التراجعات المتكرّرة للجيش السوداني «تهز الثقة» في أدائه

البرهان رأى أن قواته لم تخسر الحرب... وتوعّد «الدعم»

دبابة مدمَّرة نتيجة الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أم درمان (رويترز)
دبابة مدمَّرة نتيجة الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أم درمان (رويترز)
TT

التراجعات المتكرّرة للجيش السوداني «تهز الثقة» في أدائه

دبابة مدمَّرة نتيجة الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أم درمان (رويترز)
دبابة مدمَّرة نتيجة الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أم درمان (رويترز)

رغم مرور أكثر من 6 أشهر فإن سيناريو انسحاب الجيش السوداني من مدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة بوسط البلاد، وتراجُعه أمام قوات «الدعم السريع»، لا يزال حاضراً في أذهان السودانيين، الذين باتوا يصابون بالهلع، ويسارعون للنزوح بمجرد سيطرة قوات «الدعم» على مدينة جديدة، بناءً على تصوّرهم أن الجيش لن يتمكن من دحرها.

وزادت تراجعات الجيش في مدن سودانية أمام «الدعم» الشكوكَ في أداء قواته، و«هزّت الثقة» في إمكانية استعادتها، وفق تقييم خبراء وعسكريين سابقين، وتَواكَب ذلك مع إفادات شبيهة ناقمة لمواطنين عبّروا عنها على منصات التواصل الاجتماعي.

لكن، في المقابل، درج مسؤولون في الجيش على توجيه خطابات حماسية يتوعّدون فيها بهزيمة «الدعم السريع»، وكان أحدثها ما جاء على لسان قائده عبد الفتاح البرهان، مساء الثلاثاء، إذ قال إنهم لن يتفاوضوا مع «عدو» يستمر في انتهاكاته، ولن يخضعوا لأي «ابتزاز بتفاوض يسلب هيبة وإرادة القوات، ولا يلبي طموح الشعب».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (يسار) ومساعده ياسر العطا في أم درمان (الجيش السوداني)

ورأى البرهان كذلك أن قواته قد تخسر معركة، لكنها «لن تخسر الحرب». وزاد: «إذا خسرنا أشخاصاً، فالسودانيون كُثر»، وهي ذات الفكرة التي ردّدها قبله مساعده ياسر العطا، بأنهم سيواصلون الحرب، حتى لو راح ضحيتها كل سكان البلاد، حسب ما ورد في خطاب له نهاية أبريل (نيسان) الماضي.

ورأى مراقبون آخرون في تلك الخطابات الحماسية أنها «موجّهة للجيش، وكتائب الإسلاميين الذين يشاركونه القتال».

«الدعم» تتوسّع

وتوسّعت باضطراد خريطةُ المناطق التي تسيطر عليها «الدعم السريع»، لتُقارِب أكثر من نصف مساحة البلاد؛ إذ تبسط نفوذها على 5 ولايات من أصل 18 ولاية تشكّل السودان، بينما تسيطر على مساحات واسعة من 6 ولايات، وتحاصر 5 عواصم لولايات ومدن رئيسة، وتهدّد أكثر من ولاية.

ولم تتبقّ للجيش سيطرة كاملة إلاّ على 5 ولايات، هي ولايات شرق السودان الثلاث، وولايتا الشمال، بينما يسيطر على أكثر من 80 بالمائة من العاصمة الخرطوم، إلى جانب سيطرته على معظم الطرق البرّية الرابطة بين ولايات البلاد من جهة الغرب والجنوب مع الشرق والشمال والوسط.

وقال ضابط سابق في الجيش لـ«الشرق الأوسط»، مشترطاً عدم ذكر اسمه، إن «المواطنين كانوا يتوقّعون تقدّم الجيش وتحقيق انتصارات سريعة، لكنه ظل يتراجع، ويفشل في الحفاظ على مناطق سيطرته، مكتفياً بالدفاع عن قياداته».

وأرجع الضابط السابق «السقوط المتوالي» للمدن والقيادات العسكرية بيد «الدعم السريع» إلى «تدنّي قدرات الجيش في حرب المدن».

أحد شوارع أم درمان القديمة التي يسيطر عليها الجيش السوداني (رويترز)

ووفقاً للضابط السوداني السابق، فإن «حالة السخط وسط القاعدة الشعبية للجيش والناشطين طبيعية؛ لأن المواطنين يبحثون عن الأمن باعتباره مهمة الجيوش الرئيسية، وليس الانسحاب».

ويعتقد العسكري السابق أن «الجيش في (ود مدني) كان في موقف عسكري يمكّنه من الصمود والقتال لفترة طويلة، لكن قيادة فرقة الجيش انسحبت، ما جعل الكثيرين يخشون مواجهة وضع مماثل، لذلك يفكر الكل في الفرار متى اقتربت (الدعم) من مناطقهم».

تراجُع شعبية

ويقول المحلل السياسي أشرف عبد العزيز، إن «(الدعم السريع) نجحت في بناء تحالفات تجاوزت الجهوية، ما مكّنها من الحشد والتقدم في ولاية الجزيرة، وولايات الوسط الجنوبي». وتابع: «انتشار (الدعم السريع) في هذه المساحة الجغرافية يُفقد الجيش المناورة، وتحرّكه لخوض معارك قد يُفقده مدناً أخرى وسط البلاد».

وعزا عبد العزيز ما سمّاه بـ«تراجع شعبية الجيش» إلى «حالة الضجر من صمت الجيش، وعدم إطلاع الناس على الحقائق، وذلك على الرغم من فقدان (قوات الدعم السريع) للمشروعية الأخلاقية بالانتهاكات وعمليات النهب والقتل وترويع المدنيين، التي ترتكبها القوات في مناطق سيطرتها».

سودانيات ينتظرن في طابور للحصول على مساعدات من الصليب الأحمر في ضواحي مدينة أدري التشادية بعد فرارهن من الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور بالسودان (رويترز)

ويعتقد عبد العزيز أن «الدعم» تتفوق على الجيش في حركتها السريعة، وقدرتها على المناورة. وزاد: «(الدعم السريع) خطوط إمدادها مفتوحة ولم تنكسر، وتمتد من الجنينة أقصى غرب البلاد إلى الخرطوم، وقد يتيح لها تموضعها في ولاية سنار فتح طرق إمداد جديدة عبر الجنوب».

وقلّل ضابط متقاعد برتبة وسيطة من تكتيكات الجيش السوداني، المتمثلة في «الانسحاب»، وقال إنها «لم تعُد قادرة على مواجهة الحروب الحديثة وحرب المدن، وخوض معركة من هذا النوع في منطقة مأهولة بالسكان قد يسبّب خسائر كبيرة بين المدنيين».

وبحسب الضابط المتقاعد، فإن «تكتيكات الجيش غير الملائمة، وخسائره الفادحة، أفقدت السودانيين الثقة في قيادة الجيش الحالية، وأصابتهم باليأس من تحقيقها لنصر قريب».


مقالات ذات صلة

تصعيد بالمسيرات في دارفور وكردفان يوقع عشرات القتلى

شمال افريقيا سودانيون يصلّون على أرواح ضحايا هجوم بطائرة مسيرة في ولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)

تصعيد بالمسيرات في دارفور وكردفان يوقع عشرات القتلى

شهدت مناطق في إقليمي دارفور وكردفان تصعيداً عسكرياً لافتاً خلال الأيام الماضية مع تزايد هجمات الطائرات المسيّرة ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد جراء قصف سابق في السودان (أرشيفية - أ.ف.ب)

33 قتيلاً جراء قصف بمسيّرتين على سوقين في السودان

أسفر قصف بمسيّرتين على سوقين في بلدتين تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» في جنوب غربي السودان عن مقتل 33 شخصاً على الأقل.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
تحليل إخباري رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا عائلات نازحة في مخيم طويلة قرب الفاشر تعيش في ظروف قاسية (أ.ف.ب)

السودان: مخاوف من اضطراب إمدادات الوقود مع تصاعد توترات الشرق الأوسط

أثارت تصريحات متباينة بين مسؤولين سودانيين مخاوف بشأن استقرار إمدادات الوقود في البلاد، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)

الحرب في السودان تخلّف جروحاً نفسية عميقة... وأزمة صامتة تهدد المجتمع

مع استمرار الحرب في السودان وتفاقم تداعياتها، لم تعد مأساة السودانيين تقتصر على سقوط قتلى أو جرحى أو جوعى ونازحين، ولاجئين، بل امتدت إلى الصحة النفسية للسكان.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

مصر تعزز الإجراءات الاحترازية لتفادي تأثيرات حرب إيران

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع «مجلس المحافظين» يوم الأحد (مجلس الوزراء)
رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع «مجلس المحافظين» يوم الأحد (مجلس الوزراء)
TT

مصر تعزز الإجراءات الاحترازية لتفادي تأثيرات حرب إيران

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع «مجلس المحافظين» يوم الأحد (مجلس الوزراء)
رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع «مجلس المحافظين» يوم الأحد (مجلس الوزراء)

تعزز مصر الإجراءات الاحترازية لتفادي تأثيرات حرب إيران على الأسواق، وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن هناك تكليفات مُحددة بمواصلة جهود المتابعة المستمرة للاطمئنان على توافر السلع بأسعار متوازنة، وعدم السماح بأي محاولات لإخفائها أو احتكارها.

جاء ذلك خلال ترؤسه اجتماع «مجلس المحافظين» بالعاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، الأحد، حيث أكد أن استعدادات الحكومة وجهودها الاستباقية كان لها دور كبير في وجود «أرصدة آمنة ومطَمئنة من مختلف السلع الاستراتيجية والأساسية تمتد عدة أشهر».

وتقول الحكومة المصرية إن لديها سيناريوهات موضوعة تعمل على تطبيقها لضمان استقرار الأسواق، وتوفير السلع الغذائية للمواطنين بكميات كافية، كما يوجه رئيس الوزراء بشكل متكرر رسائل طمأنة للمصريين فيما يتعلق بالأسعار، وإن كان قد أعرب مؤخراً عن قلق حكومته من إطالة أمد الصراع وانعكاسه على الأوضاع الاقتصادية بوجه عام، وتأثيره السلبي على أسعار السلع.

وخلال اجتماع الأحد، وجَّه مدبولي بتكثيف جهود وحملات المتابعة الميدانية للأسواق والمنافذ التجارية، بالتنسيق والتعاون مع الوزارات المعنية والهيئات والأجهزة الرقابية المختصة، وتفعيل جميع الآليات المتاحة لحماية المواطنين من أي ممارسات احتكارية، ومواجهة أي تعمد لإخفاء السلع «بمنتهى القوة والحسم»، مشيراً إلى توجيهات رئاسية بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري.

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يتابع مع بعض المحافظين الرقابة على الأسواق (مجلس الوزراء)

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجّه خلال مشاركته في حفل إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية، مساء الأربعاء، بـ«دراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري»، وشدد على «ضرورة عدم استغلال الظروف الحالية لرفع الأسعار أو التلاعب فيها».

وقال أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق المؤسس لكلية النقل الدولي واللوجيستيات، محمد محمود، إن هدف هذه الإجراءات «مواجهة ارتفاع الأسعار الذي يكون نتيجة ممارسات احتكارية، واستغلال ظروف الأزمة الحالية».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الإجراءات الاحترازية قد تحد من الضغوط التي يمكن أن يمارسها بعض التجار على المواطن المصري نتيجة الممارسات الاحتكارية».

ودعا مدبولي خلال اجتماع «مجلس المحافظين» المواطنين إلى «الإبلاغ عن أي مظاهر للتلاعب بالأسواق، ومحاولات البعض لزيادة أسعار بعض السلع أو حجبها أو احتكارها». وطالب أيضاً بضرورة الاستمرار في الإجراءات الخاصة بترشيد استهلاك الكهرباء، فيما عدا ما يخص المصانع والمنازل والمنشآت الإنتاجية، مع التأكيد على ترشيد استهلاك الكهرباء بالشوارع والطرق الرئيسية.

جهود حكومية مصرية للاطمئنان على توافر السلع بصورة دائمة (وزارة التموين)

وحول الحديث الحكومي عن ترشيد استهلاك الكهرباء، وما إذا كان مؤشراً لعودة «تخفيف الأحمال» الذي حدث قبل سنوات حين كان يتكرر قطع محكوم للتيار الكهربي، قال محمود: «لدى مصر فاقد في الكهرباء يصل لنحو 40 في المائة نتيجة سرقات التيار وسوء الاستخدام، والمتوسط العالمي ما بين 10 و15 في المائة».

وأضاف: «في ظل حرب إيران، الغاز أسعاره ارتفعت، والبترول وصل إلى ما يقرب من 93 دولاراً للبرميل ومرشح للزيادة؛ لذا لا بد أن تحاول الحكومة أن ترشد».

واستطرد قائلاً: «الحكومة لديها مصادر طاقة أخرى بدأت تتحول إليها، وأعتقد أن الأمور محسوبة، وهناك سيناريوهات موجودة لهذا الأمر حتى لا نصل إلى تخفيف الأحمال».

وكان رئيس الوزراء المصري قد تحدث، السبت، عن «تأمين إمدادات البلاد من كميات الغاز اللازمة لقطاع الكهرباء للتعامل مع أي مستجدات». وقال المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني، الخميس، إن وزارة الكهرباء لديها خطط لإدخال مزيد من الطاقات الجديدة والمتجددة، ومن المتوقع إدخال طاقات متجددة في الصيف المقبل حتى يتم استيعاب الزيادات المتوقعة في الطلب على الكهرباء.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء مع رئيس جهاز «حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية» يوم الأحد (مجلس الوزراء)

وشدد مدبولي خلال لقاء رئيس «جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية» محمود ممتاز، الأحد، على أن الدولة لن تسمح بأي تلاعب في أسعار السلع الأساسية، «أو تعمد حجبها عن الأسواق بغرض افتعال ندرة في المعروض أو رفع الأسعار، لا سيما في ظل الظروف الإقليمية الراهنة».

وعن قدرة الإجراءات الحكومية على ضبط الأسواق قال محمود: «الحكومة تعمل على عمل توازن بين حرية الأسواق، ومنع الممارسات الاحتكارية».

وأضاف: «رئيس الوزراء تحدث عن دراسة الإحالة للقضاء العسكري، لكن يجب أن يسبق هذا تعاون مع الغرف التجارية والصناعية، وإطلاعها على خطورة الموقف وحدود أمننا القومي في توفير الاحتياجات الأساسية للسكان واحتياجات المصانع وعدم استغلال هذه الاحتياجات، والبعد عن المضاربات والممارسات الضارة بالمواطن».

وقالت وزيرة التنمية المحلية والبيئة منال عوض، الأحد، إن هناك تكليفات واضحة لإدارات المتابعة والتفتيش في كل محافظة بتحرك فرقها الميدانية يومياً لمتابعة الأسواق لرصد أي مُمارسات احتكارية ومواجهتها.

وأشار أيضاً رئيس «جهاز حماية المستهلك» إبراهيم السجيني إلى أن «الدولة تمتلك آليات مرنة وفعالة للتدخل في الوقت المناسب لضبط الأسواق وتلبية احتياجات المواطنين، بما يحول دون أي محاولات لاستغلال تلك المتغيرات في التلاعب بالأسعار أو اختلاق أزمات مصطنعة».

وأكد، بحسب مجلس الوزراء المصري، الأحد، أن الجهاز «لن يتهاون مع أي ممارسات سلبية تمس حقوق المواطنين أو تستهدف التلاعب بالأسعار».


السيسي وماكرون يؤكدان ضرورة تكثيف الجهود لاحتواء التصعيد في الشرق الأوسط

صورة أرشيفية لاستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الإليزيه بفرنسا يوم 22 يوليو 2022 (رويترز)
صورة أرشيفية لاستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الإليزيه بفرنسا يوم 22 يوليو 2022 (رويترز)
TT

السيسي وماكرون يؤكدان ضرورة تكثيف الجهود لاحتواء التصعيد في الشرق الأوسط

صورة أرشيفية لاستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الإليزيه بفرنسا يوم 22 يوليو 2022 (رويترز)
صورة أرشيفية لاستقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الإليزيه بفرنسا يوم 22 يوليو 2022 (رويترز)

تلقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الأحد)، اتصالاً هاتفياً من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تناول مستجدات الوضع في المنطقة.

وصرح المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي بأن الاتصال تناول «تطورات الأوضاع الإقليمية، حيث أعرب السيسي عن بالغ القلق إزاء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، واستمرار الحرب في إيران وما يترتب عليها من تداعيات خطيرة، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة وتأثر سلاسل الإمداد وحركة النقل الجوي والبحري، سواء بالنسبة لمصر أو على المستويين الإقليمي والدولي».

كما أدان الرئيس المصري «استهداف إيران لدول عربية في وقت حرصت فيه دول الخليج وغيرها من الأطراف الإقليمية على خفض التصعيد، والسعي نحو حل دبلوماسي للملف النووي الإيراني»، محذراً من مخاطر اتساع رقعة الصراع بما قد يزج بالمنطقة بأسرها في حالة من الفوضى.

وأشار المتحدث الرسمي إلى أن الاتصال تطرق كذلك إلى مستجدات الوضع في قطاع غزة، حيث «شدد الجانبان على ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية بكميات كافية ودون تعطيل، فضلاً عن أهمية البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة إعمار القطاع، مع التأكيد على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من أرضهم».

كما تناول الاتصال تطورات الوضع في لبنان، حيث جرى التأكيد على أهمية تضافر الجهود، خاصة بين دول «الخماسية»؛ مصر والسعودية وقطر والولايات المتحدة وفرنسا، لمنع التصعيد الشامل، ووقف استهداف لبنان وبنيته التحتية، مع الاستمرار في دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش اللبناني، لتمكينه من الاضطلاع بمسؤولياته في ضوء القرارات الأخيرة لحصر السلاح في يد الدولة.

وأضاف المتحدث الرسمي أن «الرئيسين شددا على ضرورة تسوية الأزمات عبر الوسائل السلمية، وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التصعيد وتجنيب الشرق الأوسط المزيد من التوتر وعدم الاستقرار».

وقد أعرب الرئيس الفرنسي عن «تقديره البالغ للمساعي المصرية الرامية لاحتواء الأزمة الراهنة، مؤكداً حرص بلاده على سرعة استعادة السلم والاستقرار في المنطقة، واتفق الرئيسان على مواصلة التشاور الوثيق بين البلدين الصديقين بشأن القضايا الإقليمية والأزمات الجارية».

وذكر المتحدث باسم الرئاسة المصرية أن الاتصال تناول أيضاً «العلاقات الثنائية المتميزة بين مصر وفرنسا، حيث أشاد السيسي بما تشهده من تطور ملحوظ منذ إعلان الشراكة الاستراتيجية خلال زيارة الرئيس الفرنسي إلى القاهرة في أبريل (نيسان) 2025».

ومن جانبه، ثمّن الرئيس ماكرون التعاون المثمر بين البلدين في مختلف المجالات، مؤكداً أهمية مواصلة تفعيل إعلان الشراكة الاستراتيجية، وقد تم في هذا السياق بحث سبل تعزيز التعاون المشترك في مجالات التجارة والاستثمار والصناعة والنقل والتعليم.


حرب إيران تعيد المخاوف المصرية من تهجير الفلسطينيين

أطفال نازحون يجلسون على أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال نازحون يجلسون على أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تعيد المخاوف المصرية من تهجير الفلسطينيين

أطفال نازحون يجلسون على أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال نازحون يجلسون على أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

عادت مخاوف مصر من مخطط تهجير الفلسطينيين مع تصاعد حرب إيران وفتح جبهات عديدة بالمنطقة، لا سيما مع التحركات الإسرائيلية على جبهة لبنان، وتصعيد الانتهاكات ضد قطاع غزة والضفة الغربية.

وبينما أقر مصدر مصري مطلع بـ«تلك المخاوف»، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها «مشروعة» في إطار مخطط سابق للتهجير لاقى رفضاً مصرياً وعربياً قوياً.

وأعرب المصدر المطلع عن خشيته من استغلال إسرائيل لهذا التوقيت المشتعل بحرب إيران لتنفيذ مخطط التهجير بالقوة، وتفريغ قطاع غزة من سكانه، وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة وإنهاء مشروع الإعمار.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل «لن تترك شيئاً دون استثمار عسكري في هذه المرحلة الحرجة، خاصة والمنطقة مقبلة على خيارات صفرية وحالة من عدم الاستقرار بسبب الوضع في إيران، مما سيؤثر على الإقليم بأكمله، ولذلك تتواصل الجهود المصرية لخفض التصعيد ومنع هذا السيناريو».

وخلال اتصال هاتفي تلقاه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأحد، تم التأكيد على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، وشدد الجانبان على «ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية بكميات كافية ودون تعطيل، فضلاً عن أهمية البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة إعمار القطاع».

وأدانت وزارة الخارجية المصرية أيضاً، في بيان صادر الأحد، «الاعتداءات التي ارتكبها مستوطنون إسرائيليون ضد مواطنين فلسطينيين في الضفة الغربية»، وعدَّتها «تصعيداً خطيراً».

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة على طول شاطئ مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن إسرائيل سوف تستغل حرب إيران في زيادة الانتهاكات في قطاع غزة والضفة الغربية، والضغط على الفلسطينيين في كل نواحي الحياة مع توسيع الاستيطان، لافتاً إلى «توزيع أدوار إسرائيلية عبر قيام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإشغال الرأي العام العالمي بحرب إيران، بينما يعمل وزراء متطرفون بحكومته ميدانياً على فرض إجراءات تُضيِّق على الفلسطينيين حياتهم لجبرهم على ترك أراضيهم في المستقبل».

ويؤكد المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال أنه في ظل الحرب المشتعلة في إيران «لن تتورع إسرائيل عن محاولات استغلال تلك الأحداث». ويضيف أن «مصر التي عطلت مشروع التهجير من اللحظة الأولى بمواقفها الحازمة حريصة على ألا يتم مهما كان هذا المخطط، ومخاوفها مشروعة».

وتتطابق المخاوف المصرية مع أخرى فلسطينية أطلقت إنذاراً قبل أيام من استغلال أحداث إيران لتمرير التهجير القسري للفلسطينيين؛ فقد حذرت «شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية» في بيان من «سعي دولة الاحتلال إلى استغلال انشغال المجتمع الدولي بالحرب على إيران لتنفيذ مخططات التهجير والتطهير العرقي في الأراضي الفلسطينية المحتلة».

وبينما يرى هريدي أن الجهود المصرية تؤكد الحرص على منع أي تهديد لاستقرار المنطقة، يعتقد نزال أن «مصر ستقف حجرة عثرة أمام إسرائيل لمنع أي مضي في هذا المخطط باعتباره مسألة حياة أو موت بالنسبة للأمن القومي المصري وحقوق الشعب الفلسطيني».

ويشير نزال إلى محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل، منذ حرب غزة، الدفع إلى سيناريو التهجير لسيناء والأردن، قائلاً إنهما «فشلتا بسبب المواقف المصرية والعربية الحازمة».

وأضاف: «هذا المخطط لن يتوقف، وكذلك المواقف والمخاوف المصرية لن تتوقف».