«الشرق الأوسط» من داخل الخرطوم...سودانيون يُعيدون للحياة نبضها وحيويتها

سلطات العاصمة تبذل جهوداً لاستعادة الخدمات الأساسية في العاصمة السودانية

TT

«الشرق الأوسط» من داخل الخرطوم...سودانيون يُعيدون للحياة نبضها وحيويتها

وسط العاصمة الخرطوم عاد إلى الحياة فيما تبحث السلطات سبل إصلاح المرافق الاستراتيجية (الشرق الأوسط)
وسط العاصمة الخرطوم عاد إلى الحياة فيما تبحث السلطات سبل إصلاح المرافق الاستراتيجية (الشرق الأوسط)

رغم الخسائر والخراب والسماء المُلبدة بغيوم المسيّرات الانتحارية، وتفشي الأوبئة والأمراض ونقص الخدمات الضرورية في الكهرباء والمياه والدواء يعود الآلاف من النازحين إلى العاصمة السودانية الخرطوم، يزيلون الرُّكام والأنقاض ويعيدون تأهيل منازلهم ويفتحون باباً للأمل والتمسك بالأرض ومزاولة حياتهم اليومية بحلوها ومُرها.

في منطقة الكدرو، الضاحية الشمالية لمدينة الخرطوم بحري التي تبعد نحو 18 كيلومتراً عن العاصمة، يقف المواطن الطيب موسى، داخل محله التجاري، الذي أعاد ترميمه وتأهيله بعد فترة نزوح طويلة منذ اندلاع المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني، و«قوات الدعم السريع»، منتصف أبريل (نيسان) 2023.

الطيب موسى تجول نازحاً بين مدن السودان وأكد أن «منزلك المُحطم أفضل من بيوت الإيجار في مدن النزوح» (الشرق الأوسط)

يقول موسى، وهو رجل أربعيني لـ«الشرق الأوسط»: «منذ الطلقة الأولى للحرب نزحت إلى مدن سنار ثم الدمازين (جنوب شرق) نحو العامين، ثم إلى القضارف، وكسلا (شرق)، وعطبرة (شمال). وقبل ثلاثة أشهر رجعت إلى مدينة بحري. كانت فترة صعبة وقاسية». ويضيف: «كافحت طيلة الفترة الماضية من أجل توفير لقمة العيش... النزوح تجربة مريرة، لكننا واجهنا الصعاب بصلابة وروح قتالية». وتابع بالقول: «بعد العودة، نواجه حالياً خطر المسيرات الانتحارية والاستراتيجية، ونقص الكهرباء والمياه والدواء، لكن المنزل حيث نشأنا وترعرعنا حتى لو كان مُحطماً ومدمراً أفضل من بيوت للإيجار في مدن النزوح».

الصبر والعزيمة

بسبب الدانات والرصاص الطائش في الأيام الأولى للحرب، اضطرت المواطنة إيهاب أحمد، إلى ترك منزلها بحي أم بدة بمدينة أم درمان إلى محلية جبل أولياء جنوب العاصمة الخرطوم بحثاً عن الأمن والأمان.

إيهاب أحمد عادت إلى الخرطوم لتبدأ رحلتها الجديدة من الصفر (الشرق الأوسط)

تقول إيهاب في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أدير محلاً صغيراً للطباعة وتصوير المستندات بسوق الشهداء بمدينة أم درمان، لكنني تركته مُجبرة بسبب الحرب وتعرَّض للسرقة والحرق والدمار». وأضافت بالقول: «عندما وصلت المواجهات المسلحة إلى محلية جبل أولياء، غادرنا المنطقة واتجهنا إلى شمال أم درمان مرة أخرى، وعند استيلاء الجيش السوداني على العاصمة الخرطوم، واستباب الأمن، رجعت مرة أخرى إلى متجري، وبدأت من الصفر بشراء ماكينة طباعة واحدة، وواجهت كل الصعوبات والتحديات». وتابعت: «عدنا وسط الخراب والدمار بملء إرادتنا لنشتري حياة جديدة. كل شيء سيئ وصعب للغاية لكن قلوبنا وذكرياتنا هنا».

مواجهة الصعوبات

يقول المواطن عبد الباقي إسماعيل 50 عاماً، الذي يدير محلاً تجارياً للملابس الجاهزة: «في الأشهر الأولى للحرب غادرت الخرطوم ونزحت إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض (جنوب)، لكنني رجعت مؤخراً إلى شارع الدكاترة بمدينة أم درمان لمزاولة نشاطي الذي تعطل بسبب العنف والقتال».

عبد الباقي إسماعيل عاد في مواجهة نقص الخدمات وانهيار المستشفيات وتفشي الأوبئة (الشرق الأوسط)

وأضاف إسماعيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «عملت في مهنة بيع الملابس الجاهزة لأكثر من 30 عاماً. قدرنا أن نستمر في العمل رغم الصعوبات الكبيرة، وأكثر من 20 محلاً تجارياً زاول نشاطه في المنطقة». وتابع: «أكبر مشكلة واجهتنا حالياً تتمثل في نقص الخدمات الضرورية وانهيار المستشفيات والمراكز الصحية وتفشي الأوبئة والأمراض وغلاء الأدوية وارتفاع تكاليف المعيشة».

تقارير دولية

في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قالت «المنظمة الدولية للهجرة» إن ما يُقدَّر بنحو 2.7 مليون شخص من بين أكثر من 3.77 مليون شخص نزحوا من الخرطوم، قد يعودون إليها، رغم ظروف الحياة القاهرة ونقص الخدمات.

باتت الحياة تنبض في العاصمة تدريجياً في محاولة لهزيمة الواقع المرير (الشرق الأوسط)

وفي جميع أنحاء السودان، وفق المنظمة الدولية، سجل تقرير للمنظمة عودة 2.6 مليون شخص إلى مناطقهم الأصلية خلال الفترة نفسها، نصفهم تقريباً من الأطفال. وشمل ذلك أكثر من مليوني شخص من النازحين داخلياً، و523844 من الخارج، معظمهم من مصر وجنوب السودان وليبيا.

تطمينات حكومية

وكشف وزير الشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، عن جهود مبذولة من الحكومة لمواجهة متطلبات الكثافة العالية للعائدين إلى منازلهم وتوفير الخدمات الضرورية من المياه والكهرباء والدواء وبسط الأمن.

 

وزير الشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق فريني متحدثا للصحيفة عن قضايا إعادة تاهيل المرافق (الشرق الأوسط)

وأشار فريني في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى إنشاء نحو 87 مركز إيواء في الخرطوم لاستضافة 15 ألف نازح من ولايات دارفور، و12 ألفاً من ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان والتعامل مع احتياجاتهم ومتطلباتهم بكل مسؤولية.

وأضاف بالقول: «أهم القرارات تمثلت في تكليف عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر رئاسة اللجنة العليا لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، وهذه اللجنة جاءت وفي يدها سلطات واسعة لتلبية متطلبات الحياة للمواطنين في ولاية الخرطوم، وعلى رأسها إعادة محطات المياه والتيار الكهربائي إلى الأحياء المختلفة ونظافة آثار ومخلفات الحرب، وهي بكثافة كبيرة تفوق التي شاهدناها في الأفلام السينمائية».

المسيرات تهدد العائدين

يقول فريني: «الآن هناك استهداف لولاية الخرطوم، كما شهدنا خلال الأسابيع الماضية بالمسيرات العادية والاستراتيجية، لكن رغم ذلك شهدنا عودة المواطنين من الداخل أو الخارج إلى الأحياء والمنازل السكنية»، لافتاً إلى تهيئة المؤسسات الصحية والمراكز الصحية وبث الحياة من جديد في المستشفيات الكبيرة، وتهيئة مطار الخرطوم الدولي والمرافق الاستراتيجية والحيوية.

بعض المتاجر عادت إلى الحياة رغم ما أصابها من دمار (الشرق الأوسط)

ونبَّه فريني إلى أن المنظمات الوطنية والإقليمية والدولية تعمل بتناغم عالٍ في تهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين، وأن الحركة تدب في أوصال العاصمة الخرطوم بمحلياتها المختلفة، والأحياء الشعبية تكتظ بالسكان ومحلية كرري (شمال مدينة أم درمان) لا تكاد تجد فيها منزلاً شاغراً، والإيجارات أصبحت عالية جداً.

ونوّه بأن مراكز التنمية الاجتماعية عادت حالياً لتباشر مهامها في الإسناد النفسي للمتضررين من الحرب، خصوصاً المرأة التي تعرضت لأبشع الانتهاكات.

وأوضح أن «الحرب السودانية مُعقدة جداً ولها أبعاد سياسية وثقافية وعميقة في الأثر النفسي، وجزء كبير من هذه الحرب صُمم على الجانب النفسي، وآثارها النفسية دائماً ما تكون طويلة المدى. والحرب جاءت لتبعد الإنسان عن أرضه واستهداف تاريخه وماضيه وتراثه ومتاحفه ومعارفه التي تكونت عبر قرون وشكّلت ملامح الدولة السودانية لكن تم استهدافها».

متاجر في وسط الخرطوم أصابها الدمار فيما تبحث السلطات ترتيب الأوضاع (الشرق الأوسط)

وأكد فريني أن الأسواق تشهد للمرة الأولى دخول المنتجات الزراعية والحيوانية والبستانية إلى ولاية الخرطوم، والأجهزة الأمنية تعمل على إزالة التحديات.

ومضى بالقول: «التهديد ما زال قائماً من (قوات الدعم السريع)، بمشاركة جهات خارجية، وهذا يعني أننا انتقلنا من تهديد التنمية والاستقرار إلى تهديد الوجود، والآن نحن في مرحلة إعادة ترتيب ملامح الدولة السودانية من جديد».

تأهيل مراكز الخدمات

المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، ذكر أن الأجهزة المُختصة بدأت في الإجراءات الأولية المتعلقة بالنظافة والتطهير ونقل الجثث ومعالجتها، ثم جاءت المرحلة الثانية المتمثلة في نقل الأنقاض من الشوارع وفتحها.

وزير الاعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين (الشرق الأوسط)

وأوضح سعد الدين لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة العليا لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، برئاسة عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، نسقت مع حكومة الولاية وفق الأولويات وعلى رأسها تأهيل محطات الكهرباء والخطوط الناقلة للمحولات الكبيرة والخطوط الناقلة، وأن الأحياء السكنية والمناطق الخدمية استهلكت نحو 15 ألف محول كهربائي تم استيرادها من الخارج.

وكشف سعد الدين عن معالجات كبيرة لتشغيل محطات المياه، وتشغيل الآبار الجوفية عبر منظومة الطاقة الشمسية لتلبية احتياجات المواطنين من المياه الصالحة للشرب.

جانب من مبنى محترق وسط الحطام في مطار الخرطوم تسعى السلطات لإعادته إلى الحياة (رويترز)

وأشار إلى أن المؤسسات الصحية العامة والخاصة تعرضت إلى نهب كبير للأجهزة والمعدات الطبية وتدمير البنية التحتية، لكن وزارة الصحة شرعت في إعادة الخدمة إلى عدد كبير من المستشفيات، والعمل جارٍ لعودة مستشفيات إبراهيم مالك والذرة والشعب في العاصمة الخرطوم، ومستشفى أحمد قاسم المتخصص في القلب والكلى بمدينة بحري الذي يعمل بشكل جزئي، كما أن مستشفى الأطفال يعمل أيضاً، ومستشفى بحري التعليمي سيعود إلى العمل قريباً، وكذلك مستشفى حاج الصافي، ومستشفى أم درمان التعليمي دخل الخدمة، ومستشفى الوالدين للعيون عاد إلى العمل أيضاً.

وأضاف: «هناك جهود كبيرة في مجال البيئة ومكافحة نواقل الأمراض والآثار المترتبة عليها، والآن الوضع الصحي مستقر للغاية وتم دحر حمى الضنك، وقبل أشهر تم دحر الكوليرا. القطاع الصحي بدأ في مرحلة التعافي».

عناصر في الجيش يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم يوم 21 مارس 2025 (أ.ب)

وتابع سعد الدين: «كما بدأ العمل في معالجة الطرق من الحفر وسفلتة بعضها، وجرت إعادة تأهيل للجسور التي تأثرت بالحرب، وقطاع الطرق يحتاج إلى أموال ضخمة جداً، خصوصاً أن ولاية الخرطوم فقدت معظم مواردها».

والولاية تبحث عن حلول أخرى مع اللجنة العليا لإيجاد تمويل للطرق، وهناك لجان أخرى متعلقة بفرض هيبة الدولة وضبط الأمن وإفراغ العاصمة من القوات والتشكيلات المسلحة والدراجات النارية التي كانت تشكل تهديداً أمنياً، بالإضافة إلى انتشار الشرطة وفتح الأقسام والطوافات الأمنية والخلية الأمنية لاستتباب الأمن، وهي جهود كبيرة لتوفير بيئة آمنة لعودة المواطنين ومزاولة نشاطهم».


مقالات ذات صلة

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

شمال افريقيا سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

رغم الجهود المتواصلة لإنهاء الحرب في السودان، فإنها تدخل عامها الرابع دون مؤشرات تدل على وجود أي رغبة من طرفيها الجيش و«الدعم السريع» في التوصل لحل سلمي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

مستشار لترمب: لا ننحاز لأحد في حرب السودان ونركّز على الجانب الإنساني

قال مسعد ​بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية اليوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠في السودان.

«الشرق الأوسط» (برلين - الخرطوم)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.