التقارب المصري - الإيراني... إشارات متكررة لم تتأثر بوفاة رئيسي

مخبر وباقري كني أكدا استمرار العلاقات مع القاهرة

أبراج وفنادق ومكاتب شركات على نهر النيل في العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
أبراج وفنادق ومكاتب شركات على نهر النيل في العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
TT

التقارب المصري - الإيراني... إشارات متكررة لم تتأثر بوفاة رئيسي

أبراج وفنادق ومكاتب شركات على نهر النيل في العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
أبراج وفنادق ومكاتب شركات على نهر النيل في العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)

تكررت الإشارات الإيرانية - المصرية خلال الساعات الأخيرة بشأن تقارب البلدين. وبدت هذه الأحاديث التي تصاعدت خلال مايو (أيار) الحالي، أنها «لم تتأثر بوفاة إبراهيم رئيسي، ووزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان».

وبينما أكدت إيران في إفادتين على لسان القائم بأعمال الرئيس الإيراني، محمد مخبر، ووزير الخارجية الإيراني بالوكالة، علي باقري كني، أن «العلاقات مع القاهرة سوف تستمر بـ(قوة)، وستتم متابعة المحادثات التي بدأها رئيسي وعبداللهيان»، أكدت مصر على لسان وزير خارجيتها، سامح شكري، «ضرورة استمرار المشاورات في سياق رفع مستوى العلاقات القائمة على أسس مستديمة ومحكمة».

خبراء مصريون رأوا أن «العلاقات بين البلدين سوف تستمر خلال الفترة المقبلة، ولن تتأثر بوفاة رئيسي وعبداللهيان». ورهن الخبراء الذين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، تحقيق التطبيع بين البلدين بـ«موقف طهران في الاستجابة لمطالب القاهرة». وأكّدوا أن «هناك أموراً يتعين التشاور بشأنها».

وكانت القاهرة وطهران قد قطعتا العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979، قبل أن تُستأنف بعد ذلك بـ11 عاماً، لكن على مستوى القائم بالأعمال ومكاتب المصالح. وشهدت الأشهر الماضية لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة، لبحث إمكانية تطوير العلاقات الثنائية.

مسار التقارب

وترجم البلدان مسار التقارب المتدرج عبر لقاء جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيسي، بالرياض في نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، وأعقبه بعد شهر واحد أول اتصال هاتفي يجمعهما؛ إذ خيّمت قضايا غزة، وحل القضايا العالقة على المحادثات. ومنذ ذلك الحين، تعدّدت الاتصالات الهاتفية بين الجانبين، سواء على المستوى الرئاسي أو الوزاري.

وقال مخبر خلال لقاء جمعه بشكري في طهران، على هامش تأبين رئيسي وعبداللهيان، الأربعاء، إن «استعادة العلاقات وتطوير وتعميق التفاعلات بين إيران ومصر، خاصة في القطاعات الثقافية والسياسية والاقتصادية، ستستمر بقوة». وأعرب عن شكره لمصر في مواساتها وتعاطفها مع الحكومة والشعب الإيرانيين، مشيراً إلى «الخلفية التاريخية والحضارية واهتمام شعبَي إيران ومصر ببعضهما بعضاً».

في حين أكد شكري «اهتمام بلاده بتطوير وتعزيز العلاقات مع إيران»، مضيفاً أن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة متجذرة، وذات أركان راسخة، ونحن على ثقة بأنها ستتجاوز هذه المرحلة الحساسة رغم هذا الحادث المؤسف».

وحضر وزير الخارجية المصري، مراسم العزاء الرسمية للرئيس الإيراني الراحل، ووزير الخارجية، ومرافقيهما، الذين وافتهم المنية، الأحد الماضي، إثر حادث أليم. ونعت مصر، في وقت سابق، رئيسي وعبداللهيان ومرافقيهما. وتقدم السيسي «بخالص التعازي والمواساة إلى الشعب الإيراني»، معرباً عن «تضامن مصر مع القيادة والشعب الإيرانيين في هذا المصاب الجلل».

مخبر خلال لقاء مع شكري في طهران (وكالة الأنباء الإيرانية إرنا)

تعميق العلاقات

وفي إفادة أخرى، أكد وزير الخارجية الإيراني بالوكالة، أن مواقف ورؤية الرئيس الإيراني الراحل، ووزير الخارجية الراحل، القائمة على مواصلة الجهود لتعميق ورفع مستوى العلاقات مع الدول الإسلامية، ولا سيما مصر، «سوف تتواصل في غيابهما من أجل تحقيق النتائج المرجوة». ونوّه خلال لقاء شكري في طهران بـ«المشتركات الثقافية والتاريخية والدينية التي تجمع بين البلدين». كما تطلع إلى المتابعة بجد للمحادثات التي كان قد بدأها وزيرا خارجية البلدين مع التركيز على مصالح شعبيهما، وصولاً إلى النتائج المرجوة لدى الرئيسين الإيراني والمصري.

شكري وصف خلال لقاء باقري كني، علاقاته بعبداللهيان بـ«المميزة والوثيقة»، مشيراً إلى أنه كان يتمنى أن يزور إيران في ظروف أفضل، إلا أنه قام بهذه الزيارة لتقديم واجب العزاء إلى إيران حكومة وشعباً بهذا المصاب.

وفي إشارة إلى مباحثاته المكثفة والمستدامة مع عبداللهيان، أكد وزير الخارجية المصري «ضرورة استمرار هذه المباحثات والمشاورات في سياق رفع مستوى العلاقات القائمة على أسس مستديمة ومحكمة بين البلدين».

وقال نائب وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، السفير علي الحفني، إن «مسألة التطبيع بين القاهرة وإيران سوف تحدث في وقت ما»، معرباً أن «يكون هناك تقارب في وجهات النظر والمواقف، عبر اللقاءات المستمرة بين الجانبين».

ورأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، أن «قرار عودة العلاقات بين البلدين تم حسمه؛ لكن يتوقف فقط على توقيت إعلانه». وقال إن «العلاقات سوف تستمر، وهذا شيء طبيعي خلال الفترة المقبلة، ولن تتأثر بوفاة رئيسي وعبداللهيان»، معبراً عن أمله «في عودة السفراء قربياً».

الرئيسان المصري والإيراني خلال محادثاتهما في الرياض نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

إفادات سابقة

وفي مايو (أيار) العام الماضي، وجّه رئيسي، وزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لـ«تعزيز العلاقات مع مصر». وكان رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، محمد سلطاني فرد، قد قال خلال احتفال بالذكرى الـ45 للثورة الإيرانية، في وقت سابق، إن هناك «انفراجة في العلاقات المصرية - الإيرانية، خصوصاً بعد انضمام البلدين صاحبي التاريخ والحضارة إلى مجموعة (بريكس)».

أيضاً، أكد عبداللهيان، الشهر الحالي، أن «إيران ومصر تسيران على مسار ترسيم خريطة طريق لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى مجراها الطبيعي». كما تحدث في موضع آخر عن «رؤية استراتيجية للحوار والتعاون تشمل مصر»، مشيراً إلى أن لقاءات واتصالات مسؤولي البلدين تحمل مؤشراً على «تفاهم سياسي» في طريق تعزيز العلاقات الثنائية.

كما حرص شكري وعبداللهيان خلال لقاءتهما أو اتصالاتهما الهاتفية الأخيرة، على تأكيد «مواصلة التشاور بهدف معالجة الموضوعات كافة والمسائل العالقة سعياً نحو الوصول إلى تطبيع العلاقات»، و«الرفض الكامل لقيام إسرائيل بعمليات عسكرية برية في رفح الفلسطينية لما ينطوي عليه ذلك من تعريض حياة أكثر من مليون فلسطيني لخطر داهم، وتفاقم الوضع الإنساني في قطاع غزة».

حول العلاقات بين البلدين في ظل وجود قيادات جديدة بإيران. قال بيومي إنه «في الدول الكبيرة مثل إيران، أي خطوات سياسية تكون مستمرة وراسخة ولا تتغير بتغير القيادات والأنظمة»، لافتاً إلى أنه «ليست هناك أي عوائق كبيرة الآن بين البلدين، حتى مع رحيل رئيسي وعبداللهيان، بدليل الإشارات الإيرانية الجديدة من مخبر وباقري كني بشأن استمرار العلاقات مع القاهرة».

وبحسب الحفني، فإن «هناك إرادة سياسية لدى القاهرة وطهران تجلّت خلال لقاء الرئيسين المصري والإيراني في وقت سابق، والاتصالات المتكررة التي حدثت بعد ذلك بين وزيري خارجية البلدين، والتي تم فيها التشاور حول كثير من القضايا التي تجمع البلدين».

شكري خلال حديث مع باقري كني (وكالة الأنباء الإيرانية إرنا)

إزالة المخاوف

في المقابل، رهن الخبير المصري بمركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، تطبيع العلاقات المصرية - الإيرانية بـ«خطوات إيران نحو إزالة المخاوف ومصادر القلق لدى القاهرة»، لافتاً إلى أن «الكرة الآن في ملعب إيران، وسنرى إذا كانت طهران سوف تستجيب لمطالب القاهرة؛ حتى يتحقق التطبيع الكامل خلال الفترة المقبلة». لكنه وصف إشارات إيران الأخيرة بشأن استمرار العلاقات مع مصر بـ«الجيدة»؛ إلا أنها «ليست حاسمة وليس فيها حراك حقيقي من قِبل إيران».

وفي فبراير (شباط) الماضي، نقل شكري لعبداللهيان على هامش المشاركة في الشق رفيع المستوى لاجتماعات مجلس حقوق الإنسان في مدينة جنيف السويسرية، «قلق مصر البالغ لاتساع رقعة التوترات العسكرية في منطقة جنوب البحر الأحمر، والتي ترتب عليها تهديد حركة الملاحة الدولية في أحد أهم ممراتها على نحو غير مسبوق، والضرر المُباشر لمصالح عدد كبير من الدول، ومن بينها مصر».

وتستهدف جماعة الحوثي اليمنية، منذ نهاية نوفمبر الماضي، سفناً بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب، تقول إنها «مملوكة أو تشغلها شركات إسرائيلية»، وتأتي الهجمات رداً على الحرب المستمرة في قطاع غزة. ودفعت تلك الهجمات شركات شحن عالمية لتجنب المرور في البحر الأحمر، وتغيير مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، رغم ما يسببه هذا التغيير من ارتفاع في تكلفة الشحن المالية والزمنية.

ووفق وزير المالية المصري، محمد معيط، الاثنين الماضي، فإن «هناك تقديرات بتراجع عوائد قناة السويس بنحو 60 في المائة بسبب التوترات بمنطقة البحر الأحمر».

وهنا، يرى عكاشة أن «القاهرة تشعر بالقلق من طموحات إيران الإقليمية»، لافتاً إلى «وجود مطالب لمصر من أجل تحسن العلاقات لم تحقق حتى الآن»، لكن هناك «محاولات من البلدين في هذا الملف، ونأمل أن تستجيب طهران لذلك، خاصة في ظل محاولة البلدين لتحسين العلاقات خلال الفترة الماضية».


مقالات ذات صلة

مصر: توسع زراعي لتعزيز الأمن الغذائي وسط تحديات مائية

شمال افريقيا مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)

مصر: توسع زراعي لتعزيز الأمن الغذائي وسط تحديات مائية

تتوسع الحكومة المصرية في المشروعات الزراعية لتعزيز الأمن الغذائي، وسط تحديات نقص المياه التي تواجهها البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية السيسي يلتقي إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي بالعاصمة الإدارية الجديدة في ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

لماذا يتصاعد القلق الإسرائيلي بشأن التقارب المصري- التركي عسكرياً؟

يثير التقارب المتزايد في العلاقات بين مصر وتركيا حالةً من القلق داخل إسرائيل، خصوصاً مع توسُّع التعاون في مجالات التدريب والمناورات العسكرية.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)

زيادة تحويلات المغتربين لا تكبح ارتفاع سعر الدولار في مصر

أعاد الحديث عن زيادة تحويلات المصريين بالخارج بصيص أمل لدى قطاعات من المصريين في كبح ارتفاع سعر صرف الدولار، إثر موجة تقلبات في العملة الأميركية مؤخراً.

علاء حموده (القاهرة)
الاقتصاد جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

تيسيرات مصرية للتوسّع في مشروعات قطاع التعدين

عبر «خفض إيجارات مناطق البحث والاستكشاف وتسريع استخراج الموافقات»، تُقدم الحكومة المصرية تيسيرات جديدة للتوسع في مشروعات قطاع التعدين.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
الاقتصاد تقلبات أسعار الذهب لا تمنع من الاتجاه لشرائه بوصفه وعاء ادخارياً (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

مصريون لمزيد من «التحوط» بالذهب كوعاء ادخاري

ما زال الذهب الوعاء الادخاري الأفضل، باعتباره قادراً على الاحتفاظ بقيمته، وفي الوقت نفسه يسهل تسييله لأموال، كما حدث بداية الحرب الإيرانية.

رحاب عليوة (القاهرة)

مصر: توسع زراعي لتعزيز الأمن الغذائي وسط تحديات مائية

مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)
مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)
TT

مصر: توسع زراعي لتعزيز الأمن الغذائي وسط تحديات مائية

مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)
مسؤولون يتابعون المشروعات المائية لدعم الزراعة في مصر (وزارة الري)

تتوسع الحكومة المصرية في المشروعات الزراعية لتعزيز الأمن الغذائي، وسط تحديات نقص المياه التي تواجهها البلاد.

وفي وقت أعلنت فيه القاهرة عن «زيادة مساحة الرقعة الزراعية»، أعلنت وزارة الري، الجمعة، عن «استنفار حكومي لضمان جاهزية المنظومة المائية، وتلبية الاحتياج المرتفع للمياه خلال أشهر الصيف».

وتعهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيادة نسبة استصلاح الأراضي الزراعية إلى 4.5 مليون فدان ضمن مشروعات الدلتا الجديدة ومشروعات «جهاز مستقبل وطن»، وقال في كلمة خلال احتفال «عيد العمال»، الخميس، إن هذه المساحة «تشكل ثلث الرقعة الزراعية الموجودة في البلاد».

وتواجه مصر فترة أقصى الاحتياج المائي حالياً، وفق وزير الري، هاني سويلم، وتحدث، الجمعة، عن «حالة استنفار بجميع الجهات لضمان جاهزية المنظومة المائية بجميع مكوناتها من ترع ومصارف ومحطات رفع ومنشآت مائية، للتعامل بكفاءة مع الطلب المرتفع على المياه خلال الصيف».

وتشكو القاهرة من تحديات مائية، حيث يبلغ عجز المياه نحو 55 في المائة، وتعتمد على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه بنسبة 98 في المائة، وبحصة سنوية مقدارها 55.5 مليار متر مكعب، وفقاً لبيانات حكومية.

وحسب بيان وزارة الري، الجمعة، تشمل عمليات الاستنفار «مواصلة التصدي لأشكال التعديات على المجاري المائية وإزالتها، ومنع أي محاولات تعدٍ على منافع الري». وتستهدف الحكومة تنفيذ عديد من مشروعات معالجة المياه والتحلية للإنتاج الكثيف للغذاء لسد العجز في مواردها المائية، ونفذت 3 محطات كبرة لمعالجة المياه، هي الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة، وفق الري.

جانب من محاصيل استراتيجية في سيناء قبل الحصاد (وزارة الزراعة المصرية)

ويرى أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي أن «الحكومة تتوسع في مشروعات زراعية جديدة بالاعتماد على نظم الري الحديث، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه المشروعات تواجه تحديات تتعلق بتوافر المياه، خصوصاً أنها تعتمد بشكل أساسي على المياه الجوفية ومياه الصرف المعالجة».

ويشير إلى أن «استصلاح أراضي زراعية جديدة يتنوع ما بين مشروعات تنفذها الدولة مثل (توشكي وشرق العوينات والدلتا الجديدة)، وأخرى تنفذ بشكل فردي من مستثمرين وقطاع خاص»، ويوضح أن «التحدي الأساسي في تكلفة توفير موارد مائية لهذه المشروعات خصوصاً أن معظمها يعتمد على مياه الصرف الزراعي».

وتحدث السيسي، الخميس، عن إضافة 450 ألف فدان للرقعة الزراعية بشبه جزيرة سيناء، وقال إن «تحقيق هذا الهدف استدعى إقامة محطة بحر البقر، فضلاً عن إقامة البنية الأساسية الأخرى لها».

ويعتقد شراقي أن «المشروعات الزراعية الجديدة يجب أن تغطي جزءاً كبيراً من تكاليفها، بالتوسع في استخدام محاصيل أقل في استهلاك المياه، وذات عائد اقتصادي أكبر».

مشروعات تهيئة الترع في مصر (وزارة الري)

ويرى أستاذ الاقتصاد الزراعي بمعهد «البحوث الزراعية»، مدحت عنيبر أن «الحكومة مطالبة بزيادة الرقعة الزراعية، بما يعزز قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية»، ويشير إلى أن التحدي الأساسي في «توفير المياه من موارد جديدة».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «محطات معالجة المياه التي تقيمها الحكومة توفر الاحتياج المائي للتوسع الزراعي؛ وذلك لأنها تعيد معالجة مياه الصرف 4 دورات»، ويلفت إلى أن «السياسة الزراعية التي تعمل عليها مصر والتي تشمل إقامة مشروعات جديدة مثل الصوب الزراعية، وزراعة محاصيل توفر المياه، أسهمت في تحقيق الاكتفاء من الخضر والفاكهة وزيادة الصادرات»، وفق رأيه.

عملية تجديد شبكات الصرف المغطى بمنطقة بحر البقر (وزارة الري)

وأعلنت وزارة الزراعة، الجمعة، «زيادة حجم الصادرات منذ مطلع العام الحالي بعدما سجلت إجمالي الكميات المصدرة نحو 3.7 مليون طن». وأفادت بأن «الموالح جاءت في صدارة قائمة الصادرات بكميات بلغت نحو 1.7 مليون طن».


درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)
حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)
TT

درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)
حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)

تغيّر وجه مدينة درنة الليبية، التي اتخذها تنظيم «داعش» معقلاً له، وأضرّ بها إعصار متوسطي من قبل، لتزدان اليوم بآلاف البنايات الحديثة والمنشآت الحكومية الجديدة، في مشهد يطوي ذاكرة الدم، ويخفف ندوب الماضي الأليم.

فبعد قرابة 6 أعوام على دحر «داعش» بشكل كامل من هذه المدينة الساحلية، ونحو 3 سنوات على «إعصار دانيال»، الذي أزال أجزاءً واسعة منها، بدأت مظاهر الحياة تدب في درنة من جديد، من خلال مشاريع ينفذها «صندوق الإعمار».

جانب من الاحتفالات المصاحبة لافتتاح المشروع السكني في درنة الليبية (صندوق الإعمار)

وفي احتفالية حضرها القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الحكومة المكلفة من البرلمان، أسامة حمّاد، إلى جانب سكان من المدينة، جرى افتتاح مشروع 2000 وحدة سكنية بحي السلام في درنة، مساء الخميس.

وقال حفتر الذي حضر الافتتاح إن مسار البناء والإعمار «يُعد واجباً أصيلاً على الدولة تجاه مواطنيها»، مضيفاً أن تلبية احتياجات المواطن وصون كرامته وضمان حقوقه «تأتي في صدارة أولويات الدولة».

مناطق من التجمع السكني الذي شيده صندوق الإعمار في درنة (الصندوق)

وشدد حفتر على «أهمية مواصلة العمل في مسار الإعمار، وتكثيف الجهود ليشمل مختلف المدن والقرى في جميع ربوع ليبيا»، مؤكداً أن «معيار التقييم الحقيقي هو ما يتحقق من إنجاز على أرض الواقع».

وكان «داعش» قد اتخذ من درنة معقلاً له في شرق ليبيا منذ عام 2014، وبدأ في فرض قبضته عليها عبر تحصيل الجزية، وتنفيذ الإعدامات في ساحاتها العامة بحق المناوئين، قبل أن يتمكن «الجيش الوطني» من تحريرها بشكل كامل في 28 يونيو (حزيران) 2018.

وأمام جموع كبيرة من البرلمانيين والمواطنين، أكد حفتر أن هذه المناسبة «تمثل لحظة طال انتظارها، تعود فيها البهجة إلى المدينة، وتستعيد فيها مظاهر الحياة والاستقرار»، معرباً عن تهانيه بما تحقق من إنجازات في مجالات الإعمار.

مسجد «الصحابة» في درنة بعد إعادة تجديده (صندوق التنمية)

وأشاد حفتر «بدور ضباط وجنود القوات المسلحة، ومنتسبي الشرطة والأجهزة الأمنية في تعزيز الأمن داخل المدينة، وتهيئة الظروف الملائمة لإنجاح مشاريع الإعمار».

وحضر الاحتفالية رئيس الأركان العامة الفريق خالد حفتر، ومدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بالقاسم حفتر، وعدد من أعضاء مجلس النواب والوزراء، وممثلو البعثات الدبلوماسية، إضافة إلى مشايخ وأعيان وجموع من أهالي درنة.

وتحدث حماد عن دور القيادة العامة ومجلس النواب في «إرساء دعائم الاستقرار، واستمرار تدشين واستكمال المشاريع السكنية، وتوزيعها على متضرري درنة، واستمرار مشاريع التنمية في مختلف ربوع البلاد، عبر إرادة وطنية صادقة وتمويل وطني».

مدرسة حديثة تم تشييدها لتلاميذ المدينة (صندوق التنمية)

واختتم حماد كلمته باعتبار درنة «نموذجاً وطنياً لمرحلة التعافي وإعادة البناء، عبر النوايا الصادقة والإرادة الحقيقية، التي تحققت من خلال التكامل بين مؤسسات الدولة لتنهض مجدداً، وتعود المدينة الزاهرة في أبهى إطلالاتها».

من جهته، قال بلقاسم حفتر إن «ما تحقق في درنة يمثل تحولاً حقيقياً من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز»، مشدداً على أن «معيار التقييم هو ما يُنفذ على الأرض لا ما يُعلن»، وموضحاً أن المشروع «لا يقتصر على توفير وحدات سكنية، بل يقدم نموذجاً عمرانياً متكاملاً، يعكس توجه الدولة نحو بناء مدن حديثة، وفق معايير تخطيط متقدمة».

وعاش سكان درنة معاناة مضاعفة؛ مرة في مواجهة التنظيم الإرهابي الذي اضطرّهم إلى النزوح بسبب التنكيل والإعدامات، ومرة أخرى بفعل الإعصار المتوسطي، الذي ضرب المدينة في 9 من سبتمبر (أيلول) 2023، متسبباً في كارثة إنسانية غير مسبوقة إثر انهيار سدين.

وفي فبراير (شباط) 2021، أُقيم معرض للكتاب بمدينة درنة في ساحة شاسعة، كان «داعش» يتخذها مقراً لقطع رؤوس معارضيه، قبل أن يفر ما تبقى من عناصره أمام ضربات «الجيش الوطني».

وفي خطوة عُدت «إضافة نوعية لقطاعي التعليم والصحة بالمدينة»، افتتح حماد مستشفى جامعة درنة العلاجي التعليمي بحي السلام، وسلمه إلى جامعة درنة.

وعدّ رئيس مجلس النواب ما تشهده درنة «من نهضة عمرانية، وتسليم للوحدات السكنية لمستحقيها دليلاً قاطعاً على أن العمل الجاد والتعاون الصادق قادران على تطويع التحديات، وتحويل الطموحات إلى واقع ملموس يخدم الوطن والمواطن».

وقال صالح في كلمته إن تسليم هذه الوحدات لسكان درنة «يعكس التزام الدولة بمسؤولياتها في توفير المسكن اللائق كحق طبيعي، بهدف تعزيز أمن الأسرة وطمأنينتها، ورفع أعباء الإيجار عن كاهل المواطنين». مبرزاً أن هذه الخطوة «ليست نهاية المطاف، بل هي انطلاقة لبرنامج إسكاني واسع، سيشمل العديد من المدن والقرى الليبية، استجابةً للحاجة المتزايدة للسكن الصحي، خصوصاً لفئة الشباب الراغبين في بناء حياة مستقرة».

جانب من الوحدات السكنية الحديثة التي تم تشييدها (صندوق التنمية)

وانتهى صالح مشيداً «بالدور الفعال للشركات الليبية والمصرية والتركية، والفرق الهندسية والعمالية، التي أسهمت في استكمال مشاريع كانت متوقفة منذ زمن طويل».

وكان «داعش» يسيطر أيضاً على مدينة سرت (450 كيلومتراً شرق طرابلس)، قبل أن تدحره قوات «البنيان المرصوص»، وتعلن حكومة طرابلس حينها تحرير المدينة في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2016.


«اتحاد الشغل» التونسي ينتقد «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم العالمي

جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)
جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)
TT

«اتحاد الشغل» التونسي ينتقد «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم العالمي

جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)
جانب من احتفالات العمال بعيدهم الوطني وسط العاصمة تونس (أ.ف.ب)

انتقد «اتحاد الشغل» التونسي «الوضع الصعب» للعمال في عيدهم الوطني، وقال أمين عام اتحاد الشغل التونسي، صلاح الدين السالمي، في كلمته خلال تجمع عمالي، الجمعة، بمناسبة إحياء عيد العمال العالمي إنّ «الظرف صعب، ولا يحتمل المزايدات ولا المجاملات، وليس لنا من خيار تجاهه إلاّ التحلّي بالشفافية وروح المسؤولية والمصارحة بحقيقة الأوضاع»، مضيفاً أننا «جميعاً متضرّرون من الوضع الحالي، ولا مفرّ لنا من مواجهة هذا الوضع إلا بالعمل الجماعي المشترك».

وأشار السالمي في كلمته إلى ما وصفه «بالوضع الصعب الذي يعيشه العمّال بالفكر والساعد، والمتقاعدون على حدّ سواء، جرّاء الارتفاع الجنوني لتكلفة المعيشة، وتدهور القدرة الشرائية بسبب الارتفاع الكبير لأسعار المواد الأساسية، في وقت تتّسع فيه دائرة الهشاشة لتشمل فئات أوسع من الطبقة الوسطى، وتفاقم نسب البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب بمن في ذلك حاملو الشهادات، وتصاعد ظاهرة هجرة الإطارات من ذوي الاختصاص»، وفق تعبيره.

وأوضح السالمي أنّ مواجهة هذه الأوضاع «لن تنجح إلاّ عبر حوار يعيد الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة، ويوفّر إطاراً صلباً لصياغة الحلول والشروط الضرورية، بما تقتضيه المرحلة من إصلاحات عادلة وعاجلة ومنصفة»، معتبراً أنّ 'التقدّم في مواجهة الصعوبات «لن يتحقّق إلاّ باستكمال الشروط اللازمة لإحلال مناخ سليم للتنمية المستدامة والعمل اللائق، لا مكان فيه للتهرّب الضريبي، ولا لأشكال العمل الهجينة والمارقة على القانون، والتي يكرّسها اليوم الاقتصاد الموازي والمنصّات الرقمية التي خلقها الواقع الجديد للعمل، ومناخ يسوده العدل والإنصاف، ويعود فيه الدعم لمستحقّيه دون غيرهم، وتحكمه مبادئ المساءلة والمحاسبة وعلوية القانون»، وفق تعبيره.

في سياق ذلك، رأى السالمي أن الزيادة الأخيرة في أجور القطاعين العام والخاص كانت أحادية الجانب، مشدداً على أنها لا تلبي الحاجيات الفعلية للعمال. وقال إن العمال في حاجة إلى زيادات في الأجور مهما كانت قيمتها، ودعا إلى ضرورة تفعيل مؤسسة الحوار الاجتماعي، بهدف معالجة الملفات العالقة للعمال والمؤسسات.

وجاءت هذه التصريحات بعد أن نشرت الحكومة التونسية، الخميس،زيادات في الأجور لموظفي الدولة والقطاعين العام والخاص والمتقاعدين، في مسعى لدعم القدرة الشرائية، في ظل ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة. وتقدر الزيادة بنسبة 5 في المائة في الأجر الأساسي، على أن يبدأ سريانها بأثر رجعي في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026. ويتضمن مشروع قانون المالية لعام 2026 زيادات في الأجور على مدى 3 سنوات، بين 2026 و2028، بتكلفة تفوق 300 مليون دولار أميركي، لكن «اتحاد الشغل»، النقابة الكبرى في تونس، انتقد إقرار السلطة لزيادات خارج المفاوضات الاجتماعية، كما حذر من غياب سياسات فعالة للسيطرة على الأسعار وغلاء المعيشة.