«غضب حقوقي» بعد أحكام وصلت إلى 66 عاماً للمتهمين بـ«التآمر على تونس»

الشواشي عدّها «جائرة وانتقامية لبث التخويف وإخماد أصوات المعارضين»

جانب من وقفة احتجاجية نظمتها أحزاب المعارضة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسط العاصمة (رويترز)
جانب من وقفة احتجاجية نظمتها أحزاب المعارضة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسط العاصمة (رويترز)
TT

«غضب حقوقي» بعد أحكام وصلت إلى 66 عاماً للمتهمين بـ«التآمر على تونس»

جانب من وقفة احتجاجية نظمتها أحزاب المعارضة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسط العاصمة (رويترز)
جانب من وقفة احتجاجية نظمتها أحزاب المعارضة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسط العاصمة (رويترز)

بعد محاكمة غير مسبوقة في تونس، حكمت المحكمة الابتدائية بالسجن النافذ ما بين 13 و66 عاماً على نحو 40 متّهماً، بينهم وجوه من المعارضة، لإدانتهم بـ«التآمر على أمن الدولة»، وفق ما أفادت وسائل إعلام، السبت، ومحامٍ لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». لكن هذه الأحكام القاسية تسببت في غضب حقوقي، وانتقاد شديد لأحكام القضاء الذي عدّه ناشطون «مسخراً وغير نزيه».

أحمد نجيب الشابي أحد المتّهمين الذين بقوا في حالة سراح خلال المحاكمة (رويترز)

وأدين المتّهمون بدرجات متفاوتة بتهم، أبرزها «التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي»، و«تكوين وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية والانضمام إليه»، وفق ما قال المساعد الأول لوكيل الدولة في القطب القضائي لمكافحة الإرهاب لوسائل إعلام، من دون تقديم مزيد من التفاصيل. ومن بين المحكوم عليهم شخصيات بارزة من المعارضة، ومحامون ورجال أعمال، منهم مَن يقبع خلف القضبان منذ سنتين، في حين بقي آخرون في حال سراح، واختار البعض المنفى.

راشد الغنوشي أحد المتهمين في ملف «التآمر على أمن تونس» (أ.ب)

وحُكم بالسجن 18 عاماً على كلٍّ من زعيم الحزب «الجمهوري» (الاشتراكي الديمقراطي) عصام الشابي، وأحد مؤسسي «جبهة الخلاص الوطني»، وهي أكبر ائتلاف معارض في البلد، جوهر بن مبارك، والوزير السابق غازي الشواشي من «التيار الديمقراطي» (الوسطي)، والمحامي رضا بالحاج، والناشطة الحقوقية شيماء عيسى، على ما كشف المحامي عبد الستار المسعودي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

أما الزعيم السابق لحزب «التكتّل» (الاشتراكي الديمقراطي) خيام التركي، فقد حُكم عليه بالسجن 48 عاماً، في حين صدر أقسى حكم بالسجن 66 عاماً في حقّ رجل الأعمال واسع النفوذ، كمال اللطيف، حسب المسعودي الذي تولَّى الدفاع عن متّهمين اثنين.

ويوم الجمعة، انعقدت الجلسة الثالثة والأخيرة من هذه المحاكمة، التي لم يشهد البلد مثلها من حيث عدد المتّهمين والتهم الرئيسية الموجّهة إليهم، وسط حضور أمني كثيف وفي غياب الصحافة الدولية، التي مُنع مراسلوها، وكذلك الدبلوماسيون الأجانب، من دخول قاعة المحكمة، رغم السماح لهم بحضور الجلستين السابقتين.

وعَدّ القضاء أن بعض المتّهمين أقاموا اتصالات مشبوهة بدول أجنبية، خصوصاً عبر دبلوماسيين. واعترض المحامون أمام القاضي بعد تلاوته لائحة الاتهام وطرحها للمداولة، من دون أيّ مرافعات من جانب الدفاع.

المحامية دليلة بن مبارك ترفع شارة النصر خارج المحكمة (أ.ف.ب)

وقالت المحامية سامية عبّو إن «السلطة تريد صدور الحكم اليوم»، في حين أن هناك «انتهاكاً صارخاً للإجراءات القانونية»، إذ «لم يتم الاستماع إلى المتّهمين»، واصفة الأمر بـ«المهزلة». ومن جهته، قال المحامي سمير ديلو: «وصلنا إلى حدّ الجنون القضائي».

«اغتيال قضائي»

رأت المحامية هيفاء الشابي، ابنة السياسي أحمد نجيب الشابي، أحد المتّهمين الذين بقوا في حالة سراح خلال المحاكمة، أن «الحكم حُضّر مسبقاً وهو غير مفاجئ». وقالت في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أنا حزينة على وضع القضاء في تونس وحالة الحرّيات»، من دون تقديم معلومات عن الحكم الذي صدر في حقّ والدها.

بدوره، علّق الناشط الحقوقي كمال الجندوبي، الذي أدين غيابياً في هذه القضيّة بعدما فرّ إلى الخارج، قائلاً إن هذا «ليس حكماً قضائياً، بل هو اغتيال قضائي. ليست هذه عدالة، بل أوامر سياسية نفَّذها قضاة خاضعون، ووكلاء جمهورية متواطئون، ووزيرة العدل». مشدّداً على أن «هذه المحاكمة إهانة للعقل، وصفعة في وجه القانون. ولتكملة هذه المهزلة الدموية، عقدت جلسة عن بُعد، مغلقة رقمياً. محاكمة جرت من خلف الشاشات، من دون حضور المتهمين، بل حتى أحياناً من دون علمهم أو إخطارهم القانوني».

الصحفية والناشطة الحقوقية شيماء عيسى أمام باب المحكمة التي شهدت محاكمة المتهمين بـ«التآمر على أمن تونس» (أ.ف.ب)

من جانبه، قال يوسف الشواشي، ابن غازي الشواشي، لوكالة «رويترز» للأنباء، معلقاً على الأحكام: «لم نستغرب هذه الأحكام الجائرة والانتقامية، التي تسعى لبث التخويف، وإخماد أصوات عالية لهؤلاء المعارضين... لكن رغم عدم ثقتنا بالقضاء سوف نستأنف الحكم».

وفي وقت سابق، قال المحامي أحمد الصواب: «طوال حياتي لم أشهد محاكمة مثل هذه. إنها مهزلة، الأحكام جاهزة، وما يحدث فضيحة ووصمة عار».

وفي حين تقول السلطات إن المتهمين حاولوا زعزعة استقرار البلاد ونشر الفوضى وقلب النظام، تقول المعارضة إن التهم ملفقة، وتُستخدم لإسكات المنتقدين، وترسيخ حكم استبدادي فردي. ومنذ تفرّد الرئيس قيس سعيد بالسلطة في صيف 2021، يندّد المدافعون عن حقوق الإنسان والمعارضون بتراجع الحرّيات في تونس، البلد الذي انطلق منه ما يعرف بـ«الربيع العربي» عام 2011.

«سردية المؤامرات»

رأى المحلّل حاتم النفطي أن «حكم التبرئة كان ليتعارض مع سردية المؤامرات، التي يستند إليها النظام منذ 2021»، موضحاً أن هذه الرواية «تبقى مقبولة من جزء كبير من الشعب»، بعد السيطرة على حد قوله على أغلبية وسائل الإعلام وزجّ صحافيين كثيرين في السجن.

وبداية من ربيع عام 2023، أوقف عشرات المسؤولين السياسيين والمحامين والصحافيين والناشطين الحقوقيين، لا سيما منهم المدافعون عن المهاجرين، بموجب مرسوم بشأن نشر أخبار زائفة فضفاض المصطلحات، يتّسع لتأويلات كثيرة.

ومنذ بدء المحاكمة في الرابع من مارس (آذار) الماضي، طالب محامو الدفاع في مرافعات حادة بمثول جميع المتّهمين حضورياً أمام المحكمة، وقد أعلن بعضهم إضراباً عن الطعام في السجن، احتجاجاً على حرمانهم من هذا «الحقّ الأساسي»، بعد أن طلبت منهم المحكمة الإدلاء بشهاداتهم عن بُعد.

ووصفت هيئة الدفاع ملفّ القضيّة بأنه «فارغ»، في حين قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» غير الحكومية إن المحاكمة أقيمت في «سياق قمعي استفاد منه الرئيس (قيس) سعيد لاستغلال النظام القضائي التونسي لمهاجمة المعارضين السياسيين».

مظاهرة للمطالبة بإطلاق سراح عبير موسي المعتقلة في ملف «التآمر على أمن تونس» (رويترز)

ومن جهتها، دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان السلطات التونسية إلى «وقف جميع أشكال اضطهاد المعارضين السياسيين، واحترام الحقّ في حرّية الرأي والتعبير»، مطالبة بـ«الإفراج الفوري لأسباب إنسانية عمّن هم في سنّ متقدّمة، وعن الذين يعانون مشكلات صحية».

وأعربت تونس عن «بالغ الاستغراب» لهذه الانتقادات، مؤكدة أن الأشخاص الذين أشارت إليهم الأمم المتحدة أُحيلوا على المحاكم «من أجل جرائم حقّ عام لا علاقة لها بنشاطهم الحزبي والسياسي، أو الإعلامي أو بممارسة حرّية الرأي والتعبير».



«وفاة غامضة» في دبي تكتب نهاية طبيب مصري اشتهر برفض العلاج بالأدوية

مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)
مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)
TT

«وفاة غامضة» في دبي تكتب نهاية طبيب مصري اشتهر برفض العلاج بالأدوية

مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)
مقر وزارة الخارجية المصرية في وسط القاهرة (رويترز)

حالة من الغموض تحيط بوفاة طبيب مصري في الإمارات، يدعى ضياء العوضي واشتهر برفض العلاج بالأدوية.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، إنها تتابع واقعة وفاة العوضي، مضيفة أن القنصلية المصرية العامة في دبي تلقت إخطاراً من شرطة دبي بوفاة الطبيب بأحد فنادق الإمارة.

وقال المحامي المصري مصطفى ماجد، وهو المحامي الخاص للعوضي، إنه «من الصعب الجزم إذا كانت هناك شبهة جنائية لعدم توافر دليل على ذلك»؛ لكنه أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أسرة الطبيب «تعتقد بنسبة كبيرة أن السبب في الوفاة كان حادثاً جنائياً بالأساس بسبب اختفائه الغامض منذ عدة أيام»، مشيراً إلى أنهم في انتظار نتائج التحقيقات التي تجريها السلطات الإماراتية للتأكد من سبب الوفاة.

وحسب بيان «الخارجية المصرية»، وجه الوزير بدر عبد العاطي القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب العمل على سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

وأشار البيان إلى أن الخارجية تنسق مع أسرة الطبيب المتوفى ومستشاره القانوني، لاستكمال الإجراءات القنصلية، والتأكيد على متابعة الملف للانتهاء من جميع الإجراءات.

وأثار اختفاء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة، بعد انقطاع التواصل مع أسرته منذ أيام، وتداول مستخدمون مقاطع مصورة سابقة يحذر فيها من استخدام الأدوية في التخسيس وعلاج داء السكري.

وفي مارس (آذار) الماضي، أسقطت نقابة الأطباء المصرية عضوية العوضي بسبب ما عدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين». وشملت الاتهامات «الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة لأمراض مزمنة»، وهو ما اعتبرته الهيئة التأديبية للنقابة «مخالفة جسيمة لمبادئ المهنة».

الطبيب المصري المتوفى في الإمارات ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

وكان العوضي قد خلّف حالة واسعة من الجدل عقب ترويجه لما سماه «نظام الطيبات»، وهو نظام غذائي يعتمد على حذف أطعمة مع الاكتفاء بأنواع محددة قال إنها وسيلة للشفاء. وذكر حينها أنه طبَّق هذا النظام على مجموعة من المرضى لمدة تتراوح بين 4 و6 أسابيع، ولفت انتباهه تحسن حالاتهم بشكل ملحوظ مما أدى إلى تقليل الاعتماد على الأدوية.

وفوضت أسرة الطبيب المتوفى القنصلية المصرية في دبي بمتابعة تحقيقات السلطات الإماراتية، وفق المحامي ماجد الذي أشار إلى أن أسرته التقت مسؤولين بوزارة الخارجية المصرية، الاثنين، لتنسيق الإجراءات الخاصة بتقارير الطب الشرعي الإماراتي حول سبب الوفاة، وإجراءات نقل الجثمان إلى القاهرة.

وأشار مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية، السفير حداد الجوهري، إلى «نقل الطبيب المتوفى إلى أحد المستشفيات لمعرفة سبب وفاته»، وقال في تصريحات نقلتها« وكالة أنباء الشرق الأوسط» في مصر، مساء الأحد، إنه «سيتم نقل الجثمان إلى القاهرة فور الانتهاء من الإجراءات اللازمة هناك، والتعرف على أسباب الوفاة».

فيما تحدث نقيب الأطباء في مصر، أسامة عبد الحي، عن «متابعة النقابة لإجراءات التحقيق في القضية، رغم فصل الطبيب المتوفي من النقابة الشهر الماضي»، مشيراً إلى أن النقابة تنتظر النتائج لمعرفة أسباب الوفاة الغامضة.

وأوضح عبد الحي لـ«الشرق الأوسط» أن «النقابة كانت قد قررت فصل الطبيب بعد إحالته للجنة التأديب النقابية، نتيجة لترويجه نصائح طبية تخالف القواعد العلمية المعروفة».


ذوو الاحتياجات الخاصة في السودان... معاناة فاقمتها الحرب

محمد سمير أحد ذوي الاحتياجات الخاصة بالسودان (الشرق الأوسط)
محمد سمير أحد ذوي الاحتياجات الخاصة بالسودان (الشرق الأوسط)
TT

ذوو الاحتياجات الخاصة في السودان... معاناة فاقمتها الحرب

محمد سمير أحد ذوي الاحتياجات الخاصة بالسودان (الشرق الأوسط)
محمد سمير أحد ذوي الاحتياجات الخاصة بالسودان (الشرق الأوسط)

تحت رحى الحرب الدائرة بالسودان، والتي دخلت منذ أيام عامها الرابع، يواجه ذوو الاحتياجات الخاصة ظروفاً بالغة القسوة والتعقيد، في ظل انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، وتراجع الاستجابة الإنسانية، والعجز عن الوصول إلى الرعاية الصحية.

وعادة ما تكشف الحروب والنزاعات المسلحة مدى هشاشة وضع ذوي الإعاقة، وكيف يتعرضون لمخاطر مضاعفة، في وقت تصبح احتياجاتهم أشد إلحاحاً وأقل تلبية في كثير من الأحيان.

ويُقدَّر عدد هذه الفئة بنحو 15 في المائة من سكان السودان قبل اندلاع الحرب، أي من 7 إلى 8 ملايين نسمة، وفقاً لورقة عمل بعنوان «تأثير النزاع في السودان على الأشخاص ذوي الإعاقة»، أعدها رئيس «المنظمة السودانية للتنمية والإعاقة»، محمد محيي الدين إبراهيم، وقُدّمت في ورشة اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ومما لا شك فيه، أن الحرب التي أسقطت الآلاف بين قتيل وجريح، رفعت عدد ذوي الإعاقات بوضوح بين السكان الذين تُقدر تقارير عددهم حالياً بنحو 52 مليون نسمة.

جوع ونزوح

تتواتر قصص ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يُعدون من أكثر الفئات تضرراً من الحرب بالسودان.

من بينهم محمد سمير، وهو أب لأربعة أطفال، وقد تدهورت أوضاعه بقوة بعد تعرضه لكسر في يده المصابة أصلاً. ومع عدم توفر الإمكانات لإجراء عملية جراحية، لم يعد قادراً على العمل بعدما فقد دخله.

كان سمير يعمل في مجال الأعمال الحرة، وكثيراً ما كان يحلم بمشروع لتربية الدواجن. وعندما اندلعت الحرب في منتصف أبريل (نيسان) 2023، اضطر للنزوح متنقلاً بين عطبرة شمالاً وبورتسودان شرقاً، ثم إلى مصر برفقة زوجته وأطفاله في رحلة مليئة بالمعاناة والآلام.

ويروي لـ«الشرق الأوسط» كيف ينام أطفاله باكين من شدة الجوع، وهو عاجز عن العثور على أي مصدر للرزق؛ وكيف يخرج محاولاً إيجاد أي شيء يقتاتون عليه، فأحياناً يعود بطعام، وكثيراً ما يعود خالي الوفاض.

كان سمير يعتمد، إلى جانب سكان الحي، على «غرف الطوارئ» التي توفر الطعام والدواء، لكن ذلك لم يكن كافياً. ويقول بأسى: «عندما يمرض أطفالي أعجز تماماً عن مساعدتهم، وهو شعور يهزني من الداخل».

تشبث بالأمل

أما إبراهيم عبد الله، الذي يعول 4 بنات في المرحلة الجامعية رغم أنه قعيد، فيروي مشقة يومية ورحلة عناء لا تنتهي.

السوداني إبراهيم عبد الله يقول إن همه الأكبر دعم بناته لإكمال تعليمهن (الشرق الأوسط)

يقول إن بناته يتناوبن مهمة جلب المياه من منطقة تبعد عن المنزل ما يصل إلى 4 كيلومترات «في ظل ظروف حرب مستمرة منذ أعوام وانعدام الأمن».

لا يتخلى عبد الله عن الأمل، ويمضي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «صبرنا على الجوع والمرض مع شح الغذاء وغياب العلاج، وقد أثّر ذلك فيّ كثيراً، لكنني ما زلت متمسكاً بالأمل».

ويضيف: «لا أخشى شيئاً بقدر ما أتمنى أن أتمكن من دعم بناتي، ومساعدتهن على إكمال تعليمهن وتحقيق طموحاتهن رغم ضيق الحال، وقلة الإمكانات».

وعن احتياجاته قال: «لا أملك وسيلة للتنقل سوى دراجة متهالكة، وأحتاج بشدة إلى وسيلة نقل آمنة تعينني على الاستمرار في حياتي، ودعم تعليم بناتي».

مستقبل مشوب بالقلق

خلال الحرب، زادت التحديات أمام محمد الرضا، وهو رجل كفيف، وأبرزها صعوبة التنقل والعجز عن الوصول إلى أماكن بعيدة؛ ما أدى إلى توقف عمله؛ إذ كان يدير متجراً صغيراً. انعكس ذلك على حالته النفسية، وتملكه الخوف من المستقبل.

محمد الرضا يرجو وقف الحرب وعودة السلام (الشرق الأوسط)

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه اعتمد خلال تلك الفترة على مساعدات أبناء عائلته وبعض المحسنين. وحين نصحه الوالي بالنزوح إلى مكان آمن، لم يستطع، نظراً لما يتطلبه ذلك من أعباء مالية مثل إيجار السكن، وتكاليف المعيشة من طعام وشراب وعلاج.

واختتم حواره معبراً عن أمله في توقف الحرب، وأن يحل السلام، وتعود الحياة إلى طبيعتها.

خطة طوارئ

يقول الأمين العام لمجلس الأشخاص ذوي الإعاقة، محمد علي، إن الحرب في السودان فاقمت أوضاع هذه الشريحة، لا سيما في دارفور وكردفان، وكشف عن خطة طوارئ تهدف إلى وضع سياسات وبرامج مناسبة لتنفيذ الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية، وحماية وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة ضمن جميع السياسات والبرامج.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الخطة تسعى إلى كفالة ذوي الإعاقة، وإشراكهم بصورة كاملة وفعّالة في المجتمع، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بينهم وبين بقية مكونات المجتمع.

وتتضمن الخطة أيضاً اتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على التهميش الاجتماعي، والتمييز السلبي على أساس الإعاقة، سواء من قبل الأفراد أو المؤسسات الرسمية أو المنظمات أو شركات القطاع الخاص، وغيرها من مكونات المجتمع.

كما تؤكد الخطة على ضرورة احترام القدرات المتطورة للأطفال والنساء من هذه الفئة والاستجابة لاحتياجاتهم وحقوقهم.


مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تؤكد عدم التهاون في مصالحها المائية الوجودية

السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء المبعوث الأميركي مسعد بولس في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن بلاده لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية، مستعرضاً خلال محادثات مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في القاهرة الاثنين، مستجدات الأوضاع في السودان والقرن الأفريقي ولبنان، حسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وقال المتحدث محمد الشناوي إن المحادثات «تناولت عدداً من القضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك بين مصر والولايات المتحدة، وعكست استمرار توافق الرؤى المصرية - الأميركية حول ضرورة خفض التصعيد وإيجاد حلول سياسية لمختلف الأزمات الإقليمية».

وأضاف أن مستشار ترمب أكد تقدير واشنطن للسياسة التي تنتهجها مصر وجهودها للسعي لتسوية الأزمات والنزاعات التي تشهدها المنطقة، مشيراً إلى أهمية مواصلة التنسيق والتشاور بينها وبين الولايات المتحدة في هذا الصدد.

وبشأن الأوضاع في السودان، اتفق السيسي وبولس على «ضرورة بذل كل الجهود والمساعي اللازمة لإنهاء الحرب ووقف المعاناة الإنسانية للشعب السوداني». ورحب الرئيس المصري بتعهد المجتمع الدولي، خلال مؤتمر برلين الذي عقد الأسبوع الماضي، بمبلغ مليار ونصف المليار يورو للاستجابة للاحتياجات الإنسانية في السودان.

وجدد الرئيس المصري تأكيد «رؤية القاهرة للأزمة السودانية، القائمة على ضرورة ضمان سيادة ووحدة السودان، ورفض التدخلات الخارجية ومحاولات النيل من أمنه واستقراره أو إحداث فراغ سياسي به».

من جانبه، أعرب مستشار ترمب عن تقديره للدور المصري، اتصالاً بالأزمة السودانية، مشيداً بمواقف القاهرة الرامية لاستعادة الأمن والاستقرار في السودان، ومؤكداً حرص الولايات المتحدة على التنسيق الوثيق مع مصر ودول «الرباعية» في هذا الإطار، وفق متحدث الرئاسة المصرية.

وتناولت المحادثات الوضع في لبنان، حيث أثنى السيسي على المجهود الذي بذله نظيره الأميركي للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

وفيما يتعلق بمنطقة القرن الأفريقي، أبرز السيسي رفض مصر القاطع لأي إجراءات من شأنها تهديد الأمن والاستقرار بدول المنطقة. كما أعرب عن ترحيبه باتفاق الحكومة الكونغولية وحركة «23 مارس» على توسيع الآلية الإقليمية المشتركة المعززة لرصد وقف إطلاق النار الموقع أخيراً، مؤكداً دعم مصر للجهود الأميركية في هذا الصدد.

وتطرقت المحادثات إلى ملف نهر النيل، وشدد السيسي على أن «أمن مصر المائي قضية وجودية وأولوية قصوى»، مؤكداً أن «مصر لن تتهاون في مصالحها المائية الوجودية».

وتقول مصر إن نصيب الفرد من المياه «يقترب حالياً من مستوى الندرة المطلقة». وأكد وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، الشهر الماضي، أن بلاده تُعد من أكثر دول العالم جفافاً، وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل الذي يمثل نحو 98 في المائة من مواردها المائية المتجددة.

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالبان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظِّم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي مبعوث ترمب في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

وتعقيباً على هذا الأمر، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حسين هريدي، لـ«الشرق الأوسط»: «رغم حديث ترمب عن سعيه لحل أزمة السد الإثيوبي، لم نرَ حتى الآن تحركاً أميركياً إيجابياً لتسوية الأزمة»، مشيراً إلى أن «الخلاف قانوني، حيث تسعى القاهرة إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد».

وأضاف: «نحن في انتظار تحرك أميركي للوساطة بين مصر وإثيوبيا وترجمة النوايا الحسنة إلى اتفاق على أرض الواقع».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أرسل ترمب خطاباً رسمياً إلى السيسي يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية، وهو ما رحّبت به القاهرة والخرطوم.

وأشار هريدي إلى أن زيارة بولس ومحادثاته في القاهرة تستهدف في المقام الأول «دفع جهود (الرباعية الدولية) بشأن حل الأزمة في السودان التي تزداد خطورة كلما طال أمدها، مما يهدد بامتداد تداعياتها إلى الدول المجاورة».

وفي إطار جهود خفض التصعيد في المنطقة، أعرب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن «التطلع لعقد الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، بما يسهم في التوصل إلى تفاهمات تؤدى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

وأكد عبد العاطي خلال لقائه، الاثنين، في القاهرة مع المبعوث الشخصي للسكرتير العام للأمم المتحدة للشرق الأوسط، جان أرنو، أن «التفاوض والحوار هما السبيل الوحيد لتسوية النزاع القائم»، حسب إفادة رسمية لمتحدث وزارة الخارجية المصرية، تميم خلاف.