مصر: ارتفاع الإيجارات يغير العناوين والشرائح الاجتماعية

زيادة أسعار السكن بمتوسط 250 %

مشروع إسكان اجتماعي حكومي في منطقة حدائق أكتوبر (الشرق الأوسط)
مشروع إسكان اجتماعي حكومي في منطقة حدائق أكتوبر (الشرق الأوسط)
TT

مصر: ارتفاع الإيجارات يغير العناوين والشرائح الاجتماعية

مشروع إسكان اجتماعي حكومي في منطقة حدائق أكتوبر (الشرق الأوسط)
مشروع إسكان اجتماعي حكومي في منطقة حدائق أكتوبر (الشرق الأوسط)

يترقب محمود حسين (اسم مستعار) شهر مايو (أيار) المقبل بقلق، ففيه ينتهي عقد إيجاره لشقة متوسطة في حي حدائق الأهرام (جنوب القاهرة) مقابل 2500 جنيه شهرياً (الدولار نحو 48.27 جنيه)، بما يعادل نحو 10 في المائة من دخله الذي ينفق منه على أسرة مكونة من 4 أفراد، بينهم طفلان على مشارف الالتحاق بالمدرسة.

وقتها سيكون على حسين الذي يعمل صحافياً في قناة فضائية عربية، أن يختار بين عدة أمور كلها مُرٌّ بالنسبة إليه، إما البقاء في منزله وإعادة جدولة مصروفه الشهري وسبل إنفاقه، وإما الانتقال إلى سكن آخر لا يعلم وجهته حتى الآن، نتيجة ارتفاع الإيجارات في المنطقة التي يقطن بها بشكل «مبالغ فيه»، على نحو قد لا يستطيع مجاراته.

وحمّل الصحافي المسؤولية لـ«السودانيين الذين يتمركزون في المنطقة، ويدفعون إيجارات تصل إلى 8 آلاف جنيه، هم ضيوفنا وأهلاً وسهلاً بهم، لكن لا ينبغي أن نتضرر نحن أهل البلد».

بنايات على نيل القاهرة (الشرق الأوسط)

وسبق وأقرّ رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي في 8 أغسطس (آب) الماضي لأول مرة بأزمة الإيجارات، قائلاً: «ليس لنا تدخل بهذا الشأن... والسوق يحتكم للعرض والطلب»، لكنه طمأن بأن «أزمة ارتفاع الإيجارات مؤقتة وليست دائمة».

وتضاعفت أسعار الإيجارات بمتوسط نسبة 250 في المائة في السوق العقارية المصرية مقارنةً بين الربع الأول من عام 2023 ونفس الفترة في العام الجاري، وفق ما جاء في تقريرين نشرهما «ماركت واتش» للسوق العقارية، حول أسعار الوحدات في شركات المقاولات الكبرى.

وقدَّر التقرير الأول متوسط إيجار الشقة في منطقة «6 أكتوبر» المكونة من غرفة نوم واحدة بـ8 آلاف جنيه، وذات الغرفتين بـ9 آلاف جنيه، والغرف الثلاث بـ12.5 ألف جنيه، بينما قفزت الأسعار خلال الربع الأول من العام الجاري إلى 20 ألف جنيه للغرفة الواحدة و25 ألف جنيه لغرفتين و29 ألف جنيه لثلاث غرف.

مشهد علوي من العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)

ورغم أن حسين لا يقطن في أيٍّ من هذه الشقق المرفهة، لكنه مهدَّد بترك شقته ومنطقته متوسطة المستوى إلى منطقة بإيجار أقل، مما يمثل هبوطاً في الدرجات الاجتماعية. ويشارك حسين «الشرق الأوسط» خياراته: «أعيش في قلق مستمر، لست متأكداً من أنني سأجد شقة بسعر مناسب في منطقة مماثلة».

على بُعد نحو 9 كيلومترات من حسين، وتحديداً في منطقة الهرم يراقب أحمد سمير الشهير بـ«أبو يوسف»، حركة التغيرات المجتمعية في منطقته؛ رحيل سكان وقدوم آخرين، في حركة مستمرة.

«أبو يوسف»، وهو رئيس اتحاد ملاك في عمارته وسمسار عقارات في المنطقة نفسها، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن الإيجارات ارتفعت من ألفين و3 آلاف جنيه إلى 8 آلاف جنيه بسبب تمركز السودانيين في المنطقة وقبلهم السوريون واليمنيون.

يحكي «أبو يوسف» عن أن كثيرين، ممن لا يملكون شقق تمليك ويعيشون في إيجار، اضطروا إلى الانتقال إلى مناطق أخرى أقل في المستوى، قائلًا: «مَن كانوا يسكنون في الهرم وفيصل أصبحوا يتوجهون إلى مناطق مثل صفط اللبن وبهتيم وكرداسة». ولفت إلى أن الإيجارات في هذه المناطق ارتفعت هي الأخرى، «الشقة لا تستحق أكثر من 500 جنيه، أصبحت تؤجر بألفين و3 آلاف جنيه».

عائلة مصرية بإحدى المناطق التابعة لحي الهرم جنوب العاصمة تلملم أثاثها قبل الانتقال إلى مقر سكني جديد بعد انتهاء عقد إيجار شقتهم (الشرق الأوسط)

لا تنتهي تحديات الأسر المصرية التي تعجز عن مجاراة ارتفاع أسعار الإيجارات بمجرد الانتقال من منطقة إلى أخرى، بل «تبدأ»، وفق أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس الدكتورة سامية خضر، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «الانتقال يعني نقل الطفل من مدرسته إلى مدرسة أخرى، وإخراجه من بيئة عادةً ما تكون أفضل، إلى أخرى ترتفع فيها المخاطر».

وأشارت خضر إلى أن «الأطفال أكثر قدرة على التكيف عند نقلهم من مكان إلى آخر، لكن ذلك يضع مخاطر وأعباءً إضافية، إذ تصبح البيئات الجديدة مصدر تعليم لهم يستقون منها سلوكياتهم».

شاهد «أبو يوسف» كثيراً من الأسر تُخرج أبناءها من مدارس إلى أخرى تخفيفاً للنفقات، وتُعدل من نمط معيشتها خصوصاً في التغذية، فتقلل من تناول اللحوم، في محاولة لعدم ترك منازلهم أو بعد الانتقال منها.

وتشهد مصر موجات متتالية من التضخم، إذ سجل مستوى التضخم على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي 26.2 في المائة، مقارنةً بـ25.7 في المائة في يوليو (تموز)، حسب آخر بيانات لـ«الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» الصادرة في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتشير خضر إلى أن تغير نمط المعيشة يشمل وضع قيود على تصرفات هذه الأسر، خصوصاً النساء فيها، إذ يصبحن تحت رقابة مجتمعية إضافية عند انتقالهن إلى منطقة جديدة، «تضطر السيدة إلى تغيير نمط معيشتها وتنقلاتها وملابسها أحياناً».

تتفق معها أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس الدكتورة هالة منصور، محذرةً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من أن نمط الحياة الذي يغلب عليه الانتقال المستمر، وعدم الاستقرار في سكن واحد، يثير كثيراً من المشكلات الأسرية، وترتفع في ظله نسب الطلاق.

كما تخشى منصور من الاحتقان الشعبي تجاه الوافدين «الآتين بقدرات مالية عالية وتسببوا في ارتفاع الإيجارات... بالنسبة للمواطن هم سبب مشكلته»، مطالبةً الدولة بالتدخل: «لا بد من فرض ضرائب على الوافدين، أو وضع قيود لضبط سوق العقارات من الحكومة».

العاصمة المصرية القاهرة (أ.ف.ب)

في خضم أزمة الإيجارات، قررت الحكومة المصرية في سبتمبر (أيلول) الماضي، رفع القيود عن تشييد وحدات جديدة في المدن، بالعودة إلى قانون البناء الصادر عام 2008. ووفق قانون العرض والطلب، توقع كثيرون أن يسهم القرار في الحد من مشكلة السوق العقارية.

لكنَّ عضو «شعبة الاستثمار العقاري» في «غرفة القاهرة التجارية» علاء فكري، استبعد ذلك، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن كلمة خفض ليست واردة في السوق العقارية، «اللي بيرتفع مبينزلش تاني»، مُقراً بالارتفاعات الكبيرة التي لا تتناسب مع متوسط الدخول. وتابع: «الأسعار لا تُبنى على متوسط دخل الأفراد، لكن تُبنى على العرض والطلب».

يختلف معه رئيس «شعبة مواد البناء» في الغرفة التجارية أحمد الزيني، قائلًا لـ«الشرق الأوسط»: «مع زيادة البناء وعودة السودانيين إلى بلادهم، سيزيد العرض وتنخفض الأسعار»، متفقاً مع رئيس الحكومة في أن الأزمة «مؤقتة».

يصف الصحافي في القناة الفضائية، الذي يعد دخله نحو 4 أضعاف الحد الأدنى للأجور في مصر والبالغ 6 آلاف جنيه، ما يمر به بـ«لعبة دراماتيكية»، عند حديثه عن صعوبة مجاراة العرض والطلب، في إشارة إلى أن خياراته المقبلة لن تسلم من استغناء أو تنازلات، وأنه مُعرّض كل يوم لأن ينزل درجة في السلم الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

شمال افريقيا البنك المركزي المصري (رويترز)

المديونية المصرية «ثقيلة» في 2026... لكن السداد «ممكن»

تحدثت بيانات للبنك الدولي، الأحد، عن الالتزامات الخارجية على مصر والمتمثلة في سداد أقساط القروض وفوائدها وتبلغ نحو 38.65 مليار دولار خلال فترة تمتد لتسعة أشهر

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات في مصر، خصوصاً الفارهة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصطفى مدبولي خلال زيارة «ميناء العريش» الأحد (مجلس الوزراء المصري)

خطة استراتيجية مصرية لتنمية متكاملة بشمال سيناء

قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن رؤية الدولة في تنمية شمال سيناء تتركز على أن تكون هذه المنطقة مقصداً للاستثمار، ومركزاً عمرانياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال اجتماع مع وزير المالية لبحث نتائج اجتماعه مع صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: جدل «التداعيات الاقتصادية» لا ينحسر مع مؤشرات التهدئة بالمنطقة

لا يزال جدل «التداعيات الاقتصادية» للحرب الإيرانية على مصر، مستمراً في مصر، رغم مؤشرات التهدئة في المنطقة أخيراً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من اجتماع سابق داخل حزب «الوفد» المصري (حزب الوفد)

خلاف بين أحزاب مصرية على أسبقية تعديلات «قوانين الأسرة»

منذ أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة بإدخال تعديلات على القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية، نشطت أحزاب للتعبير عن رؤيتها بشأن هوية القوانين الجديدة

عصام فضل (القاهرة)

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
TT

انتشال جثامين 23 مهاجراً قذفها البحر إلى سواحل ليبية

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)
جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

لقي 23 مهاجراً غير نظامي مصرعهم في حادثتين منفصلتين قبالة السواحل الليبية، في مأساة جديدة تسلط الضوء على استمرار مخاطر الهجرة غير النظامية وسط البحر المتوسط.

ففي الحادثة الأولى، غرق قارب يقل مهاجرين غير نظاميين، مساء السبت، قبالة سواحل مدينة طبرق شرق البلاد. وقال الهلال الأحمر الليبي، الأحد، إنه تم إنقاذ 4 أشخاص وانتشال 6 جثامين يعتقد أنها لمهاجرين غير نظاميين، ولا يزال البحث مستمراً عن بقية المفقودين.

جانب من انتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا يوم الأحد (الهلال الأحمر)

أما في الغرب الليبي، فقد أعلن مركز طب الطوارئ والدعم، التابع لوزارة الصحة بحكومة «الوحدة» المؤقتة، انتشال 17 جثماناً لمهاجرين جرفتها الأمواج إلى شواطئ مدينة زوارة والمناطق المجاورة خلال الأيام الماضية.

وأوضح المركز أنه استكمل إجراءات دفن 14 جثماناً وفق الضوابط القانونية والإنسانية، فيما نقل جثماناً واحداً إلى طرابلس بعد التعرف على هويته، وهو مهاجر من بنغلاديش، وتسليمه إلى أسرته، بينما تتواصل الإجراءات للحالتين المتبقيتين.

وأعربت السلطات الليبية عن أسفها لهذه الحوادث، مؤكدة استمرار جهود خفر السواحل والفرق الطبية في عمليات البحث والإنقاذ والتعامل مع الجثامين باحترام.

ولم تصدر وزارة الداخلية أو حكومة الوحدة بياناً رسمياً مفصلاً حتى الآن.

انتشال جثامين لمهاجرين في زوارة بغرب ليبيا (مركز الطوارئ والدعم)

وسبق ودعت منظمة الهجرة الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مراراً إلى تعزيز آليات البحث والإنقاذ في المتوسط، وتوفير طرق هجرة آمنة وقانونية، مشيرة إلى ارتفاع حاد في عدد الضحايا؛ حيث اقترب إجمالي الوفيات والمفقودين في البحر المتوسط خلال عام 2026 من ألف شخص، مع تركز معظمها في الطريق الليبي - الإيطالي.

ويُعد الطريق الليبي نحو أوروبا أحد أخطر طرق الهجرة في العالم؛ بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في ليبيا، وضعف قدرات خفر السواحل، واستغلال شبكات التهريب للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا.

وتتكرر مثل هذه الحوادث بشكل شبه يومي، مما يحول البحر المتوسط إلى «مقبرة مفتوحة»، ويثير انتقادات دولية متزايدة حول مسؤولية الدول الأوروبية وليبيا معاً في مواجهة هذه الظاهرة.

وتشير التقارير إلى أن آلاف المهاجرين يحاولون عبور المتوسط شهرياً انطلاقاً من سواحل زوارة وطبرق ومناطق أخرى، رغم المخاطر الشديدة، والتعامل القاسي أحياناً من قبل السلطات، والظروف الإنسانية الصعبة في مراكز الاحتجاز الليبية.

Your Premium trial has ended


القائد المنشق من «الدعم السريع» يصل مناطق الجيش السوداني

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
TT

القائد المنشق من «الدعم السريع» يصل مناطق الجيش السوداني

النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)
النور القبة الضابط البارز المنشق عن «قوات الدعم السريع» (متداولة)

وصل، الأحد، القائد المنشق من «قوات الدعم السريع»، اللواء النور أحمد آدم، الشهير بـ«النور القُبة»، إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني، وذلك بعد نحو أسبوع من اختفائه، إثر تداول أنباء مكثفة عن انضمامه إلى الجيش.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطعاً يصور القائد المنشق وهو يُلقي التحايا على أفراد يرتدون زي الجيش في منطقة لا تبدو واضحة المعالم.

وفي حين لم يصدر بعد تعليق رسمي من الجيش، أعلن «مجلس الصحوة الثوري» وصول القائد المنشق والقوى المرافقة له بسلام إلى مواقع سيطرة الجيش.

و«مجلس الصحوة الثوري» ميليشيا قبلية يقودها مؤسس «الجنجويد» موسى هلال؛ وهو زعيم أهلي معقله الرئيسي بلدة مستريحة في ولاية شمال دارفور بغرب السودان، وكان قد أعلن من وقت باكر ولاءه للجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع».

وقال «مجلس الصحوة» في بيان، يوم الأحد، إن ثلاثة من ضباط «الصحوة» وعشرات الجنود، رافقوا الضابط المنشق من المناطق الواقعة في شمال إقليم دارفور إلى مواقع سيطرة الجيش.

ومنذ قرابة أسبوع على تداول أنباء انشقاقه، انقطعت الأخبار عنه في وقت راج فيه الحديث عن معارك عنيفة دارت في مناطق صحراوية بشمال دارفور، لقطع الطريق أمامه والقوة المرافقة له ومنعهم من الوصول إلى مناطق تقع تحت سيطرة الجيش.

وبثت منصات موالية لـ«الدعم السريع» مقاطع فيديو تزعم أنها لأسرى وسيارات قتالية تم الاستيلاء عليها بعد اشتباكات جرت مع قوات الضابط المنشق، النور القبة، في طريق فراره من دارفور.

وفي وقت سابق، أشارت مصادر عسكرية إلى أن «قوات الدعم السريع» كانت قد دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة لمحاصرة القائد المنشق للقبض عليه، بينما نفت خروجه بقوات كبيرة على متن عشرات السيارات القتالية بحسب ما تردد.

ويُرجح على نحو واسع أن انشقاق النور القبة يرتبط ارتباطاً وثيقاً باجتياح «الدعم السريع» بلدة مستريحة في فبراير (شباط) الماضي، وأفادت تقارير وقتها بأنه تم تأمين ممر آمن لخروج موسى هلال من المنطقة تحت حماية أفراد من عشيرته في «قوات الدعم السريع».

نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية في مخيم للاجئين السودانيين بشرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

يذكر أن النور القبة، ثاني قائد عسكري رفيع ينشق من «قوات الدعم السريع» بعد أبو عاقلة كيكل الذي مُنح «عفواً عاماً» من القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان. ولاحقاً أسس كيكل ميليشيا تحت مسمى «قوات درع السودان» يتحدر غالبية مقاتليها من مجموعة سكانية واحدة يتركز ثقلها في مناطق البطانة وشرق الجزيرة بوسط السودان، وتخضع حالياً للجيش.

ويُعدّ القبة من كبار القادة العسكريين في «قوات الدعم السريع»، ويصفه البعض بأنه الثالث في الهرم القيادي العسكري، وقاد الكثير من المعارك في الخرطوم والجزيرة وكردفان إلى حصار مدينة الفاشر وسقوطها.

ويسود شعور متزايد من الاستياء في الأوساط الشعبية من استقبال الجيش للمنشقين من «قوات الدعم السريع» الذين يُتهمون بالاشتراك في المسؤولية الجنائية عن ارتكاب انتهاكات وفظائع ضد المدنيين، بينما تتواصل محاكمة المدنيين بمزاعم التعاون مع «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على ولايات الخرطوم والجزيرة.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، أعلن رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، مراراً العفو العام عن كل من يلقي السلاح، وعلى وجه الخصوص من «قوات الدعم السريع».


ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
TT

ليبيا: المنفي يطلب من الدبيبة وقف وزير خارجية «الوحدة» عن العمل

المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)
المنفي يتوسط الدبيبة (إلى اليمين) وموسى الكوني النائب بالمجلس الرئاسي في 11 يونيو 2024 (المجلس الرئاسي)

في تصعيد جديد لصراع الصلاحيات في ليبيا بين رئيس «المجلس الرئاسي» محمد المنفي ورئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، طلب المنفي إيقاف وزير الخارجية المُكلّف في حكومة «الوحدة»، طاهر الباعور، عن العمل؛ في وقت باركت فيه الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي التوقيع على أول «ميزانية وطنية موحّدة» لهذا العام، بوصفها «نقطة تحوّل» نحو إنهاء الانقسام.

وقال المنفي في بيان أصدره، الأحد، إنه قرر «إيقاف الباعور عن مباشرة أي مهام تتعلق بالتمثيل الخارجي أو الاتصالات الدبلوماسية».

كما طلب المنفي من حكومة الدبيبة «عرض مرشح رسمي لتولي منصب وزير الخارجية وفق الأصول القانونية المقررة»، محذراً من أن «أي إجراء منفرد يؤدي إلى إرباك القنوات الدبلوماسية، وتعريض الموقف السيادي للدولة للالتباس». وأضاف أن وزارة الخارجية «حقيبة سيادية»، وأن أي تكليف أو ترتيب إداري يتعلق بها «يتطلب التشاور الإلزامي».

وتصاعدت حدة الخلافات بين المنفي والدبيبة مؤخراً بسبب محاولات التعديل الوزاري الأخير في حكومة «الوحدة»، والتي عدّها «المجلس الرئاسي» مخالِفة، لكونها «حكومة تصريف أعمال» وتتطلب تشاوراً وطنياً واسعاً، خصوصاً في الحقائب السيادية.

وسبق للمنفي و«المجلس الرئاسي»، الذي يحتفظ بصلاحيات سيادية، مثل التمثيل الخارجي والدفاع، أن حذّرا الدبيبة من أي تعديلات وزارية أحادية الجانب.

ويخشى مراقبون أن يؤدي هذا التصعيد إلى تعميق الانقسام المؤسسي، وإرباك الجهود الدولية للخروج من الأزمة، خصوصاً مع استمرار وجود حكومتين موازيتين في الشرق والغرب، وتأثير ذلك على الاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد.

ولم يصدر ردّ رسمي فوري من حكومة «الوحدة» أو وزارة خارجيتها على بيان المنفي.

وكان الباعور قد زار الخميس الماضي النيجر، وبحث مع رئيس حكومتها علي الأمين العلاقات الثنائية، ونقل رسالة شفهية من الدبيبة.

في المقابل، أعلن الدبيبة «نجاح حكومته في بناء جيش منظم»، معرباً عن أمله في الوصول إلى جيش موحد بدعم من تركيا وباقي الدول الإقليمية. وقال في مقابلة تلفزيونية على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» مساء السبت: «نجحنا في تكوين جيش منظم، ونريد دعم تركيا»، وأكد السعي من خلال الجهود الدولية والمحلية لتوحيد الجيش، لافتاً إلى نجاح الحكومة أيضاً لأول مرة، منذ 13 عاماً، في إنجاز ميزانية تنموية موحدة لكل ليبيا.

ووسط تفاؤل دولي، رحّبت الولايات المتحدة و9 دول فاعلة في الملف الليبي، في بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية الأميركية مساء السبت، بتوقيع ليبيا على «ميزانية وطنية موحدة» للعام الحالي، واصفة الخطوة بأنها «نقطة تحول حاسمة» لإنهاء الانقسام الاقتصادي بين شرق البلاد وغربها.

وأثنى بيان لحكومات السعودية ومصر وقطر والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وترکیا وبريطانيا وأميركا على «النهج البنّاء» للقادة الليبيين في الوصول إلى هذا الاتفاق الذي وُقّع الأسبوع الماضي، مؤكداً أنه سيُعزز الوحدة والاستقرار.

وعدّ البيان أن هذه الخطوة تُمثل ركيزة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القادة في شرق البلاد وغربها، كما أشاد بـ«النهج البنّاء الذي سلكته الأطراف الليبية للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للوحدة والاستقرار والازدهار».

وتعهد المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، في بيان مساء السبت، بمواصلة هذه الدول، مع رئيسة بعثة الأمم المتحدة هانا تيتيه، دعم الجهود الليبية الرامية لتعزيز الوحدة.

وكان بولس قد أعلن عقب لقائه الدبيبة على هامش «أنطاليا الدبلوماسي» عن ترحيب بلاده بالخطوات الأخيرة نحو التكامل الاقتصادي والعسكري في ليبيا، وأكد الأهمية الاستراتيجية لخطوة التوقيع على «ميزانية وطنية موحدة»، معتبراً إياها ركيزة أساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد.

كما أشاد بولس بافتتاح الجانب الليبي من تدريبات «فلينتلوك» بمشاركة لافتة لقوة مشتركة تضم عناصر من القوات الخاصة لشرق وغرب ليبيا، في خطوة تعكس تقدماً ملموساً نحو العمل العسكري الموحد.

بدورها، قالت ستيفاني خوري، نائبة رئيسة البعثة الأممية، إنها أطلعت مساء السبت، في مدينة بنغازي بشرق البلاد، رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، على التقدم المحرز في «الحوار المهيكل»، خصوصاً المسار الأمني الذي يهدف إلى اقتراح أطر لتوحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، مشيرة إلى تقديرها دعم القيادة العامة لخريطة طريق الأمم المتحدة، الهادفة إلى الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات الوطنية.

اجتماع ستيفاني خوري مع خالد حفتر رئيس أركان «الجيش الوطني» (البعثة الأممية)

وأكد من جانبه، الفريق خالد، أهمية الدفع بالمسار العسكري نحو التوحيد، من خلال آليات وطنية ومهنية، مشيداً بالجهود القائمة في إطار لجان «5+5» و«3+3»، بما يُعزز من قدرة المؤسسة العسكرية على أداء مهامها في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود ومواجهة الهجرة غير الشرعية.

كما شدد على ضرورة أن تجري جميع المسارات في إطار وطني جامع، مرحباً بدور البعثة الأممية بوصفها جهة داعمة وميسرة وفقاً لتفويضها، بما يخدم استقرار ليبيا ووحدتها. وعدّ أن تحقيق الاستقرار الأمني يُشكل أساساً لدفع عجلة الإعمار والبناء في أنحاء البلاد.