الفاشر بين الصمود والسقوط... معركة «النفَس الطويل»

تجدّد المعارك العنيفة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

نازحون سودانيون في مخيم بالقضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم بالقضارف (أ.ف.ب)
TT

الفاشر بين الصمود والسقوط... معركة «النفَس الطويل»

نازحون سودانيون في مخيم بالقضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم بالقضارف (أ.ف.ب)

تجدّدت المعارك العنيفة، السبت، في الفاشر، جنوب غربي السودان، حيث أُفيد بأن «قوات الدعم السريع» تشنّ هجوماً، في حين أفاد شهود بوقوع «عدة غارات لطيران الجيش على مناطق شرق الفاشر وجنوبها»، وبـ«سماع أصوات المضادات الأرضية».

فبعد مرور 11 شهراً على اندلاع القتال في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور (غرب البلاد)، بين الجيش السوداني والقوات المتحالفة من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، لم يحسم أي منهما الوضع لمصلحته، لتدخُل المدينة في حرب استنزاف لا تُعرف نهايتها.

لم تكن الفاشر هدفاً عسكرياً لـ«قوات الدعم السريع» قبل إعلان عدد من الفصائل الدارفورية المسلحة في نوفمبر (تشرين الثاني) التخلّي عن موقف الحياد من الصراع في البلاد، والانحياز للقتال إلى جانب الجيش السوداني، ضد «قوات الدعم السريع»، لذلك ظلّت لفترة طويلة خارج نطاق القتال.

فـ«قوات الدعم السريع» التي عُرفت بتحقيق انتصارات عسكرية خاطفة في الحرب، توقَّع الجميع سقوط المدينة في يدها خلال فترة وجيزة، إلا أن التحالف الذي تَشكَّل بين الجيش السوداني واثنتين من كُبريات هذه الحركات في دارفور، وهما «حركة جيش تحرير السودان» و«حركة العدل والمساواة»، خلَق واقعاً جديداً، صمدت فيه المدينة لأشهر طويلة أمام هجمات «قوات الدعم السريع»، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وعزا خبراء عسكريون تحدّثوا لــ«الشرق الأوسط» هذا الصمودَ إلى نجاح التحالف العسكري في بناء دفاعات قوية داخل المدينة وخارجها، ما أفشل الكثير من المحاولات والهجمات الكبيرة التي شنّتها «قوات الدعم السريع».

وكان الرأي الغالب أن «قوات الدعم السريع» بعد ما حققته من انتصارات ستحسم المعركة لصالحها، ما يشكّل نقطة تحوّل فارقة في مسار الحرب، ربما يدفع قيادتها إلى إعلان حكومة موازية بالبلاد في مواجهة سلطة قادة الجيش في بورتسودان.

ورأى الفريق ركن (متقاعد) محمد بشير سليمان أن «القيادة الكارزمية المؤثرة على الجنود شكّلت أحد أهم العوامل الرئيسية لصمودهم في الميدان، وتحقيق الهدف العسكري في الدفاع عن الفاشر، وكان أداؤهم فوق التصور بالاستبسال في المعارك ضد الهجمات المتتالية».

توافُق الجيش والفصائل

وحسب الخبير العسكري، فإن حالة التوافق بين الجيش السوداني وقوات الفصائل المسلحة في تشكيل حلف عسكري للدفاع عن المدينة، حالَ دون نجاح «قوات الدعم السريع» في الاستيلاء على الفاشر.

وقال سليمان لــ«الشرق الأوسط»: «إن الفاشر أصبحت على مستوى البعد الشعبي معركةَ وجود للدفاع عن حقهم في الحياة، لذلك انخرط الكثير من المواطنين في حمل السلاح، وتحمّلوا القصف المدفعي العشوائي، والقتال لحماية أهاليهم وقبائلهم؛ لأن الطرف الآخر - يقصد (قوات الدعم السريع) - لا حدّ لها في العداء، وتسعى لاستئصال هذه المجموعات السكانية من الوجود».

وأضاف أن الإجراءات العسكرية في تأسيس الدفاع على الأرض بكل مطلوباته؛ من الاستعداد للمعركة، وجمع المعلومات عن تحركات قوات العدو، مكّنت الجيش والقوات المتحالفة معه من صد كل الهجمات على المدينة.

ورأى أن شكل الصراع الذي ترى فيه بعض المجموعات السكانية أنه يستهدفها بشكل مباشر، قوّى من الروح المعنوية للقتال التي تمثّل، حسب قوله، 75 في المائة من مطلوبات الانتصار.

دخان كثيف يتصاعد في مدينة الفاشر بإقليم دارفور إثر معارك سابقة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» (د.ب.أ)

وقال: «إن الاستراتيجية العسكرية التي طُبّقت في الفاشر بنصب الدفاعات خارج المدينة، والتجهيزات العسكرية الكبيرة، والإسناد بالطيران الحربي للجيش، بجانب التفوق في جمع المعلومات الاستخباراتية لتحديد المواقع التي ستهجم منها قوات العدو، دفع الجيش والقوة المشتركة لاتخاذ تكتيكات دفاعية وهجومية في الوقت نفسه، لإحباط أي هجمات من قِبل (قوات الدعم السريع)، يمكّنها من اختراق تلك الدفاعات، والسيطرة على المدينة».

وأشار إلى أن «قوات الدعم السريع» حاولت استخدام أسلوب الاختراق والتسلُّل الليلي، بمساندة من الخلايا النائمة في الفاشر، بجانب شنِّها موجات من الهجمات المتتالية من عدة اتجاهات لتجاوز الدفاعات المتقدمة، ومن ثم محاصرة قيادة الفرقة السادسة التابعة للجيش.

وأوضح أن التكتيكات العسكرية التي لجأت إليها القوات المشكّلة من الجيش السوداني ومقاتلي الفصائل المسلحة، جعل أرض العمليات مملوكة لها في التحرك الدفاعي والهجومي، لذلك سرعان ما كانت تنجح في صد الهجمات مهما كانت قوتها، وإعادة السيطرة على المواقع التي تتقدم فيها «قوات الدعم السريع».

ارتفاع وتيرة الاشتباكات

بدوره، قال المتحدث الرسمي باسم «منسقية اللاجئين والنازحين» في دارفور، آدم رجال: «إن ارتفاع وتيرة الاشتباكات التي تجري منذ أيام في الفاشر، يجعل من الصعوبة الحديث عن صمودها لفترة طويلة».

وأضاف أن الوضع العسكري يشير إلى أن سقوط المدينة بات وشيكاً، بعد التقدم الكبير لـ«قوات الدعم السريع» في مهاجمة الأحياء السكنية، والاقتراب من محاصرة حامية الجيش.

مدينة الفاشر السودانية تعاني وضعاً إنسانياً متدهوراً (أ.ب)

وعزا رجال صمود المدينة كل هذا الوقت إلى أن الصراع أخذ الطابع الإثني والعِرقي، وهو ما دفع أبناء بعض القبائل لمساندة القوات التي تحمل السلاح، باعتبار أن هذا الصراع يهدّد وجودهم.

وقال: «إن كل الاحتمالات واردة بسقوط الفاشر، على الرغم من أن طرفَي الصراع يُخفِيان المعلومات الحقيقية عما يجري على الأرض».

وتقع الفاشر عاصمة شمال دارفور غرب السودان، وهي إحدى أقدم مدن دارفور تاريخياً وسياسياً، وظلت المدينة الوحيدة خارج سيطرة «قوات الدعم السريع» التي تسيطر على أكثر من 80 في المائة من إقليم دارفور، بعد سقوط القواعد العسكرية في مدن الجنينة ونيالا وزالنجي والضعين.

من جهة ثانية، قال ضابط متقاعد في الجيش السوداني: «إن التقديرات العسكرية تشير إلى استمرار (قوات الدعم السريع) في شنّ الهجمات المتتالية على الفاشر، ما قد يحوّل المعركة لصالحها في أي وقت، بحدوث اختراق كبير قد يؤدي إلى انهيار تماسُك القوات التي تدافع عن المدينة في أي وقت»، مشيراً إلى أن هذا ما تُعوّل عليه «الدعم السريع»، من خلال التوغل إلى وسط المدينة.

وأضاف الضابط الذي تقاعد برتبة رفيعة، وطلب حجب هويته، أن الاستراتيجية الدفاعية والهجومية التي ترتكز عليها قوات الجيش والفصائل التي تقاتل إلى جانبه، نجحت إلى حد كبير في التصدي للمحاولات المتكررة من جانب «قوات الدعم السريع» على الفاشر، لكن إلى أي مدى ستصمد؟ يبقى هذا هو المحك.

ونبّه الضابط إلى أن الجيش السوداني يعلم تماماً أن سيطرة «قوات الدعم السريع» على المعقل الأخير له في إقليم دارفور، يعني تماماً خروج غرب البلاد من قبضته، ما قد يترتب عليه بسط قوات «حميدتي» نفوذها السياسي والعسكري، وموقف قوي في أي مفاوضات مقبلة لوقف الصراع.

مرحلة حاسمة

وقال: «إذا استمر التحالف العسكري بين الجيش والفصائل المسلحة على هذا النحو، فقد يصعّب على (قوات الدعم السريع) السيطرة على المدينة»، مشيراً إلى أن الهجوم الحالي على الفاشر يُعدّ ثالث أكبر هجوم، وإفشالُه سيكون له مردود عكسي على «الدعم السريع» التي فقدت الكثير من قادتها العسكريين الميدانيين في سبيل الاستيلاء على الفاشر.

وأشار الخبراء العسكريون إلى أن معركة الفاشر دخلت مراحل حاسمة مع احتدام المواجهات في محيط المدينة الاستراتيجية هذه الأيام، ما قد يُعطي مؤشرات إلى أن انتهاء المعارك حول المدينة سيكون نقطة تحوّل حاسمة لصالح الطرف المنتصر.


مقالات ذات صلة

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

جانب من المؤتمر الصحافي لوزير الري وبجواره رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في القاهرة مساء الأحد (الشرق الأوسط)

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

كشفت مصر، الأحد، عن موافقتها على بناء سد في جنوب السودان، واعتبرت سد النهضة الإثيوبي «غير شرعي» في ضوء استمرار أديس أبابا في إجراءاتها الأحادية.

محمد محمود (القاهرة )
خاص استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

خاص اقتصاد الحرب يدفع الجنيه السوداني إلى الهاوية

دخل السودان منعطفاً جديداً مع التراجع الحاد في سعر صرف عملته الجنيه أمام العملات الأجنبية، وتجاوز سعر الدولار 9 آلاف جنيه، في بعض تعاملات السوق الموازية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقاء مسعد بولس في القاهرة يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

تشديد مصري متكرر على وحدة السودان وسط تعقيدات الحرب

تشديد مصري جديد على أهمية وحدة السودان في محادثات جديدة مع واشنطن

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة ديسمبر 2025 (الخارجية المصرية)

هل يؤثر سد جنوب السودان الجديد على حصة مصر المائية؟

وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أغوك ماكور كور، أكد في تصريحات حديثة عن استعداد بلاده للمضي في ذلك المشروع المعروف باسم «سد فولا».

محمد محمود (القاهرة )
الاقتصاد عمال يكسرون الصخور في منجم للذهب بالقرب من «أبو دليق» في ولاية القضارف بالسودان (رويترز)

شركات التعدين تهدد بوقف إنتاج الذهب في السودان

هدد اتحاد شركات التعدين في السودان بوقف إنتاج الذهب بدءاً من مطلع أكتوبر المقبل احتجاجاً على آلية شراء وتسعير الذهب المطبقة حالياً من قِبل بنك السودان المركزي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.