الفاشر بين الصمود والسقوط... معركة «النفَس الطويل»

تجدّد المعارك العنيفة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

نازحون سودانيون في مخيم بالقضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم بالقضارف (أ.ف.ب)
TT

الفاشر بين الصمود والسقوط... معركة «النفَس الطويل»

نازحون سودانيون في مخيم بالقضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم بالقضارف (أ.ف.ب)

تجدّدت المعارك العنيفة، السبت، في الفاشر، جنوب غربي السودان، حيث أُفيد بأن «قوات الدعم السريع» تشنّ هجوماً، في حين أفاد شهود بوقوع «عدة غارات لطيران الجيش على مناطق شرق الفاشر وجنوبها»، وبـ«سماع أصوات المضادات الأرضية».

فبعد مرور 11 شهراً على اندلاع القتال في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب البلاد)، بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، لم يحسم أي منهما الوضع لمصلحته، لتدخُل المدينة في حرب استنزاف لا تُعرف نهايتها.

لم تكن الفاشر هدفاً عسكرياً لـ«قوات الدعم السريع» قبل إعلان عدد من الفصائل الدارفورية المسلحة في نوفمبر (تشرين الثاني) التخلّي عن موقف الحياد من الصراع في البلاد، والانحياز للقتال إلى جانب الجيش السوداني، ضد «قوات الدعم السريع»، لذلك ظلّت لفترة طويلة خارج نطاق القتال.

فـ«قوات الدعم السريع» التي عُرفت بتحقيق انتصارات عسكرية خاطفة في الحرب، توقَّع الجميع سقوط المدينة في يدها خلال فترة وجيزة، إلا أن التحالف الذي تَشكَّل بين الجيش السوداني واثنتين من كُبريات هذه الحركات في دارفور، وهما «حركة جيش تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة»، خلَق واقعاً جديداً، صمدت فيه المدينة لأشهر طويلة أمام هجمات «قوات الدعم السريع»، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وعزا خبراء عسكريون تحدّثوا لــ«الشرق الأوسط» هذا الصمودَ إلى نجاح التحالف العسكري في بناء دفاعات قوية داخل المدينة وخارجها، ما أفشل الكثير من المحاولات والهجمات الكبيرة التي شنّتها «قوات الدعم السريع».

وكان الرأي الغالب أن «قوات الدعم السريع» بعد ما حققته من انتصارات ستحسم المعركة لصالحها، ما يشكّل نقطة تحوّل فارقة في مسار الحرب، ربما يدفع قيادتها إلى إعلان حكومة موازية بالبلاد في مواجهة سلطة قادة الجيش في بورتسودان.

ورأى الفريق ركن (متقاعد) محمد بشير سليمان أن «القيادة الكارزمية المؤثرة على الجنود شكّلت أحد أهم العوامل الرئيسية لصمودهم في الميدان، وتحقيق الهدف العسكري في الدفاع عن الفاشر، وكان أداؤهم فوق التصور بالاستبسال في المعارك ضد الهجمات المتتالية».

توافُق الجيش والفصائل

وحسب الخبير العسكري، فإن حالة التوافق بين الجيش السوداني وقوات الفصائل المسلحة في تشكيل حلف عسكري للدفاع عن المدينة، حالَ دون نجاح «قوات الدعم السريع» في الاستيلاء على الفاشر.

وقال سليمان لــ«الشرق الأوسط»: «إن الفاشر أصبحت على مستوى البعد الشعبي معركةَ وجود للدفاع عن حقهم في الحياة، لذلك انخرط الكثير من المواطنين في حمل السلاح، وتحمّلوا القصف المدفعي العشوائي، والقتال لحماية أهاليهم وقبائلهم؛ لأن الطرف الآخر - يقصد (قوات الدعم السريع) - لا حدّ لها في العداء، وتسعى لاستئصال هذه المجموعات السكانية من الوجود».

وأضاف أن الإجراءات العسكرية في تأسيس الدفاع على الأرض بكل مطلوباته؛ من الاستعداد للمعركة، وجمع المعلومات عن تحركات قوات العدو، مكّنت الجيش والقوات المتحالفة معه من صد كل الهجمات على المدينة.

ورأى أن شكل الصراع الذي ترى فيه بعض المجموعات السكانية أنه يستهدفها بشكل مباشر، قوّى من الروح المعنوية للقتال التي تمثّل، حسب قوله، 75 في المائة من مطلوبات الانتصار.

دخان كثيف يتصاعد في مدينة الفاشر بإقليم دارفور إثر معارك سابقة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» (د.ب.أ)

وقال: «إن الاستراتيجية العسكرية التي طُبّقت في الفاشر بنصب الدفاعات خارج المدينة، والتجهيزات العسكرية الكبيرة، والإسناد بالطيران الحربي للجيش، بجانب التفوق في جمع المعلومات الاستخباراتية لتحديد المواقع التي ستهجم منها قوات العدو، دفع الجيش والقوة المشتركة لاتخاذ تكتيكات دفاعية وهجومية في الوقت نفسه، لإحباط أي هجمات من قِبل (قوات الدعم السريع)، يمكّنها من اختراق تلك الدفاعات، والسيطرة على المدينة».

وأشار إلى أن «قوات الدعم السريع» حاولت استخدام أسلوب الاختراق والتسلُّل الليلي، بمساندة من الخلايا النائمة في الفاشر، بجانب شنِّها موجات من الهجمات المتتالية من عدة اتجاهات لتجاوز الدفاعات المتقدمة، ومن ثم محاصرة قيادة الفرقة السادسة التابعة للجيش.

وأوضح أن التكتيكات العسكرية التي لجأت إليها القوات المشكّلة من الجيش السوداني ومقاتلي الفصائل المسلحة، جعل أرض العمليات مملوكة لها في التحرك الدفاعي والهجومي، لذلك سرعان ما كانت تنجح في صد الهجمات مهما كانت قوتها، وإعادة السيطرة على المواقع التي تتقدم فيها «قوات الدعم السريع».

ارتفاع وتيرة الاشتباكات

بدوره، قال المتحدث الرسمي باسم «منسقية اللاجئين والنازحين» في دارفور، آدم رجال: «إن ارتفاع وتيرة الاشتباكات التي تجري منذ أيام في الفاشر، يجعل من الصعوبة الحديث عن صمودها لفترة طويلة».

وأضاف أن الوضع العسكري يشير إلى أن سقوط المدينة بات وشيكاً، بعد التقدم الكبير لـ«قوات الدعم السريع» في مهاجمة الأحياء السكنية، والاقتراب من محاصرة حامية الجيش.

مدينة الفاشر السودانية تعاني وضعاً إنسانياً متدهوراً (أ.ب)

وعزا رجال صمود المدينة كل هذا الوقت إلى أن الصراع أخذ الطابع الإثني والعِرقي، وهو ما دفع أبناء بعض القبائل لمساندة القوات التي تحمل السلاح، باعتبار أن هذا الصراع يهدّد وجودهم.

وقال: «إن كل الاحتمالات واردة بسقوط الفاشر، على الرغم من أن طرفَي الصراع يُخفِيان المعلومات الحقيقية عما يجري على الأرض».

وتقع الفاشر عاصمة شمال دارفور غرب السودان، وهي إحدى أقدم مدن دارفور تاريخياً وسياسياً، وظلت المدينة الوحيدة خارج سيطرة «قوات الدعم السريع» التي تسيطر على أكثر من 80 في المائة من إقليم دارفور، بعد سقوط القواعد العسكرية في مدن الجنينة ونيالا وزالنجي والضعين.

من جهة ثانية، قال ضابط متقاعد في الجيش السوداني: «إن التقديرات العسكرية تشير إلى استمرار (قوات الدعم السريع) في شنّ الهجمات المتتالية على الفاشر، ما قد يحوّل المعركة لصالحها في أي وقت، بحدوث اختراق كبير قد يؤدي إلى انهيار تماسُك القوات التي تدافع عن المدينة في أي وقت»، مشيراً إلى أن هذا ما تُعوّل عليه «الدعم السريع»، من خلال التوغل إلى وسط المدينة.

وأضاف الضابط الذي تقاعد برتبة رفيعة، وطلب حجب هويته، أن الاستراتيجية الدفاعية والهجومية التي ترتكز عليها قوات الجيش والفصائل التي تقاتل إلى جانبه، نجحت إلى حد كبير في التصدي للمحاولات المتكررة من جانب «قوات الدعم السريع» على الفاشر، لكن إلى أي مدى ستصمد؟ يبقى هذا هو المحك.

ونبّه الضابط إلى أن الجيش السوداني يعلم تماماً أن سيطرة «قوات الدعم السريع» على المعقل الأخير له في إقليم دارفور، يعني تماماً خروج غرب البلاد من قبضته، ما قد يترتب عليه بسط قوات «حميدتي» نفوذها السياسي والعسكري، وموقف قوي في أي مفاوضات مقبلة لوقف الصراع.

مرحلة حاسمة

وقال: «إذا استمر التحالف العسكري بين الجيش والفصائل المسلحة على هذا النحو، فقد يصعّب على (قوات الدعم السريع) السيطرة على المدينة»، مشيراً إلى أن الهجوم الحالي على الفاشر يُعدّ ثالث أكبر هجوم، وإفشالُه سيكون له مردود عكسي على «الدعم السريع» التي فقدت الكثير من قادتها العسكريين الميدانيين في سبيل الاستيلاء على الفاشر.

وأشار الخبراء العسكريون إلى أن معركة الفاشر دخلت مراحل حاسمة مع احتدام المواجهات في محيط المدينة الاستراتيجية هذه الأيام، ما قد يُعطي مؤشرات إلى أن انتهاء المعارك حول المدينة سيكون نقطة تحوّل حاسمة لصالح الطرف المنتصر.


مقالات ذات صلة

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

شمال افريقيا البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

دعا قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الولايات المتحدة إلى إرسال فريق للتحقيق في أي مزاعم باستخدام الجيش للسلاح الكيماوي في السودان.

شمال افريقيا من اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي (د.ب.أ) p-circle

السيسي: أمن السودان ووحدته خط أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الجمعة، أن المساس بأمن السودان ووحدته وسيادته يمثل خطاً أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان في نيويورك (الأمم المتحدة)

مجلس الأمن يمدد عقوبات دارفور لشهر بعد خلافات على توسيعها

جدد مجلس الأمن لشهر واحد فقط العقوبات المفروضة على دارفور وتتضمن حظر الأسلحة، في عملية وصفت بأنها «فنية»، بعد خلافات على توسيعها لكل السودان.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي سابق (إعلام مجلس الوزراء) p-circle

رئيس الوزراء السوداني يصف اتهامات «الكيماوي» بالكاذبة

وصف رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، الاتهامات باستخدام أسلحة كيماوية في الحرب بأنها «ادعاءات كاذبة».

أحمد يونس (نيروبي)
شمال افريقيا أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان (إكس)

«الخماسية الدولية»: لا حل عسكرياً لحرب السودان

جدّدت «الآلية الخماسية»، المعنية بالسودان، رفضها الحل العسكري للحرب، ودعت من الخرطوم إلى مسار سياسي «موثوق وشامل»، يقود إلى حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية.

وجدان طلحة (الخرطوم)

الجامعات الأهلية تُغيّر خريطة التعليم العالي في مصر

داخل حرم «جامعة حلوان الأهلية» (جامعة حلوان الأهلية)
داخل حرم «جامعة حلوان الأهلية» (جامعة حلوان الأهلية)
TT

الجامعات الأهلية تُغيّر خريطة التعليم العالي في مصر

داخل حرم «جامعة حلوان الأهلية» (جامعة حلوان الأهلية)
داخل حرم «جامعة حلوان الأهلية» (جامعة حلوان الأهلية)

يستعد الطالب المصري ياسين العدل لبدء عامه الجامعي الثاني داخل كلية الهندسة بـ«جامعة المنصورة الأهلية»، خلال أيام، حيث يدرس العمارة التي كانت حلماً بالنسبة له كاد أن ينهار مع عدم حصوله على مجموع يؤهله للالتحاق بأي من الجامعات الحكومية العام الماضي، لولا تمكنه من الالتحاق بكليته الحالية التي تبلغ مصروفاتها سنوياً نحو 75 ألف جنيه (الدولار نحو 51 جنيهاً)، بينما تتضاعف مصروفات التخصص نفسه في الجامعات الخاصة.

يعد العدل أن الجامعات الأهلية، مهّدت الطريق لكثيرين لدراسة ما يرغبون فيه، لكنه في الوقت نفسه يتمنى أن تتحسن اللوجستيات في هذه الجامعات لتسهيل فترة الدراسة على الطالب، وكذلك افتتاح أقسام أكثر، قائلاً إن «في الجامعات الأهلية تخصصات غير موجودة في الجامعات الحكومية». وغيّرت الجامعات الأهلية خريطة التعليم العالي بمصر، وسط جدل بشأن مصروفاتها المرتفعة.

وتتوسع الحكومة المصرية منذ سنوات في افتتاح الجامعات الأهلية، وهي «غير هادفة للربح» وفق تعريفها الرسمي، وتخضع لإشراف المجلس الأعلى للجامعات، وتعتمد على نظام المصروفات التي تصل في بعض الجامعات وبعض التخصصات لـ150 ألف جنيه سنوياً.

وصاحب الجدل الجامعات الأهلية منذ تأسيسها، وسط تباين في المواقف منها، بين مرحبين بها بوصفها الوسيلة الأفضل لمواكبة التطور في العملية التعليمية دون تحميل ميزانية الدولة أعباءً إضافية، ومن يعدّها مؤشراً على تقلص المساواة في الفرص والتعليم بناء على الدخل، بوصفها تحرم الطلاب في الفئات الأفقر، من فرص مثيلة لزملائهم في الطبقات الأعلى.

الخبير التربوي عاصم حجازي ينحاز للفريق الأول، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الجامعات الأهلية «غير الهادفة للربح تملك أفضل فرصة للتطوير ومواكبة الحداثة التعليمية بشكل يتجاوز حتى الجامعات الخاصة»، مفسراً أن «الجامعات الخاصة هدفها الأساسي الربح، لذا فالإنفاق على تطوير التعليم يأتي في مرحلة تالية بعد الحصول على الأرباح لأصحاب المشاريع، عكس الجامعات الأهلية التي تخصص ميزانيتها للإنفاق على نفسها وعلى العملية التعليمية، فلا أحد يتربح منها، ما يمنحها فرصاً أكبر للتطور» .

افتتاح «جامعة كفر الشيخ الأهلية» العام الماضي (وزارة التعليم العالي)

وأضاف حجازي أن «الجامعات الأهلية هدفها الرئيسي تعزيز المجالات التي تحتاج إليها سوق العمل، لذا يوجد بها كثير من التخصصات غير الموجودة في الجامعات الحكومية، مثل تخصصات مرتبطة بتصنيع الأثاث أو بصناعة السيارات وهكذا»، لافتاً إلى أنها تتكامل كذلك مع البيئة المحيطة، «فالجامعة في محافظة معينة تركز على ما تشتهر به هذه المحافظة أو ما تحتاج إليه سوق العمل من أقسام داخلها».

ورغم إعجابه بها، فإنه لا يتجاهل أيضاً فكرة «المصروفات التي تعد عائقاً أمام بعض الطلاب للالتحاق بها»، لكنه أشاد في هذا الإطار بالمنح بوصفها وسيلة لتقليص هذه الفجوة.

وأطلقت وزارة التعليم العالي قبل أيام منحة «علماء المستقبل» بالشراكة مع «البنك المركزي»، وتهدف إلى دعم 30 ألف طالب متفوق من الفئات الأكثر احتياجاً.

ولا يرى الخبير في ملف التعليم وائل كامل «أن المنح كافية لتحقيق العدالة في ملف التعليم، مع توجه الدولة لتقليص أعداد المقبولين في الجامعات الحكومية مقابل التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية ذات المصروفات المرتفعة بالنسبة لكثير من الأسر»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «المنح محدودة وغير مؤثرة، فعدد طلاب الثانوية العامة هذا العام تجاوز 900 ألف طالب».

قاعة محاضرات داخل «جامعة المنصورة الأهلية» (جامعة المنصورة الأهلية)

ويشرح كامل، كيف أن هذه الجامعات من وجهة نظره بداية لـ«خصخصة التعليم» بشكل غير مباشر، موضحاً أن «التوسع غير المدروس في الجامعات الأهلية والخاصة مع تكرار التخصصات الموجودة نفسها في الجامعات الحكومية، لم يعد مجرد زيادة في عدد الجامعات، بل أصبح تغييراً في شكل وفلسفة التعليم الجامعي نفسه».

وأضاف: «بدلاً من إصلاح الجامعة الحكومية وتوفير التمويل الذي تحتاج إليه، أنشأنا بجوارها بدائل مدفوعة تستطيع جذب أعضاء هيئة التدريس إليها بأجور بأضعاف مضاعفة، بينما تُترك الجامعة الحكومية تعاني من ضعف الرواتب والأعداد والموارد».

ويوجد في مصر حالياً 33 جامعة أهلية، وفق الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للجامعات، من بينها «الجلالة، والملك سلمان، والقاهرة الأهلية، وعين شمس الأهلية، وحلوان الأهلية»، وبلغ عدد الطلاب بهذه الجامعات 60 ألف طالب العام الماضي؛ وفق تقديرات رسمية.

طلاب داخل «جامعة المنصورة الأهلية» (جامعة المنصورة الأهلية)

ويحذر كامل من أنه «إذا أضفنا جامعات مدفوعة تقدم التخصصات نفسها وبالمحتوى نفسه والأساتذة أنفسهم، ثم بدأنا في تقليص أعداد المقبولين في بعض التخصصات بالجامعات الحكومية، فالنتيجة الطبيعية أن جزءاً من الطلاب سيجد نفسه أمام خيارين إما أن يغيّر التخصص الذي يريده وإما أن ينفق».

ويتابع: «الطالب قد يصبح في النهاية أمام معادلة غير عادلة، فالذي يملك المال يستطيع أن يحصل على تعليم، والذي لا يملك المال وقدراته الذهنية أعلى فعليه أن يبحث عن بديل، لأنه لا يستطيع دفع المصروفات».

ولم يجد ياسين صعوبة في الالتحاق بالجامعة الأهلية في ظل ظروف عائلته الميسرة مادياً، إذ يعمل والده في شركة بإحدى الدول العربية، ولديه شقيقتان فقط.


معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)
تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)
TT

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)
تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

تصاعدت العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق قرب حدود السودان مع إثيوبيا، ودارت معارك عنيفة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في المحور الشرقي لمحافظة الكرمك؛ بالتزامن مع تحركات على المستويين السياسي والدبلوماسي للدفع نحو وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية.

وقالت مصادر عسكرية إن الجيش و«قوات الدعم السريع» خاضا معركة شرسة، السبت، بالقرب من منطقة «جبل كدم» في المحور الشرقي لمحافظة الكرمك التي يسيطر على عاصمتها «الدعم السريع»، وإن الجيش تمكن من صد هجوم على مواقع تابعة له بالمنطقة.

وأعلنت قيادة الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش، الأحد، تنفيذ عملية عسكرية في «جبل كدم»، وقالت إنها أوقعت خسائر كبيرة في صفوف القوة المهاجمة ومعداتها، واستولت على 17 مركبة ودمرت 5 مركبات أخرى.

ولم يتسنَّ الحصول على تعليق من «قوات الدعم السريع»، كما لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من حجم الخسائر التي أعلنها الجيش.

عناصر من الجيش السوداني في عرض عسكري بمدينة القضارف - 17 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وتأتي المواجهات في ظل تصاعد النشاط العسكري على المحور الشرقي لمدينة الكرمك، القريب من الحدود الإثيوبية؛ وأعلنت الفرقة الرابعة مشاة، الأحد، أن دفاعاتها الجوية أسقطت خلالها ما وصفته بـ«مسيّرة استراتيجية معادية» خلال تحليقها فوق منطقة بلنق بالمحور نفسه.

وقال المكتب الإعلامي للفرقة إن المسيّرة دخلت من اتجاه الحدود الإثيوبية قبل أن تتعامل معها الدفاعات الجوية وتسقطها، من دون أن يحدد نوعها، أو يقدم تفاصيل إضافية عن الجهة التي أطلقتها.

ويشهد إقليم النيل الأزرق في الفترة الأخيرة تصاعداً في المواجهات العسكرية، خصوصاً في المناطق المحاذية للحدود الإثيوبية، في وقت يسعى فيه طرفا الحرب إلى تعزيز مواقعهما في الإقليم.

تحركات دبلوماسية

بالتزامن مع التصعيد الميداني، تكاثفت الاتصالات الدولية والسياسية بشأن الحرب؛ إذ التقى رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، السبت، المبعوث البريطاني الخاص للسودان ريتشارد كراودر في الخرطوم، بحضور وكيل وزارة الخارجية معاوية عثمان خالد.

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية بالخرطوم يوم 15 أغسطس الماضي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش (أ.ف.ب)

وقال كراودر عقب اللقاء، إن الأولوية تتمثل في وقف الحرب وحماية المدنيين وإنهاء المعاناة الإنسانية، مشيراً إلى حجم الدمار الذي لحق بالمرافق الحيوية والخدمية، ونزوح أعداد كبيرة من السودانيين إلى دول الجوار.

وأشار المبعوث البريطاني إلى تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية وما تضمنه بشأن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، والتدخل الخارجي في النزاع وتجنيد مقاتلين أجانب.

وأوضح أن إنهاء الأزمة يتطلب حواراً يقوده السودانيون من خلال عملية سياسية «شاملة وشفافة» تعكس رؤية السودانيين في الداخل والخارج، معبّراً عن ترحيب بلاده بالمبادرات السودانية.

وأضاف كراودر أن أزمة السودان ستكون حاضرة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال الأيام المقبلة.

«صمود» تلتقي المبعوث الأممي

وفي القاهرة، التقى وفد من التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، السبت، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، عقب زيارة بعثة الآلية الخماسية إلى الخرطوم.

وقال التحالف إن هافيستو قدَّم للوفد إحاطة بشأن نتائج الزيارة، وإن الجانبين بحثا تطورات الأوضاع والجهود الرامية إلى إنهاء الحرب والدفع نحو مسار سياسي.

رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو في لقاء سابق (مجلس السيادة)

وأبدى تحالف «صمود» استعداده لمواصلة الانخراط مع الآلية الخماسية، لكنه جدد تحفظاته على بعض جوانب أدائها وطريقة إدارة مشاوراتها، مطالباً بأن يقتصر دورها على تيسير العملية السياسية، وأن يجري تصميم المسار السياسي بالتشاور مع القوى المدنية وبمعايير واضحة للمشاركة.

وتحفَّظ التحالف الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، على الحوار المطروح داخل السودان، بقوله إن إجراء حوار في ظل استمرار الحرب والانقسام وفي بيئة سياسية يفرضها أحد طرفي النزاع، بحسب قوله، لا يمكن أن يمثِّل العملية الوطنية المطلوبة.

ودعا إلى عملية تقوم على 3 مسارات متزامنة تشمل معالجة الوضع الإنساني، ووقف إطلاق النار، وإطلاق مسار سياسي لمعالجة جذور الأزمة.

وبحسب بيان «صمود»، أكد هافيستو خلال اللقاء، أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية، ودعا إلى وقف الأعمال العدائية بما يسمح بحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، مشيراً إلى أن الآلية الخماسية ستواصل مشاوراتها مع القوى السودانية للتوافق على تصميم العملية السياسية.


السيسي يلتقي بزشكيان... ويدعو إيران لوقف التصعيد

الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي بزشكيان... ويدعو إيران لوقف التصعيد

الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إيران إلى «وقف التصعيد». وشدد خلال لقاء نظيره الإيراني، مسعود بزشكيان، على هامش أعمال القمة الثامنة عشرة لـ«تجمع البريكس» بالعاصمة الهندية نيودلهي، الأحد، على «حتمية وقف أي اعتداءات على الدول العربية، حفاظاً على مبادئ حسن الجوار وتعزيزاً للروابط التاريخية والثقافية التي تجمع شعوب المنطقة».

وشددت مصر مراراً على دعمها الكامل لأمن واستقرار الدول العربية، ورفضها أي اعتداءات تستهدف المساس بسيادتها واستقرارها. ودعت في أكثر من مناسبة إلى «الوقف الفوري للتصعيد، واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة».

وفي مايو (أيار) الماضي، دعا الرئيس المصري إيران إلى «التحلي بالمرونة وتفادي الحسابات الخاطئة وإتاحة الفرصة الكافية للمسار الدبلوماسي». وأكد حينها، خلال اتصال هاتفي تلقاه من نظيره الإيراني، «موقف مصر الداعي إلى تسوية سلمية لكل أزمات المنطقة، ورفضها القاطع لأي اعتداء على سيادة دول الخليج الشقيقة أو تهديد سلامة أراضيها».

ووفق بيان للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، الأحد، شدد الرئيس السيسي خلال لقاء الرئيس الإيراني على «موقف مصر الثابت والراسخ في دعم جهود استعادة الاستقرار في المنطقة»، مؤكداً «تطلع بلاده إلى بذل إيران كل الجهود الممكنة لوقف التصعيد والتوصل إلى تسوية سلمية شاملة ومستدامة للأزمة، بما يكفل صون سيادة دول المنطقة وحماية مقدرات شعوبها».

لقاء عبد العاطي وعراقجي الأحد على هامش «قمة البريكس» (مكتب رعاية مصالح إيران في القاهرة على «إكس»)

وقطعت مصر وإيران علاقاتهما الدبلوماسية عام 1979، قبل استئناف التمثيل الدبلوماسي بينهما بعد 11 عاماً، وإن كان على مستوى القائم بالأعمال. وشهدت السنوات الثلاث الماضية لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة لبحث إمكانية تطوير العلاقات بين البلدين، بعد توجيه رئاسي إيراني إلى وزارة الخارجية في مايو 2023 باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر. كما زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي القاهرة أكثر من مرة، والتقى الرئيس السيسي وكبار المسؤولين المصريين، كما يجرى اتصالات مكثفة بنظيره المصري بدر عبد العاطي.

في غضون ذلك، أجرى عراقجي مع عبد العاطي محادثات على هامش «قمة البريكس»، حسب إفادة لـ«مكتب رعاية مصالح إيران» في القاهرة على «إكس»، الأحد.

ونهاية الشهر الماضي تناول اتصال هاتفي بين عبد العاطي وعراقجي الجهود المبذولة لتهيئة الأجواء لتحقيق التهدئة والعودة إلى المسار الدبلوماسي، سواء على صعيد مسار المفاوضات بين عمان وإيران أو العودة لتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران في 18 يونيو (حزيران) 2026، وصولاً إلى اتفاق شامل ومستدام يعالج مختلف الشواغل ويعزز الأمن والاستقرار الإقليميين.

وشدد الوزير عبد العاطي حينها على «أهمية ضرورة تكثيف الجهود والتحركات الدبلوماسية الجارية لخفض حدة التصعيد الحالي والتوصل إلى تفاهمات سلمية تسهم في استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة»، موكداً الأهمية البالغة لضمان حركة وحرية الملاحة الدولية، واحترام أمن واستقرار دول الخليج، بما يحقق مصالح جميع شعوب المنطقة.