمن) حينها. لكن فيما بعد، القضية كانت مزعجة جداً لنا، خصوصاً بعد حادثة «كول» في عدن. عندما حدث ذلك، وضع اليمن على أنه بؤرة لـ«القاعدة» وللإرهاب، وبالتالي كنا نقيّم تبعات الحادث في نيويورك على النظرة إلى اليمن.

* عندما رجعت من ألمانيا التقيت الرئيس، وكان هذا الموضوع البند الأول في المناقشات. هل كان يعدّه خطراً وقد يرتب على اليمن تبعات؟

- نعم بكل تأكيد، ليس فقط على اليمن، إنما على المنطقة كلها. ولكن كنا ننظر كيف نجنب اليمن تبعات ما يجري، ولهذا كانت أول خطوة اتخذناها هي ترتيب زيارة سريعة للأخ الرئيس إلى واشنطن، وكان هو من أول القادة الواصلين إلى واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام، والتقى بالرئيس جورج بوش.

«مواجهة» صالح وبوش في البيت الأبيض

* كيف كان اللقاء بين الرئيسين؟

- يمكن أن أصفه بأنه نوع من المواجهة من قبل الرئيس لإقناع الرئيس بوش بأن اليمن ليس بؤرة للإرهاب، وبالتالي لا يتحمل تبعات حادثة 11 سبتمبر.

* هل اتهمه بوش؟

- لا، لم يتهمه. أشار الرئيس بوش إلى أنهم حريصون على محاربة الإرهاب، وأهمية دور اليمن في محاربة الإرهاب، وأن هناك إرهابيين في اليمن. وأعتقد في نهاية المطاف، فإن الرئيس صالح احتوى الموضوع بقوله إن اليمن سيكون شريكاً مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، وبدأت العلاقة...

لقاء بوش وصالح بعد 11 سبتمبر بأسابيع (أ.ف.ب)

* هل طلب من اليمن طلبات محددة؟

- في ذلك الوقت لا، لكن فيما بعد اعتقد أن الهدف الرئيسي كان كيف يتم التعاون في مكافحة عناصر «القاعدة» داخل اليمن.

* هل اتخذ اليمن إجراءات جدية آنذاك؟

- بكل تأكيد. اتخذ إجراءات تعقب الجماعات التي ارتكبت حادثة تفجير المدمرة، واعتقلت الأجهزة الأمنية بعضهم. وبدأت تحقيقات معهم، وكانت الولايات المتحدة تطالب بأن تشارك في هذه التحقيقات، إلا أن اليمن رفض ذلك باعتبار أن هذه التحقيقات مسؤولية الحكومة اليمنية، ولكن يمكنهم أن يحضروا هذه التحقيقات، وإذا كانت لديهم أسئلة تطرح عبر المحققين اليمنيين.

* هل كشفت التحقيقات شيئاً مهماً يتعلق بالهجمات؟

- حقيقة لا أذكر بالنسبة إلى هذا الجانب الأمني، لكن بكل تأكيد، كان هناك تبادل مجموعة من المعلومات بين الجهازين الأمنيين.

* انتظم التعاون بين الأجهزة الأمنية في البلدين، هل توقعت بوصفك وزير خارجية أن تخرج أميركا الجريحة في حملة تأديب تشمل أفغانستان، ثم تمتد إلى العراق؟

- كنا ندرك تماماً أن الجرح الأميركي عميق من حادثة 11 سبتمبر، لكن لم أكُن أتوقع أن أميركا ستتسرع في الإجراءات التي اتخذتها. أعتقد أن التسرع ورّط أميركا في المراحل اللاحقة لهذا القرار.

* هل كان الرئيس صالح يشعر بأن أميركا مهمة جداً لكنها مقلقة سواء بوصفها خصماً أو حليفاً؟

- نعم بكل تأكيد. الرئيس علي عبد الله صالح في زيارته إلى أميركا كان يدرك خطورة الموقف الأميركي على اليمن وعلى المنطقة، وهذا ظاهر في مواقفه بكثير من القضايا العربية؛ سواء القضية الفلسطينية أو العدوان على العراق فيما بعد. ولهذا حاولنا أن نتجنب أي مواقف تستفز الولايات المتحدة. كان همنا في ذلك الوقت أن نجنب اليمن المخاطر.

رسالة صالح الأخيرة إلى صدام

* هاجمت أميركا أفغانستان وأسقطت نظام «طالبان»، هل شعرتم بالقلق حين تبين أنها تندفع باتجاه غزو العراق؟

- أعتقد هذا جاء بمرحلة لاحقة في 2003، وكان لأسباب أخرى غير مرتبطة بأفغانستان، ولكن أعتقد أنها في إطار شعور أميركا بأنها تريد مزيداً من الهيمنة على المنطقة، وسياستها ومصالحها والأحداث التي تدور في المنطقة بعد 2001. كان هناك استهداف للأنظمة العربية، ولهذا جاءوا بمشروع «الشرق الأوسط الكبير» وغيره من الأفكار المتعددة و«الفوضى الخلاقة» التي تبنتها (وزيرة الخارجية الأميركية السابقة) كوندوليزا رايس. وكانت كل الدول العربية تشعر بقلق مما تقوم به أميركا في المنطقة.

ولهذا، حتى في الجامعة العربية، نحن بوصفنا وزراء خارجية في ذلك الوقت، كنا نرى كيف نرسل الرسائل إلى أميركا بأن العرب ليسوا كما يتوقعون. يقولون إنهم راعون للإرهاب وغير ذلك، وإن المجموعة العربية مع محاربة الإرهاب ومع الإصلاحات السياسية والاقتصادية في بلدانها.

* اقترب الغزو الأميركي للعراق، ماذا فعل الرئيس علي عبد الله صالح؟ وماذا فعلتم بوصفكم دولة يمنية؟

- دورنا كان من خلال الجامعة العربية أولاً، إذ كان يهمنا أن يكون الموقف العربي موحداً في مواجهة العدوان الأميركي على العراق، وللأسف كان هناك انقسام في مواقف الدول العربية.

والخطوة الثانية كانت كيفية إقناع صدام حسين بتجنب تعريض العراق للعدوان الأميركي. وكنت أنا آخر من ذهب إلى العراق يحمل رسالة إلى صدام حسين، قبل نحو شهر ونصف الشهر أو شهرين من العدوان، لأبلغه بهذه الرسالة؛ يجب أن تحافظ على العراق وعلى إنجازاتك في العراق، وتجنبه العدوان.

* رسالة من الرئيس علي عبد الله صالح؟

- نعم.

* وسلمتها للرئيس صدام حسين؟

- نعم سلمتها للرئيس صدام حسين.

صدام مستقبلاً القربي في بغداد عام 2001 (أ.ف.ب)

* ماذا كان رده؟

- صدام حسين في رده لي قال: أولاً الشكر للرئيس صالح ودعمه وحرصه على العراق، ولكن قال إن هذه معركة كرامة الأمة، وعلينا أن ندفع الثمن دفاعاً عن كرامة الأمة. والرسالة إلى الرئيس صالح أنه يتمنى عليه أن يحافظ هو على الوحدة اليمنية.

* ماذا كان مضمون الرسالة؟ هل تضمنت اقتراحاً ليقوم به صدام حسين؟

- أن يلبي مطالب الأمم المتحدة التي تتبناها أميركا طبعاً.

* ألم يُظهر مرونة؟

- لم يبدِ استعداداً لهذا، وكان يعدّ ذلك مساساً بكرامة الأمة، أن يقوم العراق بقبول المطالب الأميركية في ذلك الوقت.

* بمَ شعرت بوصفك وزير خارجية حينما أجابك بأن هذه معركة الدفاع عن كرامة الأمة؟ هل شعرت بالخطر على العراق؟

- بكل تأكيد. أولاً أنا بعدما تحدثت إليه بالصفة الرسمية، قلت له أريد أن أتحدث إليك بصفة المواطن العربي إلى قائد عربي، وقلت له: نحن ندرك أن هذه معركة كرامة الأمة، ولكنها أيضاً تتطلب الحكمة في مواجهة هذا العدوان، ولا نريد للعراق أن يخسر كل ما حققه الآن من تنمية وبناء المؤسسات وقدرات عسكرية... إلخ، وبالتالي المعركة لن تنتهي بالعدوان على العراق وقد ندفع ثمنها جميعاً بوصفنا عرباً. فقال: لكن، علينا في العراق أن نتحمل هذه المسؤولية.

* من التقيت أيضاً في بغداد؟

- لم ألتقِ بغير الرئيس.

* نقلت رد صدام حسين إلى علي عبد الله صالح، فماذا كان تعليق الرئيس اليمني؟

- الرئيس كان متألماً للرد، لأنه شعر بأن العراق سيتعرض للعدوان، وما ينتج عن هذا العدوان.

* بمَ يشعر وزير خارجية عربي حينما يلتقي بالرئيس صدام حسين؟

- الشعور بأنك أمام قائد عربي حقق لبلده كثيراً من الإنجازات، لكن قرار السلم والحرب، كما هي الحال ربما في كل عالمنا العربي، مرتبط بشخص واحد. وأعتقد أن هذه القضية في كثير من الأمور التي نعاني منها، عندما تتخذ القرارات من شخص واحد من دون الأخذ بإسهام المؤسسات المعنية العسكرية والأمنية والسياسية في اتخاذ مثل هذا القرار.

* هل كان لديك مثل هذا الشعور حيال غزو الكويت، بأن التفرد بالقرار يقود إلى كوارث؟

- بكل تأكيد، لأن كل القضايا التي تحدث الآن في عالمنا العربي هي المأساة نفسها.

* هل هذا الميل إلى التفرد نتيجة شعور القادة بأنهم مكلفون بمهمات تاريخية؟ هل كان علي عبد الله صالح متفرداً بالقرار؟

- أحياناً كان متفرداً، لكن أعتقد أن هذا كان بعد تجربة الحكم والخلافات والحروب التي وقعت. بدأ بتجربة الحوار الوطني لكي يوحّد القوى السياسية، ويكون هناك شركاء في اتخاذ القرار، لكن تظل هناك أحياناً قرارات فردية.

* هل قال علي عبد الله صالح شيئاً عن صدام حسين، إنه عنيد أو متفرد...؟ هذه مسائل للتاريخ.

- لم يقُل هذا الكلام صراحة، لكن أعتقد أنه شعر بأن صدام حسين أخطأ بهذا القرار.

* بدأ غزو العراق، كيف كان مزاج علي عبد الله صالح، وأنت وزير خارجية يجب أن تتصرف؟

- حينها كانت هناك أشهر من النقاش قبل العدوان في الجامعة العربية وبين الدول العربية، وكانت هناك مجموعة من الدول العربية التي تحاول أن تحد من هذا العدوان، وهناك دول، لا أريد أن أقول مشجعة، إنما لا تريد أن تدخل في موقف ضد الموقف الأميركي. كنا، في اليمن نعد أنفسنا للعدوان بأنه سيحدث، وبالنسبة إلينا اعتبرناه كارثة، لذلك أرسل الرئيس أكثر من مبعوث قبل أن أذهب أنا مباشرة قبل العدوان.

* انهار نظام صدام حسين، هل خشي علي عبد الله صالح على مصيره؟

- لا.

* لكنه شعر بالقلق عندما شاهد صدام حسين يعدم، وقال كلاماً علنياً، هل تذكر ذلك؟

- أذكر، وكنت يومها في عمان ولم أكن في صنعاء، أن هذا الحدث كان له تأثير شديد على علي عبد الله صالح. أولاً بالإعدام الذي تم يوم العيد، وشعور الرئيس صالح بأن هذا فيه نوع من روح الانتقام والحقد الشديد على صدام حسين، لأننا كنا نتمنى أن تكون المحاكمة عادلة، وأن يكون الحكم وتنفيذه أكثر إنسانية.

* نقل عنه قوله في قمة عربية، وكنت تشارك في القمم بحكم منصبك، إنه «حين يحلق جارك بلّ دقنك»، وهذا ما حصل لصدام حسين قد يحصل لآخرين.

- ما قاله هو «قبل أن يحلقوا رأسك احلق رأسك أنت»، وكان يقصد أنه قبل أن يفرض عليك الآخرون، اتخذ أنت القرار بإصلاح الأمور.

صالح وصدام: «كيمياء» خاصة

* ما سر هذه العلاقة الشخصية القوية بين علي عبد الله صالح وصدام؟ هل هي مشاركة اليمن في الحرب العراقية - الإيرانية؟

- أعتقد أن المشاركة جاءت بناء على علاقة قوية سابقة بين الرئيسين. شخصياً أعتقد أنهما شخصيتان اتسمتا بالموقف القومي، وبموقف واضح من إسرائيل ومما تقوم به في فلسطين. كيمياؤهما كانت متوافقة وكانا قريبين بعضهما من بعض.

صدام وصالح خلال قمة عربية استثنائية في بغداد قبل غزو الكويت بـ3 أشهر (غيتي)

* هل كان صدام حسين يساعد اليمن؟

- لا أستطيع أن أقول شيئاً في هذا، لأنني ليس لي علم.

* لأن اليمن انخرط في اللقاء مع مصر والأردن والعراق في المجلس العربي؟

- نعم.

* هل تعتقد أن هذا المجلس كان الهدف منه تغيير التوازنات في المنطقة؟

- أعتقد أنه من المؤسف أن العالم العربي تعرض لأزمات كثيرة. وكان كل واحد يعتقد أنه باجتهاد تشكيل مجالس متعددة... إما يهرب من العمل العربي المشترك، أو يفعّل للعمل العربي المشترك. لم يتحقق شيء من هذا، لأن هذه المجالس لم تحقق شيئاً على أرض الواقع.

علاقة مميزة مع الملك عبد الله

* بمن كانت للرئيس صالح علاقات قوية في تلك المرحلة، من الرؤساء والملوك؟

- أعتقد من القادة العرب، بعد توقيع اتفاقية الحدود مع المملكة العربية السعودية، كانت العلاقة مع الملك عبد الله متميزة جداً والثقة عالية جداً. وبعد تعييني وزيراً للخارجية، استطعت مع الأمير سعود (الفيصل) أن نرى كيف نترجم هذه الثقة بدعم اليمن مع وزراء آخرين من دول عربية، خصوصاً وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد.

جمعت صالح علاقة قوية بالملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز (أ.ف.ب)

هذه كلها جعلت العلاقة مع المملكة علاقة خاصة جداً ولفترة طويلة، إلى ربما 2008 عندما توقفت الحرب مع الحوثيين، وكانت السعودية طرفاً فيها. وهناك من نقل معلومات خاطئة إلى المملكة عن موقف الرئيس صالح من وقف الحرب، وبدأت العلاقات تتوتر قليلاً.

هذا بالنسبة إلى الشخصيات العربية التي كانت أقرب إليه في تلك الفترة. من القادة الآخرين أعتقد ملس زيناوي، رئيس وزراء إثيوبيا، كانت له علاقة جيدة بالرئيس صالح. أولاً العلاقة التي كانت لهما شراكة فيها وهي موقفهما من إريتريا، واعتبارها تهديداً للاستقرار في المنطقة عندما هددت الجزر اليمنية، وحربها مع إثيوبيا أيضاً.

* أسياس أفورقي رئيس إريتريا؟

- كانت علاقته طيبة به، لكن بعد حادثة الجزر توترت، ومع ذلك بعد أن حلت المسألة ودياً دخلنا نحن في اليمن لنحاول أن نرمم العلاقة بينهم وبين إثيوبيا، وذهبت أنا إلى البلدين مرات عدة لنحاول أن نوفق بينهما.

* هل كانت هناك علاقة مع حافظ الأسد؟

- أثناء رئاستي لوزارة الخارجية، كانت العلاقة محدودة.

* خلال الأحداث التي عاشتها سوريا، كنتم مؤيدين لموقف السلطة السورية ضد المعارضة؟

- هذه من الأمور التي كان صالح، سواء في العراق أو سوريا، يرى أن التدخل الخارجي في أي بلد عربي، في النهاية، يدمر ذلك البلد.

* كيف كانت العلاقة بين صالح والقذافي؟

- فيها نوع من المماحكة السياسية. تعرف أن القذافي كان يعتقد أنه، بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، هو المكلف بأخذ الموقف الناصري والدفاع عن القومية العربية... إلخ، وكان صالح يرى أنه يبالغ في هذا الموقف بأنه القائد العربي.

* كان صالح ظريفاً، هل كان يسخر من القذافي في مجالسه؟

- لا. لا أعتقد أنه كان يسخر، لكن كان ينتقد بعض مواقفه؛ مثل دعواته إلى الوحدة العربية بعد التجربة التي مرت بها الأمة العربية.

* لماذا ساعد القذافي الحوثيين؟

- لا أدري ما هدفه، لكن ربما نوع من الضغط على صالح، أو نوع من الضغط على المملكة العربية السعودية.

* هل قدم القذافي أسلحة للحوثيين أم أموالاً؟

- لا توجد لدي معلومات، هو كان على تواصل معهم.

بوتين والصين... بوابة السلاح والاستثمار

* رافقت الرئيس صالح في رحلات بهذا العالم، منها رحلة في زيارة فلاديمير بوتين، كيف كانت هذه الرحلة؟

- في الجانب الشخصي بين الاثنين، كانت العلاقة في منتهى الودية. وكان الرئيس بوتين يدرك الوضع السياسي الذي فيه صالح. كانت الزيارة في 2008، وكانت قد بدأت المشاكل مع الحوثيين وغيرهم. واليمن كان يعتمد في تسليحه على روسيا. كان هناك تعاون مع الرئيس بوتين لتلبية احتياجات اليمن، وكان هناك عرض عسكري في الوقت نفسه لأسلحة حديثة في روسيا، وأخذ الرئيس بوتين معه الرئيس صالح إلى العرض العسكري والمعرض والاستعراض، أي كان واضحاً أن الرئيس بوتين يعتبر صالح من الرؤساء العرب القريبين منه، ومن موسكو.

* أعجب صالح بالرئيس بوتين؟

- جداً.

صالح وبوتين خلال لقاء في 2002 (أ.ف.ب)

* ماذا قال عنه؟

- أعتقد قال إنه سيعيد لروسيا دورها السابق.

* بمن أعجب؟ كان صديقاً لصدام حسين وأعجب ببوتين، ألم يعجب بالزعماء الغربيين؟

- أعتقد ربما الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، وجورج بوش إلى حد ما. الرئيس التقاه أكثر من مرة، حتى إن الرئيس بوش في إحدى الزيارات أخذه لزيارة المنطقة التي يعيش فيها بالبيت الأبيض. لكن إجمالاً كان اهتمامه (صالح) الأكبر بالعالم العربي.

* الصين.

- الصين كانت مهمة بالنسبة له، وكانت واحدة من آخر زياراته إلى الصين وكنت معه، وكان يحاول فيها أن يفتح الباب أمام الصين للاستثمار في اليمن، وفعلاً كان هناك استعداد من الصين؛ لكن جاءت الأحداث.

* هل كان يشعر بأهمية التجربة الآسيوية في هذا النهوض الاقتصادي؟

- هذه أحد الأشياء التي نوقشت، وكانت الصين مستعدة لإدخال اليمن ضمن طريق الحرير الذي كانت تخطط له، أن يكون اليمن محطة من محطاته، ووافقوا على تقديم مليار دولار بوصفها قرضاً لليمن لمشاريع، وكان الخلاف بعدها حول كيفية تسديد هذا المبلغ، والبرلمان للأسف عطل المشروع في ذلك الوقت.

وزراء الخارجية العرب في ذاكرة القربي

* تجربة مَن من وزراء الخارجية العرب استوقفتك؟

- أولاً طبعاً رحمه الله الأمير سعود الفيصل.

* ماذا تقول عنه؟

- أقول عنه أولاً إنه تميز بالحكمة وتميز بالصبر عندما يسمع شيئاً لا يريحه، ويحاول دائماً الوصول إلى توافق للحلول. من الشخصيات الأخرى يوسف بن علوي أيضاً. قليل الكلام ولكن عندما يتكلم يسهم في بلورة الحل. الآخرون أيضاً مصطفى عثمان إسماعيل وزير خارجية السودان، أيضاً شخصية رائدة كانت معنا في قضية العراق، حرب العراق الثانية. علي التريكي كان قومي الانتماء، وكان أيضاً من الذين يتصدون لبعض المواقف التي كان القذافي يتبناها.

* هل عرفت، مثلاً، وزير الخارجية الليبي السابق عبد الرحمن شلقم؟

- عرفته نعم وهو مثقف. أذكر دائماً في إحدى زياراتنا للقاهرة، كنا في حفلة عشاء، قام يعزف على العود ويغني لنا.

* هل تعاملت مع عمرو موسى؟ وكيف كانت تجربتك معه؟

- نعم. أنا كنت أولاً من المعجبين بعمرو موسى وهو وزير خارجية لمصر، لأنه كان يتصدى لمواقف كانت أحياناً تتعارض مع رئاسة الجمهورية، خصوصاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وموقفه منها.

وعندما عرفته في الجامعة العربية زاد إعجابي به، وأعتقد أنه من أفضل الأمناء العامين الذين عرفتهم الجامعة العربية على الأقل في عهدي، ليس بوصفي وزير خارجية؛ إنما من خلال متابعتي للجامعة العربية. كان دائماً متمسكاً بالثوابت العربية. طبعاً الجامعة العربية للأسف الشديد خاضعة لقرارات وزراء الخارجية وللدول المؤثرة بالذات، وكثير من القرارات التي تصدر منها لا يتحمل مسؤوليتها الأمين العام، إنما يتحمل مسؤوليتها وزراء الخارجية.

* أنت طبيب، لكن من تحب من الشعراء العرب؟

- القدامى، والمتنبي.

* لماذا تحب المتنبي؟

- لأن في أشعاره كثيراً من القيم المهمة والوقائع التي تمثل بالنسبة إليّ حكماً.


مقالات ذات صلة

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العالم العربي العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم.

عبد الهادي حبتور (المكلا ) علي ربيع (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

اليمن يدخل مرحلة حاسمة لاستعادة الدولة وحصر السلاح بيدها، والعليمي يؤكد السعي لتوحيد القوات، ويصف حل «الانتقالي» بالقرار الشجاع والمسؤول.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

دخل اليمن مرحلة الحسم مع إعلان تشكيل لجنة عسكرية عليا وتوحيد القرار الأمني، في رسالة ردع للحوثيين وتحول من إدارة الأزمة إلى استعادة الدولة سلماً أو حرباً.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

ذكرت السفارة الأميركية في اليمن الأحد أن السفير ستيفن فاغن عبّر عن دعمه لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية وذلك خلال اجتماع مع المحرّمي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون مستمرون في أعمال الحشد والتعبئة العسكرية في مناطق سيطرتهم (إ.ب.أ)

الحوثيون يستغلّون الأحداث جنوباً لمهاجمة مساعي الاستقرار

يهاجم الحوثيون مساعي استعادة الاستقرار جنوب اليمن، عبر حملات تحريض وتضليل، مستغلين الأحداث لإرباك المشهد، لأن أي هدوء يُهدد مشروعهم القائم على الفوضى والانقسام.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».