السعودية وأميركا تدعوان لهدنة جديدة في السودان 

في ظل احتدام المعارك بين الجيش و«قوات الدعم السريع»

دخان كثيف جراء المعارك يغطي سماء الخرطوم يوم 4 يونيو (أ.ف.ب)
دخان كثيف جراء المعارك يغطي سماء الخرطوم يوم 4 يونيو (أ.ف.ب)
TT

السعودية وأميركا تدعوان لهدنة جديدة في السودان 

دخان كثيف جراء المعارك يغطي سماء الخرطوم يوم 4 يونيو (أ.ف.ب)
دخان كثيف جراء المعارك يغطي سماء الخرطوم يوم 4 يونيو (أ.ف.ب)

دعت السعودية والولايات المتحدة طرفي النزاع في السودان للعودة إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى وقف جديد لإطلاق النار. وحث البلدان طرفي القتال، الجيش و«قوات الدعم السريع»، على الالتزام بالترتيبات الإنسانية، وأبدتا استعدادهما لاستئناف محادثات جدة.

وكان الجيش السوداني قد أعلن، يوم الأربعاء، تعليق المحادثات مع «قوات الدعم السريع»، بعد أن اتهمها بعدم التزامها ببنود الهدنة السابقة، وطالب الوساطة السعودية – الأميركية بإقناع «الدعم السريع» بالوفاء بالتزاماتها شرطاً للعود إلى التفاوض مجدداً.

وأوضح بيان نشرته «وكالة الأنباء السعودية (واس)»، يوم الأحد، أن وفدي الجيش و«قوات الدعم السريع» لا يزالان «موجودين في جدة، رغم تعليق المحادثات وانتهاء وقف إطلاق النار لمدة 5 أيام». وقال البيان إنّ «الميسرَيْن (السعودية والولايات المتحدة) على استعداد لاستئناف المحادثات الرسمية»، كما يدعوان «الطرفين إلى اتفاق على وقف إطلاق نار جديد، وتنفيذه بشكلٍ فعال بهدف بناء وقف دائم للعمليات العسكرية».

طرفا النزاع يستخدمان المدفعية والأسلحة الثقيلة داخل العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

احتدام القتال

في غضون ذلك، استيقظ سكان الخرطوم، يوم الأحد، على أصوات سقوط قنابل وتبادل نيران أسلحة ثقيلة مع دخول الحرب أسبوعها الثامن، بينما ذكرت وسائل إعلام محلية أن إقليم دارفور المتاخم لتشاد هو أيضاً مسرح قتال عنيف بين الفصائل المتحاربة. وجاءت الدعوة السعودية - الأميركية غداة قصف جوي ومدفعي هز الخرطوم، يوم السبت، بغياب أي أفق للتهدئة، في نزاع يواصل حصد الضحايا، الذين أعلن الهلال الأحمر السوداني دفن 180 منهم من دون التعرف على هوياتهم.

وزادت حدة المعارك في الأيام الماضية بعدما لاقت الهدنة المؤقتة التي أُبرمت بوساطة سعودية - أميركية بين الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان و«قوات الدعم السريع»، بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، مصير سابقاتها؛ بانهيارها بشكل كامل.

وقال شهود تحدثوا لــ«الشرق الأوسط» إنهم سمعوا أصوات قصف جوي ومدفعي والمضادات الأرضية في قلب مدينة بحري، إحدى مدن العاصمة المثلثة، يمتد ليشمل الأحياء الشمالية منها، وإلى جسر الحلفاية المؤدي إلى مدينة أم درمان على الضفة الأخرى للنهر. كما أفاد الشهود بتجدد المعارك العنيفة بين الطرفين في وسط الخرطوم من الناحية الجنوبية التي تشهد قتالاً مستمراً منذ أيام؛ ما دفع كثيراً من الأسر والمدنيين إلى النزوح من هذه المنطقة.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن قصفاً مدفعياً ينطلق من جهة قاعدة «وادي سيّدنا» العسكرية التابعة للجيش السوداني، باتجاه أهداف متعددة في العاصمة، كما عاد الطيران للتحليق مجدداً واستهداف مواقع في جنوب الخرطوم.

دمار كبير في العاصمة السودانية بعد 7 أسابيع من القتال (أ.ف.ب)

إسقاط طائرة

وأفاد شهود عيان، يوم الأحد، بقصف جوي استهدف مقراً لـ«قوات الدعم السريع» في منطقة شرق النيل بالخرطوم، مشيرين إلى وقوع إصابات بين المدنيين. من جهتها، قالت «قوات الدعم السريع»، في بيان، إن «طيران الجيش هاجم، صباح الأحد، مواقع تمركز قواتنا في منطقة بحري، وتصدّى له الدعم السريع بإسقاط طائرة (ميغ)».

وقال شهود إنهم شاهدوا الطائرة وهي مشتعلة قبل أن تسقط وتتحطم محترقة جوار مركز للطيران في مدينة أم درمان، غير أنّ مصدراً عسكرياً قال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «طائرة من طراز FTC صينية الصنع سقطت بسبب عطل فنّي غرب قاعدة وادي سيدنا الجوية»، في حين قال شهود إن الطائرة سقطت بالقرب من معسكر «خالد بن الوليد» في مدينة أم درمان، وإن الطيارين قد تم إجلاؤهما بمروحية. وأضاف الشهود أن «الطائرة كانت قادمة من الجنوب إلى الشمال، ومؤخرتها تشتعل فيها النيران».

إقليم دارفور

من جهة أخرى، تحدّث حاكم إقليم دارفور، أركو مناوي، عبر «تويتر»، عن «انتهاكات فظيعة» يرتكبها المسلّحون في الإقليم، ودان «أعمال النهب والقتل» التي تحصل في مناطق عدة. وقال: «نعلن دارفور منطقة منكوبة؛ نطالب العالم بإرسال مواد إنسانية عبر كل الحدود وبكل الوسائل المتاحة». من جانبه، قال خميس عبد الله أبكر والي ولاية غرب دارفور إنّ «الوضع في الولاية حالة كاملة من الانفلات»، مضيفاً أن «مسلّحين استباحوا كل شيء، والأوضاع خارج السيطرة تماماً».

ويقول المراقبون إن الوضع مروّع بشكل خاص في إقليم غرب دارفور الذي يقطنه نحو ربع سكان السودان، ولم يتعافَ من حرب مدمرة استمرت عقدين، وخلَّفت مئات الآلاف من القتلى، وأكثر من مليوني نازح. وقتل مئات من المدنيين، وأضرمت النيران في القرى والأسواق، ونُهبت منشآت الإغاثة؛ مما دفع عشرات الآلاف إلى البحث عن ملاذ في تشاد المجاورة.

تزايد أعداد النازحين من الخرطوم بعد فشل هدنة الـ5 أيام (أ.ب)

مأساة المدنيين

منذ اندلاع النزاع في 15 أبريل (نيسان)، لم يفِ الجانبان بتعهدات متكررة بهدنة ميدانية تتيح للمدنيين الخروج من مناطق القتال، أو توفير ممرات آمنة لإدخال مساعدات إغاثية. وقتل أكثر من 1800 شخص منذ اندلاع المعارك، منتصف أبريل، وفق مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها، إلا أن مسعفين ووكالات إغاثة ومنظمات دولية حذّروا مراراً من أن الأرقام الفعلية للضحايا أعلى بكثير، نظراً لوجود جثث في مناطق يصعب الوصول إليها، أو لعدم قدرة بعض المصابين على بلوغ المراكز الطبية للعلاج. وباتت ظروف الحياة صعبة في العاصمة، حيث قُطعت المياه عن أحياء بأكملها، ولا تتوافر الكهرباء سوى لبضع ساعات في الأسبوع، فيما توقفت ثلاثة أرباع المستشفيات في مناطق القتال عن العمل، ويعاني السكان لتوفير المواد الغذائية.

تحالف «الحرية والتغيير»

وفي موازاة ذلك، ناشد تحالف «الحرية والتغيير»، دول الجوار (مصر وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا) تسهيل وتسريع الإجراءات التي تواجه الأعداد الكبيرة من السودانيين المتكدسين أمام المعابر الحدودية، ومن بينهم أطفال ونساء وكبار السن ومرضى. ووجهت لجنة الاتصال والعلاقات الخارجية في التحالف المكوَّن من عدة أحزاب سياسية وهيئات مدنية، خطابات إلى وزراء خارجية دول الجوار تناشدهم استقبال السودانيين الذين نزحوا من الحرب عبر حدودهم البرية مع السودان. وأكد التحالف اهتمامه بهذه القضية، ضمن القضايا التي تتعلق بالمعاناة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوداني منذ اندلاع الحرب، مشدداً على معالجة القضايا الإنسانية باعتبارها ذات أولوية عاجلة، مع مواصلة الجهود لوقف الحرب والوصول إلى حل سياسي مستدام.


مقالات ذات صلة

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (متداولة)

هجوم «المسّيرات» يزيد الضغط على مدينة الأُبَيِّض السودانية

تسود مخاوف جدية من احتمال تجدد المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مدينة الأُبَيِّض، أكبر مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
أفريقيا سودانية نازحة من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

أطباء بلا حدود تفصل 18 موظفاً متهمين بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات

أعلنت منظمة أطباء بلا حدود اليوم الاثنين أن العشرات من موظفيها اتُّهموا بالاستغلال الجنسي للاجئات سودانيات في تشاد، مشيرة إلى أنها فصلت 18 موظفاً.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب) p-circle

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

استنكر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب بالسودان.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هجمات بمسيّرات في كردفان وترجيح مسؤولية «الدعم السريع»

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان السوداني، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز) p-circle

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

واصلت الطائرات المسيّرة القتالية استهداف مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان و«الرهد أبو دكنة» المدينة الثالثة بالولاية وذلك في أحدث الهجمات.

أحمد يونس (كمبالا)

منصات ملاحة: حركة الشحن البحري في مضيق هرمز لا تزال شبه متوقفة

سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)
TT

منصات ملاحة: حركة الشحن البحري في مضيق هرمز لا تزال شبه متوقفة

سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 15 يونيو 2026 (رويترز)

لا تزال حركة عبور مضيق هرمز، الاثنين، شبه متوقفة، حسب منصات لتتبع حركة الملاحة البحرية، رغم إشارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بدء خروج ناقلات نفط من الممر الذي قال إنه سيكون مفتوحاً بشكل كامل الجمعة.

لكن بحلول الساعة 14.00، الاثنين، رصدت منصة «كبلر» عبور سفينة واحدة لنقل المواد الأولية للمضيق مع تشغيلها جهاز الإرسال والاستقبال، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

والسفينة التي عبرت هي السفينة «ديشا» التي ترفع علم مالطا، وغادرت الخليج محمّلة بـ60 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال تم تحميلها في قطر، وتتّجه نحو الهند.

وبدا أن سفينة الشحن «كايزر» عبرت هي أيضاً المضيق خروجاً نحو الظهر، وفق إشارة نظام التعريف الآلي الخاص بها والمتاح على منصة «مارين ترافيك».

وقال نيكوس بوثيتاكيس، مسؤول العلاقات الإعلامية في «كبلر» في منشور على منصة «إكس»: «ما زالت عمليات العبور محدودة، في حين بثت أكثر من 500 سفينة تجارية إشارة نظام التعريف الآلي في الخليج الفارسي خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية».

وكان الرئيس الأميركي قال الاثنين على منصته «تروث سوشيال»، إن سفناً «بدأت تخرج» من المضيق، وأعلن في وقت لاحق أن المضيق سيُكون «مفتوحاً بشكل كامل» الجمعة.

في الأسبوع الماضي، بلغ متوسّط عدد السفن المحمّلة مواد أولية التي عبرت مضيق هرمز 6.4 سفن يومياً.

وقبل اندلاع الحرب، كان المضيق يشهد يومياً نحو 120 عملية عبور، وفق شركة البيانات البحرية «لويدز ليست إنتليجنس».

وكان نحو 20 مليون برميل يومياً، أي نحو خُمس الصادرات النفطية العالمية، يمر يومياً عبر المضيق في الظروف الطبيعية، متجهاً في شكل رئيسي إلى الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان.


هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن هجوم على ناقلة جنوب شرقي عدن اليمنية

أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
TT

هيئة بحرية بريطانية: بلاغ عن هجوم على ناقلة جنوب شرقي عدن اليمنية

أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)
أرشيفية لسفينة شحن بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي بخليج عدن (د.ب.أ)

قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية اليوم الاثنين إن زورقا صغيرا اقترب من ناقلة نفط وأطلق النار عليها على بعد 111 ميلا بحريا جنوب شرقي عدن في اليمن.

وأضافت أن السلطات تجري تحقيقا في هذه الواقعة، دون توضيح مزيد من التفاصيل.


«استخبارات الشرطة»... الذراع الأمنية الأشد بطشاً للحوثيين

جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
TT

«استخبارات الشرطة»... الذراع الأمنية الأشد بطشاً للحوثيين

جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)
جهاز استخبارات الشرطة أصبح اليد الطولى للقمع الحوثي (إعلام محلي)

خلال ثلاث سنوات فقط، تحول جهاز «استخبارات الشرطة» الذي استحدثته الجماعة الحوثية إلى أحد أكثر الأجهزة الأمنية نفوذاً وهيمنة في مناطق سيطرتها، وسط اتهامات حقوقية متصاعدة بارتكاب انتهاكات واسعة تشمل الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، فضلاً عن إدارة شبكة من السجون السرية التي يقبع فيها مئات المحتجزين.

ويدير الجهاز علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، الذي جرى تعيينه في منصب وكيل وزارة الداخلية لقطاع الأمن والاستخبارات، في خطوة ربطها مراقبون بالصراع المتنامي بين أجنحة الجماعة ومراكز النفوذ الأمنية المتنافسة داخلها.

ووفق روايات حقوقيين وناشطين، فقد أُنشئ الجهاز في إطار إعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة الأمنية الحوثية، وتقليص هيمنة جهاز الأمن والمخابرات الذي يقوده عبد الحكيم الخيواني، في ظل تنافس بين قيادات نافذة داخل الجماعة على إدارة الملفات الأمنية والاستخباراتية.

ومنذ تأسيسه، برز الجهاز لاعباً رئيساً في المشهد الأمني عبر حملات اعتقال طالت مئات المدنيين والناشطين والموظفين، تحت طيف واسع من التهم، بينها الاحتفال بذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر (أيلول)، والتخابر والتجسس لصالح جهات خارجية.

الحوثيون أنشأوا أجهزة أمنية موازية لتعزيز قبضتهم (إعلام محلي)

وطالت هذه الحملات أيضاً عشرات الموظفين العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية، حيث أُحيل عديد منهم إلى القضاء الخاضع لسيطرة الجماعة بعد فترات طويلة من الاحتجاز والاستجواب.

ويؤكد ناشطون أن الجهاز بات يمتلك صلاحيات واسعة تتجاوز أحياناً صلاحيات الأجهزة الأمنية الأخرى، الأمر الذي جعله الذراع الأكثر حضوراً في تنفيذ الاعتقالات والتحقيقات الحساسة.

سجون تحت الأرض وانتهاكات

وحسب إفادات متطابقة حصلت عليها «الشرق الأوسط»، هناك معتقلان رئيسيان يتبعان هذا الجهاز الحوثي القمعي في العاصمة المختطفة صنعاءح، أحدهما في منطقة حدة بالقرب من السفارة الهندية، والآخر داخل السجن الاحتياطي التابع لإدارة شرطة هبرة شرقي المدينة.

ويُعد معتقل حدة الأكثر شهرة، إذ يتكون من مبنيين متجاورين؛ أبرزهما مبنى يعرف باسم «إصلاحية حدة»، ويضم قبواً واسعاً يحتوي على عشرات الزنازين الانفرادية المعروفة بين السجناء باسم «الضغاطات».

وتشير الشهادات إلى أن هذه الزنازين ضيقة ومظلمة ومجهزة بكاميرات مراقبة تعمل بصورة دائمة، فيما يُحتجز فيها المعتقلون لأشهر طويلة في عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي، دون معرفة الوقت أو التاريخ أو التواصل مع أسرهم.

مئات المحتجزين يقبعون في سجون الحوثيين منذ سنوات دون محاكمات عادلة (إعلام محلي)

ويؤكد محتجزون سابقون أن بعض المعتقلين لا يُسمح لهم برؤية ضوء الشمس إلا مرة واحدة أسبوعياً، وبعد انتهاء مراحل التحقيق الأولية فقط، قبل نقلهم إلى العنابر الجماعية تمهيداً لإحالتهم إلى المحاكم.

وتوضح المصادر أن الجهاز يديره هيكل أمني واسع يضم قيادات ومحققين ومشرفين على السجون وفرقاً متخصصة في المداهمات والاعتقالات.

ويبرز ضمن هذا الهيكل عدد من الأسماء النافذة، بينهم مفضل المؤيد مدير مكتب المشرف العام للجهاز، وعبد الله العياني، المعروف باسم «أبو زين»، إلى جانب أحمد عبد الله المكنى «أبو فاطمة» الذي يتولى إدارة قسم التحريات، ويُنظر إليه على أنه من أبرز الشخصيات المؤثرة في قرارات الجهاز وتحركاته الميدانية.

وتقول المصادر إن فرق التحريات التابعة للجهاز تشرف على مداهمة المنازل وتعقب المطلوبين وتنفيذ أوامر الاعتقال، فضلاً عن جمع المعلومات ومتابعة الأنشطة التي ترى الجماعة أنها تشكل تهديداً لها.

إنهاك نفسي ومصدر للتربح

ووفق شهادات حقوقية، لا تبدأ التحقيقات مع المعتقلين فور احتجازهم، بل يُتركون لفترات طويلة داخل الزنازين الانفرادية في ظروف قاسية تهدف إلى إنهاكهم نفسياً وجسدياً قبل بدء الاستجواب.

وعندما تبدأ جلسات التحقيق، لا تقتصر الأسئلة على التهمة الأساسية المنسوبة إلى المعتقل، وإنما تمتد إلى شبكة علاقاته الشخصية والاجتماعية وأقاربه وأصدقائه ومصادر دخله وتحويلاته المالية وسجلات اتصالاته.

ويرى حقوقيون أن هذا الأسلوب يهدف إلى توسيع دائرة الاشتباه والبحث عن معلومات يمكن استخدامها في ملاحقة آخرين أو ممارسة ضغوط إضافية على المحتجزين وأسرهم.

القضاء الخاضع للحوثيين متَّهم بتصديق مزاعم الجماعة حول المعتقلين (إعلام محلي)

ويقول ناشطون إن المحكمة الجزائية المتخصصة الخاضعة لسيطرة الجماعة، تتولى تثبيت معظم القضايا التي يحيلها الجهاز، مع ندرة الأحكام التي تتعارض مع روايته أو تشكك في إجراءات الاعتقال والتحقيق.

ويستشهد هؤلاء بقضية المواطن مجدي العابد الذي أُحيل إلى المحاكمة بتهمة التخابر والتسبب في قصف دائرة التوجيه المعنوي، رغم تأكيد هيئة الدفاع أنه كان معتقلاً لدى الجهاز قبل وقوع الحادثة بأكثر من شهر، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة الأدلة والاتهامات المقدمة ضده.

ولا تقتصر الاتهامات الموجهة إلى الجهاز على الانتهاكات الأمنية، إذ يتحدث ناشطون عن ممارسات مالية داخل بعض المعتقلات، خصوصاً سجن حدة، حيث تُفرض قيود على إدخال الأطعمة والاحتياجات الأساسية التي ترسلها أسر المعتقلين.

ويقول هؤلاء إن تلك القيود تتيح للبقالات والمتاجر المرتبطة بإدارة السجن احتكار بيع المواد الغذائية والسلع الأساسية للمحتجزين بأسعار مرتفعة، بينما تُصادر بعض المواد التي تجلبها الأسر بحجج أمنية مختلفة.