الجزائر تسعى إلى تحسين وضعها الدولي في «مكافحة غسل الأموال» ​

أعلنت عن إجراءات للرقمنة وإنهاء استعمال النقود بالمعاملات التجارية

اجتماع حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (وزارة العدل)
اجتماع حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (وزارة العدل)
TT

الجزائر تسعى إلى تحسين وضعها الدولي في «مكافحة غسل الأموال» ​

اجتماع حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (وزارة العدل)
اجتماع حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (وزارة العدل)

في إطار خطة شاملة تهدف إلى تحسين وضعها الدولي في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أعلنت الجزائر عن إجراءات لتعزيز النظام الرقمي، وإنهاء استعمال النقود الورقية في المعاملة التجارية. ويعمل البنك المركزي (بنك الجزائر) على تسريع وتيرة التحضيرات، لضمان جاهزية البنوك والمؤسسات المالية للانتقال إلى نظام رقمي متكامل يُمهّد الطريق نحو التحرر التدريجي من الاقتصاد غير المهيكل، ويسهم في دعم جهود الجزائر للخروج من «القائمة الرمادية» للدول الأقل انخراطاً في مكافحة التدفقات المالية غير المشروعة، وفق ما جاء في تصريحات لمحافظ البنك المركزي صلاح الدين طالب، نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية، السبت.

البنك المركزي يبدي تفاؤلاً بالخروج من القائمة الرمادية قريباً

وفي غضون ثلاث سنوات، يُتوقع أن تعلن الجزائر رسمياً نهاية استعمال النقود الورقية في المعاملات التجارية، والانتقال إلى نموذج «صفر نقدي»، حسب طالب الذي أشار إلى أن «القانون النقدي والمصرفي» الجديد يتضمن «تعهداً واضحاً بتسريع عملية تحديث النظام المصرفي الوطني ورقمنته وتحويله إلى نظام رقمي، خصوصاً من خلال تأسيس اللجنة الوطنية للدفع، التي وضعت استراتيجية وطنية تهدف إلى الوصول إلى معاملات خالية من النقود الورقية بحلول عام 2028».

اقتصاد غير رسمي ضخم

يقول خبير الاقتصاد أحمد الحيدوسي، إن مشروع الحكومة، بإلغاء استخدام السيولة النقدية، «يمثل ثورة حقيقية في بلد تُقدر فيه قيمة الاقتصاد غير الرسمي ما بين 50 و60 مليار دولار، ولا تزال فيه المعاملات النقدية مهيمنة في كثير من القطاعات مثل التوزيع، والتجارة والزراعة». وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد صرّح يوم 28 سبتمبر (أيلول) 2021 بأن الأموال المتداوَلة في السوق الموازية الجزائرية تُقدر بـ90 مليار دولار.

محافظ «بنك الجزائر» صلاح الدين طالب (البنك)

وأكد صلاح الدين طالب أن بنك الجزائر «اتخذ تدابير عدة لتسريع تطوير وسائل الدفع الرقمية، ومكافحة هيمنة التعاملات النقدية». وأشار إلى توقيع وإصدار عدة نصوص تنظيمية تهدف إلى تحفيز رقمنة وسائل الدفع، من بينها: النص الذي يحدد شروط الترخيص لتأسيس واعتماد ومزاولة أنشطة مقدمي خدمات الدفع، متضمناً المبادئ العامة للتأسيس والاعتماد، والنص الذي ينظم قواعد ممارسة وعمل مقدمي خدمات الدفع، إضافة إلى نصوص أخرى تتعلق بشروط تأسيس ومزاولة نشاط البنوك الرقمية، وتنظيمها.

وزير المالية الجزائري عبد الكريم بوالزرد (وزارة الوزارة)

تفاؤل رسمي

وبحكم أن النقد في المعاملات وسيلة شائعة في عمليات غسل الأموال، تناول محافظ «بنك الجزائر» في تصريحاته، الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بهدف إبعاد الجزائر من «القائمة الرمادية» لـ«مجموعة العمل المالي» المعروفة اختصاراً بـ«جافي»، وهي هيئة دولية تضع معايير لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تأسست عام 1989 بمبادرة من «مجموعة الـ7».

وأعرب صلاح الدين طالب عن تفاؤله بشأن هذا الملف، قائلاً: «الجهود التي بذلتها الجزائر حظيت بإشادة من المقررين التابعين لفريق العمل المالي المشترك، وهو ما يعد اعترافاً بالتقدم المحرز، ومؤشراً إيجابياً يوحي بقرب خروج بلادنا من قائمة الدول الخاضعة للرقابة المشددة من طرف جافي».

رجال أعمال في السجن بتهمة غسل الأموال (الشرق الأوسط)

تصنيف أوروبي

وفي يوليو (تموز) الماضي، أقر البرلمان الأوروبي، بأغلبية كبيرة، إدراج الجزائر ضمن قائمة الدول عالية الخطورة في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وبمقتضى هذا القرار، ستصبح جميع التعاملات المالية مع الكيانات الجزائرية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي تحت المجهر والتدقيق المُشدَّد. ويمثل هذا التصنيف، وفقاً لمراقبين، نقطة تحول جديدة في العلاقة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، حيث شدّد المشرعون الأوروبيون على وجود «ثغرات عميقة في نظام الجزائر لمكافحة الجرائم المالية»، خصوصاً في ضعف متابعة رؤوس الأموال وقلة الرقابة على الجمعيات الأهلية، بالإضافة إلى قصور التعاون القضائي الدولي.

ورحبت النائبة الأوروبية لورانس تروشو، من مجموعة المحافظين والإصلاحيين، بهذا القرار، واصفة إياه عبر منصة «إكس» بأنه «خبر سار». ويُلزم هذا القرار، بعد دخوله طور التنفيذ، المؤسسات المالية الأوروبية بتطبيق مجموعة من الإجراءات المشددة في تعاملاتها مع الأطراف الجزائرية. وتشمل هذه الإجراءات تطبيق «تدابير يقظة قصوى»، وفرض رصد دقيق لمصادر الأموال وحركتها، وكذلك إخضاع التحويلات والتعاملات المالية لضوابط إضافية، وفقاً لما ذكرته وسائل إعلام فرنسية.

وبحسب الإعلام الفرنسي، يسعى الاتحاد الأوروبي من خلال هذا التصنيف إلى تقليص مخاطر تمويل الأنشطة الممنوعة، والارتقاء بمستوى الشفافية في المعاملات مع الدول المُدرجة. وتشمل المراجعة الأخيرة التي نشرتها المفوضية الأوروبية لـ«قائمة الدول عالية المخاطر» حوالي 20 دولة. وقد أضاف التحديث الأخير كلاً من الجزائر، ولبنان، وأنغولا، وكوت ديفوار، وكينيا، ولاوس، وموناكو، وناميبيا، ونيبال، وفنزويلا. وفي المقابل، تم حذف بعض الدول من القائمة بعد إحرازها تقدماً ملحوظاً في إصلاح أنظمتها الرقابية.

وإثر صدور التقييم الأوروبي، تعهد وزير المالية الجزائري، عبد الكريم بوالزرد، في رده على سؤال برلماني حول هذا التصنيف السلبي، برفع «تقرير شامل» إلى مجموعة العمل المالي (GAFI)، يتضمن عرضاً مفصلاً عن الإصلاحات والإجراءات التي باشرتها الجزائر في إطار مكافحة تدفقات الأموال غير المشروعة ومخاطر تمويل الإرهاب.

وأوضح أن التقرير سيغطي الفترة الممتدة من 2024 إلى 2026، ويتناول الجهود القانونية والتنظيمية والرقابية المبذولة لتعزيز شفافية النظام المالي، ورفع مستوى التزام الجزائر بالمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.



حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».