«الشرق الأوسط» من داخل الخرطوم...سودانيون يُعيدون للحياة نبضها وحيويتها

سلطات العاصمة تبذل جهوداً لاستعادة الخدمات الأساسية في العاصمة السودانية

TT

«الشرق الأوسط» من داخل الخرطوم...سودانيون يُعيدون للحياة نبضها وحيويتها

وسط العاصمة الخرطوم عاد إلى الحياة فيما تبحث السلطات سبل إصلاح المرافق الاستراتيجية (الشرق الأوسط)
وسط العاصمة الخرطوم عاد إلى الحياة فيما تبحث السلطات سبل إصلاح المرافق الاستراتيجية (الشرق الأوسط)

رغم الخسائر والخراب والسماء المُلبدة بغيوم المسيّرات الانتحارية، وتفشي الأوبئة والأمراض ونقص الخدمات الضرورية في الكهرباء والمياه والدواء يعود الآلاف من النازحين إلى العاصمة السودانية الخرطوم، يزيلون الرُّكام والأنقاض ويعيدون تأهيل منازلهم ويفتحون باباً للأمل والتمسك بالأرض ومزاولة حياتهم اليومية بحلوها ومُرها.

في منطقة الكدرو، الضاحية الشمالية لمدينة الخرطوم بحري التي تبعد نحو 18 كيلومتراً عن العاصمة، يقف المواطن الطيب موسى، داخل محله التجاري، الذي أعاد ترميمه وتأهيله بعد فترة نزوح طويلة منذ اندلاع المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني، و«قوات الدعم السريع»، منتصف أبريل (نيسان) 2023.

الطيب موسى تجول نازحاً بين مدن السودان وأكد أن «منزلك المُحطم أفضل من بيوت الإيجار في مدن النزوح» (الشرق الأوسط)

يقول موسى، وهو رجل أربعيني لـ«الشرق الأوسط»: «منذ الطلقة الأولى للحرب نزحت إلى مدن سنار ثم الدمازين (جنوب شرق) نحو العامين، ثم إلى القضارف، وكسلا (شرق)، وعطبرة (شمال). وقبل ثلاثة أشهر رجعت إلى مدينة بحري. كانت فترة صعبة وقاسية». ويضيف: «كافحت طيلة الفترة الماضية من أجل توفير لقمة العيش... النزوح تجربة مريرة، لكننا واجهنا الصعاب بصلابة وروح قتالية». وتابع بالقول: «بعد العودة، نواجه حالياً خطر المسيرات الانتحارية والاستراتيجية، ونقص الكهرباء والمياه والدواء، لكن المنزل حيث نشأنا وترعرعنا حتى لو كان مُحطماً ومدمراً أفضل من بيوت للإيجار في مدن النزوح».

الصبر والعزيمة

بسبب الدانات والرصاص الطائش في الأيام الأولى للحرب، اضطرت المواطنة إيهاب أحمد، إلى ترك منزلها بحي أم بدة بمدينة أم درمان إلى محلية جبل أولياء جنوب العاصمة الخرطوم بحثاً عن الأمن والأمان.

إيهاب أحمد عادت إلى الخرطوم لتبدأ رحلتها الجديدة من الصفر (الشرق الأوسط)

تقول إيهاب في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أدير محلاً صغيراً للطباعة وتصوير المستندات بسوق الشهداء بمدينة أم درمان، لكنني تركته مُجبرة بسبب الحرب وتعرَّض للسرقة والحرق والدمار». وأضافت بالقول: «عندما وصلت المواجهات المسلحة إلى محلية جبل أولياء، غادرنا المنطقة واتجهنا إلى شمال أم درمان مرة أخرى، وعند استيلاء الجيش السوداني على العاصمة الخرطوم، واستباب الأمن، رجعت مرة أخرى إلى متجري، وبدأت من الصفر بشراء ماكينة طباعة واحدة، وواجهت كل الصعوبات والتحديات». وتابعت: «عدنا وسط الخراب والدمار بملء إرادتنا لنشتري حياة جديدة. كل شيء سيئ وصعب للغاية لكن قلوبنا وذكرياتنا هنا».

مواجهة الصعوبات

يقول المواطن عبد الباقي إسماعيل 50 عاماً، الذي يدير محلاً تجارياً للملابس الجاهزة: «في الأشهر الأولى للحرب غادرت الخرطوم ونزحت إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض (جنوب)، لكنني رجعت مؤخراً إلى شارع الدكاترة بمدينة أم درمان لمزاولة نشاطي الذي تعطل بسبب العنف والقتال».

عبد الباقي إسماعيل عاد في مواجهة نقص الخدمات وانهيار المستشفيات وتفشي الأوبئة (الشرق الأوسط)

وأضاف إسماعيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «عملت في مهنة بيع الملابس الجاهزة لأكثر من 30 عاماً. قدرنا أن نستمر في العمل رغم الصعوبات الكبيرة، وأكثر من 20 محلاً تجارياً زاول نشاطه في المنطقة». وتابع: «أكبر مشكلة واجهتنا حالياً تتمثل في نقص الخدمات الضرورية وانهيار المستشفيات والمراكز الصحية وتفشي الأوبئة والأمراض وغلاء الأدوية وارتفاع تكاليف المعيشة».

تقارير دولية

في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قالت «المنظمة الدولية للهجرة» إن ما يُقدَّر بنحو 2.7 مليون شخص من بين أكثر من 3.77 مليون شخص نزحوا من الخرطوم، قد يعودون إليها، رغم ظروف الحياة القاهرة ونقص الخدمات.

باتت الحياة تنبض في العاصمة تدريجياً في محاولة لهزيمة الواقع المرير (الشرق الأوسط)

وفي جميع أنحاء السودان، وفق المنظمة الدولية، سجل تقرير للمنظمة عودة 2.6 مليون شخص إلى مناطقهم الأصلية خلال الفترة نفسها، نصفهم تقريباً من الأطفال. وشمل ذلك أكثر من مليوني شخص من النازحين داخلياً، و523844 من الخارج، معظمهم من مصر وجنوب السودان وليبيا.

تطمينات حكومية

وكشف وزير الشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، عن جهود مبذولة من الحكومة لمواجهة متطلبات الكثافة العالية للعائدين إلى منازلهم وتوفير الخدمات الضرورية من المياه والكهرباء والدواء وبسط الأمن.

 

وزير الشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق فريني متحدثا للصحيفة عن قضايا إعادة تاهيل المرافق (الشرق الأوسط)

وأشار فريني في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى إنشاء نحو 87 مركز إيواء في الخرطوم لاستضافة 15 ألف نازح من ولايات دارفور، و12 ألفاً من ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان والتعامل مع احتياجاتهم ومتطلباتهم بكل مسؤولية.

وأضاف بالقول: «أهم القرارات تمثلت في تكليف عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر رئاسة اللجنة العليا لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، وهذه اللجنة جاءت وفي يدها سلطات واسعة لتلبية متطلبات الحياة للمواطنين في ولاية الخرطوم، وعلى رأسها إعادة محطات المياه والتيار الكهربائي إلى الأحياء المختلفة ونظافة آثار ومخلفات الحرب، وهي بكثافة كبيرة تفوق التي شاهدناها في الأفلام السينمائية».

المسيرات تهدد العائدين

يقول فريني: «الآن هناك استهداف لولاية الخرطوم، كما شهدنا خلال الأسابيع الماضية بالمسيرات العادية والاستراتيجية، لكن رغم ذلك شهدنا عودة المواطنين من الداخل أو الخارج إلى الأحياء والمنازل السكنية»، لافتاً إلى تهيئة المؤسسات الصحية والمراكز الصحية وبث الحياة من جديد في المستشفيات الكبيرة، وتهيئة مطار الخرطوم الدولي والمرافق الاستراتيجية والحيوية.

بعض المتاجر عادت إلى الحياة رغم ما أصابها من دمار (الشرق الأوسط)

ونبَّه فريني إلى أن المنظمات الوطنية والإقليمية والدولية تعمل بتناغم عالٍ في تهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين، وأن الحركة تدب في أوصال العاصمة الخرطوم بمحلياتها المختلفة، والأحياء الشعبية تكتظ بالسكان ومحلية كرري (شمال مدينة أم درمان) لا تكاد تجد فيها منزلاً شاغراً، والإيجارات أصبحت عالية جداً.

ونوّه بأن مراكز التنمية الاجتماعية عادت حالياً لتباشر مهامها في الإسناد النفسي للمتضررين من الحرب، خصوصاً المرأة التي تعرضت لأبشع الانتهاكات.

وأوضح أن «الحرب السودانية مُعقدة جداً ولها أبعاد سياسية وثقافية وعميقة في الأثر النفسي، وجزء كبير من هذه الحرب صُمم على الجانب النفسي، وآثارها النفسية دائماً ما تكون طويلة المدى. والحرب جاءت لتبعد الإنسان عن أرضه واستهداف تاريخه وماضيه وتراثه ومتاحفه ومعارفه التي تكونت عبر قرون وشكّلت ملامح الدولة السودانية لكن تم استهدافها».

متاجر في وسط الخرطوم أصابها الدمار فيما تبحث السلطات ترتيب الأوضاع (الشرق الأوسط)

وأكد فريني أن الأسواق تشهد للمرة الأولى دخول المنتجات الزراعية والحيوانية والبستانية إلى ولاية الخرطوم، والأجهزة الأمنية تعمل على إزالة التحديات.

ومضى بالقول: «التهديد ما زال قائماً من (قوات الدعم السريع)، بمشاركة جهات خارجية، وهذا يعني أننا انتقلنا من تهديد التنمية والاستقرار إلى تهديد الوجود، والآن نحن في مرحلة إعادة ترتيب ملامح الدولة السودانية من جديد».

تأهيل مراكز الخدمات

المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، ذكر أن الأجهزة المُختصة بدأت في الإجراءات الأولية المتعلقة بالنظافة والتطهير ونقل الجثث ومعالجتها، ثم جاءت المرحلة الثانية المتمثلة في نقل الأنقاض من الشوارع وفتحها.

وزير الاعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين (الشرق الأوسط)

وأوضح سعد الدين لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة العليا لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، برئاسة عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، نسقت مع حكومة الولاية وفق الأولويات وعلى رأسها تأهيل محطات الكهرباء والخطوط الناقلة للمحولات الكبيرة والخطوط الناقلة، وأن الأحياء السكنية والمناطق الخدمية استهلكت نحو 15 ألف محول كهربائي تم استيرادها من الخارج.

وكشف سعد الدين عن معالجات كبيرة لتشغيل محطات المياه، وتشغيل الآبار الجوفية عبر منظومة الطاقة الشمسية لتلبية احتياجات المواطنين من المياه الصالحة للشرب.

جانب من مبنى محترق وسط الحطام في مطار الخرطوم تسعى السلطات لإعادته إلى الحياة (رويترز)

وأشار إلى أن المؤسسات الصحية العامة والخاصة تعرضت إلى نهب كبير للأجهزة والمعدات الطبية وتدمير البنية التحتية، لكن وزارة الصحة شرعت في إعادة الخدمة إلى عدد كبير من المستشفيات، والعمل جارٍ لعودة مستشفيات إبراهيم مالك والذرة والشعب في العاصمة الخرطوم، ومستشفى أحمد قاسم المتخصص في القلب والكلى بمدينة بحري الذي يعمل بشكل جزئي، كما أن مستشفى الأطفال يعمل أيضاً، ومستشفى بحري التعليمي سيعود إلى العمل قريباً، وكذلك مستشفى حاج الصافي، ومستشفى أم درمان التعليمي دخل الخدمة، ومستشفى الوالدين للعيون عاد إلى العمل أيضاً.

وأضاف: «هناك جهود كبيرة في مجال البيئة ومكافحة نواقل الأمراض والآثار المترتبة عليها، والآن الوضع الصحي مستقر للغاية وتم دحر حمى الضنك، وقبل أشهر تم دحر الكوليرا. القطاع الصحي بدأ في مرحلة التعافي».

عناصر في الجيش يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم يوم 21 مارس 2025 (أ.ب)

وتابع سعد الدين: «كما بدأ العمل في معالجة الطرق من الحفر وسفلتة بعضها، وجرت إعادة تأهيل للجسور التي تأثرت بالحرب، وقطاع الطرق يحتاج إلى أموال ضخمة جداً، خصوصاً أن ولاية الخرطوم فقدت معظم مواردها».

والولاية تبحث عن حلول أخرى مع اللجنة العليا لإيجاد تمويل للطرق، وهناك لجان أخرى متعلقة بفرض هيبة الدولة وضبط الأمن وإفراغ العاصمة من القوات والتشكيلات المسلحة والدراجات النارية التي كانت تشكل تهديداً أمنياً، بالإضافة إلى انتشار الشرطة وفتح الأقسام والطوافات الأمنية والخلية الأمنية لاستتباب الأمن، وهي جهود كبيرة لتوفير بيئة آمنة لعودة المواطنين ومزاولة نشاطهم».


مقالات ذات صلة

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

جانب من المؤتمر الصحافي لوزير الري وبجواره رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في القاهرة مساء الأحد (الشرق الأوسط)

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

كشفت مصر، الأحد، عن موافقتها على بناء سد في جنوب السودان، واعتبرت سد النهضة الإثيوبي «غير شرعي» في ضوء استمرار أديس أبابا في إجراءاتها الأحادية.

محمد محمود (القاهرة )
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

تشديد مصري متكرر على وحدة السودان وسط تعقيدات الحرب

تشديد مصري جديد على أهمية وحدة السودان في محادثات جديدة مع واشنطن

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)

هل يؤثر سد جنوب السودان الجديد على حصة مصر المائية؟

وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أغوك ماكور كور، أكد في تصريحات حديثة عن استعداد بلاده للمضي في ذلك المشروع المعروف باسم «سد فولا».

محمد محمود (القاهرة )
الاقتصاد عمال يكسرون الصخور في منجم للذهب بالقرب من «أبو دليق» في ولاية القضارف بالسودان (رويترز)

شركات التعدين تهدد بوقف إنتاج الذهب في السودان

هدد اتحاد شركات التعدين في السودان بوقف إنتاج الذهب بدءاً من مطلع أكتوبر المقبل احتجاجاً على آلية شراء وتسعير الذهب المطبقة حالياً من قِبل بنك السودان المركزي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
TT

10 قتلى و21 جريحاً في انهيار منجم للذهب بالسودان

تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)
تجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل (أرشيفية - رويترز)

انهار منجم للذهب في شمال السودان، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، وإصابة 21 على الأقلّ، بحسب ما أفاد اثنان من الناجين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الأحد)، عقب عمليات إسعاف في الليل.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

وقد بدأت آبار في منطقة تعدين أوني، شمال السودان، بالقرب من الحدود المصرية، تنهار أمس.

وبحلول صباح اليوم، «تمّ انتشال 10 جثث و21 مصاباً»، بحسب أحد الناجين، الذي كان يعمل في الموقع، وطلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية.

وقال ناجٍ آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب كذلك عدم الإفصاح عن هويته، إن «الحفر يتمّ بالآليات المتوفّرة في المنجم ومن الناس الشغّالين».

وأفاد الناجيان بأن عمليات البحث ما زالت متواصلة، فيما يُخشى العثور على مزيد من الضحايا.

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني، الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم، ما دفع كثيرين إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية، أو في مناجم متوقفة عن العمل.

ويقوم عمّال المناجم بالتنقيب بأيديهم وباستخدام أدوات بدائية مقابل أجور يومية زهيدة.

وداخل المناجم، وكثيرة منها غير مجهّزة، يستخلص العاملون شذرات الذهب من الكتل الصخرية، ما يعرضهم لمواد كيميائية خطرة، مثل السيانيد الذي يتسبب في انتشار الأمراض.

وتتكرّر انهيارات المناجم في أنحاء السودان. وفي مناطق سيطرة الجيش في شمال وشرق البلاد، يتسلل العمّال إلى داخل المناجم المتوقفة عن العمل أملاً في أجور يومية زهيدة.

والأسبوع الماضي، قُتل 82 شخصاً على الأقل، وأصيب العشرات في انهيار منجم في منطقة كردفان.

حتى قبل أن تهدّد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفّر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعدّ السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في 5 أعوام، بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن المسؤولين يقولون إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول في الخليج، ولا سيما الإمارات، ثاني أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي يوليو (تموز)، حظر الاتحاد الأوروبي بيع ونقل وتصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، نظراً لاستخدام هذه المواد في تجارة الذهب غير النظامية.

وحذّرت الأمم المتحدة مراراً من أن طرفي الحرب يحققان مكاسب مالية من السيطرة على موارد البلاد، وأن «اقتصاد الحرب» هو ما يُبقي الصراع مستمراً.


«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
TT

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)
اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

كشف تحرُّك رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، المفاجئ نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن «خلية تخريبية» متهمة باستهداف منشآت حيوية في طرابلس، عن تباين جديد داخل المؤسسات الليبية، في وقت تتمسك فيه وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بالتحقيقات المحلية الراهنة، وتنفي «وجود أي توجُّه للتفاوض بشأن القضية».

وقال المنفي -في بيان مساء السبت- إن ليبيا «تقدمت عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، من خلال وزارة الخارجية وبالتنسيق مع وزارة الدفاع، بطلب إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، للحصول على دعم فني وتقني وقانوني، وتعزيز التعاون في التحقيقات الجارية».

وأشار إلى أن الطلب يستند إلى الإعلان الذي قدمته ليبيا بموجب المادة 12/ 3 من نظام روما، مضيفاً أن «السلطات أبدت استعدادها لتوسيع نطاق التعاون وفقاً للمادة 15، بشأن إحالة الوقائع والمعلومات ذات الصلة».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت في السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري تفكيك «خلية تخريبية» منظمة، تضم 5 عناصر ليبيين وأجانب، تورطت في هجمات بالمُسيَّرات الانتحارية، استهدفت خزانات النفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية. وقالت إن وزارة الدفاع «أحبطت مخططات أخرى كانت على وشك التنفيذ، في مقدمتها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إلى جانب منشآت حيوية وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية».

جانب من مصفاة الزاوية في غرب ليبيا (شركة الزاوية لتكرير النفط)

وبشأن التحقيقات الأولية الجارية مع الخلية، أوضح المنفي أنها أظهرت استهداف خزانات وقود ومحطات كهرباء في إطار «خطة إرهابية موسعة» تستهدف البنية التحتية المدنية، لافتاً إلى أن التقييم القانوني للسلطات الليبية المختصة يعتبر هذه الأفعال -حسب طبيعتها- جرائم قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية»، وهي جرائم تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، وفق نظام روما الأساسي.

تعهُّد بـ«الإفصاح»

وتوجه المنفي، الأحد، إلى مدينة نيويورك الأميركية، في زيارة رسمية تستمر أياماً عدة، للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال قبل سفره إن أجهزة الأمن و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من الحد من هذه العمليات «التخريبية» وإجهاض بعضها؛ مشيراً إلى تورط «عناصر أجنبية يحملون جنسيات دول أعضاء في اتفاقية روما، وليبيين يحملون جنسيات وجوازات سفر أخرى».

ولم يذكر في بيانه ما إذا كانت المحكمة الجنائية الدولية قد قبلت الطلب، أو بدأت أي إجراء بشأنه، كما لم ترُد المحكمة على طلب للتعليق على هذه الخطوة.

في المقابل، قالت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية»: «إن التحقيقات في قضية الخلية التخريبية مستمرة بهدف كشف جميع المتورطين والجهات المرتبطة بها».

وبينما نفت من حيث المبدأ «وجود أي توجه للتفاوض بشأن هذه القضية مع أي طرف كان»، أكدت التزامها بالإفصاح عن نتائج التحقيقات للرأي العام فور استكمالها.

استهداف البنية التحتية

وشهدت العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية في الآونة الأخيرة عمليات استهدفت منشآت نفطية وكهربائية، بينها خزانات وقود ومحطات كهرباء.

وقال المجلس الرئاسي إن العمليات «كانت جزءاً من خطة أوسع تستهدف البنية التحتية المدنية»، وإن الأجهزة الأمنية و«هيئة السلامة الوطنية» تمكنتا من احتواء بعضها، والحيلولة دون وقوع خسائر أكبر.

وحسب مراقبين محليين، يضع تحرك المنفي الملف في إطار القانون الجنائي الدولي، بعدما قال المجلس الرئاسي إن الهجمات على خزانات الوقود ومحطات الكهرباء «قد ترقى -وفق التقييم القانوني للسلطات المختصة- إلى جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، بينما تتعامل وزارة الدفاع مع القضية بوصفها ملفاً أمنياً يخضع للتحقيق الوطني».

ويأتي الإعلان عن التحقيقات والتحرك أمام المحكمة الجنائية الدولية في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقساماً بين مؤسسات ومراكز قوى متنافسة، بما في ذلك استمرار الخلافات حول المسؤوليات الأمنية والقضائية.

تباين المواقف

ولم يتضح بعد ما إذا كان التحرك الذي أعلنه المجلس الرئاسي سيؤدي إلى دور مباشر للمحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات، أو ما إذا كانت السلطات الليبية ستواصل معالجة القضية من خلال أجهزتها الوطنية.

ويتابع الشارع الليبي تطورات المسألة باهتمام بالغ؛ خصوصاً مع تداعيات الهجمات على الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والوقود، وما خلَّفته من مخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية واستقرار المناطق المتضررة.

وبرز الانشغال الشعبي بتطورات ما بات يعرف باسم «خلية طرابلس» على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث عبَّر كثيرون عن مخاوفهم من تكرار استهداف خزانات الوقود ومحطات الكهرباء، معتبرين أن مثل هذه العمليات تمس حياة المواطنين مباشرة، وتفاقم أزمة الخدمات التي يعانون منها أصلاً.

وانقسمت الآراء حول لجوء المجلس الرئاسي إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ فبينما رأى فريق أن الخطوة ضرورية لملاحقة العناصر الأجنبية وضمان عدم الإفلات من العقاب، اعتبر آخرون أنها قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية أو تسييس الملف على حساب التحقيقات الوطنية.

وأثار التباين بين بيان المنفي وموقف الحكومة نقاشاً حول غياب التنسيق بين المؤسسات، وتساؤلات بشأن قدرة الدولة على التعامل الموحد مع التهديدات الأمنية.

وبرزت أصوات تطالب بالشفافية الكاملة ونشر نتائج التحقيقات بسرعة، وأخرى تدعو إلى تجنب تحويل القضية إلى ساحة للصراع السياسي؛ كما ظهرت دعوات متكررة لحماية المنشآت الحيوية وتعزيز الإجراءات الأمنية، مع تحذيرات من أن استمرار الانقسام الرسمي قد يضعف الثقة الشعبية في قدرة المؤسسات على مواجهة مثل هذه الخلايا.


طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
TT

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)
مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)

في إطار تعزيز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت، حققت مصر طفرة في موانئها أخيراً، فضلاً عن تنفيذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط.

وأكد وزير النقل المصري كامل الوزير أن «خطة تطوير النقل البحري تستهدف تحويل الموانئ إلى مراكز لوجستية متكاملة، وتطوير الموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، وإنشاء 5 موانئ جديدة ليصل الإجمالي إلى 19 ميناءً تجارياً».

وقال في إفادة رسمية، الأحد، خلال الاحتفال بـ«اليوم البحري العالمي» الذي أقيم بمدينة الإسكندرية، إن مصر «تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تنموية متكاملة تربط موانئ البحرين الأحمر والمتوسط ومحور قناة السويس بالموانئ الجافة والمناطق الصناعية والزراعية والتعدينية، عبر شبكة السكك الحديدية وشبكة القطار الكهربائي السريع والطرق الحرة والسريعة، بما يسهم في خفض زمن التداول والتكلفة، ويعزز تنافسية الاقتصاد المصري، ويربط مصر بدول الخليج والمشرق العربي وأفريقيا وشمال وشرق ووسط أوروبا وآسيا».

وبدوره، أكد رئيس «هيئة قناة السويس» أسامة ربيع، أن «القناة آمنة وحركة الملاحة بها منتظمة، وخدماتها تعمل بكفاءة، ومرشديها على أعلى مستويات الأداء والجاهزية»، وأشار خلال الاحتفالية، إلى أن «الاضطرابات والمتغيرات التي طرأت على الساحة الدولية بشكل عام، ومجتمع التجارة بشكل خاص برهنت على أهمية قناة السويس في تأمين سلاسل الإمداد العالمية»، ورسخت «مكانتها الرائدة عالمياً». كما أثبتت «بما لا يدع مجالاً للشك، عدم وجود طريق بديل ومستدام لقناة السويس، في ظل ما تتمتع به القناة من أعلى مستويات الأمان والسلامة البحرية».

وزير النقل المصري خلال احتفالية «اليوم البحري العالمي» بالإسكندرية الأحد (هيئة قناة السويس)

خبير النقل الدولي أسامة عقيل، تحدث عن الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «ما شهدته الموانئ المصرية من تطوير حقق أعلى معايير الكفاءة وفق المحددات الدولية، حيث كان معظمها قبل التطوير يعاني من ضعف الإمكانات، ولا تتوافر المعدات التكنولوجية اللازمة من أوناش وغيرها، فضلاً عن زيادة زمن الشحن أو التفريغ، وعدم وجود وسائل نقل خارجية سريعة من شاحنات أو قطارات، وكذا عدم وجود مساحات مخصصة للتخزين»، مؤكداً أن «كل هذه المشكلات تم تجاوزها في خطط التطوير، وأصبحت الموانئ المصرية مؤهلة وفق المعايير العالمية، لتصبح مراكز لوجستية متكاملة تدعم حركة التجارة العالمية».

ويشير عقيل، إلى أن «الطفرة التي حققتها الموانئ المصرية ستجني مزيداً من الثمار بعدما تتوقف حروب المنطقة، فالسلام بالمنطقة سيعزز دور هذه الموانئ أكثر».

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت (هيئة ميناء دمياط)

وأوضح وزير النقل، الأحد، أن «الموانئ المصرية حققت طفرة في 2025، حيث بلغ تداول البضائع 233 مليون طن بزيادة 12 في المائة، وتداول الحاويات 11.1 مليون حاوية بنمو 25 في المائة مقارنة بالعام السابق رغم الظروف الجيوسياسية بالمنطقة».

مدير مركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» أيمن عبد الوهاب، تطرق إلى ما وصفه بـ«الأثر السياسي للطفرة التي حققتها الموانئ المصرية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «بجانب المكاسب الاقتصادية، فإن فاعلية الموانئ المصرية تمنح القاهرة نفوذاً سياسياً كبيراً ومكانةً دوليةً لتصبح فاعلاً في معادلات المستقبل، بما يضيف قوة جديدة إلى ثقلها السياسي والإقليمي الحالي».

وحسب رأي عبد الوهاب، فإن «الصراعات والمواجهات العسكرية الإقليمية والدولية تؤكد أهمية ما تقدمه مصر من بدائل آمنة لحركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، بما يمنحها قوة سياسية تعزز حضورها الحالي في القضايا الدولية والإقليمية كافة».

وخلال إفادته، الأحد، أكد رئيس «هيئة قناة السويس»، أن التقارير الملاحية أظهرت «تحسناً في معدلات الملاحة بالقناة»، حيث شهدت خلال أغسطس (آب) الماضي «عبور 1358 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 68.3 مليون طن»، محققة إيرادات قدرها 567.1 مليون دولار، وذلك في مقابل عبور 1070 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 45.2 مليون طن بإيرادات قدرها 326 مليون دولار خلال أغسطس من العام الماضي، بنسب زيادة قدرها 27 في المائة في أعداد السفن، و51.1 في المائة في الحمولات الصافية، و56.7 في المائة للإيرادات.