«الشرق الأوسط» من داخل الخرطوم...سودانيون يُعيدون للحياة نبضها وحيويتها

سلطات العاصمة تبذل جهوداً لاستعادة الخدمات الأساسية في العاصمة السودانية

TT

«الشرق الأوسط» من داخل الخرطوم...سودانيون يُعيدون للحياة نبضها وحيويتها

وسط العاصمة الخرطوم عاد إلى الحياة فيما تبحث السلطات سبل إصلاح المرافق الاستراتيجية (الشرق الأوسط)
وسط العاصمة الخرطوم عاد إلى الحياة فيما تبحث السلطات سبل إصلاح المرافق الاستراتيجية (الشرق الأوسط)

رغم الخسائر والخراب والسماء المُلبدة بغيوم المسيّرات الانتحارية، وتفشي الأوبئة والأمراض ونقص الخدمات الضرورية في الكهرباء والمياه والدواء يعود الآلاف من النازحين إلى العاصمة السودانية الخرطوم، يزيلون الرُّكام والأنقاض ويعيدون تأهيل منازلهم ويفتحون باباً للأمل والتمسك بالأرض ومزاولة حياتهم اليومية بحلوها ومُرها.

في منطقة الكدرو، الضاحية الشمالية لمدينة الخرطوم بحري التي تبعد نحو 18 كيلومتراً عن العاصمة، يقف المواطن الطيب موسى، داخل محله التجاري، الذي أعاد ترميمه وتأهيله بعد فترة نزوح طويلة منذ اندلاع المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني، و«قوات الدعم السريع»، منتصف أبريل (نيسان) 2023.

الطيب موسى تجول نازحاً بين مدن السودان وأكد أن «منزلك المُحطم أفضل من بيوت الإيجار في مدن النزوح» (الشرق الأوسط)

يقول موسى، وهو رجل أربعيني لـ«الشرق الأوسط»: «منذ الطلقة الأولى للحرب نزحت إلى مدن سنار ثم الدمازين (جنوب شرق) نحو العامين، ثم إلى القضارف، وكسلا (شرق)، وعطبرة (شمال). وقبل ثلاثة أشهر رجعت إلى مدينة بحري. كانت فترة صعبة وقاسية». ويضيف: «كافحت طيلة الفترة الماضية من أجل توفير لقمة العيش... النزوح تجربة مريرة، لكننا واجهنا الصعاب بصلابة وروح قتالية». وتابع بالقول: «بعد العودة، نواجه حالياً خطر المسيرات الانتحارية والاستراتيجية، ونقص الكهرباء والمياه والدواء، لكن المنزل حيث نشأنا وترعرعنا حتى لو كان مُحطماً ومدمراً أفضل من بيوت للإيجار في مدن النزوح».

الصبر والعزيمة

بسبب الدانات والرصاص الطائش في الأيام الأولى للحرب، اضطرت المواطنة إيهاب أحمد، إلى ترك منزلها بحي أم بدة بمدينة أم درمان إلى محلية جبل أولياء جنوب العاصمة الخرطوم بحثاً عن الأمن والأمان.

إيهاب أحمد عادت إلى الخرطوم لتبدأ رحلتها الجديدة من الصفر (الشرق الأوسط)

تقول إيهاب في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أدير محلاً صغيراً للطباعة وتصوير المستندات بسوق الشهداء بمدينة أم درمان، لكنني تركته مُجبرة بسبب الحرب وتعرَّض للسرقة والحرق والدمار». وأضافت بالقول: «عندما وصلت المواجهات المسلحة إلى محلية جبل أولياء، غادرنا المنطقة واتجهنا إلى شمال أم درمان مرة أخرى، وعند استيلاء الجيش السوداني على العاصمة الخرطوم، واستباب الأمن، رجعت مرة أخرى إلى متجري، وبدأت من الصفر بشراء ماكينة طباعة واحدة، وواجهت كل الصعوبات والتحديات». وتابعت: «عدنا وسط الخراب والدمار بملء إرادتنا لنشتري حياة جديدة. كل شيء سيئ وصعب للغاية لكن قلوبنا وذكرياتنا هنا».

مواجهة الصعوبات

يقول المواطن عبد الباقي إسماعيل 50 عاماً، الذي يدير محلاً تجارياً للملابس الجاهزة: «في الأشهر الأولى للحرب غادرت الخرطوم ونزحت إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض (جنوب)، لكنني رجعت مؤخراً إلى شارع الدكاترة بمدينة أم درمان لمزاولة نشاطي الذي تعطل بسبب العنف والقتال».

عبد الباقي إسماعيل عاد في مواجهة نقص الخدمات وانهيار المستشفيات وتفشي الأوبئة (الشرق الأوسط)

وأضاف إسماعيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «عملت في مهنة بيع الملابس الجاهزة لأكثر من 30 عاماً. قدرنا أن نستمر في العمل رغم الصعوبات الكبيرة، وأكثر من 20 محلاً تجارياً زاول نشاطه في المنطقة». وتابع: «أكبر مشكلة واجهتنا حالياً تتمثل في نقص الخدمات الضرورية وانهيار المستشفيات والمراكز الصحية وتفشي الأوبئة والأمراض وغلاء الأدوية وارتفاع تكاليف المعيشة».

تقارير دولية

في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قالت «المنظمة الدولية للهجرة» إن ما يُقدَّر بنحو 2.7 مليون شخص من بين أكثر من 3.77 مليون شخص نزحوا من الخرطوم، قد يعودون إليها، رغم ظروف الحياة القاهرة ونقص الخدمات.

باتت الحياة تنبض في العاصمة تدريجياً في محاولة لهزيمة الواقع المرير (الشرق الأوسط)

وفي جميع أنحاء السودان، وفق المنظمة الدولية، سجل تقرير للمنظمة عودة 2.6 مليون شخص إلى مناطقهم الأصلية خلال الفترة نفسها، نصفهم تقريباً من الأطفال. وشمل ذلك أكثر من مليوني شخص من النازحين داخلياً، و523844 من الخارج، معظمهم من مصر وجنوب السودان وليبيا.

تطمينات حكومية

وكشف وزير الشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، عن جهود مبذولة من الحكومة لمواجهة متطلبات الكثافة العالية للعائدين إلى منازلهم وتوفير الخدمات الضرورية من المياه والكهرباء والدواء وبسط الأمن.

 

وزير الشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق فريني متحدثا للصحيفة عن قضايا إعادة تاهيل المرافق (الشرق الأوسط)

وأشار فريني في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى إنشاء نحو 87 مركز إيواء في الخرطوم لاستضافة 15 ألف نازح من ولايات دارفور، و12 ألفاً من ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان والتعامل مع احتياجاتهم ومتطلباتهم بكل مسؤولية.

وأضاف بالقول: «أهم القرارات تمثلت في تكليف عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر رئاسة اللجنة العليا لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، وهذه اللجنة جاءت وفي يدها سلطات واسعة لتلبية متطلبات الحياة للمواطنين في ولاية الخرطوم، وعلى رأسها إعادة محطات المياه والتيار الكهربائي إلى الأحياء المختلفة ونظافة آثار ومخلفات الحرب، وهي بكثافة كبيرة تفوق التي شاهدناها في الأفلام السينمائية».

المسيرات تهدد العائدين

يقول فريني: «الآن هناك استهداف لولاية الخرطوم، كما شهدنا خلال الأسابيع الماضية بالمسيرات العادية والاستراتيجية، لكن رغم ذلك شهدنا عودة المواطنين من الداخل أو الخارج إلى الأحياء والمنازل السكنية»، لافتاً إلى تهيئة المؤسسات الصحية والمراكز الصحية وبث الحياة من جديد في المستشفيات الكبيرة، وتهيئة مطار الخرطوم الدولي والمرافق الاستراتيجية والحيوية.

بعض المتاجر عادت إلى الحياة رغم ما أصابها من دمار (الشرق الأوسط)

ونبَّه فريني إلى أن المنظمات الوطنية والإقليمية والدولية تعمل بتناغم عالٍ في تهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين، وأن الحركة تدب في أوصال العاصمة الخرطوم بمحلياتها المختلفة، والأحياء الشعبية تكتظ بالسكان ومحلية كرري (شمال مدينة أم درمان) لا تكاد تجد فيها منزلاً شاغراً، والإيجارات أصبحت عالية جداً.

ونوّه بأن مراكز التنمية الاجتماعية عادت حالياً لتباشر مهامها في الإسناد النفسي للمتضررين من الحرب، خصوصاً المرأة التي تعرضت لأبشع الانتهاكات.

وأوضح أن «الحرب السودانية مُعقدة جداً ولها أبعاد سياسية وثقافية وعميقة في الأثر النفسي، وجزء كبير من هذه الحرب صُمم على الجانب النفسي، وآثارها النفسية دائماً ما تكون طويلة المدى. والحرب جاءت لتبعد الإنسان عن أرضه واستهداف تاريخه وماضيه وتراثه ومتاحفه ومعارفه التي تكونت عبر قرون وشكّلت ملامح الدولة السودانية لكن تم استهدافها».

متاجر في وسط الخرطوم أصابها الدمار فيما تبحث السلطات ترتيب الأوضاع (الشرق الأوسط)

وأكد فريني أن الأسواق تشهد للمرة الأولى دخول المنتجات الزراعية والحيوانية والبستانية إلى ولاية الخرطوم، والأجهزة الأمنية تعمل على إزالة التحديات.

ومضى بالقول: «التهديد ما زال قائماً من (قوات الدعم السريع)، بمشاركة جهات خارجية، وهذا يعني أننا انتقلنا من تهديد التنمية والاستقرار إلى تهديد الوجود، والآن نحن في مرحلة إعادة ترتيب ملامح الدولة السودانية من جديد».

تأهيل مراكز الخدمات

المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، ذكر أن الأجهزة المُختصة بدأت في الإجراءات الأولية المتعلقة بالنظافة والتطهير ونقل الجثث ومعالجتها، ثم جاءت المرحلة الثانية المتمثلة في نقل الأنقاض من الشوارع وفتحها.

وزير الاعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين (الشرق الأوسط)

وأوضح سعد الدين لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة العليا لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، برئاسة عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، نسقت مع حكومة الولاية وفق الأولويات وعلى رأسها تأهيل محطات الكهرباء والخطوط الناقلة للمحولات الكبيرة والخطوط الناقلة، وأن الأحياء السكنية والمناطق الخدمية استهلكت نحو 15 ألف محول كهربائي تم استيرادها من الخارج.

وكشف سعد الدين عن معالجات كبيرة لتشغيل محطات المياه، وتشغيل الآبار الجوفية عبر منظومة الطاقة الشمسية لتلبية احتياجات المواطنين من المياه الصالحة للشرب.

جانب من مبنى محترق وسط الحطام في مطار الخرطوم تسعى السلطات لإعادته إلى الحياة (رويترز)

وأشار إلى أن المؤسسات الصحية العامة والخاصة تعرضت إلى نهب كبير للأجهزة والمعدات الطبية وتدمير البنية التحتية، لكن وزارة الصحة شرعت في إعادة الخدمة إلى عدد كبير من المستشفيات، والعمل جارٍ لعودة مستشفيات إبراهيم مالك والذرة والشعب في العاصمة الخرطوم، ومستشفى أحمد قاسم المتخصص في القلب والكلى بمدينة بحري الذي يعمل بشكل جزئي، كما أن مستشفى الأطفال يعمل أيضاً، ومستشفى بحري التعليمي سيعود إلى العمل قريباً، وكذلك مستشفى حاج الصافي، ومستشفى أم درمان التعليمي دخل الخدمة، ومستشفى الوالدين للعيون عاد إلى العمل أيضاً.

وأضاف: «هناك جهود كبيرة في مجال البيئة ومكافحة نواقل الأمراض والآثار المترتبة عليها، والآن الوضع الصحي مستقر للغاية وتم دحر حمى الضنك، وقبل أشهر تم دحر الكوليرا. القطاع الصحي بدأ في مرحلة التعافي».

عناصر في الجيش يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم يوم 21 مارس 2025 (أ.ب)

وتابع سعد الدين: «كما بدأ العمل في معالجة الطرق من الحفر وسفلتة بعضها، وجرت إعادة تأهيل للجسور التي تأثرت بالحرب، وقطاع الطرق يحتاج إلى أموال ضخمة جداً، خصوصاً أن ولاية الخرطوم فقدت معظم مواردها».

والولاية تبحث عن حلول أخرى مع اللجنة العليا لإيجاد تمويل للطرق، وهناك لجان أخرى متعلقة بفرض هيبة الدولة وضبط الأمن وإفراغ العاصمة من القوات والتشكيلات المسلحة والدراجات النارية التي كانت تشكل تهديداً أمنياً، بالإضافة إلى انتشار الشرطة وفتح الأقسام والطوافات الأمنية والخلية الأمنية لاستتباب الأمن، وهي جهود كبيرة لتوفير بيئة آمنة لعودة المواطنين ومزاولة نشاطهم».


مقالات ذات صلة

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».