القربي لـ«الشرق الأوسط»: نقلت رسالة أخيرة إلى صدام فقال لي «هذه معركة كرامة الأمة»

وزير الخارجية اليمني الأسبق: وقعت هجمات سبتمبر فالتقى صالح بوش لنفي وصمة الإرهاب (1 من 2)

TT

القربي لـ«الشرق الأوسط»: نقلت رسالة أخيرة إلى صدام فقال لي «هذه معركة كرامة الأمة»

صدام وصالح خلال قمة عربية استثنائية في بغداد قبل غزو الكويت بـ3 أشهر (غيتي)
صدام وصالح خلال قمة عربية استثنائية في بغداد قبل غزو الكويت بـ3 أشهر (غيتي)

حين دوّت طائرات «القاعدة» في سماء نيويورك، هرع وزير الخارجية اليمني السابق أبو بكر القربي من برلين إلى صنعاء، للتعامل مع اللحظة التي غيرت وجه العالم. دفعت الهجمات - ضمن تداعياتها الكثيرة - الرئيس علي عبد الله صالح، إلى الانخراط الكامل في الحرب الأميركية ضد الإرهاب، بعد ترتيب زيارة سريعة إلى واشنطن لإقناع الرئيس السابق جورج بوش، بأن اليمن ليس بؤرةً لـ«القاعدة».

في الحلقة الأولى من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، يروي القربي الذي تولى منصبه في 4 أبريل (نيسان) 2001 وتركه في 2014، تجربته الطويلة وزيراً لخارجية بلد عاصف كاليمن. يعود إلى الفترة الملتهبة بين تفجير تنظيم «القاعدة» المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» قبالة سواحل عدن في أكتوبر (تشرين الأول) 2000، وغزو العراق، مروراً برسالته الأخيرة إلى صدام حسين الذي رفض اقتراحاً من صالح بالتعاون مع المطالب الأممية، قائلاً إن «هذه معركة كرامة الأمة وسندفع ثمنها». وفيما يلي نص الحلقة:

* أول استحقاق كبير واجهتموه كان هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك وواشنطن. أين كنت في ذلك اليوم؟ وكيف استقبلت الخبر؟

- كنت في زيارة رسمية إلى برلين، وكنا على مأدبة غداء مع وزير خارجية ألمانيا في ذلك الوقت، وفوجئنا بالخبر. كنا نستعد لرحلة على النهر ولحفل استقبال دعوت إليه شخصيات ألمانية والسفارات العربية وغيرها، وفوجئنا بالخبر المزعج فتسمرنا أمام التلفزيون نتابع ما يجري، وقررنا إلغاء الحفل.

* كيف استقبل الرئيس علي عبد الله صالح خبر هجمات 11 سبتمبر؟

- لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال لأنني لم أكن موجوداً (في اليمن) حينها. لكن فيما بعد، القضية كانت مزعجة جداً لنا، خصوصاً بعد حادثة «كول» في عدن. عندما حدث ذلك، وضع اليمن على أنه بؤرة لـ«القاعدة» وللإرهاب، وبالتالي كنا نقيّم تبعات الحادث في نيويورك على النظرة إلى اليمن.

* عندما رجعت من ألمانيا التقيت الرئيس، وكان هذا الموضوع البند الأول في المناقشات. هل كان يعدّه خطراً وقد يرتب على اليمن تبعات؟

- نعم بكل تأكيد، ليس فقط على اليمن، إنما على المنطقة كلها. ولكن كنا ننظر كيف نجنب اليمن تبعات ما يجري، ولهذا كانت أول خطوة اتخذناها هي ترتيب زيارة سريعة للأخ الرئيس إلى واشنطن، وكان هو من أول القادة الواصلين إلى واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام، والتقى بالرئيس جورج بوش.

«مواجهة» صالح وبوش في البيت الأبيض

* كيف كان اللقاء بين الرئيسين؟

- يمكن أن أصفه بأنه نوع من المواجهة من قبل الرئيس لإقناع الرئيس بوش بأن اليمن ليس بؤرة للإرهاب، وبالتالي لا يتحمل تبعات حادثة 11 سبتمبر.

* هل اتهمه بوش؟

- لا، لم يتهمه. أشار الرئيس بوش إلى أنهم حريصون على محاربة الإرهاب، وأهمية دور اليمن في محاربة الإرهاب، وأن هناك إرهابيين في اليمن. وأعتقد في نهاية المطاف، فإن الرئيس صالح احتوى الموضوع بقوله إن اليمن سيكون شريكاً مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، وبدأت العلاقة...

لقاء بوش وصالح بعد 11 سبتمبر بأسابيع (أ.ف.ب)

* هل طلب من اليمن طلبات محددة؟

- في ذلك الوقت لا، لكن فيما بعد اعتقد أن الهدف الرئيسي كان كيف يتم التعاون في مكافحة عناصر «القاعدة» داخل اليمن.

* هل اتخذ اليمن إجراءات جدية آنذاك؟

- بكل تأكيد. اتخذ إجراءات تعقب الجماعات التي ارتكبت حادثة تفجير المدمرة، واعتقلت الأجهزة الأمنية بعضهم. وبدأت تحقيقات معهم، وكانت الولايات المتحدة تطالب بأن تشارك في هذه التحقيقات، إلا أن اليمن رفض ذلك باعتبار أن هذه التحقيقات مسؤولية الحكومة اليمنية، ولكن يمكنهم أن يحضروا هذه التحقيقات، وإذا كانت لديهم أسئلة تطرح عبر المحققين اليمنيين.

* هل كشفت التحقيقات شيئاً مهماً يتعلق بالهجمات؟

- حقيقة لا أذكر بالنسبة إلى هذا الجانب الأمني، لكن بكل تأكيد، كان هناك تبادل مجموعة من المعلومات بين الجهازين الأمنيين.

* انتظم التعاون بين الأجهزة الأمنية في البلدين، هل توقعت بوصفك وزير خارجية أن تخرج أميركا الجريحة في حملة تأديب تشمل أفغانستان، ثم تمتد إلى العراق؟

- كنا ندرك تماماً أن الجرح الأميركي عميق من حادثة 11 سبتمبر، لكن لم أكُن أتوقع أن أميركا ستتسرع في الإجراءات التي اتخذتها. أعتقد أن التسرع ورّط أميركا في المراحل اللاحقة لهذا القرار.

* هل كان الرئيس صالح يشعر بأن أميركا مهمة جداً لكنها مقلقة سواء بوصفها خصماً أو حليفاً؟

- نعم بكل تأكيد. الرئيس علي عبد الله صالح في زيارته إلى أميركا كان يدرك خطورة الموقف الأميركي على اليمن وعلى المنطقة، وهذا ظاهر في مواقفه بكثير من القضايا العربية؛ سواء القضية الفلسطينية أو العدوان على العراق فيما بعد. ولهذا حاولنا أن نتجنب أي مواقف تستفز الولايات المتحدة. كان همنا في ذلك الوقت أن نجنب اليمن المخاطر.

رسالة صالح الأخيرة إلى صدام

* هاجمت أميركا أفغانستان وأسقطت نظام «طالبان»، هل شعرتم بالقلق حين تبين أنها تندفع باتجاه غزو العراق؟

- أعتقد هذا جاء بمرحلة لاحقة في 2003، وكان لأسباب أخرى غير مرتبطة بأفغانستان، ولكن أعتقد أنها في إطار شعور أميركا بأنها تريد مزيداً من الهيمنة على المنطقة، وسياستها ومصالحها والأحداث التي تدور في المنطقة بعد 2001. كان هناك استهداف للأنظمة العربية، ولهذا جاءوا بمشروع «الشرق الأوسط الكبير» وغيره من الأفكار المتعددة و«الفوضى الخلاقة» التي تبنتها (وزيرة الخارجية الأميركية السابقة) كوندوليزا رايس. وكانت كل الدول العربية تشعر بقلق مما تقوم به أميركا في المنطقة.

ولهذا، حتى في الجامعة العربية، نحن بوصفنا وزراء خارجية في ذلك الوقت، كنا نرى كيف نرسل الرسائل إلى أميركا بأن العرب ليسوا كما يتوقعون. يقولون إنهم راعون للإرهاب وغير ذلك، وإن المجموعة العربية مع محاربة الإرهاب ومع الإصلاحات السياسية والاقتصادية في بلدانها.

* اقترب الغزو الأميركي للعراق، ماذا فعل الرئيس علي عبد الله صالح؟ وماذا فعلتم بوصفكم دولة يمنية؟

- دورنا كان من خلال الجامعة العربية أولاً، إذ كان يهمنا أن يكون الموقف العربي موحداً في مواجهة العدوان الأميركي على العراق، وللأسف كان هناك انقسام في مواقف الدول العربية.

والخطوة الثانية كانت كيفية إقناع صدام حسين بتجنب تعريض العراق للعدوان الأميركي. وكنت أنا آخر من ذهب إلى العراق يحمل رسالة إلى صدام حسين، قبل نحو شهر ونصف الشهر أو شهرين من العدوان، لأبلغه بهذه الرسالة؛ يجب أن تحافظ على العراق وعلى إنجازاتك في العراق، وتجنبه العدوان.

* رسالة من الرئيس علي عبد الله صالح؟

- نعم.

* وسلمتها للرئيس صدام حسين؟

- نعم سلمتها للرئيس صدام حسين.

صدام مستقبلاً القربي في بغداد عام 2001 (أ.ف.ب)

* ماذا كان رده؟

- صدام حسين في رده لي قال: أولاً الشكر للرئيس صالح ودعمه وحرصه على العراق، ولكن قال إن هذه معركة كرامة الأمة، وعلينا أن ندفع الثمن دفاعاً عن كرامة الأمة. والرسالة إلى الرئيس صالح أنه يتمنى عليه أن يحافظ هو على الوحدة اليمنية.

* ماذا كان مضمون الرسالة؟ هل تضمنت اقتراحاً ليقوم به صدام حسين؟

- أن يلبي مطالب الأمم المتحدة التي تتبناها أميركا طبعاً.

* ألم يُظهر مرونة؟

- لم يبدِ استعداداً لهذا، وكان يعدّ ذلك مساساً بكرامة الأمة، أن يقوم العراق بقبول المطالب الأميركية في ذلك الوقت.

* بمَ شعرت بوصفك وزير خارجية حينما أجابك بأن هذه معركة الدفاع عن كرامة الأمة؟ هل شعرت بالخطر على العراق؟

- بكل تأكيد. أولاً أنا بعدما تحدثت إليه بالصفة الرسمية، قلت له أريد أن أتحدث إليك بصفة المواطن العربي إلى قائد عربي، وقلت له: نحن ندرك أن هذه معركة كرامة الأمة، ولكنها أيضاً تتطلب الحكمة في مواجهة هذا العدوان، ولا نريد للعراق أن يخسر كل ما حققه الآن من تنمية وبناء المؤسسات وقدرات عسكرية... إلخ، وبالتالي المعركة لن تنتهي بالعدوان على العراق وقد ندفع ثمنها جميعاً بوصفنا عرباً. فقال: لكن، علينا في العراق أن نتحمل هذه المسؤولية.

* من التقيت أيضاً في بغداد؟

- لم ألتقِ بغير الرئيس.

* نقلت رد صدام حسين إلى علي عبد الله صالح، فماذا كان تعليق الرئيس اليمني؟

- الرئيس كان متألماً للرد، لأنه شعر بأن العراق سيتعرض للعدوان، وما ينتج عن هذا العدوان.

* بمَ يشعر وزير خارجية عربي حينما يلتقي بالرئيس صدام حسين؟

- الشعور بأنك أمام قائد عربي حقق لبلده كثيراً من الإنجازات، لكن قرار السلم والحرب، كما هي الحال ربما في كل عالمنا العربي، مرتبط بشخص واحد. وأعتقد أن هذه القضية في كثير من الأمور التي نعاني منها، عندما تتخذ القرارات من شخص واحد من دون الأخذ بإسهام المؤسسات المعنية العسكرية والأمنية والسياسية في اتخاذ مثل هذا القرار.

* هل كان لديك مثل هذا الشعور حيال غزو الكويت، بأن التفرد بالقرار يقود إلى كوارث؟

- بكل تأكيد، لأن كل القضايا التي تحدث الآن في عالمنا العربي هي المأساة نفسها.

* هل هذا الميل إلى التفرد نتيجة شعور القادة بأنهم مكلفون بمهمات تاريخية؟ هل كان علي عبد الله صالح متفرداً بالقرار؟

- أحياناً كان متفرداً، لكن أعتقد أن هذا كان بعد تجربة الحكم والخلافات والحروب التي وقعت. بدأ بتجربة الحوار الوطني لكي يوحّد القوى السياسية، ويكون هناك شركاء في اتخاذ القرار، لكن تظل هناك أحياناً قرارات فردية.

* هل قال علي عبد الله صالح شيئاً عن صدام حسين، إنه عنيد أو متفرد...؟ هذه مسائل للتاريخ.

- لم يقُل هذا الكلام صراحة، لكن أعتقد أنه شعر بأن صدام حسين أخطأ بهذا القرار.

* بدأ غزو العراق، كيف كان مزاج علي عبد الله صالح، وأنت وزير خارجية يجب أن تتصرف؟

- حينها كانت هناك أشهر من النقاش قبل العدوان في الجامعة العربية وبين الدول العربية، وكانت هناك مجموعة من الدول العربية التي تحاول أن تحد من هذا العدوان، وهناك دول، لا أريد أن أقول مشجعة، إنما لا تريد أن تدخل في موقف ضد الموقف الأميركي. كنا، في اليمن نعد أنفسنا للعدوان بأنه سيحدث، وبالنسبة إلينا اعتبرناه كارثة، لذلك أرسل الرئيس أكثر من مبعوث قبل أن أذهب أنا مباشرة قبل العدوان.

* انهار نظام صدام حسين، هل خشي علي عبد الله صالح على مصيره؟

- لا.

* لكنه شعر بالقلق عندما شاهد صدام حسين يعدم، وقال كلاماً علنياً، هل تذكر ذلك؟

- أذكر، وكنت يومها في عمان ولم أكن في صنعاء، أن هذا الحدث كان له تأثير شديد على علي عبد الله صالح. أولاً بالإعدام الذي تم يوم العيد، وشعور الرئيس صالح بأن هذا فيه نوع من روح الانتقام والحقد الشديد على صدام حسين، لأننا كنا نتمنى أن تكون المحاكمة عادلة، وأن يكون الحكم وتنفيذه أكثر إنسانية.

* نقل عنه قوله في قمة عربية، وكنت تشارك في القمم بحكم منصبك، إنه «حين يحلق جارك بلّ دقنك»، وهذا ما حصل لصدام حسين قد يحصل لآخرين.

- ما قاله هو «قبل أن يحلقوا رأسك احلق رأسك أنت»، وكان يقصد أنه قبل أن يفرض عليك الآخرون، اتخذ أنت القرار بإصلاح الأمور.

صالح وصدام: «كيمياء» خاصة

* ما سر هذه العلاقة الشخصية القوية بين علي عبد الله صالح وصدام؟ هل هي مشاركة اليمن في الحرب العراقية - الإيرانية؟

- أعتقد أن المشاركة جاءت بناء على علاقة قوية سابقة بين الرئيسين. شخصياً أعتقد أنهما شخصيتان اتسمتا بالموقف القومي، وبموقف واضح من إسرائيل ومما تقوم به في فلسطين. كيمياؤهما كانت متوافقة وكانا قريبين بعضهما من بعض.

صدام وصالح خلال قمة عربية استثنائية في بغداد قبل غزو الكويت بـ3 أشهر (غيتي)

* هل كان صدام حسين يساعد اليمن؟

- لا أستطيع أن أقول شيئاً في هذا، لأنني ليس لي علم.

* لأن اليمن انخرط في اللقاء مع مصر والأردن والعراق في المجلس العربي؟

- نعم.

* هل تعتقد أن هذا المجلس كان الهدف منه تغيير التوازنات في المنطقة؟

- أعتقد أنه من المؤسف أن العالم العربي تعرض لأزمات كثيرة. وكان كل واحد يعتقد أنه باجتهاد تشكيل مجالس متعددة... إما يهرب من العمل العربي المشترك، أو يفعّل للعمل العربي المشترك. لم يتحقق شيء من هذا، لأن هذه المجالس لم تحقق شيئاً على أرض الواقع.

علاقة مميزة مع الملك عبد الله

* بمن كانت للرئيس صالح علاقات قوية في تلك المرحلة، من الرؤساء والملوك؟

- أعتقد من القادة العرب، بعد توقيع اتفاقية الحدود مع المملكة العربية السعودية، كانت العلاقة مع الملك عبد الله متميزة جداً والثقة عالية جداً. وبعد تعييني وزيراً للخارجية، استطعت مع الأمير سعود (الفيصل) أن نرى كيف نترجم هذه الثقة بدعم اليمن مع وزراء آخرين من دول عربية، خصوصاً وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد.

جمعت صالح علاقة قوية بالملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز (أ.ف.ب)

هذه كلها جعلت العلاقة مع المملكة علاقة خاصة جداً ولفترة طويلة، إلى ربما 2008 عندما توقفت الحرب مع الحوثيين، وكانت السعودية طرفاً فيها. وهناك من نقل معلومات خاطئة إلى المملكة عن موقف الرئيس صالح من وقف الحرب، وبدأت العلاقات تتوتر قليلاً.

هذا بالنسبة إلى الشخصيات العربية التي كانت أقرب إليه في تلك الفترة. من القادة الآخرين أعتقد ملس زيناوي، رئيس وزراء إثيوبيا، كانت له علاقة جيدة بالرئيس صالح. أولاً العلاقة التي كانت لهما شراكة فيها وهي موقفهما من إريتريا، واعتبارها تهديداً للاستقرار في المنطقة عندما هددت الجزر اليمنية، وحربها مع إثيوبيا أيضاً.

* أسياس أفورقي رئيس إريتريا؟

- كانت علاقته طيبة به، لكن بعد حادثة الجزر توترت، ومع ذلك بعد أن حلت المسألة ودياً دخلنا نحن في اليمن لنحاول أن نرمم العلاقة بينهم وبين إثيوبيا، وذهبت أنا إلى البلدين مرات عدة لنحاول أن نوفق بينهما.

* هل كانت هناك علاقة مع حافظ الأسد؟

- أثناء رئاستي لوزارة الخارجية، كانت العلاقة محدودة.

* خلال الأحداث التي عاشتها سوريا، كنتم مؤيدين لموقف السلطة السورية ضد المعارضة؟

- هذه من الأمور التي كان صالح، سواء في العراق أو سوريا، يرى أن التدخل الخارجي في أي بلد عربي، في النهاية، يدمر ذلك البلد.

* كيف كانت العلاقة بين صالح والقذافي؟

- فيها نوع من المماحكة السياسية. تعرف أن القذافي كان يعتقد أنه، بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، هو المكلف بأخذ الموقف الناصري والدفاع عن القومية العربية... إلخ، وكان صالح يرى أنه يبالغ في هذا الموقف بأنه القائد العربي.

* كان صالح ظريفاً، هل كان يسخر من القذافي في مجالسه؟

- لا. لا أعتقد أنه كان يسخر، لكن كان ينتقد بعض مواقفه؛ مثل دعواته إلى الوحدة العربية بعد التجربة التي مرت بها الأمة العربية.

* لماذا ساعد القذافي الحوثيين؟

- لا أدري ما هدفه، لكن ربما نوع من الضغط على صالح، أو نوع من الضغط على المملكة العربية السعودية.

* هل قدم القذافي أسلحة للحوثيين أم أموالاً؟

- لا توجد لدي معلومات، هو كان على تواصل معهم.

بوتين والصين... بوابة السلاح والاستثمار

* رافقت الرئيس صالح في رحلات بهذا العالم، منها رحلة في زيارة فلاديمير بوتين، كيف كانت هذه الرحلة؟

- في الجانب الشخصي بين الاثنين، كانت العلاقة في منتهى الودية. وكان الرئيس بوتين يدرك الوضع السياسي الذي فيه صالح. كانت الزيارة في 2008، وكانت قد بدأت المشاكل مع الحوثيين وغيرهم. واليمن كان يعتمد في تسليحه على روسيا. كان هناك تعاون مع الرئيس بوتين لتلبية احتياجات اليمن، وكان هناك عرض عسكري في الوقت نفسه لأسلحة حديثة في روسيا، وأخذ الرئيس بوتين معه الرئيس صالح إلى العرض العسكري والمعرض والاستعراض، أي كان واضحاً أن الرئيس بوتين يعتبر صالح من الرؤساء العرب القريبين منه، ومن موسكو.

* أعجب صالح بالرئيس بوتين؟

- جداً.

صالح وبوتين خلال لقاء في 2002 (أ.ف.ب)

* ماذا قال عنه؟

- أعتقد قال إنه سيعيد لروسيا دورها السابق.

* بمن أعجب؟ كان صديقاً لصدام حسين وأعجب ببوتين، ألم يعجب بالزعماء الغربيين؟

- أعتقد ربما الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، وجورج بوش إلى حد ما. الرئيس التقاه أكثر من مرة، حتى إن الرئيس بوش في إحدى الزيارات أخذه لزيارة المنطقة التي يعيش فيها بالبيت الأبيض. لكن إجمالاً كان اهتمامه (صالح) الأكبر بالعالم العربي.

* الصين.

- الصين كانت مهمة بالنسبة له، وكانت واحدة من آخر زياراته إلى الصين وكنت معه، وكان يحاول فيها أن يفتح الباب أمام الصين للاستثمار في اليمن، وفعلاً كان هناك استعداد من الصين؛ لكن جاءت الأحداث.

* هل كان يشعر بأهمية التجربة الآسيوية في هذا النهوض الاقتصادي؟

- هذه أحد الأشياء التي نوقشت، وكانت الصين مستعدة لإدخال اليمن ضمن طريق الحرير الذي كانت تخطط له، أن يكون اليمن محطة من محطاته، ووافقوا على تقديم مليار دولار بوصفها قرضاً لليمن لمشاريع، وكان الخلاف بعدها حول كيفية تسديد هذا المبلغ، والبرلمان للأسف عطل المشروع في ذلك الوقت.

وزراء الخارجية العرب في ذاكرة القربي

* تجربة مَن من وزراء الخارجية العرب استوقفتك؟

- أولاً طبعاً رحمه الله الأمير سعود الفيصل.

* ماذا تقول عنه؟

- أقول عنه أولاً إنه تميز بالحكمة وتميز بالصبر عندما يسمع شيئاً لا يريحه، ويحاول دائماً الوصول إلى توافق للحلول. من الشخصيات الأخرى يوسف بن علوي أيضاً. قليل الكلام ولكن عندما يتكلم يسهم في بلورة الحل. الآخرون أيضاً مصطفى عثمان إسماعيل وزير خارجية السودان، أيضاً شخصية رائدة كانت معنا في قضية العراق، حرب العراق الثانية. علي التريكي كان قومي الانتماء، وكان أيضاً من الذين يتصدون لبعض المواقف التي كان القذافي يتبناها.

* هل عرفت، مثلاً، وزير الخارجية الليبي السابق عبد الرحمن شلقم؟

- عرفته نعم وهو مثقف. أذكر دائماً في إحدى زياراتنا للقاهرة، كنا في حفلة عشاء، قام يعزف على العود ويغني لنا.

* هل تعاملت مع عمرو موسى؟ وكيف كانت تجربتك معه؟

- نعم. أنا كنت أولاً من المعجبين بعمرو موسى وهو وزير خارجية لمصر، لأنه كان يتصدى لمواقف كانت أحياناً تتعارض مع رئاسة الجمهورية، خصوصاً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وموقفه منها.

وعندما عرفته في الجامعة العربية زاد إعجابي به، وأعتقد أنه من أفضل الأمناء العامين الذين عرفتهم الجامعة العربية على الأقل في عهدي، ليس بوصفي وزير خارجية؛ إنما من خلال متابعتي للجامعة العربية. كان دائماً متمسكاً بالثوابت العربية. طبعاً الجامعة العربية للأسف الشديد خاضعة لقرارات وزراء الخارجية وللدول المؤثرة بالذات، وكثير من القرارات التي تصدر منها لا يتحمل مسؤوليتها الأمين العام، إنما يتحمل مسؤوليتها وزراء الخارجية.

* أنت طبيب، لكن من تحب من الشعراء العرب؟

- القدامى، والمتنبي.

* لماذا تحب المتنبي؟

- لأن في أشعاره كثيراً من القيم المهمة والوقائع التي تمثل بالنسبة إليّ حكماً.


مقالات ذات صلة

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العالم العربي العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

أقر البنك المركزي اليمني إجراءات لمعالجة شح السيولة وتعزيز الاستقرار النقدي، بالتوازي مع تحركات حكومية ودولية لدعم التعافي الاقتصادي ومواجهة الضغوط الإقليمية

«الشرق الأوسط» (عدن)
المشرق العربي أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الذراع الحوثية

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الحوثيين، مع إعلان هجوم ثانٍ على إسرائيل، وسط تنسيق أميركي - إسرائيلي ومخاوف من توسع الصراع وتهديد الملاحة الدولية.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».