رفعت السلطات الليبية درجة الاستنفار تحسباً لتقلبات جوية، يُتوقع أن تؤثر على مناطق واسعة من البلاد، ابتداءً من الجمعة وحتى الأربعاء المقبل، مع ترجيحات بهطول أمطار متفاوتة الغزارة، تبلغ ذروتها يومي الاثنين والثلاثاء، وسط تحذيرات من تجمع المياه وجريان الأودية، في وقت تتجدد فيه التساؤلات حول كفاءة شبكات تصريف مياه الأمطار، بعد أضرار خلفتها سيول حديثة في العاصمة طرابلس.
وتأتي الاستعدادات بعد أمطار غزيرة هطلت على طرابلس منتصف الشهر الحالي، وأغرقت شوارع ومنازل وسيارات، وأربكت حركة المرور، وعطلت خدمات في مرافق عامة ومصرفية. وأعادت الأضرار التي طالت مناطق عدة تسليط الضوء على قدرة شبكات التصريف، والبنية التحتية على استيعاب كميات المياه المتدفقة، رغم مشروعات تطوير نُفذت حديثاً.

وترى الباحثة الجيولوجية في ليبيا، ياسمين الأحمر، أن الاستنفار الحكومي والإجراءات العاجلة ضروريان لتقليل الخسائر وحماية المواطنين، لكنهما لا يضمنان وحدهما عدم تكرار الأزمة. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن تجمعات المياه والفيضانات الحضرية «تظل احتمالاً قائماً عندما تتزامن الأمطار الغزيرة خلال فترة قصيرة مع قصور شبكات التصريف، خصوصاً في ظل التوسع العمراني الذي يزيد الجريان السطحي». وأشارت أيضاً إلى ضرورة الوضع في بالحسبان «التغير المناخي، ومراعاة احتمالات تغير أنماط الهطول وشدة الظواهر المتطرفة».
وجاء الاستنفار على وقع إنذار صادر عن المركز الوطني للأرصاد الجوية (حكومي)، بشأن منخفض جوي متمركز جنوب إيطاليا، يُتوقع أن يؤثر على مناطق شمال ليبيا، مصحوباً بأمطار متفاوتة الغزارة، واحتمالات لنشاط الخلايا الرعدية.
ونقلت و«كالة الأنباء الليبية» عن رئيس قسم الطقس بمؤسسة «رؤية لعلوم الفلك وتطبيقاته»، رشيد الصغير، تحذيرات من تجمع مياه الأمطار في الطرق والمناطق المنخفضة، وجريان الأودية المحلية، خصوصاً في مناطق الجبل الأخضر والجهات الشرقية من الجبل الغربي باتجاه غريان وترهونة، مع توقعات ببلوغ المنخفض ذروته يومي الاثنين والثلاثاء.
وسارعت هيئة السلامة الوطنية، الجمعة، إلى رفع درجة الجاهزية، وتجهيز فرق الإنقاذ والإخلاء ومعدات التدخل السريع، خصوصاً في المناطق المعرضة لتجمع المياه، مع تعزيز التنسيق مع الجهات المختصة والبلديات، خلال الفترة الممتدة حتى الأربعاء المقبل.
أما الشركة العامة للمياه والصرف الصحي، فقد أكدت استعدادها للتعامل مع الأمطار المرتقبة، مشيرة إلى إعداد خطة لتوزيع الفرق الميدانية، وسيارات شفط المياه ومعدات التسليك والمضخات وفق الأولويات. وتركز الإجراءات على المواقع، التي شهدت تجمعات للمياه سابقاً، إلى جانب متابعة جاهزية محطات الضخ، وشبكات التصريف والصرف الصحي.
وسبق أن وجّه وزير الدولة لشؤون رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» محمد بن غلبون، الخميس، بتجهيز مضخات سحب المياه في النقاط الحرجة، وتنظيف الشوارع، وفتح مسارات التصريف، ورفع جاهزية فرق الطوارئ التابعة للشركة العامة للكهرباء وهيئة السلامة الوطنية. كما شملت التوجيهات تفعيل غرف الطوارئ، وتكثيف التنسيق بين الجهات الخدمية والأمنية، ونشر إرشادات السلامة، ودعوة المواطنين إلى تجنب الخروج إلا للضرورة خلال سوء الأحوال الجوية.

بدوره، عقد مدير أمن طرابلس اللواء خليل وهيبة، مساء الخميس، اجتماعاً مع الجهات الأمنية والخدمية، انتهى إلى تشكيل لجنة مشتركة لمعاينة مجاري الأودية وإزالة العوائق، ومتابعة السدود ومسارات جريان المياه، وتحديد المسؤوليات لضمان سرعة الاستجابة لأي طارئ.
من جهته، دعا «المركز الوطني لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث» المواطنين إلى الابتعاد عن مجاري الأودية، والطرق المغمورة بالمياه، وحث الجهات المختصة على مراقبة المناطق المنخفضة، والتأكد من جاهزية شبكات التصريف، مع متابعة النشرات الرسمية، وتجنب المعلومات الصادرة عن مصادر غير موثوقة.
لكن الأحمر ترى أن التعامل مع السيول لا ينبغي أن يقتصر على الاستجابة الطارئة، مشددة على أن اختزال المشكلة في تهالك شبكات التصريف لا يعكس أبعادها كاملة؛ ذلك أن مخاطر الفيضانات «ترتبط أيضاً بالتخطيط العمراني، والبناء في المناطق المنخفضة ومسارات المياه، وتراجع المساحات المفتوحة، القادرة على امتصاص مياه الأمطار».
وشددت الأحمر على ضرورة «وضع خطة حكومية تحدد التمويل والمسؤوليات، والجداول الزمنية للصيانة والتحديث، بما ينقل التعامل مع الأزمة من الاستجابة لكل حالة جوية إلى إدارة المخاطر قبل وقوعها». ودعت إلى إجراء تقييم هيدرولوجي وهندسي شامل لتحديد المناطق الأكثر عرضة للغمر، وقياس القدرة الاستيعابية للشبكات ورصد نقاط الاختناق، بالتوازي مع إعداد خرائط لمخاطر الفيضانات، وتطوير نظم الإنذار المبكر. مشيرة إلى أهمية «مراعاة التغيرات المحتملة في أنماط الهطول المطري، وشدة الظواهر المتطرفة عند التخطيط العمراني، مع ضرورة الاستناد إلى دراسات علمية متخصصة، قبل ربط أي حالة مطرية شديدة بالتغير المناخي».

وتتزامن هذه المطالب مع تحرك قضائي يسلط الضوء على مشكلات في عقود توريد مستلزمات البنية التحتية. وفي هذا السياق، أعلنت النيابة العامة أخيراً حبس عشرة متهمين احتياطياً، بينهم رئيس مجلس إدارة الشركة العامة للمياه والصرف الصحي، ومسؤول إدارة العقود وأعضاء لجنة تسلم التوريدات، على ذمة التحقيق في أربعة عقود، بلغت قيمتها الإجمالية 16.639 مليون دينار.
وقالت النيابة إن التحقيق استند إلى نتائج فحص ديوان المحاسبة، التي أظهرت إخلالاً بقواعد ترسية عقود توريد مواسير نقل المياه، وقبول مواد مخالفة للمواصفات المتفق عليها، من بينها استخدام مواد قابلة للصدأ، بدلاً من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومخالفة مواصفات بلد المنشأ. كما أشارت إلى إجازة صرف نحو 4.459 مليون دينار مقابل توريدات في أحد العقود، رغم أن قيمة المواد الموردة المخالفة لم تتجاوز 1.7 مليون دينار.






