الجزائر: وزير داخلية فرنسا هو المسؤول عن تجدد الأزمة بين البلدين

مراقبون يتوقعون قطع العلاقات «إذا لم يبادر أحد الطرفين بالتهدئة»

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «مجموعة الـ7» بإيطاليا قبل اندلاع الأزمة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «مجموعة الـ7» بإيطاليا قبل اندلاع الأزمة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر: وزير داخلية فرنسا هو المسؤول عن تجدد الأزمة بين البلدين

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «مجموعة الـ7» بإيطاليا قبل اندلاع الأزمة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «مجموعة الـ7» بإيطاليا قبل اندلاع الأزمة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

«الفعل» و«ردّ الفعل»... هذا هو النسق الذي يسير عليه تجدد التوترات بين الجزائر وفرنسا، التي تفاقمت في اليومين الأخيرين بتبادل طرد 12 دبلوماسياً من كل جهة. وبالنظر إلى ما آلت إليه الأزمة شديدة الحدة بين البلدين، يتوقع مراقبون قطع العلاقات بينهما إذا لم يبادر أحد الطرفين بالتهدئة.

كاتب الدولة مكلف الجالية الجزائرية في الخارج (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ردّت الجزائر، اليوم الأربعاء، عن طريق كاتب الدولة المكلف جاليتها في الخارج، سفيان شايب، على قرار فرنسا استدعاء سفيرها لدى الجزائر، وطرد 12موظفاً قنصلياً جزائرياً من أراضيها، باتهام وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، بأنه «وراء تجدد الأزمة» بين البلدين.

وقال عضو حكومة الرئيس عبد المجيد تبون، في مقابلة مع الإذاعة العمومية، إن بلاده «أخذت علماً وسجلت» قرار باريس باستدعاء سفيرها لدى الجزائر، ستيفان روماتيه، للتشاور، وبطلبها من 12 موظفاً قنصلياً ودبلوماسياً مغادرة الأراضي الفرنسية، مضيفاً أن الجزائر «تأسف لهذا القرار الصادر عن السلطات الفرنسية».

وزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو (رويترز)

واتّهم شايب، بشكل مباشر، برونو ريتايو بـ«تدبير هذه القضية من أجل إفشال مسار التقارب الدبلوماسي بين البلدين»، الذي بدأه الرئيسان عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون في نهاية مارس (آذار) الماضي، باتصال هاتفي أفضى إلى زيارة قادت وزير الخارجية، نويل بارو، إلى الجزائر في 6 أبريل (نيسان) الحالي، حيث أعلن عن طيّ الخلاف رسمياً وبحث المسائل الخلافية بينهما، خصوصاً مشكلة المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، الذين قررت فرنسا إبعادهم من أراضيها، والذين رفضت الجزائر دخولهم.

* قضية بوخرص تعيد الأزمة إلى نقطة البداية

غير أن علاقات البلدين انتكست من جديد، بسبب اعتقال دبلوماسي جزائري في باريس، برفقة شخصين آخرين، بتهمة «خطف واحتجاز» لاجئ جزائري معارض في فرنسا، يُدعى أمير بوخرص. وأعطى القضاء الفرنسي للقضية بعداً متصلاً بـ«الإرهاب»، وقد احتجت الجزائر بشدة على سجن الدبلوماسي، وطردت الاثنين الماضي 12 موظفاً من سفارة فرنسا ينتمون إلى جهاز الأمن الفرنسي. وفي اليوم الموالي أعلنت باريس أنها قررت إبعاد العدد نفسه من الدبلوماسيين الجزائريين لديها، مؤكدة أن جهازها القضائي «تعامل باستقلالية» عن الحكومة في تحقيقاته بشأن حادثة خطف بوخرص، التي تعود إلى أبريل (نيسان) 2024.

وحمّلت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان الثلاثاء، وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، شخصياً مسؤولية سجن الدبلوماسي.

أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ومنذ أن بدأت الأزمة تتصاعد في نهاية العام الماضي، أشارت الجزائر إلى أن «مشكلتها معه وليست مع الرئيس ماكرون»، وذلك بسبب الحرص الشديد الذي أظهره على ترحيل مئات الجزائريين «غير المرغوب فيهم»، وإصراره على إلغاء «اتفاق الهجرة» الذي وقعه البلدان عام 1968، بحجة أنه «يعوق سياسة فرنسا للحد من موجات الهجرة غير الشرعية».

وبرونو ريتايو شخصية بارزة من اليمين الفرنسي، ويقود حملة انتخابية لتولي قيادة حزب «الجمهوريون»، وقد أصبح في الأشهر الأخيرة يجسد النهج المتشدد حيال الجزائر، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالهجرة، بحثاً عن أصوات لكسب الاستحقاق المنتظر.

وأكد سفيان شايب، في المقابلة الصحافية، أن «الأزمة والتوتر الحاليين هما نتيجة لهذه المؤامرة وللحبكة المسرحية، ولقضية مُفبركة بالكامل من قبل وزير داخلية لم يكتفِ بتصميمها، بل أعاد إحياء قضية تعود إلى أكثر من 8 أشهر، تتعلق بما قيل إنه اختطاف لشخص تم للأسف استغلاله لضرب علاقاتنا الثنائية والديناميكية الإيجابية، التي أرادها رئيسا الدولتين»، مشدداً على أنه جرى «استنكار دوره، وتحديد مسؤوليته في هذه الأزمة الجديدة ضمن بياننا الرسمي».

الكاتب بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

المعروف أن بوخرص (41 سنة)، المشهور على منصات التواصل الاجتماعي بـ«أمير دي زاد»، محل 9 طلبات تسليم بلّغتها الجزائر لفرنسا. غير أن صفته «لاجئ سياسي» منحته حصانة حالت دون ترحيله، وقد أعلن العام الماضي أنه حصل على حكم من محكمة باريس يقضي بعدم تسليمه للجزائر.

والمعروف أيضاً أن العلاقات بين الجزائر وفرنسا ساءت بشكل مفاجئ في نهاية يوليو (تموز) 2024، عندما عبرت الجزائر عن سخط شديد من قرار فرنسا دعم مخطط الحكم الذاتي المغربي لـ«الصحراء». وتوالت بعد ذلك مشكلات كثيرة، من أبرزها استياء الفرنسيين من سجن الكاتب مزدوج الجنسية بوعلام صنصال، ولامست العلاقات الثنائية القطيعة في مناسبات عدة سابقة قبل التهدئة. لكن بعد التطورات الأخيرة، يعتقد مراقبون أن العلاقات تتجه مجدداً نحو القطيعة، في ظل هذه الأزمة غير المسبوقة.

والأربعاء، عاد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، للتأكيد على أنه حتى لو ردت باريس بـ«حزم» على القرارات الجزائرية، فإنه سيكون من الضروري «على المدى الطويل» استئناف الحوار «لمصلحة الفرنسيين».

تصعيد تحت سقف المصالح المشتركة

يقول عدلان محمدي، أستاذ العلوم الجيوسياسية، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن ريتايو «استهدف الجزائر بطريقة مباشرة منذ أصبح وزيراً؛ مما تسبب في مواجهة وتحدٍّ بينها وبينه»، مضيفاً أن النظام الجزائري «استغل القضية بدوره ليجعله هدفاً لردوده».

ورأى محمدي أن الجزائر «تتفادى بذلك استهداف الدولة الفرنسية عموماً في هذه الأزمة، وتسعى للحفاظ على نوع من هامش المناورة لتقول: نريد الحفاظ على قناة للحوار مع الإليزيه (الرئاسة الفرنسية)، ومع وزارة الخارجية، لكن كل ما يتعلق بوزارة الداخلية يسبب لنا مشكلة».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 أبريل الحالي (الرئاسة الجزائرية)

يذكر أن استهداف الموظفين الفرنسيين الـ12 بطردهم من الجزائر، جرى على أساس أنهم ينتمون إلى وزارة الداخلية، التي يقودها ريتايو الذي رفع من حدّته تجاه الجزائر منذ وقوع جريمة قتل في فرنسا يوم 22 فبراير (شباط) الماضي، حينما ظهر أن القاتل جزائري رفضت بلاده تَسلّمه، وفق وزير الداخلية.

من جهته، ذكر إسماعيل معراف، أستاذ القانون والعلوم السياسية في جامعة الجزائر، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «المصالح الاستراتيجية العليا بين البلدين، وحساسية الملفات التي لا تظهر للعلن، تجعلاننا لا نستبعد أن تعود العلاقات إلى طبيعتها قريباً»، مؤكداً أنه غير مؤمن بتاتاً بفرضية «القطيعة» بين البلدين.



الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».


«أزمة باماكو»... هل تعيد ترتيب نفوذ روسيا والغرب في الساحل الأفريقي؟

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

«أزمة باماكو»... هل تعيد ترتيب نفوذ روسيا والغرب في الساحل الأفريقي؟

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن ينتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

باتت معادلة النفوذ الدولي تتصدر أسئلة المشهد في مالي، عقب هجمات غير مسبوقة على باماكو التي اقتربت من موسكو، وابتعدت عن الغرب منذ انقلاب عسكري عام 2020، لا سيما بعد اغتيال وزير الدفاع، ساديو كامارا، واختفاء غامض لقائد المجلس العسكر، آسيمي غويتا، وسط أكبر هجوم منسق بين المتمردين الانفصاليين والمتشددين منذ سنوات.

ذلك المشهد المضطرب في مالي الذي أطاح بالرجل الثاني في المجلس العسكري الحاكم في مالي بعد أشهر من حصار المتمردين المتشددين المرتبطين بالقاعدة للعاصمة باماكو في 2025، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» يمثل إعادة لترتيبات النفوذ بين روسيا والغرب.

وأكد نائب وزير الخارجية الروسي، جيورجي بوريسينكو، الثلاثاء، تكبد قوات «فيلق أفريقيا» التابع لوزارة الدفاع الروسية خسائر بشرية جراء هجوم شنه متمردون في مالي.

وتواجه مالي، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو، تمرداً مستمراً من جماعات مسلحة مرتبطة بــ«القاعدة» وتنظيم «داعش»، وبعد الانقلابات العسكرية اتجهت هذه الدول نحو روسيا بدلاً من الحلفاء الغربيين لمكافحة هذه الجماعات، من دون تحقيق تقدم.

وإثر الهجمات التي استهدفت باماكو ومدينة كاتي بالقرب منها وسيفاري وموبتي في الوسط وكيدال وجاوه في شمال مالي، بخلاف مطار العاصمة، قتل وزير الدفاع المالي، بينما لا يزال قائد المجلس العسكري متوارياً، ولم يصدر عنه أي تصريح منذ بدء المعارك، وسط أنباء عن سيطرة المتمردين عن كيدال.

وأقرت الحكومة، في بيان الأحد، بمقتل وزير الدفاع بخلاف إصابة 16 شخصاً على الأقل من مدنيين وعسكريين، إضافة إلى مقتل عدد من المسلحين، بينما فرضت السلطات حظر تجول ليلي لثلاثة أيام، وأكدت أن الوضع تحت السيطرة تماماً.

وتبنت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» في بيان بالعربية، الأحد، التنسيق مع جبهة تحرير أزواد، واستهداف مواقع بينها مقرا الرئيس المالي ووزير الدفاع.

الخبير السوداني في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، يعتقد أن العملية التي نفذتها جماعة «نصرة الإسلام» وكذلك الجبهة الانفصالية بما فيها من هجمات غير مسبوقة طالت الرجل الثاني من المجلس العسكري ومطار العاصمة وغيرها من المناطق تقود لتحولات كبيرة تشهدها مالي، وستتسع معها الاضطرابات، وقد تمدد العمليات العسكرية الإرهابية بعد فشل مقاربة ماباكو في السيطرة على البلاد أمنياً، وقد تعيد ترتيبات النفوذ بتلك البلد الأفريقي المتنازع عليه بين روسيا والغرب.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

ويرى الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، ماهر فرغلي، أن الوضع في باماكو مقلق للغاية، مشيراً إلى أن ما يحدث يتجاوز كونه صراعاً محلياً، بل هو صراع إقليمي ودولي، في ظل حرص غربي على طرد الروس من هذه المنطقة.

وأوضح أنه في حال نجاح هذه الضغوط في إخراج القوات الروسية، لن تجد الحكومة والمجلس العسكري الحاكم بديلا سوى الاستعانة مرة أخرى بالقوات الفرنسية وعودة النفوذ الفرنسي والغربي إلى مالي، نظراً لما تتمتع به البلاد من ثروات هائلة، خصوصاً في مناجم الذهب واليورانيوم.

من جهته، أدان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في بيان الأحد، أعمال العنف في مالي، معبراً عن «قلق بالغ حيال التقارير عن هجمات في عدة مواقع بتلك البلد الأفريقي.

كما أدان الاتحاد الأفريقي الهجمات المسلحة بمختلف أنحاء مالي، محذراً من التهديد الذي يشكله ذلك على المدنيين والاستقرار،

وحذر فرغلي من أن ما يجري في مالي سيؤثر بشكل مباشر في الإقليم بأكمله، حيث من المتوقع أن ينتشر النشاط الإرهابي بشكل أوسع ليشمل بوركينا فاسو، وجنوب ليبيا، والحدود السودانية، والنيجر؛ ما ينذر بنشاط إرهابي ضخم في المنطقة.

ونبه إلى أن الموقف الدولي من هذه التطورات قد يكون غير موجود ظاهرياً، لكنه في الواقع يلعب دوراً من وراء الستار عبر دعم بعض الجماعات لحسم الموقف في مالي بما يخدم أجندات القوى الغربية ضد روسيا.

ويرى تورشين أن مقتل وزير الدفاع يعكس حجم المواجهات وتأثيرها وامتدادها المتوقع لدول مثل لنيجر، مؤكداً أن هناك أطرافاً خارجية غير راضية تماماً من الوجود الروسي المتمدد منذ سنوات، وقد تساعد على زيادة اتساع الاضطرابات في البلاد وهو ما يضع دول الساحل أمام مخاطر أكبر في الفترة المقبلة.


ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
TT

ليبيا: تيتيه تزور مصراتة وسط احتجاجات ضد «مبادرة بولس»

تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)
تيتيه خلال زيارتها مصراتة (البعثة الأممية)

زارت رئيسة البعثة الأممية لدى ليبيا، هانا تيتيه، رفقة نائبتها ستيفاني خوري، مدينة مصراتة الواقعة غرب ليبيا، تزامناً مع وقفة احتجاجية لأهالي المدينة للتعبير عن رفضهم لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، التي تقترح تولي صدام حفتر، نائب قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي بدلاً من محمد المنفي، فيما يتم الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

جانب من المشاركين في لقاء تيتيه بمصراتة 28 أبريل (البعثة الأممية)

ويأتي اجتماع تيتيه، الثلاثاء، مع مجلس المدينة البلدي ومكونات مصراتة، قبل توجهها إلى العاصمة الإيطالية روما لرعاية الاجتماع الأول لأعضاء «الطاولة المصغرة»، التي اقترحتها البعثة الأممية لتجاوز الانسداد السياسي في ليبيا.

وكانت تيتيه قد استعرضت، مساء الاثنين، في كلمتها خلال افتتاح الجلسة العامة الافتراضية الثانية لـ«الحوار المهيكل» في طرابلس، تقدم المسارات الأربعة التي تشمل الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، في صياغة توصيات تهدف إلى تهيئة بيئة مواتية لإجراء انتخابات وطنية.

وقالت تيتيه: «لم يتبق سوى شهر تقريباً على اختتام (الحوار المهيكل) في أوائل شهر يونيو (حزيران) المقبل، وهذا يعني أننا في المرحلة الأخيرة للتأكد من أن تكون التوصيات التي تقدمونها متينة وعملية وقابلة للتنفيذ».

وأكدت المبعوثة الأممية أهمية الشمول، مشددة على دور المرأة الليبية التي «تشكل نصف سكان ليبيا»، ودعت الأعضاء إلى «الإصغاء والتأكد من أن مساهماتكم تعكس وجهات نظر وتطلعات جميع الليبيين»، مشيرة إلى أن استطلاعات رأي أجرتها البعثة أظهرت إجماعاً ساحقاً (تسعة من كل عشرة أشخاص) على ضرورة إجراء الانتخابات بشرط حمايتها من التدخل.

وأوضحت تيتيه أن بعثتها تقترح «نهجاً بديلاً من خطوتين»، يتمثل في اجتماع «مجموعة مصغرة» من الأطراف الليبية الفاعلة لتحديد حلول للمرحلتين الأوليين من خارطة الطريق، يليه اجتماع أوسع إذا لزم الأمر، مشيرة إلى أن هذا الاجتماع «لن يحل محل عمل (الحوار المهيكل) بل يكمله».

ويأتي تحرك تيتيه في ظل تعثر خارطة الطريق، التي أعلنتها البعثة قبل ثمانية أشهر، والتي تتطلب من مجلسي النواب والدولة إنجاز مرحلتين أوليين لتمهيد الطريق لانتخابات رئاسية وتشريعية وتوحيد المؤسسات.

وتواجه «مبادرة بولس»، التي يُنظر إليها على أنها محاولة «لتوحيد السلطة التنفيذية والعسكرية والمالية» بين معسكري الدبيبة وحفتر، رفضاً شعبياً وسياسياً واسعاً في غرب ليبيا، خاصة في مصراتة.

ومن المقرر أن يختتم «الحوار المهيكل»، الذي يضم مئات المشاركين من مختلف الأطياف، بهدف صياغة رؤية وطنية مشتركة حول القضايا العاجلة والجذرية للصراع، بتوصيات ستُقدم للقيادات السياسية والشعب الليبي.

في غضون ذلك، قال رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إنه بحث، مساء الاثنين، في العاصمة طرابلس مع النائب العام الصديق الصور، سبل دعم وتطوير مقدرات منظومة العدالة الجنائية، بما يكفل رفع كفاءتها المؤسسية، وبحث آليات تعزيز جهود مكافحة جرائم الفساد، من خلال تفعيل أدوات الملاحقة القضائية.

كما بحث المنفي ونائبه عبد الله اللافي مع عبد الله قادربوه، رئيس هيئة الرقابة الإدارية، تقريرها السنوي وأبرز ما تضمنه من ملاحظات ورصد للمخالفات، إلى جانب الإجراءات والتدابير، التي اتخذتها الهيئة لمعالجتها وفق الأطر القانونية المعتمدة.

كما تطرق الاجتماع إلى الخطة الاستراتيجية، التي أطلقتها الهيئة للفترة (2025 - 2030)، وما تتضمنه من برامج تطويرية، تستهدف رفع كفاءة الأداء الرقابي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وأكدت هيئة الرقابة الإدارية ضرورة الإسراع في استكمال إجراءات الإقفال بصورة عاجلة، لما لذلك من أثر بالغ في تحقيق الانضباط المالي، وتعزيز مصداقية البيانات المالية للدولة.

المنفي (إلى اليسار) وبجواره اللافي وعبد الله قادربوه (المجلس الرئاسي الليبي)

بدوره، ناقش اللافي مع رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، المشهد السياسي الراهن، وسبل الخروج من حالة الانسداد الحالية، كما استعرضا المبادرات المطروحة لحل الأزمة، وسبل توحيد الرؤى بين المجلسين بما يضمن الوصول إلى قاعدة صلبة تمهد الطريق لإجراء الانتخابات.

وتم التأكيد خلال اللقاء على أن أي مبادرة لحل الأزمة السياسية يجب أن تكون نابعة من روح التوافق الوطني، وفق الاتفاق السياسي الليبي، بما يضمن عدم انزلاق البلاد نحو مسارات موازية، قد تهدد وحدة المؤسسات.

في المقابل، جدد بولس تعهد بلاده بمواصلة دعم شركائها الليبيين في عملهم على تجاوز الانقسامات السابقة، والتركيز على تحقيق الازدهار والاستقرار لمستقبل ليبيا.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

واعتبر بولس، عبر حسابه على منصة «إكس»، مساء الاثنين، أن تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي نظمته القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في سرت، وجمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها مع قوات العمليات الخاصة الأميركية، وممثلين عن 11 دولة أخرى، يساهم في بناء الثقة وإرساء الأساس لمؤسسات أمنية ليبية موحدة.