«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

اشتعال جبهة النيل الأزرق من جديد ومخاوف على مصير «الدمازين» حاضرة الولاية

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا
TT

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

«الدعم السريع» تسيطر على مدينة الكرمك قرب حدود إثيوبيا

أعلنت قوات «تحالف تأسيس» سيطرتها الكاملة على محلية الكرمك بولاية النيل الأزرق، بما في ذلك مدينة الكرمك ذات الأهمية الاستراتيجية قرب الحدود مع إثيوبيا، وذلك عقب معارك عنيفة استمرت لساعات مع قوات الجيش السوداني وحلفائه. وبثت القوات مقاطع مصورة تُظهر انتشار عناصرها داخل المدينة ومقر اللواء 16 التابع للفرقة 14 مشاة، فيما تحدثت عن تحقيق مكاسب ميدانية كبيرة شملت الاستيلاء على معدات عسكرية وتكبيد الجيش خسائر بشرية ومادية. ولم يصدر تعليق رسمي من الجيش، الذي يلتزم عادة الصمت حيال خسائره الميدانية.

تأتي هذه التطورات في وقتٍ اشتعلت فيه جبهة النيل الأزرق، المحاذية للحدود الإثيوبية، من جديد، وسط تصاعد اتهامات الجيش السوداني للسلطات في إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع»، بما في ذلك إطلاق طائرات مسيّرة انطلاقاً من أراضيها باتجاه الداخل السوداني. وتُعد هذه الجبهة من أخطر مسارح العمليات العسكرية، نظراً لموقعها الحدودي الذي يربط السودان بكل من إثيوبيا وجنوب السودان، ما يجعلها ممراً حيوياً للإمدادات والتحركات العسكرية، فضلاً عن طبيعتها الجغرافية الوعرة التي توفر غطاءً مثالياً للتمركز والمناورة. كما أن السيطرة على الكرمك تفتح الطريق نحو مدينة الدمازين، عاصمة الولاية، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير موازين القوى في الإقليم، ويمنح الطرف المسيطر أفضلية استراتيجية في إدارة الصراع الممتد.

صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية في يناير الماضي تُظهِر معسكراً في إثيوبيا في إطار اتهامات بتدريب عناصر لـ«الدعم السريع» (رويترز)

وأفادت «قوات الدعم السريع»، في بيان، بأنها «حررت» مدينة الكرمك بالكامل إلى جانب منطقتي البركة والكيلي، بعد معارك وصفتها بالشرسة مع الجيش والحركات المتحالفة معه، مشيرة إلى أنها أوقعت خسائر كبيرة في صفوف خصومها، واستولت على عشرات المركبات القتالية وعدد من الدبابات وكميات من الأسلحة. كما أعلنت نشر قواتها لتأمين المناطق التي سيطرت عليها، مؤكدة عزمها مواصلة التقدم في محاور القتال المختلفة.

في المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش السوداني، في وقت أفاد فيه شهود عيان بتحركات لقوات «تحالف تأسيس» نحو مناطق جديدة، بينها بلدة دندرو، بالتزامن مع موجة نزوح واسعة من قرى ومناطق مجاورة شملت مقجة وسركم والسلك وملكن وأبيقو، نتيجة تصاعد حدة المواجهات واتساع رقعتها. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن السيطرة على الكرمك لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت نتيجة سلسلة عمليات عسكرية متدرجة نفذتها «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها خلال الأشهر الماضية، حيث تمكنت منذ مطلع العام من السيطرة على مواقع استراتيجية عدة في محيط المحلية، من بينها قاعدة السلك العسكرية وبلدات أحمر سيدك وملكن، قبل أن توسع نطاق عملياتها أخيراً لتشمل مناطق مثل جروط وخور البودي، ما مهد الطريق لإحكام السيطرة على المدينة.

قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) يُحيي حشداً خلال تجمع سابق في ولاية نهر النيل بالسودان (أ.ب)

وتكتسب الكرمك أهمية مضاعفة، ليس فقط بسبب موقعها الحدودي، بل لكونها تمثل عقدة ربط حيوية بين طرق برية تمتد نحو إثيوبيا وجنوب السودان، وهو ما يمنح السيطرة عليها قدرة على التحكم في خطوط الإمداد والتواصل العسكري. كما أن الطبيعة الجبلية للمنطقة تجعلها نقطة مثالية للمراقبة والرصد، الأمر الذي ينعكس مباشرة على موازين القوى في ولاية النيل الأزرق والمناطق المجاورة. ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا التصعيد إلى فتح جبهة قتال أوسع في الإقليم، خصوصاً مع استمرار الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم الخارجي، واحتمال امتداد العمليات باتجاه مدينة الدمازين، ما قد ينذر بمرحلة جديدة من الصراع أكثر تعقيداً في جنوب شرق السودان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

شمال افريقيا جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لمأساة إنسانية تتسع يوماً بعد يوم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من الاجتماع التشاوري بشأن تعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان يوم 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان

أكد اجتماع دولي حول أوضاع السودان «استحالة الحل العسكري» للحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا قلق من تأثر حركة التجارة بين مصر والسودان بعد مقتل سائقين مصريين (أ.ف.ب)

آمال بعودة التدفق التجاري بين مصر والسودان بعد هدوء التوترات

قدّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق عبد الفتاح البرهان تطمينات بشأن أوضاع المصريين المقيمين بالسودان

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا البرهان متحدثاً لأهالي مدينة حلفا (إعلام مجلس السيادة) p-circle 01:33

البرهان يفتح باب العودة ويستبعد حمدوك وتحالف «قحت»

رحّب رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بعودة السودانيين الراغبين في السلام، والحوار، لكنه استبعد رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وقوى «قحت».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مباني محترقة في سوق «أميت» بمنطقة أبيي 20 أكتوبر(رويترز). p-circle

عشرات القتلى بقصف سوق في أبيي... وجوبا تحتج لدى الخرطوم

استدعت وزارة خارجية جنوب السودان سفير السودان لدى جوبا احتجاجاً على هجوم بطائرات مسيَّرة استهدف سوقاً بمنطقة أبيي المتنازعة بين البلدين ومقتل العشرات.

أحمد يونس (كمبالا)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
TT

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان وأسواقه ومساجده مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لوجع إنساني يتسع يوماً بعد آخر، في بلد تشير تقديرات رسمية إلى أن الفقر يطول نحو 73 في المائة من سكانه داخل البلاد وخارجها.

وخلف كل يد ممدودة حكاية فَقْد ونزوح وعجز عن توفير لقمة العيش؛ فعامل حرمته الإصابة من القدرة على العمل، وأب أثقل النزوح كاهله، وأم فقدت زوجها لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء إعالة أطفالها...ومع تآكل مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج والتعليم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار قاسٍ: طلب العون من الآخرين، أو ترك أسرهم تواجه الجوع والحرمان.

وهكذا، لم تعد الحرب تسرق البيوت ومصادر الرزق فحسب، بل تدفع مزيداً من السودانيين إلى حافة العوز، حيث تصبح الكرامة الإنسانية نفسها موضع اختبار يومي.تتسع رقعة الفقر في السودان على نحو غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن وزير الموارد البشرية، معتصم أحمد صالح، أن نسبة الفقر بلغت نحو 73 في المائة بين السودانيين داخل البلاد وخارجها، واصفاً النسبة بأنها «صادمة»، وتعكس حجم التدهور الذي خلّفه الصراع المستمر.

وفي السياق نفسه، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر في أبريل الماضي، من أن استمرار الصراع قد يرفع نسبة الفقر المدقع إلى 60 في المائة من السكان بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 36 مليون شخص.

إصابة تسلب عاملاً مصدر رزقه

حركة المتسوقين تناقصت بشكل ملحوظ في الأسواق الشعبية (الشرق الأوسط)

يروي حسين عبد الله لـ«الشرق الأوسط» جانباً من المعاناة التي دفعته إلى التسول بعدما فقد مصدر رزقه بسبب الحرب؛ فقد أدت إصابته بشظايا إلى بتر إحدى يديه، ما حرمه من مواصلة العمل في البناء، الذي كان يوفر له دخلاً يومياً يعين به أسرته.

ومع تضاؤل خياراته وعجزه عن تلبية احتياجات عائلته، وجد نفسه مضطراً إلى مد يده للمارة في السوق، بعدما كان يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار المعيشي قبل إصابته.

أما صلاح التيجاني، فقد قادته رحلات النزوح المتكررة بين الولايات والمدن التي هي أكثر أمناً إلى مواجهة أعباء معيشية تفوق قدرته على الاحتمال. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تأمين الغذاء والسكن أصبح تحدياً يومياً لأسرته، في ظل غياب مورد مالي يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.

ويضيف أن هذه الظروف اضطرته إلى التسول لتوفير الطعام وتكاليف العلاج والدراسة، في محاولة لتجنيب أفراد أسرته مزيداً من المعاناة.

أرامل في مواجهة العوز

القدرة الشرائية تراجعت بسرعة كبيرة في سنوات الحرب (الشرق الأوسط)

تواجه فاطمة عبد الكريم واقعاً أشد قسوة بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها وحيدة في تحمل مسؤولية إعالة أطفالها، من دون مصدر دخل ثابت يلبي احتياجاتهم الأساسية.

وتقول إنها اضطرت إلى التسول لتوفير متطلبات الحياة اليومية، رغم محاولاتها المتكررة الحصول على مساعدة من الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، لكنها لم تجد ما يعينها على تجاوز محنتها.

وتضيف فاطمة لـ«الشرق الأوسط»، بصوت يمتزج فيه التعب بالأمل، أنها باتت تتجول في الأسواق بحثاً عما يسد رمق أطفالها ويوفر ثمن العلاج، مشيرة إلى أنها تعاني حالياً من الملاريا، ولا تملك سوى ما تجمعه من طلب المساعدة لتغطية تكاليف علاجها.

ولا تخفي فاطمة رغبتها في الخروج من دائرة التسول، التي تقول إنها تتعرض خلالها للمضايقات والاستغلال. وتحلم بالحصول على دعم يمكّنها من إقامة مشروع صغير يوفر لها دخلاً ثابتاً، ويساعدها على إعالة أطفالها بعيداً عن مشقة السؤال، بما يحفظ كرامتها ويمنح أسرتها فرصة لحياة أكثر أماناً واستقراراً.

ومن جهته، يقول عبد اللطيف الحسن، وهو من ذوي الإعاقة الحركية ويتنقل على كرسي متحرك، إن تداعيات الحرب والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة دفعاه إلى طلب المساعدة في الشوارع والمساجد لتأمين احتياجات أسرته اليومية، بما في ذلك متطلبات زوجته وأبنائه الذين يواصلون دراستهم.

ويؤكد أن الحرب فاقمت الضغوط المعيشية على الأسر السودانية، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون تحديات مضاعفة في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة، ما يجعل تأمين أبسط متطلبات المعيشة معركة يومية.

من التسول إلى بيع الشاي

وتروي فتحية عبد الله، وهي امرأة مطلقة، جانباً من معاناة النزوح والتشرد؛ إذ دفعتها قسوة الظروف إلى التجول في الشوارع ومد يدها للآخرين سعياً إلى توفير لقمة العيش لأطفالها.

لكن وطأة هذه المعاناة دفعتها إلى البحث عن بديل، فقررت العمل في بيع الشاي بإحدى أسواق أم درمان، أملاً في تأمين مصدر رزق يعينها على مواجهة أعباء الحياة.وتقول فتحية لـ«الشرق الأوسط»: «أحياناً لا أجد ثمن وجبة الفطور، فأكتفي بسندويتش طعمية أتناوله في الصباح، وأظل من دون طعام حتى أعود إلى منزلي مساءً».

وتكشف شهادتها جانباً من الضغوط اليومية التي تواجهها الأسر التي فقدت مصادر دخلها؛ إذ لا يقتصر العوز على العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من وجبة الطعام إلى تكاليف التعليم والعلاج.

الظاهرة انعكاس للانهيار الاقتصادي

جزارة في سوق أم درمان بالعاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

وشددت الباحثة الاجتماعية رندا حسين على ضرورة تعامل المجتمع مع ظاهرة التسول بقدر كبير من التعاطف والمسؤولية، بعيداً عن الإهانة أو التمييز أو افتراض أن جميع المتسولين ينتمون إلى الفئة نفسها.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن بعض هؤلاء فقدوا أعمالهم ومنازلهم وشبكات الأمان الاجتماعي، وأصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات الحياة.

وأضافت أن اتساع الظاهرة في زمن الحرب لا يمثل مجرد مشهد لأيدٍ ممدودة في الشوارع، بل يعكس واقع أسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال باتوا مهددين بالحرمان من التعليم، وأشخاص دفعتهم الحاجة إلى التخلي عن استقلالهم المعيشي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على الحد من انتشارها في الشوارع، بل يتطلب أيضاً معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى التسول، وتوفير بدائل تتيح لهم استعادة قدرتهم على كسب العيش.

تحركات حكومية لمواجهة الظاهرة

وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد المتسولين والمشردين، وجّهت وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم بإجراء حصر شامل للمشردين، وتصنيفهم وتحديث بياناتهم، بالتوازي مع تشكيل لجان فنية مصغرة لوضع منهجية متكاملة لمكافحة ظاهرة التسول، وإعداد تصور عملي للتعامل معها ومعالجة أسبابها.

وشدد وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، على ضرورة إطلاق حملات واسعة لمكافحة الظاهرة، قائلاً إنها «لم تعد مجرد تحدٍّ اجتماعي، بل أصبحت ملفاً أمنياً يهدد سلامة مواطني الولاية، ما يتطلب التعامل معها بحزم».

ويضع هذا التوجه السلطات أمام تحدي الموازنة بين تنظيم المجال العام والاستجابة للاحتياجات الإنسانية للفئات التي دفعتها الحرب إلى التسول، خصوصاً في ظل تراجع فرص العمل واتساع دائرة الفقر والنزوح.

الاعتماد على الذات

أصبح حديث الناس الدائم هو الغلاء وارتفاع الأسعار (الشرق الأوسط)

في نهاية المطاف، لا تقف مأساة هؤلاء عند الأيدي التي امتدت طلباً للمساعدة، بل تتجاوزها إلى الحياة التي كانوا يعيشونها قبل أن تنتزع الحرب منهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم.

فخلف كل يد ممدودة أب يخشى العودة إلى أطفاله خالي الوفاض، وأم تحاول إخفاء عجزها عن توفير احتياجات صغارها، ورجل أثقلته الإصابة فلم يعد قادراً على ممارسة عمله، وآخرون دفعتهم قسوة النزوح وغلاء المعيشة إلى طرق أبواب لم يعتادوا الوقوف أمامها.

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده ومجتمعه، لا تبدو هذه الحكايات مجرد حالات فردية من العوز، بل وجوهاً لأزمة إنسانية تتسع، وتضع آلاف الأسر أمام معركة يومية من أجل البقاء؛ إذ لم تعد لقمة العيش وحدها هي التحدي، بل الحفاظ على الكرامة والأمل في حياة أكثر أمناً واستقراراً.


«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
TT

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

عاد مصرف ليبيا المركزي إلى واجهة الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا، بعدما قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى، وقررت تكليف عضو بمجلس إدارة المصرف بتسيير مهامه مؤقتاً، في خطوة رفضها المجلس الأعلى للدولة، وأثارت اعتراض المصرف نفسه.

وتأتي هذه الخطوة غداة اقتحام مسلحين مقر ديوان المحاسبة في طرابلس، أكبر جهاز رقابي في ليبيا، في محاولة لتمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، بما يعيد استقلال المؤسسات السيادية والرقابية إلى واجهة الانقسام الليبي، ويثير تساؤلات حول قدرتها على مقاومة ضغوط صراعات التعيينات والقيادة.

ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي المقبول استقالته من البرلمان (صفحة المركزي)

وعلى الرغم من مرور نحو عامين على أزمة الإطاحة بالمحافظ السابق الصديق الكبير، عادت الخلافات بشأن قيادة المصرف إلى الواجهة، مع إعلان هيئة رئاسة مجلس النواب، الخميس، قبول استقالة عيسى مبدئياً، وإحالة الأمر إلى المجلس في جلسته المقبلة لاتخاذ القرار النهائي وفقاً للتشريعات النافذة، إلى جانب تكليف فوزي مصباح أبو خزام، عضو مجلس الإدارة، بتسيير مهام المحافظ.

وفي مؤشر على بدء تنفيذ القرار، تداولت وسائل إعلام محلية محضر تسليم وتسلم مهام المحافظ، قالت إنه وُقّع من لجنة تضم أعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة. وأظهرت تسجيلات مصورة وصول أبو خزام إلى مقر المصرف، وسط استمرار الخلاف بشأن قانونية الإجراء.

غير أن إدارة المصرف المركزي، التي قُبلت استقالتها، أبدت اعتراضاً صريحاً على ما جرى، وأعربت في بيان نشرته عبر الصفحة الرسمية للمصرف على «فيسبوك»، عن «بالغ استنكارها» لدخول قوة وأطراف أخرى إلى المقر، وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه.

وعدّت الإدارة التابعة لناجي عيسى الواقعة تجاوزاً للأصول المؤسسية والإدارية، وإخلالاً بواجب احترام مقاره وصون حرمتها، محمّلاً الجهات التي شاركت فيها أو أسهمت فيها مسؤولية تداعياتها، وفي مقدمتها وزارة الدفاع، بالنظر إلى مسؤوليتها عن حماية المقر وتأمينه.

وفي تصعيد للموقف، أكدت الإدارة التابعة لناجي عيسى عدم تحمله المسؤولية عن الإجراءات، أو التصرفات التي ترتبت على دخول المقر، متمسكاً بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية مقاره ومكاتبه ووثائقه، ومساءلة المسؤولين عن الواقعة.

رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال لقاء مع رئيس مجلس التخطيط الوطني في بنغازي الخميس (مجلس النواب)

وعلى المسار السياسي، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه الإجراء، الذي اتخذته هيئة رئاسة مجلس النواب، إذ وجّه النائب الأول لرئيس المجلس، ناجي مختار علي، مراسلة رسمية إلى المحافظ، أكد فيها الاعتراض على قبول الاستقالة، وتكليف أحد أعضاء مجلس الإدارة بتسيير مهامه مؤقتاً.

وتعود بداية الأزمة الحالية إلى أغسطس (آب) الماضي، عندما أعلن عيسى استقالته من منصبه، من دون الكشف عن أسبابها، مكتفياً بالإشارة، في رسالة وجّهها إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى «حساسية» تلك الأسباب، غير أن مصادر مقربة من المحافظ (المقبول استقالته) ربطت عدوله عن الاستقالة بتسريع تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد، ووقف زيادات الرواتب غير المتناسبة مع الإيرادات، وإقرار إجراءات للحد من تهريب السلع والمحروقات وحماية الاحتياطيات، وهي ملفات ترتبط مباشرة باستقرار المالية العامة وإدارة الموارد.

ومن وجهة نظر اقتصادية، رأى علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن قبول الاستقالة مبدئياً كان ينبغي أن يعقبه استدعاء المحافظ، والاستماع إلى الأسباب التي دفعته إلى تقديمها، بدلاً من اتخاذ قرار متسرع قبل تحديد طبيعة الأزمة.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وحذّر الشريف من أن استمرار الأسباب، التي دفعت عيسى إلى الاستقالة، سيُبقي تداعياتها قائمة، حتى لو جرى تغيير أكثر من محافظ، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع مسبباتها، لا الاكتفاء بتغيير المسؤول عن إدارة المصرف.

ويأتي تجدد الخلاف في سياق انقسام سياسي ومؤسسي مستمر منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، مع وجود سلطات متنافسة في شرق البلاد وغربها، وتكرار النزاعات بشأن إدارة المؤسسات العامة وتعيين قياداتها، وسط تعثر جهود توحيد مؤسسات الدولة.

وجاء تعيين عيسى عام 2024 ثمرة لاتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، في محاولة لإنهاء أزمة السيطرة على المصرف المركزي، التي انتهت بإطاحة المحافظ السابق الصديق الكبير، بعد تصاعد الخلاف بشأن صلاحيات التعيين وإدارة المؤسسة النقدية.

وتفجرت الأزمة آنذاك بعدما قرر المجلس الرئاسي تغيير الكبير، وتعيين محافظ جديد، في خطوة رفضها مجلس النواب، قبل أن يتصاعد النزاع إلى إغلاق حقول نفطية وتعطل الإنتاج، وصولاً إلى اتفاق برعاية أممية لاختيار قيادة جديدة للمصرف.

وغير بعيد عن الصراع على قيادة المؤسسات السيادية، استمر توقف العمل في ديوان المحاسبة في طرابلس، الخميس، بعدما حاول مسلحون تمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، وفق وصف المؤسسة الرقابية، التي أعلنت تعليق العمل عقب الواقعة إلى حين توافر الظروف المناسبة والآمنة لمباشرة مهامه الرقابية

واتسعت دائرة الإدانات الدولية لاقتحام مقر ديوان المحاسبة، إذ أدانت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا و27 بعثة دبلوماسية، الخميس، هذا التصرف، داعية إلى إنهاء الوجود المسلح ومغادرة المقر دون تأخير، وتسوية الخلافات بشأن التعيينات القيادية عبر الإجراءات القانونية والمؤسسية.

وسبق الموقف الأوروبي، الأربعاء، تعبير الولايات المتحدة عن قلقها إزاء وجود قوات مسلحة داخل مقر ديوان المحاسبة، مؤكدة أن استقلال المؤسسات الليبية «أمر بالغ الأهمية»، وأنه ينبغي أن تتمكن من أداء مهامها بعيداً عن الترهيب والتهديدات الجسدية.

وتعيد التطورات الأخيرة ملف حماية المؤسسات السيادية والرقابية إلى صدارة المشهد الليبي، مع تزامن النزاع على قيادة المصرف المركزي، والخلاف على المناصب داخل ديوان المحاسبة، بما يضع قدرة التفاهمات السياسية على تحييد هذه المؤسسات عن صراعات النفوذ أمام اختبار جديد.


إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
TT

إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)

أعلنت السفارة الهولندية في القاهرة «إغلاق أبوابها حتى إشعار آخر». وقالت، في بيان الخميس، إن «وزارة الخارجية الهولندية اتخذت هذا القرار في ضوء المظاهرات التي يتم تنظيمها أمام مبنى السفارة».

وأشارت السفارة، بحسب البيان، إلى أنه «سيتم التواصل مع الأشخاص الذين لديهم مواعيد مسبقة في السفارة، وإخطارهم في أقرب وقت ممكن بإعادة جدولة مواعيدهم»، مؤكدة أن «هذا الإغلاق المؤقت لا يؤثر على الخدمات التي تقدمها الشركة المتخصصة بإجراءات التقديم على التأشيرات في القاهرة».

ويأتي هذا التصعيد من جانب هولندا عقب تجدد التوترات الدبلوماسية مع القاهرة على خلفية توقيف الناشط أحمد ناصر نائب رئيس «اتحاد شباب المصريين بالخارج»، وزميل له في هولندا، وما سببه ذلك من تداعيات واحتجاجات أمام مبنى السفارة في حي الزمالك بالقاهرة.

وجاء توقيف ناصر وزميله، في الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، خلال توجههما للمشاركة في مظاهرة مؤيدة للحكومة المصرية أمام مقر سفارتها في لاهاي، شارك فيها عشرات من أبناء الجاليات المصرية بأوروبا لإظهار «دعمهم لموظفي السفارة»، عقب مظاهرة مناهضة للحكومة نظمها الناشط المعارض أنس حبيب أمام مقرها في 4 أكتوبر الحالي.

وإثر توقيف ناصر وزميله أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً بنظيره الهولندي توم بيريندسن، الأسبوع الماضي، طالبه خلاله بـ«معرفة ملابسات التوقيف وسرعة الإفراج عن المواطن المصري».

وأكد بحسب بيان لوزارة الخارجية آنذاك «الأهمية القصوى لتوفير الحماية اللازمة والكافية لمقر السفارة المصرية في لاهاي، واحترام الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وربط ذلك بمبدأ المعاملة بالمثل»، مشيراً إلى «حرص السلطات المصرية على حماية جميع البعثات الدبلوماسية الموجودة في مصر».

كما امتدّت تداعيات المسألة إلى البرلمان حيث دعا رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان إلى «توضيح الأساس القانوني للإجراءات المتخذة بحق ناصر وضمان حقوقه»، مطالباً أمستردام بالإفراج عنه وعن زميله.

وامتدت التداعيات إلى محيط السفارة الهولندية في القاهرة حيث احتشد العشرات أمام السفارة للمطالبة بالإفراج عن ناصر، وكرروا الاحتجاج لعدة أيام، وسط مخاوف من تجدد التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية «مظاهرات السفارات» التي جرت في وقت سابق.

وشهد العام الماضي حملة تظاهر أمام سفارات وبعثات دبلوماسية مصرية في الخارج والدعوة لإغلاقها، قام فيها المعارض المصري أنس حبيب نفسه بزعم أن القاهرة «تعرقل دخول المساعدات إلى غزة»، وهو ما نفته مصر مراراً، مُوجّهة أصابع الاتهام إلى تنظيم «الإخوان» بالوقوف وراء الحملة التي تطورت إلى احتجاجات أمام سفاراتها لدى عدة دول.