«سوريا الصغيرة» في مصر: كيانات وروابط «مُشتتة»

تواصل «سوشيالي» يُعوض غياب «تجمعات الجالية»

لقاء سابق بين أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا (جمعية الجالية السورية بمصر)
لقاء سابق بين أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا (جمعية الجالية السورية بمصر)
TT

«سوريا الصغيرة» في مصر: كيانات وروابط «مُشتتة»

لقاء سابق بين أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا (جمعية الجالية السورية بمصر)
لقاء سابق بين أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا (جمعية الجالية السورية بمصر)

ارتبط الوجود السوري «اللافت» في الأحياء المصرية على مدى أكثر من عقد بتشكيلات كثيرة من الروابط والكيانات، تقدم خدماتها للجالية الوافدة، غير أن الشاب السوري (الثلاثيني)، شاهر رجوب، لا يرى حالياً وجود تأثير لتلك التجمعات، بعد أن تجاوزتها حالة اندماج السوريين داخل المجتمع المصري، إلى جانب توقف نشاط غالبية الروابط.

ويُقيم الشاب السوري في إحدى ضواحي مدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة)، منذ قدومه مع والدته وشقيقه عام 2013، وهي منطقة تشتهر بكثرة عدد السوريين فيها، كما تضم عشرات المطاعم والمقاهي والمحلات السورية.

زحام أمام أحد المطاعم السورية بمصر - (صفحة المطعم على فيسبوك)

و«رغم انتشار المطاعم والمحال التي يعمل بها ويديرها سوريون، فإن هذا العدد الكبير يفتقد لروابط وكيانات فعّالة في الوقت الراهن بعد أن باتت مُشتتة بلا تأثير، على عكس حضورها النشط في أعقاب الثورة السورية عام 2011»، وفق شاهر رجوب.

يتذكر رجوب، الذي يعمل مصوراً، البدايات الصعبة عند وصوله إلى مصر، فقد آثر العمل على استكمال دراسته لضيق الحاجة، واضطر إلى الانخراط في أكثر من عمل على مدار اليوم، لتأمين عيشه، لكنه يؤكد أن ما خفف عبء سنوات كفاحه الأولى هو الدعم الإغاثي، الذي كانت تقدمه مؤسسات وكيانات سورية للأسر الوافدة، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

مركز تعليمي سوري بمصر -(مؤسسة سوريا الغد)

وشاهر رجوب واحد من بين نحو مليون ونصف المليون سوري يقيم في مصر، وفق المنظمة الدولية للهجرة، وارتفع عدد المسجلين لدى مفوضية شؤون اللاجئين إلى نحو 153 ألف سوري، ليشكلوا ثاني أكبر نسبة لاجئين في مصر، بعد السودانيين بنسبة 17 في المائة.

روابط غير فاعلة

مع ازدياد أعداد السوريين الوافدين إلى مصر بعد عام 2011، أسس نشطاء ورموز بالجالية السورية «رابطة» لدعم الوافدين، تنوعت مساعداتها، ما بين مراكز تعليمية، كانت تستقبل نحو 3500 طفل سوري، ومبادرات لدعم الأسر غير القادرة، حسب الرئيس السابق لرابطة الجالية السورية في مصر، راسم الأتاسي.

غير أن الأتاسي أشار لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن نشاط (رابطة السوريين)، «تجمّد منذ عام 2020، مع وقف التجمعات بسبب جائحة (كورونا)، وتوقف مصادر تمويلها من المؤسسات المانحة عربياً ودولياً»، منوهاً بوجود كيان رسمي للجالية السورية تأسس قبل سنوات، لكن تأثيره يظل محدوداً كون غالبية أعضائه من رجال الأعمال.

خدمات تقدمها جمعيات سورية بمصر - (مؤسسة سوريا الغد)

وأقامت الجالية السورية كياناً تنظيمياً في صيغة «جمعية أهلية»، ومنحتها الصفة الرسمية بإشهار من وزارة التضامن المصرية في عام 2018، ويرأسها رجل الأعمال السوري، باسل سماقية، ولم يخرج نشاط الجمعية خلال عام 2024، عن لقاءات مع السفير السوري بالقاهرة حسام الدين آلا، وبعض الأنشطة الخيرية.

مراكز التعليم السورية - (مؤسسة سوريا الغد)

وقبل تأسيس رابطة الجالية، كان الحضور الأبرز لائتلافات قوى المعارضة السياسية بين أعضاء الجالية، بعد أن اتخذ كثير من التيارات السياسية مقرات لها بالقاهرة، بعد الثورة السورية في 2011، منها «مجلس سوريا الديمقراطية»، وأيضاً «الائتلاف الوطني لقوى الثورة»، و«تيار الغد السوري»، حسبما يروي الكاتب والمحلل السوري، عبد الرحمن ربوع.

ورغم أن الكيانات السياسية كانت تسهم في تأمين الخدمات المعيشية للجالية، فإن كثيراً من مكاتبها أُغلق بعد عام 2016، وانتقل نشاطها لدول أخرى مثل تركيا والعراق، وفق حديث ربوع لـ«الشرق الأوسط»، وعزا ذلك إلى «مغادرة غالبية مؤسسي تلك الائتلافات مصر»، وقال إن الأسر المقيمة تعتمد حالياً على «المبادرات الفردية، ونشاط الجمعيات الخيرية ومفوضية شؤون اللاجئين».

جمعيات أهلية

تمتلك الجمعيات الأهلية والمؤسسات الخيرية النشاط الأكبر في أوساط المهاجرين السوريين حالياً، حيث تقدم أكثر من 10 جمعيات، أسسها نشطاء سوريون (بإشهار رسمي من الحكومة المصرية)، خدماتها لدعم الأسر غير القادرة، خصوصاً الأيتام والأرامل، إلى جانب تقديم نشاط تعليمي للأطفال، وفق مدير مؤسسة «سوريا الغد»، ملهم الخن، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن نشاط هذه المؤسسات امتد ليشمل جنسيات أخرى مثل السودانيين واليمنيين.

وتعدّ «سوريا الغد»، واحدة من المؤسسات الأهلية السورية، وتم إشهارها قانوناً عام 2013، ووسعت من نشاطها، بفضل تبرعات رجال أعمال سوريين، وشراكات مع منظمات دولية، مثل الاتحاد الأوروبي ومفوضية شؤون اللاجئين، لتقيم فروعاً لها في عدد من المدن المصرية، مثل العبور ودمياط والعاشر من رمضان، ووصل عدد المستفيدين من خدماتها إلى نحو 76 ألف فرد، بإجمالي نحو 15 ألف خدمة سنوياً، وفق ملهم الخن.

أعضاء مجلس إدارة الجالية السورية بمصر في زيارة لإحدى المصانع السورية بمصر - (جمعية الجالية السورية بمصر)

من جهته، يرى راسم الأتاسي أن نشاط تلك الجمعيات «غير كافٍ، ولا يلبي كل احتياجات السوريين المقيمين في المدن المصرية»، عادّاً الدعم الذي تقدمه «لا يغطي سوى نحو 60 في المائة من متطلبات معيشة الأسر السورية».

مدارس سورية

ولا تواجه الجالية السورية إشكالية كبيرة في تأمين التعليم لأبنائها، فقد استفاد السوريون من استثناءات الحكومة المصرية بإتاحة التحاق أبنائهم في المدارس المصرية، إلى جانب أنشطة المراكز التعليمية، التابعة للجمعيات الخيرية، وتشكل أحد الحلول الأساسية لتأمين التعليم لأبناء السوريين بأسعار رمزية، وفق مدير مؤسسة «سوريا الغد».

غير أن الأتاسي يرى أن «عدد المدارس السورية غير كافٍ»، مشيراً إلى أن «هناك نحو 60 ألف طالب سوري يدرسون في مصر، مقابل 10 مدارس بمحافظات القاهرة والجيزة ودمياط والإسكندرية»، وقال إن بعض الطلاب «تركوا التعليم بسبب عدم استطاعة أسرهم تأمين تكلفة تعليمهم».

روابط «سوشيالية»

لم تعد نسبة كبيرة من الجالية في حاجة إلى دعم إغاثي وإنساني، كانت تقدمه روابط الجالية، وفق شاهر رجوب، مشيراً إلى أن «معظم السوريين باتوا يعتمدون على أنفسهم، من خلال الاستثمارات والأعمال، التي توفر فرص عمل لأعضاء الجالية»، وقال إن «كثيراً من الخدمات والإغاثات بات يقدم عن طريق مجموعات التواصل الاجتماعي حالياً، التي تضم عدداً كبيراً من الجالية».

نشاط المؤسسات السورية امتد لجنسيات أخرى منها السودانية - (مؤسسة سوريا الغد)

وتعتمد نسبة كبيرة من السوريين في مصر، في تواصلهم اليومي، على منصات التواصل الاجتماعي، لتأمين الاحتياجات المعيشية لغير القادرين، وفق ملهم الخن، الذي يشرف على «غروب» تواصل على منصة «فيسبوك» يضم أكثر من 150 ألف سوري.

ويقول الخن إن «المجموعة توفر تواصلاً أسرع وأوسع مع أعضاء الجالية، خصوصاً لتقديم الخدمات والتوعية لأعضاء الجالية».

تكهنات التغيير

يثير التغيير الذي شهدته سوريا أخيراً، بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتولي إدارة جديدة للبلاد، التكهنات بشأن مستقبل روابط الجالية السورية، خصوصاً أن شاهر رجوب يرى أن «كثيراً من السوريين لا يعترفون بأي رابطة تمثلهم حالياً»، لكنه يعتقد أن «الفترة الحالية تحتاج روابط فاعلة، أكثر من أي وقت مضى، لدعم الراغبين في العودة لسوريا، وتأمينهم من وقائع الاحتيال والنصب من شركات السفر الوهمية»، وفق تعبيره.

نشاط الحرف اليدوية لسوريين بمصر - (مؤسسة سوريا الغد)

ورغم أن راسم الأتاسي لا يتوقع تغييراً في مستوى فاعلية الروابط السورية، بعد سقوط نظام الأسد، فإن ملهم الخن يرى أن التغيير في سوريا «سيعزز من روابط أعضاء الجالية»، وقال إن «هناك رغبة لدى سوريين لتدشين روابط وتجمعات جديدة، كالتجمعات المهنية للأطباء والمهندسين».


مقالات ذات صلة

هل أسهمت الحرب الإسرائيلية على لبنان في عودة السوريين إلى بلدهم؟

المشرق العربي نازحون سوريون يعودون إلى بلدهم عبر معبر «المصنع» بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

هل أسهمت الحرب الإسرائيلية على لبنان في عودة السوريين إلى بلدهم؟

لا يزال نحو مليون لاجئ سوري في لبنان يرفضون العودة إلى بلادهم، رغم جولات الحرب المتتالية التي تشهدها البلاد وعدم استقرار الأوضاع الأمنية.

بولا أسطيح (بيروت)
الولايات المتحدة​ أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)

إدارة ترمب بصدد ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو

تجري إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات لترحيل مئات اللاجئين الأفغان ممن ساعدوا الجيش الأميركي في حربه ضد «طالبان»، إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات تلتقي وزيرة التعاون الألمانية ريم العبلي رادوفان (السفارة السورية في برلين)

عام على تأسيس منصة «بداية جديدة في سوريا»... وزيرة التنمية الألمانية تدعو إلى حماية التنوع

أسهمت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية هند قبوات التي كانت حاضرة في لاحتفال بمرور عام على تأسيس «منصة بداية جديدة في سوريا» ببرلين.

راغدة بهنام (براين)
أوروبا الشرطة خلال مهمة بمدينة لايبزيغ الألمانية 21 أبريل 2026 (د.ب.أ)

شبكة تهريب في ألمانيا تستخدم تصاريح إقامة لاجئين سوريين

أطلقت الشرطة الألمانية، الثلاثاء، عملية واسعة لتفكيك شبكة يُشتبه في استغلالها تصاريح إقامة تعود إلى لاجئين سوريين بهدف إدخال آخرين إلى البلاد بشكل غير قانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».