ليبيا تواجه تحديات تجارة المخدرات وانتشار شبكات التهريب

اختصاصيون وأكاديميون يحذِّرون من «ازدياد عمليات غسل الأموال»

مواد مخدرة ضُبطت في مدينة القطرون جنوب ليبيا (جهاز مكافحة المخدرات)
مواد مخدرة ضُبطت في مدينة القطرون جنوب ليبيا (جهاز مكافحة المخدرات)
TT

ليبيا تواجه تحديات تجارة المخدرات وانتشار شبكات التهريب

مواد مخدرة ضُبطت في مدينة القطرون جنوب ليبيا (جهاز مكافحة المخدرات)
مواد مخدرة ضُبطت في مدينة القطرون جنوب ليبيا (جهاز مكافحة المخدرات)

أعادت عملية ضبط 250 ألف قرص من عقار «الترامادول» في شرق ليبيا «قبل تهريبها إلى مصر»، إلى الواجهة، النقاش حول استمرار مخاطر تجارة المخدرات، وتغول شبكاتها في البلاد؛ حيث تحوَّلت -حسب اختصاصيين- إلى اقتصاد موازٍ عابر للحدود، تُعَد ليبيا إحدى محطاته الرئيسية.

عناصر من «اللواء 444 قتال» تضبط متهماً بالاتجار في المخدرات (اللواء)

العملية الأمنية التي وصفها خبراء بأنها نوعية، داهم خلالها «جهاز مكافحة المخدرات» في شرق ليبيا، مخزناً في منطقة أمساعد الحدودية مع مصر، كان يُستخدم لتجميع «الأقراص المهلوِسة» تمهيداً لتهريبها، كاشفاً أنها نُفِّذت بناءً على معلومات أمنية دقيقة.

ويُنظَر إلى ضبط هذه الكمية الضخمة من الأقراص على أنه «تحسُّن ملموس في الجهد الاستخباراتي»، وهي رؤية الباحث الليبي المتخصص في شؤون الأمن القومي، فيصل أبو الرايقة، الذي قال إن «حجم الكمية المعدة للتهريب يضع البلاد في حالة إنذار مبكر، ذات ضوء برتقالي»، عادّاً أن تهريب المخدرات «يشكِّل تهديداً مباشراً للأمن القومي، الليبي والمصري على حد سواء».

ويحذِّر أبو الرايقة -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- من أن هذه التجارة «تُدار عبر شبكات متطورة، وجماعات تستثمر الفراغ الأمني ومصادر التمويل غير المشروعة».

وتكشف سلسلة من العمليات خلال الأشهر الأخيرة عن اتساع المسارات والطرق المستخدمة في التهريب، بعد الكشف عن محاولات تهريب مشابهة في ميناء بنغازي، داخل حاوية شحن قادمة من الخارج، وأخرى في سبها أسفرت عن ضبط آلاف «الأقراص المهلوِسة».

ويعتمد المهربون على شبكات لوجستية معقدة، تمتد من ميناءي طبرق وبنغازي شرقاً إلى زوارة والخمس غرباً، ومنها إلى معابر صحراوية غير رسمية نحو مصر وتشاد والسودان؛ حسب «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية».

ويتواكب ذلك مع تطور مستمر في حيل وأساليب التهريب داخل ليبيا؛ حيث لجأت الشبكات إلى وسائل متخفية غير تقليدية، مثل استخدام سيارات إسعاف لأغراض نقل المخدرات وترويجها، وهو ما جرى الكشف عنه، السبت، في طبرق، شرق البلاد.

ويستفيد المهربون من الانقسام السياسي والأمني في ليبيا؛ حيث يتقاسم جهازان مختلفان في الشرق والغرب مهمة مكافحة المخدرات، في ظل غياب تنسيق فعَّال.

شحنة مخدرات ضبطتها السلطات الأمنية في شرق ليبيا (جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية)

ويبرز تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في يونيو (حزيران) الماضي، أن «الانقسام السياسي يؤدي إلى تكرار الجهود وغياب التنسيق الميداني؛ خصوصاً في المناطق الحدودية، مع غياب قاعدة بيانات موحدة لمكافحة هذه الظاهرة»؛ مشيراً إلى أن مساحات شاسعة من الجنوب الليبي والصحراء الكبرى تقع خارج السيطرة الفعلية للدولة.

في المقابل، يبرز الجانب الاقتصادي لشبكات الاتجار بالمخدرات التي تتخذ من ليبيا إحدى محطاتها؛ حيث التشابك العميق مع شبكات غسل الأموال.

ولا توجد تقديرات رسمية موثوقة عن حجم هذا النشاط الإجرامي. ويذهب الخبير الاقتصادي خالد بوزعكوك، رئيس «منتدى بنغازي للتنمية الاقتصادية»، إلى القول إن هذه التجارة تُدر ملايين الدولارات سنوياً، ضمن اقتصاد غير رسمي يتقاطع مع تهريب الوقود والسلاح والبشر.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن أرباح تجارة المخدرات «تُغذي أنشطة غسل الأموال، وتشوه الدورة المالية المشروعة، ما يؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، نتيجة تدفق السيولة الضخمة لدى المهربين الذين يشترون العملة الصعبة من السوق المحلية».

ويشير بوزعكوك إلى أن هذه الظاهرة «تسهم كذلك في ارتفاع معدلات الجريمة وازدياد الإنفاق الأمني، وتراجع الإيرادات العامة، مثل الرسوم الجمركية، فضلاً عن انكماش الاقتصاد المحلي وتدهور الصناعة الوطنية».

وعلى مدار الأسبوع الماضي، تمكنت السلطات من ضبط 28 متهماً في قضايا اتجار في المخدرات وتعاطٍ لها، 18 في غرب ليبيا و10 في شرقها، وضُبطت بحوزتهم كميات من «الحشيش» و«الأقراص المهلوِسة» و«الترامادول»، إلا أن محللين يشيرون إلى أن هذه، تمثل «قدراً ضئيلاً» من حجم النشاط الفعلي لشبكات التهريب في البلاد.

وفي السياق، تكشف نقاشات سياسيين وناشطين ليبيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن قلق من أن نشاط تجارة المخدرات «بدأ يترك آثاراً غير مباشرة على السوق المحلية».

ولا تقتصر التداعيات على الاقتصاد والأمن؛ إذ يرى خبراء اجتماعيون أن «المخدرات باتت تجارة بديلة في مناطق تعاني الفقر والبطالة».

وحسب بلال المسلاتي، الباحث الاجتماعي وعضو هيئة التدريس بـ«جامعة المرقب» الليبية، فإن انتشار عقاقير مثل «الترامادول» واستمرار نشاط شبكات تهريبها، لا يعكسان فقط ازدياد حالات الإدمان محلياً؛ بل «يُظهران أن بعض الشباب يلجأ للانضمام إلى تلك الشبكات هرباً من الضغوط الاقتصادية والأزمات المعيشية، ما يجعلهم عرضة للاستغلال والتحول إلى حلقة في سلسلتها العابرة للحدود».

ويضيف المسلاتي أن تغول هذه التجارة غير المشروعة «يرتد بآثار بالغة الخطورة على المجتمع الليبي؛ إذ تلجأ شرائح مختلفة لتعاطي هذه المواد كوسيلة للهروب من الواقع الاقتصادي الصعب. وتترافق هذه الظاهرة مع ارتفاع معدلات الجريمة بكافة أشكالها».

ومع تصاعد نشاط الشبكات العابرة للحدود، لا يجد فيصل أبو الرايقة خياراً سوى «ضرورة تجفيف المنابع المالية لهذه الأنشطة المحرَّمة، عبر تكثيف تتبع الحسابات المصرفية، وتعزيز الجهود الاستخباراتية، إلى جانب تشديد الرقابة على الحدود، وتفعيل آليات التعاون الإقليمي لمواجهة هذا التحدي السيادي الخطير».

وبينما يرى مراقبون أن ضبط ربع مليون قرص «خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح»، فإن استمرار الانقسام وغياب استراتيجية وطنية موحدة قد يجعل من هذه النجاحات «إنذارات متكررة في حرب طويلة ضد اقتصاد يزداد تغولاً».


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا الميليشياوي أحمد الدباشي (العمو) (حسابات ليبية موثوثة)

ليبيا: اشتباكات واسعة في صبراتة تنهي أسطورة «العمو»

طوت ليبيا صفحة أسطورة الميليشياوي أحمد الدباشي، المعروف بـ«العمو»، والمطلوب دولياً في قضايا اتجار بالبشر والمخدرات، بعد إعلان مقتله إثر اشتباكات واسعة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من زيارة وفد عسكري بحكومة «الوحدة» الليبية لمؤسسات تعليمية عسكرية عليا ومتوسطة بالجيش البريطاني (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

«الوحدة» الليبية تبحث مع بريطانيا تعزيز قدرات قواتها القتالية

التقى وفد عسكري بحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، قيادات مسؤولة عن مؤسسات تعليمية عليا ومتوسطة بالجيش البريطاني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا النائب العام الصديق الصور (مكتب النائب)

تزوير «الأوراق الوطنية»... تهديد مباشر للأمن القومي في ليبيا

يتابع الليبيون بقلق كبير ما ستكشفه تحقيقات النيابة العامة حول توسع عمليات التزوير داخل منظومة السجل المدني.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة يستعرض رؤيته لأسباب ما يعانيه بلده خلال «منتدى طرابلس للاتصال الحكومي» (الشرق الأوسط)

الدبيبة يتهم نظام القذافي بإهدار أموال ليبيا على «الوحدة العربية»

دافع رئيس «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة عن حكومته، في مواجهة الأزمات التي تعاني منها قطاعات واسعة من الشعب.

جمال جوهر (القاهرة)

محكمة تونسية تقضي بسجن عبير موسي 12 عاماً

عبير موسي (موقع الحزب)
عبير موسي (موقع الحزب)
TT

محكمة تونسية تقضي بسجن عبير موسي 12 عاماً

عبير موسي (موقع الحزب)
عبير موسي (موقع الحزب)

قال المحامي نافع العريبي، لوكالة «رويترز» للأنباء، إن محكمة تونسية قضت، اليوم الجمعة، بسجن موكلته المعارِضة البارزة عبير موسي 12 عاماً، في خطوةٍ تقول منظمات حقوقية إنها أحدث تحرك لترسيخ الحكم الفردي للرئيس قيس سعيّد، واستخدام القضاء لسحق معارضيه. وأضاف العريبي، لـ«رويترز»: «هذا الحكم ظالم، وهو ليس قراراً قضائياً، بل قرار بتعليمات سياسية... هو حكم سياسي». وتقبع موسي، زعيمة الحزب الدستوري الحر في السجن منذ عام 2023، بعد أن اعتقلتها الشرطة عند مدخل القصر الرئاسي بتهمة الاعتداء بهدف إثارة الفوضى، في حين يرى منتقدون أن ذلك كان جزءاً من حملة قمع واسعة ضد قادة المعارضة البارزين.

وتولت عبير موسي، وهي محامية وسياسية تونسية، في أغسطس (آب) 2016، رئاسة الحزب الدستوري الحر، وأصبحت محامية في نقابة المحامين في محكمة التعقيب، وهي أيضاً نائبة رئيس بلدية أريانة، ورئيسة لجنة التقاضي وعضو في المنتدى الوطني للمحامين في التجمع الدستوري الديمقراطي، والأمينة العامة للجمعية التونسية لضحايا الإرهاب.

وفي 12 يناير (كانون الثاني) 2010، جرى تعيينها نائبة للأمين العام للمرأة في التجمع الدستوري الديمقراطي. وبعد سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي وحلّ التجمع الدستوري الديمقراطي في عام 2011، والذي عارضته بصفتها محامية، انضمت موسي إلى الحركة الدستورية التي أسسها رئيس الوزراء السابق حامد القروي. وفي 13 أغسطس 2016، جرى تعيينها رئيساً للحركة الدستورية، التي سُميت لاحقاً باسم الحزب الدستوري الحر.

وتُعد موسي سليلة نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، الذي أطاحت به الثورة في عام 2011، حيث شغلت عدة مناصب داخل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنحلّ، آخِرها في يناير 2010 حين تقلدت منصب نائبة الأمين العام للحزب لشؤون المرأة. وقد اشتهرت بكونها تُكن العداء والكره الشديدين للجماعات الإسلامية، وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين التي تصفها بالجماعة «الإرهابية»، كما باركت الإطاحة بحكم الجماعة عام 2013 في مصر، وأكدت أن «إسقاط المصريين جماعة الإخوان شكّل ضربة قوية ومُوجعة لتنظيمهم الدولي». كما ترفض موسي أي شكل من أشكال الحوار مع حركة النهضة التونسية، التي تتهمها بأنها «فرع للتنظيم الدولي للإخوان في تونس».


محادثات «مصرية - فرنسية» تتناول تطورات الأوضاع في «الضفة» والسودان

السيسي وماكرون خلال لقاء جرحى فلسطينيين في أبريل الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي وماكرون خلال لقاء جرحى فلسطينيين في أبريل الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

محادثات «مصرية - فرنسية» تتناول تطورات الأوضاع في «الضفة» والسودان

السيسي وماكرون خلال لقاء جرحى فلسطينيين في أبريل الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي وماكرون خلال لقاء جرحى فلسطينيين في أبريل الماضي (الرئاسة المصرية)

تناولت محادثات «مصرية - فرنسية» «الحرب في غزة» والمستجدات في الضفة الغربية، والسودان. وتلقّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مساء الجمعة، اتصالاً هاتفياً من الرئيس إيمانويل ماكرون؛ حيث بحثا تطورات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، فإن الرئيس السيسي أعرب عن تقديره العميق لما تشهده العلاقات الثنائية بين مصر وفرنسا من تطور نوعي، خصوصاً عقب الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى القاهرة في أبريل (نيسان) 2025، وهو ما انعكس إيجاباً على تنامي التعاون بين البلدين في مختلف المجالات.

وأوضح المتحدث الرئاسي أن الرئيسين بحثا سُبل مواصلة دفع العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، عبر تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، وزيادة حجم التبادل التجاري الذي شهد تقدماً ملموساً خلال الأشهر الماضية، فضلاً عن التعاون في قطاعات الصناعة والسياحة والنقل.

وتناول الاتصال مستجدات الأوضاع الإقليمية، وفي مقدمتها قطاع غزة؛ حيث أعرب السيسي عن تقدير مصر الدعم الفرنسي للجهود المصرية التي أفضت للتوصل إلى اتفاق وقف الحرب، مؤكداً «ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، والانتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام». وشدّد على أهمية تعزيز إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، والبدء الفوري في مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

وأعرب ماكرون عن تقديره الدور المحوري الذي تضطلع به مصر في تحقيق الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في تثبيت اتفاق وقف الحرب في غزة.

وكان الرئيس المصري ونظيره الفرنسي قد أكدا خلال زيارة مدينة العريش المصرية في أبريل الماضي «ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، وأهمية العمل على الإسراع في نفاذ المساعدات الإنسانية، وضمان حماية المدنيين وعمال الإغاثة». وشددا على «رفضهما القاطع لأي محاولات تستهدف تهجير الفلسطينيين من أرضهم». وزار السيسي وماكرون حينها مستشفى العريش، والتقيا عدداً من الجرحى الفلسطينيين.

وحسب متحدث الرئاسة المصرية، تطرّق الاتصال الهاتفي بين السيسي وماكرون، مساء الجمعة، إلى تطورات الأوضاع في الضفة الغربية؛ حيث أكد الرئيس السيسي رفض مصر القاطع للانتهاكات الإسرائيلية، مشدداً على ضرورة دعم الشعب الفلسطيني وزيادة الضغط الدولي لوقف هذه الانتهاكات، ودعم السلطة الفلسطينية في الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها.

واتفق الرئيسان على أن الجهود الراهنة يجب أن تفضي إلى إطلاق عملية سياسية شاملة تؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وفيما يتعلّق بالشأن السوداني، أكد الرئيس السيسي دعم مصر الكامل لوحدة وسيادة السودان وسلامة أراضيه، ورفضها أي محاولات تُهدد أمنه، معرباً عن مساندة مصر جهود إنهاء الحرب واستعادة السلم والاستقرار في السودان الشقيق.


هل اقتربت صفقة الغاز المصرية - الإسرائيلية من التوقيع؟

جانب من حقل «ظهر» للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)
جانب من حقل «ظهر» للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)
TT

هل اقتربت صفقة الغاز المصرية - الإسرائيلية من التوقيع؟

جانب من حقل «ظهر» للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)
جانب من حقل «ظهر» للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)

تغيرت مؤشرات «صفقة الغاز» بين مصر وإسرائيل من التجميد والإلغاء، إلى احتمالات متسارعة نحو اتجاه الحكومة الإسرائيلية لاعتمادها بشكل نهائي خلال الأيام المقبلة، وهو ما تحدث عنه الإعلام العبري في كثير من التقارير أخيراً، ما يطرح تساؤلات حول اقتراب دخول الصفقة حيز التنفيذ خلال الأيام القليلة المقبلة.

وتوقع برلمانيون وخبراء أن «تتجه الحكومة الإسرائيلية لتسريع اتفاق تصدير الغاز مع مصر لأهداف اقتصادية»، إلى جانب «توظيف الاتفاق سياسياً بوصفه ورقة تستخدمها في الترتيبات الخاصة بالأوضاع في قطاع غزة، وتنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام».

وقالت صحيفة «غلوبس» الإسرائيلية إن «اتفاقاً نهائياً جرى التوصل إليه بين شركات حقل (ليفياثان)، ووزارة الطاقة الإسرائيلية، يمهد تصدير 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر».

وتحدثت الصحيفة أخيراً عن «تفاهمات حاسمة» بين الشركات المسؤولة عن تنمية حقل «ليفياثان»، ومنها «شيفرون»، و«نيوميد إنرجي»، ومسؤولي وزارة الطاقة الإسرائيلية، تضمن «توفير سعر مضمون للسوق المحلية من الغاز، ومنح الأولوية للداخل حال حدوث أي أعطال في حقول أخرى».

يأتي ذلك في وقت رجحت فيه وسائل إعلام إسرائيلية أخيراً، إتمام «صفقة الغاز» مع مصر خلال الأيام المقبلة، وأشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الثلاثاء، إلى أن الصفقة «ذات أهمية خاصة لإسرائيل من الناحيتين السياسية والأمنية».

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت شركة «شيفرون» الأميركية أنها وقّعت اتفاقاً مع شركة تشغيل خطوط الأنابيب المملوكة للدولة في إسرائيل، لبدء مدّ خط أنابيب «نيتسانا» للغاز الطبيعي، الذي سينقل الغاز من حقل «ليفياثان» إلى مصر، في إطار صفقة قيمتها 35 مليار دولار.

وترتبط القاهرة وتل أبيب باتفاقيات تعاون في مجال الغاز منذ سنوات، منذ أن وقعت مصر اتفاقية للتصدير إلى إسرائيل عبر خط أنابيب العريش - عسقلان عام 2005، لكن العمليات توقفت عام 2012 بعد هجمات متكررة على الخط في سيناء.

رئيس «لجنة الطاقة والبيئة والقوى العاملة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية من البرلمان)، أسامة كمال، يعتقد أن «الحكومة الإسرائيلية تستهدف تسريع اتفاق تصدير الغاز مع الجانب المصري خلال الفترة المقبلة»، وقال إن «الصفقة يستفيد منها الطرفان (المصري والإسرائيلي)، لذلك من المتوقع استكمال إجراءاتها قريباً».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتفاق اقتصادي بالأساس، بين الشركات المشرفة على تنمية حقل (ليفياثان)، مع الجانب المصري، للاستفادة من عوائد تصديره»، وقال إن «امتلاك مصر محطات إسالة، يجعلها السبيل الوحيدة لتصدير الغاز الإسرائيلي للخارج». ولفت إلى أن «الغاز الإسرائيلي يحقق ميزة تنافسية بالنسبة للحكومة المصرية، بعدّه الأرخص اقتصادياً، بالمقارنة بأسعار الغاز المستورد من جهات أجنبية أخرى».

الرئيس المصري خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2017 (رويترز)

ويُشكل العامل «الجغرافي» والحدود المشتركة بين الطرفين، ميزة تنافسية لاتفاقيات الغاز بين مصر وإسرائيل عن غيرها من اتفاقيات التعاون، وقال وزير البترول المصري، كريم بدوي، في تصريحات صحافية، خلال سبتمبر الماضي، إن «الغاز الإسرائيلي أرخص من الغاز المستورد من مناطق أخرى».

ووفق رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، فإن «هناك بعداً استراتيجياً في إتمام صفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر»، مشيراً إلى أن «الاتفاق له أهمية سياسية».

ويتفق في ذلك، أستاذ هندسة الطاقة بالجامعة الأميركية بمصر، جمال القليوبي، وقال إن «رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يريد التعجيل بالاتفاق قبل زيارته واشنطن، بوصفه ورقة سياسية يستخدمها في الترتيبات الخاصة بالأوضاع في قطاع غزة، وتنفيذ خطة الرئيس الأميركي للسلام»، إلى جانب «تحقيق عوائد اقتصادية لتل أبيب، في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تواجهها بسبب تعدد جبهات الصراع التي تخوضها بالمنطقة».

وأشارت صحيفة «غلوبس» الإسرائيلية أخيراً، إلى أن نتنياهو «يسارع في إقرار صفقة الغاز مع مصر، قبل اجتماعه المرتقب مع الرئيس الأميركي في 29 ديسمبر (كانون الأول) الحالي».

القليوبي أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «العائد الاقتصادي، هو المحرك الأساسي لصفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر»، وقال إن «شركة (شيفرون) الأميركية تريد تصدير كميات من الغاز الإسرائيلي في الحقول التي تتولى تنميتها، بما يساعدها في استكمال مشروعات تطوير مصادر الطاقة والغاز في إسرائيل»، مضيفاً أنه «لا سبيل لتصدير الغاز الإسرائيلي؛ إلا من خلال الجانب المصري، الذي يمتلك محطات إسالة قادرة على نقله إلى الخارج».

وبعيداً عن التباينات السياسية بين القاهرة وتل أبيب، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، طارق فهمي، أن التعاون بين الجانبين في مجال الغاز «ضرورة استراتيجية»، مشيراً إلى أن «مجال الطاقة به جوانب إفادة كثيرة ومكاسب للطرفين».

ووفق فهمي، «لم يتوقف التعاون المصري - الإسرائيلي في بعض الملفات؛ ومن بينها ملف الطاقة والغاز»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك مصلحة لدى مصر لاستمرار التعاون مع إسرائيل في ملف الغاز لاعتبارات سياسية واقتصادية».

ووصل إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى ذروته بنحو 7.2 مليار قدم مكعبة يومياً عام 2021، بحسب إحصاءات وزارة البترول المصرية، قبل أن يتراجع إلى نحو 5.6 مليار قدم مكعبة في منتصف 2024، مما أدى إلى انكماش الفائض القابل للتصدير، ودفع القاهرة للتحول إلى استيراد كميات من الغاز لتلبية الاحتياج المحلي.