سوق الدواء المغشوش في اليمن... فساد وفوضى برعاية حوثية

عقارات منتهية الصلاحية وأخرى مهرَّبة وظروف تخزين سيئة

أدوية تُباع داخل متجر مواد غذائية وخضراوات بالعاصمة صنعاء في غياب الرقابة (فيسبوك)
أدوية تُباع داخل متجر مواد غذائية وخضراوات بالعاصمة صنعاء في غياب الرقابة (فيسبوك)
TT

سوق الدواء المغشوش في اليمن... فساد وفوضى برعاية حوثية

أدوية تُباع داخل متجر مواد غذائية وخضراوات بالعاصمة صنعاء في غياب الرقابة (فيسبوك)
أدوية تُباع داخل متجر مواد غذائية وخضراوات بالعاصمة صنعاء في غياب الرقابة (فيسبوك)

لم تعد مهنة الصيدلة في مناطق سيطرة الحوثيين مقتصرة على المؤهَّلين في هذا المجال فقط. ففي شوارع صنعاء يحدث أن تباع الأدوية في محلات البقالة مع المواد الغذائية والمنظفات، خصوصاً الأدوية الشائعة كالمهدئات والمنشطات الجنسية ومضادات القلق والاكتئاب، بينما تنتشر الأدوية المهرَّبة والمزوَّرة ومنتهية الصلاحية، ويجري تداولها بلا رقابة أو توعية من مخاطرها.

وتَسخر الأوساط الطبية في العاصمة اليمنية صنعاء من تنظيم سلطات الحوثيين، المسيطرة على قطاعي الصحة والتعليم العالي، مؤتمراً لمناقشة أبحاث طلاب الصيدلة، ومعرضاً دوائياً للتصنيع الدوائي، بينما تشنّ نفس السلطات حرباً على لقاحات الأطفال، وتتعمد التغاضي عن العبث في سوق الدواء، بل تشارك فيه.

دواء يُباع في صيدليات بالعاصمة صنعاء بتاريخ صلاحية غير مفهوم (إكس)

وتأتي هاتان الفعاليتان بعد أسابيع من اكتشاف إصابة أطفال، من مرضى السرطان في مستشفى الكويت الجامعي، بأعراض خطيرة شبيهة بالأعراض التي أُصيب بها 21 طفلاُ آخر قبل عام وتوفي منهم 11 بسبب جرعة من دواء ملوَّث، وهي القضية التي برَّأت فيها محكمة حوثية قبل أيام قليلة المسؤولين عن تلك الواقعة.

انتهاء الصلاحية

بعد بحث طويل في مختلف الصيدليات، وجدت فاطمة غيلان دواء «كومبيبريس» لعلاج والدتها من ارتفاع الضغط، وعلى علبته تاريخ صلاحية لا يزال سارياً، دفعت ثمنه وعادت إلى البيت، غير أن شقيقتها اكتشفت أن تاريخ الصلاحية الموجود على شريط الدواء منتهٍ منذ فترة.

وجدت فاطمة خلال فترة بحثها عن الدواء أكثر من علبة بتاريخ صلاحية منتهٍ أو غير مفهوم، وعرض عليها عدد من الصيادلة بدائل أرخص وأقل كفاءة من الدواء المطلوب، إلا أنها أصرّت على العمل بتوصية الطبيب بالبحث عن الدواء المحدد، بعد أن انتشرت مئات الأدوية المغشوشة ومنتهية الصلاحية، لدرجة أنها وجدت أحد أدوية والدتها يباع في سوبر ماركت.

اعتذر الصيدلي الذي باع لفاطمة الدواء منتهي الصلاحية، وأعاد لها المبلغ الذي دفعته ثمناً له، ونصحها بطلب الدواء من أقاربها أو معارفها خارج مناطق سيطرة الحوثيين أو من خارج البلاد.

غياب الرقابة

يتبرأ الصيادلة العاملون في العاصمة اليمنية صنعاء من المشاركة في ترويج الأدوية المغشوشة، وإن كان بعضهم يُقرّ بعلمه ببيع المنتهية الصلاحية منها، ويبررون ذلك بأن الدواء المنتهي الصلاحية لا يسبب ضرراً على المريض، وفي أسوأ الأحوال تقل كفاءته فقط، وبسبب انقطاع توريد عدد كبير من الأدوية؛ فإنهم يرون بيع المنتهي الصلاحية ضرورة.

إلا أن الصيدلي عاصم هزاع يفنّد هذه المزاعم، ويحذّر من أن الأدوية منتهية الصلاحية قد تكون من أخطر السموم، وتؤدي إلى كثير من الاضطرابات والأمراض، وهناك كثير من الوقائع والشهادات لمرضى تدهورت حالاتهم الصحية أو أُصيبوا بأعراض أخرى بسبب أدوية منتهية الصلاحية، ناهيك بأنه جرى تهريبها أو تخزينها في ظروف سيئة.

ويضرب مثلا بدواء «سيلسيبت» الذي اشتكى كثير من متناوليه تدهور حالاتهم وأعراضاً خطيرة، وهذا الدواء يدخل إلى اليمن عن طريق التهريب رغم أهميته البالغة للمرضى الذين أجروا عمليات زراعة أعضاء، ويتعرض خلال التهريب لظروف سيئة في التخزين والنقل، كما يجري تهريب كميات كبيرة منه شارفت على انتهاء صلاحيتها من عدة دول.

مستودع أدوية مهرَّبة ومنتهية الصلاحية ضُبط في صنعاء (إكس)

وتتهم مصادر طبية وصيدلية جماعة الحوثي بالتسبب في انتشار الأدوية المهربة والمغشوشة ومنتهية الصلاحية. وحسب الصيدلي جهاد عبد الوارث، وهو اسم مستعار؛ فإنه، وفي حال حسن الظن بالجماعة، يمكن القول إن عدم توفير قطاع الصحة الذي تسيطر عليه للأدوية المنقذة للحياة هو السبب الرئيسي لتهريب الأدوية.

وينفي أن تكون جماعة الحوثي تبذل جهوداً كافية لمكافحة التهريب، وإلا لما سمحت بانتشار الأدوية المهربة والمغشوشة والمنتهية في سوق الدواء اليمني، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الأصناف الشائعة الاستخدام، مثل المهدئات والمنومات وأدوية القلب والمعدة، تباع في مختلف المحلات، بل حتى لدى بعض الباعة المتجولين.

ويشير الصيدلي عبد الوارث إلى أن عدداً كبيراً من الأدوية التي يتم تناولها دون وصفات طبية، أو بسبب وصفات طبية وتشخيص طبي خاطئين؛ تؤدي إلى أضرار وأعراض جانبية خطيرة على الجسم البشري، وتضاعف من خطورة الأمراض أو تتسبب بأمراض أخرى، محذراً من أن الكثير منها يتسبب في الإدمان، ما يؤدي إلى صعوبة التوقف عن تناولها.

ولا تتوفر بيانات أو إحصائيات حول تجارة الأدوية المهربة والمغشوشة في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، فالهيئة العليا للأدوية التي تقع تحت سيطرتها توقفت، كما تؤكد مصادر من داخلها، عن ممارسة أي أعمال رقابية أو إشرافية على سوق الدواء، وتحولت إلى كيان يديره مشرفون حوثيون لتحصيل الجبايات.

ويفيد الصيدلي ناظم الأكحلي بأن المنشطات الجنسية تباع في كل مكان ويستخدمها الكثير من الذكور دون أي رقابة، رغم المخاطر الكبيرة التي تشكّلها على صحة القلب والكلى، في حين تباع موانع الحمل في المحلات التي تعمل بها نساء، أو يجري تداولها عبر خدمات التوصيل للمنازل.

قادة حوثيون في فعالية للترويج لمنتجاتهم الدوائية المزعومة (إعلام حوثي)

وينوه إلى أن موانع الحمل يتم تداولها بسرّية خوفاً من تفسيرات واتهامات عناصر جماعة الحوثي بأن الهدف من ترويجها نشر الانحلال الأخلاقي، بينما الجماعة نفسها تحرص على زيادة عدد السكان، وتسعى لاتباع سياسات من أجل ذلك.

محاربة اللقاحات

يُبدي صيادلة في العاصمة صنعاء غضبهم من اقتصار مهام الجهات الرقابية التي تسيطر عليها جماعة الحوثي على ابتزاز مَن يتخلفون أو يرفضون دفع الجبايات المفروضة عليهم، وتكتفي هذه الجهات بتحصيل مبالغ كبيرة من الصيدليات مقابل عدم فحص أو تفتيش مخازنها.

جسم غريب إلى جوار كبسولة دواء متداوَل في العاصمة اليمنية صنعاء (إكس)

ويفيد الصيادلة بأن ما يجري الإعلان عن إتلافه في المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على أطراف مناطق سيطرتها، لا يعادل سوى نسبة بسيطة مما يجري تهريبه، فهذه المنافذ الجمركية تكتفي بالتحصيل دون التدقيق في السلع والبضائع.

الهيئة العليا للأدوية في الحكومة اليمنية قامت –من جهتها- بمسح محدود للكشف عن حجم الأدوية المهرّبة في العاصمة المؤقتة عدن، ولم تتجاوز نسبة الأدوية المهربة 3 في المائة، طبقاً لحديث مدير الهيئة عبد القادر الباكري الذي يرجح أن يكون الحديث عن الكميات الكبيرة من الأدوية المهربة معلومات مضللة لخدمة الحوثيين.

ويوضح الباكري لـ«الشرق الأوسط» أن الحوثيين يدّعون تعرضهم للحصار، وأن ترويج المعلومات حول تهريب الأدوية قد يكون فيه خدمة لهم بحكم أن غالبية البضائع التي تصل إلى مناطق سيطرتهم تأتي من المناطق المحررة، وتبلغ الأدوية التي يتم استيرادها بشكل رسمي 9750 صنفاً، وأكثر من 70 في المائة منها تذهب إلى المناطق التي تسيطر عليها الجماعة.

أصبح شائعاً في مناطق سيطرة الحوثيين تقليد الأدوية وتزوير تواريخ صلاحيتها (إكس)

ويضيف الباكري أن الهيئة تتعاون مع الجمارك والجهات الأمنية للحد من تهريب الأدوية، وقد ثبت فعلاً تورط الحوثيين في التهريب من خلال أدوية السرطان التي مُنحت لمرضى السرطان في مستشفى الكويت، وأدت إلى حدوث وفيات الأطفال، وأُجريت محاكمة للمتورطين فيها، لكنَّ الجهات الصحية الحكومية لا تستطيع التأكد من المعلومات كون الجماعة الحوثية تتحفظ عليها.

ودعا الباكري إلى التركيز على منع الحوثيين لقاحات الأطفال، لأن أعداد الحالات المصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتطعيم يمكن أن توفّر معلومات وبيانات وإحصائيات تهمّ اليمنيين والدول المجاورة والعالم.


مقالات ذات صلة

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

العالم العربي هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

كشفت بيانات حكومية يمنية عن عجز مالي حاد وتفاقم الدين الداخلي نتيجة وقف تصدير النفط، بالتوازي مع تحركات لتعزيز الشراكة الدولية والانتقال إلى مشروعات مستدامة

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

هددت الجماعة الحوثية، بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، بعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران.

«الشرق الأوسط» (عدن)
السيول جرفت الألغام التي زرعها الحوثيون في الطرقات والمزارع (إعلام محلي)

ألغام الحوثيين تفتك بأطفال اليمن رغم التهدئة على الجبهات

على الرغم من التهدئة الهشة في اليمن، حذَّرت تقارير دولية من تفاقم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال، في ظل استمرار تهديد الألغام الحوثية

محمد ناصر (عدن)
المشرق العربي سفينة «إترنيتي سي» تغرق بالبحر الأحمر في مشهد من فيديو نشره الحوثيون يوم 9 يوليو 2025 (رويترز)

بحار روسي يغادر اليمن بعد شهور من احتجازه في هجوم حوثي 

 غادر بحار روسي اليمن متجها ​إلى بلاده بعد أن ظل محتجزا لحوالي ثمانية أشهر على أثر تعرض سفينة كان على متنها لهجوم من المسلحين الحوثيين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي إشادة أوروبية بدور خفر السواحل في حماية الملاحة ومكافحة التهريب (إعلام حكومي)

إشادة أوروبية بتحسن الأوضاع الأمنية والسياسية في عدن

إشادة أوروبية بتحسن الأوضاع في عدن مع تعهد بزيادة دعم الحكومة اليمنية، وسط تأكيدات على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي والخدمات الأساسية

محمد ناصر (عدن)

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.