«الإنفاق الموازي» يبقي الجبهة مستعرة بين غرب ليبيا وشرقها

حمّاد يدافع عن حكومته ويتهم الدبيبة بـ«إهدار المال العام»

انخفاض جديد للدينار الليبي أمام الدولار (المركزي الليبي)
انخفاض جديد للدينار الليبي أمام الدولار (المركزي الليبي)
TT

«الإنفاق الموازي» يبقي الجبهة مستعرة بين غرب ليبيا وشرقها

انخفاض جديد للدينار الليبي أمام الدولار (المركزي الليبي)
انخفاض جديد للدينار الليبي أمام الدولار (المركزي الليبي)

أبقت اتهامات «الإنفاق الموازي» على حالة التجاذب بين حكومتي غرب ليبيا وشرقها، في وقت دعا سياسيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، للمسارعة إلى توحيد المؤسسات المنقسمة وتشكيل «حكومة موحدة» لإدارة شؤون البلاد، إنقاذاً للاقتصاد الليبي «من الانهيار».

وكان «المصرف المركزي الليبي» أعلن في بيان مفصّل، الأحد، أن حجم الإنفاق العام المزدوج خلال 2024 بلغ 224 مليار دينار، وأشار إلى أن حكومة عبد الحميد الدبيبة بطرابلس أنفقت 123 ملياراً، بينما أنفقت نظيرتها في شرق ليبيا برئاسة أسامة حمّاد نحو 59 ملياراً.

الدبيبة وعيسى في اجتماع سابق بـ«المصرف المركزي» (المصرف)

وتسبب الحديث عن «الإنفاق الموازي» للحكومة المكلفة من مجلس النواب، في تسخين الجبهة بين حمّاد والدبيبة، وسط مطالبة قوى سياسية كثيرة بتشكيل حكومة جديدة واحدة لليبيا.

فسريعاً ذهب الدبيبة ليحمّل حكومة حمّاد التي سماها بـ«الموازية»، مسؤولية «الإنفاق من دون الرجوع إلى مؤسسات الدولة؛ ما أدى إلى تداعيات على الاقتصاد الوطني تمثلت في استنزاف الاحتياطي النقدي»، لكن الأخير اتهم حكومة طرابلس بـ«اتباع أسلوب التدليس في إعطاء المعلومات المغلوطة».

وكانت «الوحدة» سارعت عقب صدور بيان «المركزي»، وقالت إن «حجم الإنفاق الموازي من الحكومة الموازية، خارج الترتيبات المالية الرسمية خلال عام 2024 بلغ ما قيمته 59 مليار دينار ليبي»؛ وعدته بـ«5 أضعاف ما خُصص للتنمية العامة في الميزانية، والتي لم تتجاوز 12 مليار دينار». (واستقر الدولار عند 5.54 دينار في السوق الرسمية) الاثنين. وكان قبل تخفيض سعر الصرف عند 4.83 دينار.

صالح وحماد في لقاء سابق (المركز الإعلامي لرئيس مجلس النواب الليبي)

وتحدث رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، فتحي عمر الشبلي، عن «الإنفاق الموازي للحكومتين من دون ضوابط»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «كان لا بد أن يصل الحال بليبيا إلى ما هي عليه الآن». وأشار الى «الإنفاق الخارجي على 150 سفارة... والمصروفات الباهظة لمجالس النواب والرئاسي والأعلى للدولة، ولذلك كان لا بد أن تدفع ليبيا إلى هذا المنزلق الخطير، والذي سيزداد سوءاً في الأشهر المقبلة بسبب تراجع أسعار النفط».

وخفّض المصرف المركزي الليبي، الأحد، سعر صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية بنسبة 13.3 في المائة، ما أثار موجهة من الاعتراض على القرار، وفتح باب الاتهامات بين الحكومتين المتنازعتين على السلطة من جهة، واتهام سياسيين ومراقبين لـ«الوحدة» من جهة ثانية.

وزاد الدبيبة في تحميل المسؤولية لغريمه حمّاد، من دون أن يأتي على ذكر اسمه. وقال إن «الإنفاق الموازي سيدفع المواطن ثمنه من جيبه، لأنه يضعف الدينار ويشعل الأسعار... 59 مليار دينار صُرفت خارج الترتيبات المالية للدولة، من دون رقابة. مبلغ ضخم، لا دخل له بمرتبات، ولا دواء، ولا غذاء، ولا كهرباء».

ومضى يقول: «الخطير أن هذه الأموال تُستخدم لشراء الدولار من السوق الموازية لتغطية مصروفات غير معلنة، ما يرفع سعر الصرف، ويُضعف الدينار، ويدفع المواطن الثمن كل يوم في السوق»، في إشارة إلى حكومة حمّاد بشرق ليبيا التي ردت بلغة وصفت بـأنها «خشنة».

ويرى رمضان التويجر، أستاذ القانون والباحث السياسي الليبي، أن «الإنفاق الموازي كارثة من الكوارث التي تؤدي للتفكك البارد للدولة»، وتطرق إلى ما ذكره «المصرف المركزي» بشأن «العجز الكبير» بين الإيرادات والمصروفات، متخوفاً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» من «انهيار ليبيا اقتصادياً»، وقال إنها «تسير بخطى متسارعة نحو السقوط الاقتصادي، بفعل إضعاف مؤسساتها (...) إذا لم نستدرك الأمر فإن الوضع سيصبح أكثر سوءاً».

وبدا للمتابعين أن الدبيبة استغل الأمر ليزيد من توجيه سهامه لحكومة حمّاد في بنغازي، بقوله: «سبق أن حذرنا منذ أكثر من عام ونصف العام، وطالبنا المصرف المركزي والنائب العام بالتحقيق في هذا الإنفاق، ومحاسبة من يتحمل مسؤوليته، ليبيا لا تحتمل اقتصادين، ولا موازنتين».

أسامة حماد رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب (القيادة العامة)

وهنا، رد حمّاد، بجملة من الاتهامات لحكومة الدبيبة ولـ«المصرف المركزي» معاً مدافعاً عن حكومته، وقال إن «الوحدة تعطي معلومات مغلوطة بهدف تضليل الرأي العام لإخفاء الحقائق عن الليبيين». كما ذهب إلى أن «(المركزي) يمكّن حكومة الدبيبة من الإنفاق من دون سند قانوني، وبالمخالفة لما صدر عن مجلس النواب من تشريعات بهذا الشأن، من بينها انتهاء ولاية حكومة (الوحدة)، الأمر الذي تسبب في تفاقم الوضع الاقتصادي، وأثر سلباً في زيادة الإنفاق العام».

كما اتهم حمّاد حكومة «الوحدة» بـ«التعدي على أرباح المصرف المركزي»؛ بالإضافة لحصيلة الرسم المفروض على بيع النقد الأجنبي خلال عام 2024؛ والتي قال إنها «تجاوزت 21.2 مليار دينار، إضافة إلى تخصيص 12 مليار دينار لمشروعات التنمية التي تدعيها».

يشار إلى أن «المركزي» قال، إن «الإنفاق العام المزدوج» من الحكومتين أسهم في «اتساع واختلال الفجوة بين الطلب والعرض من العملات الأجنبية، وحال دون المحافظة على استقرار سعر الصرف».

صالح يتوسط عيسى (يمين) وحميد الصافي المستشار السياسي لصالح (المركز الإعلامي لرئيس مجلس النواب)

يُذْكر أن مجلس النواب وافق في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2024 على تسمية ناجي عيسى محافظاً جديداً لـ«مصرف ليبيا المركزي»، خلفاً للصديق الكبير، بقصد إنهاء الأزمة التي أدت إلى إغلاق حقوق وموانئ نفطية. كما وافق المجلس، على تعيين مرعي البرعصي نائباً لعيسى.

وأمام هذه الاتهامات المتبادلة بين الحكومتين، وتخوفاً من «انهيار سعر الدينار»، دعا الشلبي، إلى «إصلاح مصرف ليبيا المركزي»؛ وإعادته إلى «دوره الحقيقي في تنفيذ الميزانية المعتمدة من الدولة وليس في الصرف غير المحدود على الحكومتين».

وانتهى الشبلي والتويجر إلى الدعوة «لميزانية موحدة» لليبيا، على أن يكون لها «حكومة واحدة تشرف على عملية الإنفاق العام، وتفرض سيادتها على كامل التراب الليبي، على أن يتم تقليص كل المصروفات المبالغ فيها سواء كانت خارجية أم داخلية».

وهذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضية «الإنفاق الموازي»، إذ سبق للدبيبة أن تحدث عن ذلك غير مرة، وقال في ديسمبر (كانون الأول) 2024، إن الإنفاق الموازي بلغ أكثر من 40 مليار دينار في العام المنقضي، «من دون الخضوع إلى أي رقابة مسبقة».


مقالات ذات صلة

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

شمال افريقيا صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

اعتبرت لجنتان بمجلس النواب أن إبرام «حكومة الوحدة» اتفاقية لتطوير المنطقة الحرة بمصراتة «مخالفة صريحة» للإعلان الدستوري، تشمل «التفريط في مناطق اقتصادية حرة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا قاذفتان عثر عليهما جهاز المباحث الجنائية في طرابلس قبل انفجارهما (المكتب الإعلامي للجهاز)

الأمم المتحدة تدرّب «الهلال الأحمر» الليبي على مواجهة مخاطر الألغام

سعياً لنزع فتيل «القنابل الموقوتة» التي تطارد الليبيين، رعت الأمم المتحدة ورشة تدريبية على مواجهة مخلفات الحرب، ضمّت 21 متطوعاً بينهم 7 نساء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مواطنون ليبيون في أحد أسواق طرابلس (أ.ف.ب)

ليبيا: ترقُّب لموجة غلاء جديدة إثر تعويم جديد للدينار

وسط مخاوف ليبية من تداعيات تخفيض سعر صرف الدينار الليبي، برَّر «المصرف المركزي» قراره باستمرار «الانقسام السياسي وغياب ميزانية موحدة، وتفاقم الإنفاق المزدوج».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
TT

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)

اعترض مجلس النواب الليبي على اتفاقية أبرمتها حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مع قطر وإيطاليا، لتطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة، بغرب البلاد، في ظل اتهامات بـ«التعدي على الموارد السيادية الليبية والتفريط في الثروات الوطنية».

واستنكرت لجنتا الطاقة والموارد الطبيعية والشؤون الخارجية في مجلس النواب، ما سمّته «محاولات المساس بالموارد السيادية» الليبية التي تقوم بها «الوحدة»، التي وصفتها اللجنتان بالحكومة «منتهية الولاية»، لإبرام عقود طويلة الأجل، تشمل «التفريط في مناطق اقتصادية حرة»، وفي «نسب عالية من الثروات النفطية لصالح شركات أجنبية» في صفقات «يشوبها الفساد وغياب الشفافية والمتاجرة السياسية».

واعتبرت اللجنتان في بيان مساء الأحد، أن هذه الإجراءات تمثل «مخالفة صريحة للإعلان الدستوري الذي وضع بالتعديل السابع قيوداً مشددة على أي التزامات تمس الموارد السيادية، لما لها من آثار بعيدة المدى على الاقتصاد الوطني وحقوق الأجيال القادمة، فضلاً عن مخالفة أحكام القانون والقرارات التي تحظر على أي حكومة المساس بالثروات والموارد السيادية، إلى حين انتخاب حكومة من الشعب».

وأشارت اللجنتان إلى «احتفاظ مجلس النواب بحقه الكامل في اتخاذ كل الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة لوقف هذه التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت أن الاتفاقية التي وقعها الدبيبة، بحضور رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، تستهدف تنفيذ مشروع تطوير وتشغيل وتوسعة محطة الميناء باستثمارات تصل إلى 2.7 مليار دولار، لافتة إلى مشاركة شركات قطرية وإيطالية وسويسرية في المشروع، لرفع الطاقة الاستيعابية لميناء المنطقة الحرة مصراتة إلى نحو 4 ملايين حاوية سنوياً، بما يعزز موقع ليبيا مركزاً لوجستياً إقليمياً ضمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ويدعم حركة الصادرات والواردات.

وتوقعت الحكومة أن يحقق المشروع إيرادات تشغيلية تقدر بنحو 600 مليون دولار سنوياً، إلى جانب توفير نحو 8.400 فرصة عمل مباشرة، ونحو 62 ألف فرصة عمل غير مباشرة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات اللوجستية.

صورة نشرها سفير روسيا لدى ليبيا خلال اجتماعه مع وزير النفط بحكومة «الوحدة»

من جانبه، قال السفير الروسي لدى ليبيا أيدار أغانين، إنه بحث الاثنين، بطرابلس مع وزير النفط والغاز بحكومة «الوحدة» خليفة عبد الصادق، سبل تعزيز التعاون الثنائي في قطاع النفط والغاز، وفرص توسيع مشاركة الشركات الروسية في مشاريع جديدة.

وكان عبد الصادق قد ناقش مع أمين ناصر، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، آفاق التعاون المشترك في قطاع الطاقة، وتبادل الرؤى حول تطوير الصناعة النفطية والغازية، والاستفادة من خبرات «أرامكو» في مجالات الابتكار والكفاءة التشغيلية والاستدامة، بما يسهم في دعم جهود تطوير قطاع الطاقة بليبيا.

كما بحث مع الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، التعاون في مجالات الطاقة، بما في ذلك تقنيات وحلول الطاقة وتعزيز فرص الاستثمار والتعاون في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.


أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
TT

أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)

في أعقاب انتهاء ماراثون انتخابات مجلس النواب المصري، دخلت الساحة الحزبية مرحلة جديدة من الحراك الداخلي، حيث شرعت أحزاب عدة؛ معارضة وأخرى محسوبة على الأكثرية البرلمانية، في مراجعة أوضاعها التنظيمية، عبر إجراء انتخابات قيادية، أو إعادة هيكلة مؤسساتها الداخلية.

هذه التحركات فتحت باب التساؤل حول طبيعة التحركات، وهل تمثل استحقاقاً ديمقراطياً طبيعياً بعد انتهاء المدد القانونية للقيادات، أم محاولة لامتصاص تداعيات نتائج الانتخابات، وإعادة ترتيب الصفوف بعد خسائر، أو تراجع في التمثيل لبعض الكيانات.

وترى أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، نهى بكر، أن تلك التحركات «تمثل مزيجاً بين استحقاق ديمقراطي وترتيب للأوضاع، مع ميل واضح للخيار الثاني»، خصوصاً في ضوء تراجع تمثيل بعض الأحزاب.

قيادات في حزب الأكثرية «مستقبل وطن» خلال اجتماع مع كوادره (صفحة الحزب)

ويبرز «حزب الوفد»، أحد أعرق الأحزاب المصرية، بوصفه النموذج الأوضح لهذا الجدل؛ فالحزب يستعد لإجراء انتخابات رئاسته في 30 يناير (كانون الثاني) الحالي، وسط منافسة بين 4 مرشحين.

وتأتي الانتخابات عقب حصول «الوفد» على 10 مقاعد فقط في مجلس النواب؛ 8 منها عبر «القائمة الوطنية من أجل مصر»، التي ضمنت الفوز قبل انطلاق الانتخابات، ومقعدان بنظام الانتخابات الفردية، وهو ما عدّه كثيرون تراجعاً كبيراً عن أدواره التاريخية.

وترافقت التحضيرات للانتخابات الداخلية في «الوفد» مع تصاعد خطاب نقدي حاد من مرشحين وقيادات سابقة تجاه أداء القيادة المنتهية ولايتها برئاسة عبد السند يمامة، الذي تولى المنصب قبل 4 أعوام، وقرر عدم الترشح مجدداً.

ويعزو منتقدو الأداء هذا التراجع إلى «انفصال الحزب عن الشارع»، وفقدانه القدرة على التعبير عن هموم الناخبين، مع مطالبات بإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة الدور السياسي للحزب.

وفي خضم هذا السجال، برز رئيس الحزب الأسبق السيد البدوي، الذي قارن نتائج الانتخابات الأخيرة بما حققه «الوفد» عام 2015 عندما حصد 36 مقعداً فردياً. كما انتقد نائب رئيس الحزب هاني سري الدين، تراجع الخطاب السياسي والتنظيمي، داعياً إلى «عملية إنقاذ مؤسسية» تعيد للحزب حضوره وتأثيره.

وقالت الدكتورة نهى بكر في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الوفد يواجه أزمة شرعية ووجود»، لكنها أشارت إلى أن الانتخابات الداخلية «قد تشكل فرصة حقيقية لتجديد الدماء، وإدخال وجوه جديدة قادرة على إعادة تعريف رسالة الحزب وجذب الناخبين، إلى جانب إعادة ترتيب التحالفات الداخلية».

ولا يقتصر المشهد على «الوفد»، إذ يستعد «حزب التجمع» (يسار) لإعادة ترتيب أوضاعه أيضاً بعد حصوله على 5 مقاعد فقط. ويوضح أحمد مجدي، عضو أمانة الإعلام بالحزب، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «التجمع» مقبل على عملية انتخابية تبدأ من القواعد في المحافظات، وصولاً إلى المؤتمر العام الذي سينتخب رئيس الحزب والمكتب السياسي والمجلس الاستشاري، في مسار قد يستغرق نحو 6 أشهر. ويؤكد أن هذه الخطوة تأتي في إطار تقييم شامل للتجربة الانتخابية الأخيرة والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

اجتماع لقيادات حزب «الدستور» المصري المعارض (صفحة الحزب)

وتشير بيانات رسمية إلى أن 8 أحزاب «معارضة» حصلت مجتمعة على 53 مقعداً، أي ما يقارب 10 في المائة من أعضاء المجلس، وهو رقم يعكس محدودية التمثيل المعارض، ويطرح أسئلة حول قدرة الأحزاب على التوسع جماهيرياً.

وفي هذا السياق، يتوقع «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» ظهور وجوه جديدة في هيكل قيادته، خصوصاً بعد حصوله على 11 مقعداً، وبروز عدد من نوابه فاعلين مؤثرين في دوائرهم المحلية. ويؤكد نائب رئيس الحزب باسم كامل لـ«الشرق الأوسط»، أن الانتخابات الداخلية، التي تأجلت بسبب الاستعداد للانتخابات البرلمانية، ستبدأ من القواعد وصولاً إلى مؤتمر عام يضم نحو ألف عضو من المرجح عقده عقب عيد الفطر المقبل.

وبالمثل، يؤكد «حزب العدل»، الذي حصل أيضاً على 11 مقعداً، التزامه بالدورات الانتخابية المنتظمة، مع إجراء انتخابات رئاسة الحزب قبل يونيو (حزيران) المقبل، ضمن دورة تنظيمية تمتد 5 سنوات، وفق رئيسه عبد المنعم إمام، الذي شدد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أهمية الانتظام المؤسسي واعتماد الميزانيات والمؤتمرات السنوية.

وتكتسب هذه المراجعات الداخلية أهمية إضافية في ظل الحديث عن احتمالات إجراء الانتخابات المحلية خلال العام الحالي، حال إقرار قانون الإدارة المحلية. ويرى سياسيون أن الأحزاب ربما تسعى إلى إعادة ترتيب صفوفها استعداداً لهذا الاستحقاق المحتمل، باعتباره فرصة أوسع للاحتكاك المباشر بالشارع.

وهذه هي رؤية نائب رئيس حزب «المؤتمر» رضا فرحات، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، عن «ضرورة تعديل نظام القوائم وتقسيم الدوائر ومراجعة قانون الأحزاب»، علماً بأن حزبه فاز بـ4 مقاعد في انتخابات النواب.

وحتى الأحزاب التي لم تحصد أي مقاعد، مثل «الدستور»، تستعد لانتخابات داخلية، حيث ترى قيادته أن المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت بمثابة رسالة سياسية واختبار للنظام الانتخابي، أكثر منها رهاناً على الفوز، وفق رئيسته جميلة إسماعيل.

في المقابل، أعلن حزب «مستقبل وطن»، صاحب الأكثرية البرلمانية، مؤخراً، عن خطة لإعادة هيكلة واسعة للمناصب القيادية على المستويين المركزي والمحلي، استناداً إلى تقييم التجربة الانتخابية الأخيرة.

ويشكك نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عماد جاد، في جدوى هذه التغييرات، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أحزاب الأكثرية تعاني عيوباً هيكلية؛ أبرزها غياب البرامج السياسية الحقيقية، ما يجعل تأثيرها الشعبي محدوداً».

ومن جهتها، ترى نهى بكر أن الانتخابات الداخلية «تُمثل نظرياً فرصة للإصلاح وتجديد النخب، لكنها عملياً تواجه تحديات جسيمة، في مقدمتها ضعف الثقة الشعبية بالأحزاب، وانشغال المواطن بالهموم الاقتصادية، والانقسامات التنظيمية؛ وهو ما يضع علامات استفهام حول قدرة هذه الأحزاب على الانتقال من الوجود الشكلي إلى الفعل السياسي المؤثر».


الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

في سوق الخرطوم المركزيّة، عاد الباعة لعرض الفاكهة والخضراوات أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، «ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب»، حسب بائع الفواكه، هاشم محمد.

بالقرب من هذه السوق قبل نحو ثلاث سنوات، استيقظ سكان وسط العاصمة السودانيّة على أصوات معارك سرعان ما حولتها إلى ساحة حرب دمّرت منشآتها وبناها التحتيّة.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023. وفرّ من الخرطوم نحو أربعة ملايين شخص، أي نصف عدد سكانها. وقبل اندلاع الحرب، تحالف الجيش و«الدعم السريع» للإطاحة بالمدنيين من حكومة انتقالية لم تعش طويلاً، تولّت الحكم بعد احتجاجات أنهت 30 عاماً من حكم الرئيس السابق عمر البشير.

لم يكن محمد، بائع الفاكهة، بين من فروا من الخرطوم، بل واصل عمله في السوق، ولكن «بحذر شديد، لأن الهجمات كانت متكررة» لا سيما على المتاجر. ويفيد سكان الخرطوم بأنهم عاشوا في خوف مستمر من النهب والاعتداءات التي يرتكبها المقاتلون المتجولون في الشوارع.

وفي مارس (آذار) من العام الماضي شنّ الجيش هجوماً على العاصمة ومناطق وسط السودان، انتهى بإحكام السيطرة على الخرطوم وإخراج مقاتلي «الدعم السريع» إلى غرب البلاد، مما كشف عن حجم الدمار الذي خلّفته الحرب.

طريق طويل للتعافي

جندي سوداني أمام مبنى القصر الجمهوري الذي تعرض لدمار هائل إبان أيام الحرب في الخرطوم (أ.ب)

يجلس آدم حماد تحت مظلة تحميه وبضاعته من الشمس، مؤكداً في حديثه مع «وكالة الصحافة الفرنسية» أن «السوق ليست كما كانت، لكنها أفضل بكثير مما كانت عليه عندما كانت (قوات الدعم السريع) هنا».

في أزقة السوق الضيقة المتربة تتراكم الفواكه والخضراوات على أكشاك مؤقتة أو أغطية بلاستيكية على الأرض. لم تعد الخرطوم، التي أنهكتها المعارك وحُوصرت بعض أحيائها لأشهر، مهددة بالمجاعة التي تجتاح ساحات المعارك في مناطق أخرى. ولكن مع انهيار الاقتصاد ما زال توفير احتياجات الحياة اليومية أمراً صعباً.

وقال حماد: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر، المؤن والعمالة والنقل». ويوضح حماد أن ارتفاع الأسعار سببه صعوبة وصول البضائع إلى الخرطوم.

وتشهد معظم مناطق السودان قطعاً للطرق والاتصالات، مما يجعل الانتقال بين المدن أمراً صعباً ومكلفاً.

تدهور كبير للعملة

العملة السودانية (مواقع التواصل)

ومنذ سنوات، يشهد السودان معدلات تضخم تتجاوز 100 في المائة. وفي عام 2024 وصل التضخم إلى 151 في المائة بعد ذروة بلغت 358 في المائة عام 2021.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً حيث انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

ويقول مُدرّس تحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه كان قادراً على تحمل نفقات عائلته قبل سنوات قليلة، لكنه اليوم لم يعد قادراً على دفع إيجار منزله براتبه الشهري البالغ 250 ألف جنيه سوداني (نحو 71 دولاراً). ومن أجل تحمل تكاليف إطعام طفليه وتوفير رسوم التعليم والرعاية الصحية يضطر إلى «العمل في السوق أو في أي مكان آخر» في أيام عطلته.

وأضاف، طالباً عدم ذكر اسمه حفاظاً على خصوصيته: «تجنباً للمشكلات مع الأجهزة الأمنية لا بد من العمل في وظيفة أخرى لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية».

ويرى البائع آدم حماد أن طريق التعافي سيكون طويلاً، قائلاً: «لا نملك موارد ولا أيدي عاملة ولا سيولة كافية في السوق» بالإضافة إلى الانقطاع المستمر للكهرباء. وأضاف «تسعى الحكومة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. إن شاء الله ستعود الكهرباء قريباً وترجع الخرطوم إلى ما كانت عليه».