مشاورات مصرية - تركية، الجمعة، بشأن أوضاع المنطقة، تطرقت إلى الخلافات بشأن مذكرة التفاهم البحرية بين طرابلس وأنقرة والتي أقرها البرلمان الليبي أخيراً، وقوبلت برفض مصري.
أنقرة، من جانبها، حاولت طمأنة القاهرة، وقالت إنها ستواصل التشاور معها إزاء «شواغلها»، وهذا يفتح المشهد على سيناريوهات عدة أبرزها بدء حوار مصري - تركي لتفادي أي تأثير في العلاقات، بحسب مختصين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أكدوا أن «ذلك لن يؤثر حالياً في أي تنسيق للملفات الثنائية للبلدين لا سيما المتعلقة بليبيا».
وسبق أن وقّعت طرابلس ممثلة في رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني» السابق فائز السراج اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، رفضته القاهرة ونيقوسيا وأثينا، وبعد ذلك عارضه الاتحاد الأوروبي لمخالفته القانون الدولي فيما يخص البحار والمحيطات، والثلاثاء، صادق عليه البرلمان الليبي.
وخلال لقاء بإسطنبول مع نظيره التركي هاكان فيدان على هامش اجتماع دولي، الجمعة، جدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «رفض مصر القاطع للتصديق (الليبي) على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول».
وأكد فيدان «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، الجمعة.
المحلل المصري في الشؤون الإقليمية والتركية، نائب رئيس تحرير مجلة «الديمقراطية» كرم سعيد يوضح أن «رد الفعل المصري كان واضحاً، وبيان (الخارجية المصرية) كان يؤكد على حماية السيادة الوطنية والمصالح الاستراتيجية المصرية في شرق المتوسط، وهذه خطوط حمراء بالنسبة لمصر لا يمكن تجاوزها».
ويلفت إلى أن «هذا الاتفاق عملياً يتقاطع مع بعض المناطق الاقتصادية الخالصة لمصر والجرف القاري لمصر، وهذا الأمر لا يمكن القبول به، أو لا يمكن السماح به، على أساس أن ذلك يضر بالمصالح الاستراتيجية المصرية في شرق المتوسط، وتركيا تعي وتدرك الموقف المصري».

بينما يؤكد المحلل التركي في الشؤون الإقليمية والتركية طه عودة أوغلو أن تصريحات فيدان «تعكس الرغبة التركية في احتواء الخلاف مع مصر، عبر الحوار؛ ما يفتح محاولات تركية لرأب الصدع، وتوضيح الصورة بشكل أكبر للجانب المصري الذي رفض الاتفاقية».
وصوَّت مجلس النواب في ليبيا، الثلاثاء، بالموافقة على اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية والتعاون الأمني مع تركيا.
وفي اليوم التالي، قالت «الخارجية المصرية» في بيان إن القاهرة «ترفض» مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع تركيا، مضيفة أن التصديق على الاتفاقية لا يترتب عليه «أي آثار قانونية بالنسبة لمصر، وأنها باطلة بطلاناً مطلقاً».
وخلال اتصال هاتفي، الخميس، بيّن بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس، تشديد البلدين على رفض المذكرة و«مواصلة التشاور بشأن تحديد الحدود البحرية وفقاً للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار».
وعلى الرغم من ذلك، تشهد العلاقات بين القاهرة وأنقرة دفعة قوية أخيراً بعد سنوات من الخلافات، خصوصاً بعدما زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تركيا في أواخر عام 2024، وتبادل البلدان تعيين سفيرين، ثم زار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصر في فبراير (شباط) الماضي، فضلاً عن توقيع اتفاقيات عدة في التعاون العسكري والدفاعي والأمني.
ويعتقد طه عودة أوغلو أن «هذا الخلاف اختبار لعلاقات مصر وتركيا؛ لكن الطرفين قادران على فصل خلافاتهما القانونية خصوصاً المتعلقة بهذا الموضوع، دون أن يمنع هذا مسار العلاقات والملفات التي يتم التنسيق بينهما على أكثر من مستوى، في ضوء ما يجمعهما من مصالح مشتركة؛ لذا، فاحتواء هذا الخلاف أو التوتر وارد بشكل كبير».
حول ما إذا كان البلدان سيحتويان الخلاف، أشار كرم سعيد إلى أن «مصر لديها مجموعة من الآليات التي تلجأ لها، أولاها الاعتماد على القواعد القانونية الدولية في هذا الإطار وتحالفاتها في المنطقة». وتابع: «أتصور أن تركيا ربما تفتح الباب أمام حوار جاد مع مصر في هذا السياق».

وفيما يخص العلاقات بين مصر وتركيا، أضاف سعيد: أننا «أمام مسارات عدة؛ الأول أن تستمر العلاقات الاقتصادية في الاتجاه الخاص بها، وربما تنعكس هذه المذكرة بشكل أو بآخر على وضع العلاقات السياسية والتنسيق فيما يخص حتى بعض القضايا الإقليمية ومنها المشهد الليبي، والثاني أن هذا الاتفاق قد يجمد جانباً من التطور الحاصل في العلاقات المصرية - التركية، أما الثالث فهو أن يستمر التطور على جميع المستويات مقابل فتح آفاق أوسع للحوار بين البلدين لتجاوز هذه المذكرة أو إعادة النظر فيها».
وتأتي زيارة عبد العاطي إلى إسطنبول للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة R4 بإسطنبول التي تضم «المملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان».
وبحسب بيان «الخارجية المصرية»، الجمعة، فإن الاجتماع تناول مستجدات الأوضاع في المنطقة في ظل احتمالات التصعيد العسكري، حيث أكد عبد العاطي «أهمية تكثيف الجهود والتحرك العاجل لاحتواء التوترات، والعمل على استئناف مسارات الحوار والدبلوماسية، ورفض الحلول العسكرية لما قد تترتب عليها من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية بالغة الخطورة على المنطقة والعالم».
وتوافق وزراء الخارجية على «أهمية سرعة التوصل إلى حلول سياسية ودبلوماسية للأزمات القائمة، والعمل على خفض التصعيد»، وأدانوا الاعتداءات التي تستهدف السعودية، وأعلنوا «التضامن الكامل مع المملكة، ودعم أمنها واستقرارها وسيادتها وسلامة أراضيها».




