البرلمان الجزائري يصوّت على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي

أعضاء لجنة صياغة قانون تجريم الاستعمار (أرشيفية - البرلمان الجزائري)
أعضاء لجنة صياغة قانون تجريم الاستعمار (أرشيفية - البرلمان الجزائري)
TT

البرلمان الجزائري يصوّت على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي

أعضاء لجنة صياغة قانون تجريم الاستعمار (أرشيفية - البرلمان الجزائري)
أعضاء لجنة صياغة قانون تجريم الاستعمار (أرشيفية - البرلمان الجزائري)

يصوت البرلمان الجزائري الأربعاء على مشروع قانون يهدف الى تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر وتوصيفه على انه «جريمة دولة» ويطالب فرنسا بـ«اعتذار رسمي»، في وقت لا يزال البلدان غارقين في أزمة كبرى.

ويطالب النص الذي اطلعت وكالة الصحافة الفرنسية على نسخة منه وينتظر أن يصادق النواب عليه إلا اذا حدث طارئ، بتحمل الدولة الفرنسية «المسؤولية القانونية عن ماضيها الاستعماري للجزائر، وما خلفه من مآس» ويطالبها بالتعويض. وفي حال المصادقة عليه، ستكون للقانون دلالة رمزية قوية، لكن يبدو ان أثره العملي على مطالب التعويضات محدودا من دون اللجوء إلى هيئات دولية أو اتفاق ثنائي.

وأثناء عرض مشروع القانون أمام النواب، قال رئيس المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى في البرلمان) إبراهيم بوغالي السبت، إن هذا المقترح «فعل سيادي بامتياز»، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الجزائرية. وأضاف أنه أيضا «رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الذاكرة الوطنية الجزائرية غير قابلة للمحو أو المساومة».

ولدى سؤاله الأسبوع الماضي عن هذا التصويت، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو، إنه لا يعلّق «على نقاشات سياسية تجري في دول أجنبية».

قطيعة

بالنسبة إلى حسني قيطوني، الباحث في تاريخ الحقبة الاستعمارية في جامعة إكستر البريطانية، فإنه «من الناحية القانونية، لا يحمل هذا القانون أي بُعد دولي، وبالتالي لا يمكنه إلزام فرنسا» و«أثره القانوني محلي فقط». وأضاف «لكن أثره السياسي والرمزي مهم: فهو يمثّل لحظة قطيعة في العلاقة التاريخية مع فرنسا».

وتبقى مسألة الاستعمار الفرنسي في الجزائر أحد أبرز مصادر التوتر بين باريس والجزائر. فغزو الجزائر في 1830، وتدمير بنيتها الاجتماعية والاقتصادية عبر عمليات ترحيل واسعة والقمع الشرس لعديد الانتفاضات قبل حرب الاستقلال الدامية (1954-1962) التي اسفرت عن 1,5 مليون قتيل جزائري وفق الرواية الجزائرية، و500 ألف بينهم 400 ألف جزائري وفق المؤرخين الفرنسيين.

وما زالت السردية الوطنية حول حرب التحرير طاغية، بينما في فرنسا يستمر الحرص على مراعاة من يعارضون أي «طلب للاعتذار». وكان إيمانويل ماكرون صرح في 2017 حين كان مرشحا للرئاسة الفرنسية، بأن استعمار الجزائر كان «جريمة ضد الإنسانية». وقال «إنه جزء من ذلك الماضي الذي يجب أن ننظر إليه وجها لوجه بتقديم اعتذاراتنا أيضا تجاه الذين ارتكبنا بحقهم تلك الأفعال».

وبعد نشر تقرير المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا في يناير (كانون الثاني) 2021، تعهّد ماكرون اتخاذ «خطوات رمزية» لمحاولة المصالحة بين البلدين، لكنه استبعد هذه المرة «الاعتذار». ثم عاد وتسبب في إثارة غضب شديد في الجزائر بعد تشكيكه في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار، بحسب صحيفة لوموند.

تجارب نووية

ويأتي التصويت في وقت ما زالت فيه باريس والجزائر غارقتين في أزمة دبلوماسية عقب اعتراف فرنسا في صيف 2024 بخطة حكم ذاتي «تحت السيادة المغربية» للصحراء الغربية.

ومنذ ذلك الحين، ازدادت التوترات حدّة، مع إدانة وسجن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال الذي استفاد في نهاية المطاف من عفو رئاسي بفضل تدخل ألماني.

ويؤكد مشروع القانون أن «التعويض الشامل والمنصف، عن كافة الاضرار المادية والمعنوية التي خلفها الاستعمار الفرنسي، حق ثابت للدولة والشعب الجزائري». وينصّ على إلزام الدولة الجزائرية السعي من أجل «الاعتراف والاعتذار الرسميين من طرف دولة فرنسا عن ماضيها الاستعماري» و«تنظيف مواقع التفجيرات النووية» وكذلك «تسليم خرائط التفجيرات النووية والتجارب الكيماوية، والألغام المزروعة».

وبين عامَي 1960 و1966، أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في مواقع عدة في الصحراء الجزائرية. ويطالب النص أيضا فرنسا بإعادة «أموال الخزينة التي تم السطو عليها» وكل الممتلكات المنقولة من الجزائر، بما في ذلك الأرشيف الوطني.

وأخيرا، ينص مشروع القانون على عقوبات بالسجن ومنع الحقوق المدنية والسياسية لكل من «يروّج» للاستعمار أو ينفي كونه جريمة. وطُرحت مسألة تجريم الاستعمار الفرنسي مرارا في الماضي في الجزائر، من دون أن تفضي حتى الآن إلى إصدارها في قانون.



مصر تراهن على توسيع الاستثمارات التعدينية لمواجهة «التنقيب غير الشرعي»

وزير البترول المصري خلال مشاركته في اجتماع «المائدة المستديرة لكبار مستثمري التعدين» بأستراليا الجمعة (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري خلال مشاركته في اجتماع «المائدة المستديرة لكبار مستثمري التعدين» بأستراليا الجمعة (وزارة البترول المصرية)
TT

مصر تراهن على توسيع الاستثمارات التعدينية لمواجهة «التنقيب غير الشرعي»

وزير البترول المصري خلال مشاركته في اجتماع «المائدة المستديرة لكبار مستثمري التعدين» بأستراليا الجمعة (وزارة البترول المصرية)
وزير البترول المصري خلال مشاركته في اجتماع «المائدة المستديرة لكبار مستثمري التعدين» بأستراليا الجمعة (وزارة البترول المصرية)

تراهن الحكومة المصرية على توسيع الاستثمارات في قطاع التعدين وتدشين مشروعات إنتاجية داخل البلاد، لمواجهة «التنقيب غير الشرعي». وأكد وزير البترول المصري كريم بدوي أن بلاده «تعمل على بناء بيئة استثمارية أكثر تنافسية ومرونة بما يعزز قدرة القطاع على جذب رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيات الحديثة».

جاءت تصريحات وزير البترول خلال مشاركته في اجتماع «المائدة المستديرة لكبار مستثمري التعدين»، الجمعة، على هامش المؤتمر الأفريقي-الأسترالي للتعدين والطاقة بمدينة بيرث الأسترالية.

وتتخذ الحكومة المصرية «سلسلة من الإجراءات لتعزيز إنتاجية قطاع التعدين ورفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 1.6 في المائة إلى 6 في المائة»، وفق خبراء.

وتأتي تحركات الحكومة للتوسع في استثمارات قطاع التعدين بموازاة إجراءات أمنية مشددة لمواجهة «التنقيب غير الشرعي» عن المعادن، بعد أن أعلن الجيش المصري في أغسطس (آب) الماضي «بدء المرحلة الثانية من الحملة المكبرة لمجابهة ظاهرة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب في الصحراء الشرقية».

وأكد وزير البترول، الجمعة، أن «بلاده تعمل على بناء بيئة استثمارية أكثر تنافسية ومرونة بما يعزز قدرة قطاع التعدين على جذب رؤوس الأموال، والخبرات التكنولوجية الحديثة، لتحويل الإمكانات الجيولوجية الواعدة لمشروعات إنتاجية».

وأشار إلى أن «بلاده تستهدف توسيع قاعدة المستثمرين في التعدين، وجذب شركات الاستكشاف الأسترالية للاستفادة من خبراتها المتراكمة في تأسيس وتطوير شركات التعدين».

وتمتلك مصر قاعدة متنوعة وواعدة من الثروات المعدنية، تقدر بنحو 3 مليارات طن من الموارد الجيولوجية للفوسفات، وأكثر من 600 مليون طن من موارد أكاسيد الحديد، إلى جانب كميات كبيرة من الرمال الكاولينية والبنتونيت والكوارتز ورمال السيليكا والمعادن الصناعية، فضلاً عن الذهب والنحاس والمعادن الأساسية والحرجة والاستراتيجية، وفق وزارة البترول.

الحكومة المصرية تتابع أعمال مناجم الذهب بشكل مستمر (وزارة البترول)

وقال الوزير بدوي إن «تطبيق نظام (القطاعات المفتوحة) يمثل نقلة مهمة في منظومة الاستثمار التعديني؛ إذ يتيح للشركات التقدم بفرص البحث والاستكشاف في المناطق المطروحة طوال فترة الإتاحة، دون الارتباط بموعد إغلاق موحد للمزايدات». وأضاف أن ذلك «يمنح المستثمر مرونة أكبر في اتخاذ القرار، وييسر إجراءات التقدم والتخصيص، وتسريع الانتقال من مرحلة الاهتمام بالفرصة إلى بدء البحث والاستكشاف بالفعل».

ونظام «القطاعات المفتوحة» آلية استثمارية أتاحتها وزارة البترول لطرح مناطق الاستكشاف والبحث التعديني في 10 يونيو (حزيران) الماضي، بحيث يتم فتح باب التزايد لمدة 30 يوماً فور تلقي أول عرض استثماري على أي قطاع، في حين تظل القطاعات الأخرى متاحة بشكل مستمر أمام المستثمرين، بما يضمن استدامة طرح الفرص الاستثمارية وتوسيع قاعدة المشاركة، وفق وزارة البترول.

وأوضحت «البترول»، الجمعة، أن مناقشات «المائدة المستديرة» شهدت طرح عدد من الرؤى والمقترحات لتعزيز التواصل بين قطاع التعدين المصري ومجتمع التعدين الأسترالي، والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيات المتقدمة، كما تمت الإشارة إلى «(منتدى مصر للتعدين 2026) المقرر نهاية الشهر الجاري كمنصة رئيسية لمواصلة الحوار مع المستثمرين الدوليين».

وأعلنت وزارة البترول عقد «منتدى مصر للتعدين 2026» يومَي 28 و29 سبتمبر (أيلول) الحالي لاستعراض فرص الاستثمار الواعدة والإصلاحات التي شهدها القطاع أمام كبرى الشركات والمؤسسات التعدينية العالمية.

وقال أستاذ هندسة الطاقة بالجامعة الأميركية في مصر جمال القليوبي، إن «الحكومة تستهدف زيادة مساهمة قطاع التعدين في الناتج القومي الإجمالي من 1.6 في المائة إلى 6 في المائة». وأشار إلى أن «الحكومة تضع من بين أولوياتها الاستثمارية التوسع في قطاع التعدين عبر جذب استثمارات محلية وأجنبية».

وأضاف القليوبي لـ«الشرق الأوسط» أن «البحث عن المعادن والثروات بمصر لم يحظَ باهتمام حكومي واسع خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى التنقيب غير الشرعي»، لكن «هناك اهتماماً الآن بالتوسع في التنقيب والاستكشاف عن أنواع مختلفة من المعادن بجانب الذهب».

وأكد أنه من بين الإجراءات التي قامت بها الحكومة «إتاحة قاعدة بيانات الثروة المعدنية للمستثمرين وخريطتها داخل البلاد»، إلى جانب «القيام بمسح جوي لأنحاء الجمهورية دون الاعتماد على فرق المسح الميدانية».

جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري ضد «التنقيب غير الشرعي» في يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

ودشّن الجيش في يونيو الماضي مداهمات ضد جماعات التنقيب غير المشروع عن خام الذهب، وأفاد حينها بأنه «تم ضبط 58 واقعة تنقيب عشوائي عن خام الذهب، وضبط 20 جهازاً للكشف عن المعادن».

وطرحت وزارة البترول أخيراً مساحات استثمارية متنوعة بنظام «القطاعات المفتوحة» للبحث والاستكشاف عن الذهب والمعادن المصاحبة والفوسفات والتلك والكاولين وغيرها من الخامات التعدينية.

و«تعوّل الحكومة على مزيد من الاستثمارات الأجنبية للتوسع في استثمارات قطاع التعدين»، وفق القليوبي الذي قال إن «الهدف ليس استكشاف المعادن فقط، لكن تحويلها إلى قطاعات إنتاجية وإلى قيمة مضافة في الصناعات».

الخبير الاقتصادي المصري وليد جاب الله يشير إلى أن التوسع في استثمارات قطاع التعدين يشكّل أحد أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي للحكومة المصرية، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «التحدي الرئيسي لهذا القطاع يتمثل في التنقيب غير الشرعي، خصوصاً عن الذهب»، كما يشير إلى أن «الإجراءات الأمنية لمواجهة هذه الممارسات هدفها الأساسي توفير الأمن لشركات التعدين وللاستثمارات الأجنبية للانخراط في هذا المجال».


ليبيا: «الرقابة الإدارية» تبحث أزمتي الوقود والكهرباء وتتوعد المخالفين

رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)
TT

ليبيا: «الرقابة الإدارية» تبحث أزمتي الوقود والكهرباء وتتوعد المخالفين

رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)

مع تفاقم أزمتي الوقود والكهرباء؛ بدأت تتسع رقعة الاستياء الشعبي في ليبيا، بعد أن أصبحت طوابير السيارات تتمدد أمام المحطات، بالتزامن مع الانقطاعات الطويلة للتيار وسط موجة حر شديدة، ما يضع المؤسسات الخدمية والرقابية أمام اختبار حقيقي لاحتواء الغضب المتصاعد.

ورصد عدد من المواطنين، خصوصاً في العاصمة طرابلس، اصطفافاً ممتداً للمركبات أمام محطات التوزيع للحصول على الوقود، فضلاً عن شكاوى مماثلة من تخفيف أحمال الكهرباء لمدة تتجاوز 10 ساعات يومياً، ما يعكس تفاقم المعاناة اليومية.

رصد عدد من المواطنين شكاوى من تخفيف أحمال الكهرباء لمدة تتجاوز 10 ساعات يومياً (إ.ب.أ)

وفي إطار المساعي الرسمية لمواجهة التداعيات، عقد رئيس هيئة الرقابة الإدارية، عبد الله قادربوه، اجتماعاً موسعاً بمقر ديوان الهيئة في طرابلس لبحث أسباب الأزمة وطرح معالجات مستدامة، بحضور مسؤولين من شركتي العامة للكهرباء، والبريقة لتسويق النفط والغاز، والمؤسسة الوطنية للنفط.

واستعرض الاجتماع جذور المشكلة، وفي مقدمتها تراجع أعمال الصيانة، وتهالك أجزاء واسعة من محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب تأخر تنفيذ عدد من المشروعات الحيوية، ومحدودية القدرات التوليدية، وتكرار الأعطال والاختناقات الفنية.

وشدّد المشاركون في الاجتماع، الذي عقد مساء الخميس، على ضرورة الانتقال إلى «حلول جذرية تضمن إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الأولويات الفعالة، وتسريع وتيرة المشروعات المتعثرة، ورفع كفاءة محطات التوليد وشبكات النقل»، مشددين على «ضرورة استقرار إمدادات الغاز والوقود، والحد من الهدر، ووضع خطط استراتيجية مستدامة للاعتماد على الطاقة المتجددة».

وفي ملف قطاع النفط، أكد رئيس الهيئة على «حتمية ضبط عمل المؤسسة الوطنية للنفط، بما يكفل زيادة معدلات الإنتاج واستدامة الإمدادات، مقترناً بحسن إدارة الموارد ورفع كفاءة الإنفاق المالي، وتوجيهه للإيفاء بالمتطلبات الأساسية».

ووجّه قادربوه الإدارات المختصة بالهيئة «لتقصي القرارات والعقود وعمليات التوريد والمخصصات المالية، ومطابقة المستندات بالواقع الميداني، فضلاً عن تتبع مسارات الوقود والغاز من المصدر إلى محطات التوزيع، للتحقق من سلامة العمليات وضبط المخالفين».

كما تضمنت التوجيهات استكمال إجراءات الفحص والاستدلال بشأن أوجه القصور والمخالفات، وتحديد المسؤوليات القانونية عنها، وتشكيل لجان رقابية تتولى مطابقة كميات الوقود المصروفة لمحطات التوليد مع البيانات الرسمية لشركة «البريقة»، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي تجاوزات مثبتة، وفق التشريعات النافذة.

وأوضح رئيس الهيئة أن معالجة أزمتي الكهرباء والوقود «لا تقتصر على توفير التمويل، بل تتطلب معالجة أسباب التعثر، وضبط الإنفاق والتوريد، وتوجيه الموارد إلى مواقع الاحتياج الفعلي، ومتابعة تنفيذ المشروعات وقياس أثرها على أرض الواقع».

يشتكي عدد من سكان العاصمة طرابلس اصطفافاً ممتداً للمركبات أمام محطات التوزيع للحصول على الوقود (إ.ب.أ)

وانتهى الاجتماع إلى «فرض متابعة رقابية دورية على ملفي الطاقة والنفط لضمان تطبيق التوصيات، والحد من الهدر، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين».

كما أهابت الهيئة بالأجهزة الأمنية «تشديد الرقابة على شحنات الوقود، ابتداءً من المستودعات، حتى وصولها للمحطات لمنع عمليات التهريب»، مؤكدة أنها «لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي مقصر أو مخالف».

على صعيد متصل، عقد وزير الداخلية في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عماد الطرابلسي، اجتماعاً موسعاً لمتابعة آليات توزيع الوقود، وتفكيك العوائق التوجيهية التي تعترض وصوله للمحطات، ومكافحة التهريب والتلاعب، مشدداً على إنفاذ القانون، ودعم الأجهزة الأمنية لفرض النظام وإنهاء حالة الازدحام.


مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
TT

مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)

​ وسط مخاوف من التداعيات الاقتصادية، تتحسب مصر لـ«حرب ممتدة» بالمنطقة، عبر سيناريو حكومي توقع استمرار النزاع حتى عام 2030، ورأى خبراء أن طول أمد التوترات الإقليمية «قد يجبر الحكومة المصرية على تفعيل اقتصاد الحرب».

وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، إن الحكومة وضعت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب في المنطقة، من بينها «السيناريو الأسوأ» وهو استمرار الحرب لسنوات، موضحاً خلال مؤتمر صحافي الخميس، أن «أحد السيناريوهات التي وضعتها الحكومة حتى عام 2030 هو استمرار الحرب، وتداعياتها على الاقتصاد المصري»، مؤكداً ضرورة «التحسب لاستمرار الوضع الحالي لسنوات مقبلة».

وأشار رئيس الوزراء المصري إلى أن «وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وضعت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب»، لافتاً إلى أنه «رغم ارتفاع الأسعار الكبير وعبئه على الدولة المصرية، وتزايد الاستهلاك الكبير للطاقة في فصل الصيف، لم تحدث أي أزمة».

حديث رئيس الوزراء المصري أثار تساؤلات بشأن تأثر الاقتصاد في حال استمرار الحرب بالمنطقة، و«التحوط» الحكومي للتعامل مع التأثيرات، وفي رأي الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، «تتركز المخاوف المصرية بالأساس على المصادر الرئيسية للتدفقات الدولارية؛ وهي قناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، والسياحة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحسب الحكومي لحرب ممتدة يعني اعتماد اقتصاد الحرب عبر التحوط لتوفير السلع الأساسية من خلال جهاز (مستقبل مصر)، وضمان إمدادات الطاقة والبحث عن مصادر بديلة للسلع الأساسية وعلى رأسها بدائل للقمحين الروسي والأوكراني».

وسبق أن لوح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024، إلى تعامل الدولة مع ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الحرب»، مشيراً إلى أن «هذا التوجه قد تضطر إليه الحكومة إذا تعرضت المنطقة لحرب إقليمية»، وهو ما أثار جدلاً وتساؤلات في ذلك الحين.

الحكومة المصرية تحاول السيطرة على الأسعار عبر التوسع في طرح السلع المدعمة (وزارة التموين المصرية)

وأكد النحاس أن «استمرار الحرب بالمنطقة سيؤثر مباشرة في التدفقات الدولارية؛ سواء السياحة أو قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج».

وبحسب إفادة لـ«البنك المركزي»، أوائل يوليو (تموز) الماضي، فإن تحويلات المصريين العاملين بالخارج واصلت وتيرتها المتصاعدة، حيث «ارتفعت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى مايو (أيار) 2026، بمعدل 31.2 في المائة لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار، مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق».

وأشار النحاس إلى أن «تصريحات رئيس الوزراء تحمل رسالة إلى المواطنين مفادها أن الحكومة يمكن أن تكون مضطرة إلى خفض الدعم عن بعض الخدمات؛ وفي مقدمتها المحروقات والكهرباء، بسبب تداعيات الحرب الاقتصادية».

وذكر مدبولي أن أسعار الغاز والبترول ارتفعت بسبب الاضطرابات الإقليمية، و«تحملت الدولة خلال السنوات القليلة الماضية فاتورة تلك الاضطرابات»، موضحاً أن «هناك حكومات تمرر الزيادة بالكامل على المواطن، أو تتخذ إجراءات في صورة تحميل جزء على المواطن وتحميل جزء آخر على فاتورة الدين، وهذه هي السياسات ببساطة شديدة، لكننا اخترنا البديل الثاني؛ وهو أن تتحمل الدولة جزءاً من هذه الفاتورة في صورة ديون، وتحمل المواطن الجزء الآخر».

«حرب إيران» تلقي بظلالها على الأسواق المصرية (وزارة التموين المصرية)

ويحمل حديث رئيس الوزراء المصري في خلفياته رسائل سياسية عدة، بحسب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور أيمن عبد الوهاب، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ثمة رسالة للمواطن المصري، بألا يتوقع تراجع موجة الغلاء قريباً؛ وهي رسالة للمكاشفة والمصارحة بشأن تأثيرات الأزمات الإقليمية». وفي رأيه، فإن «طبيعة المرحلة والتحولات الإقليمية تعزز سيناريو عدم الاستقرار بالمنطقة، وهو ما ينعكس على السياسات الاقتصادية لمعظم الدول، ومنها مصر».

وتابع: «يمكن اعتبار التحسب الحكومي للتأثيرات الاقتصادية شكلاً من أشكال إدارة المخاطر، يتطلب الاستعداد لكل السيناريوهات، خصوصاً القطاعات التي تتأثر سريعاً بالتوترات؛ مثل إمدادات الطاقة وتحويلات المصريين بالخارج والسياحة وقناة السويس، لذلك لا بد أن يُؤخذ التحوط الحكومي بجدية».

وأكد عبد الوهاب أن «حديث رئيس الوزراء يتضمن تنبيهاً للرأي العام إلى حجم الضغوط التي يتعرض لها اقتصاد البلاد بسبب التوترات الإقليمية والصعوبات والتحديات التي تواجهها الحكومة، بهدف زيادة الوعي لدى المواطنين بحجم المخاطر».

وتأتي تصريحات رئيس الوزراء المصري في وقت تتجه الحكومة إلى التحول من «الدعم العيني» إلى «النقدي» لحاملي البطاقات التموينية، حيث بدأت وزارة التموين في مايو الماضي، إجراءات لتنقية بطاقات التموين، وحذف غير المستحقين، وهو ما أثار مخاوف من امتداد التأثيرات الاقتصادية للحرب على ملف الدعم.