لمن ستميل موازين قوة الأحزاب الجزائرية إذا ترشح تبون لولاية ثانية؟

في انتظار أن تعقد اجتماعاتها لحسم قرارها النهائي بشأن الانتخابات الرئاسية

موازين قوة الأحزاب السياسية في الجزائر تُرجح كفة تبون إذا ترشح لولاية ثانية (الرئاسة)
موازين قوة الأحزاب السياسية في الجزائر تُرجح كفة تبون إذا ترشح لولاية ثانية (الرئاسة)
TT

لمن ستميل موازين قوة الأحزاب الجزائرية إذا ترشح تبون لولاية ثانية؟

موازين قوة الأحزاب السياسية في الجزائر تُرجح كفة تبون إذا ترشح لولاية ثانية (الرئاسة)
موازين قوة الأحزاب السياسية في الجزائر تُرجح كفة تبون إذا ترشح لولاية ثانية (الرئاسة)

مبكّراً، بدأت أحزاب سياسية جزائرية استعداداتها لحملات الدعاية للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في السابع من سبتمبر (أيلول) المقبل، دون حتى إعلان غالبية هذه الأحزاب أسماء مرشحيها، أو المرشحين الذين ستدعمهم، أو أن تكتمل قائمة المرشحين المؤكدين الذين سيخوضون السباق على الفوز بأكبر منصب في البلاد.

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون قد قرر استدعاء الهيئة الناخبة لانتخابات الرئاسة في الثامن من يونيو (حزيران) المقبل لإجراء الانتخابات. وفي أعقاب ذلك، بدأت الأحزاب التي أعلنت مشاركتها في تلك الانتخابات مشاورات داخلية لتحديد مرشّحيها، لكن قبل نحو شهر من استدعاء الهيئة ما زال المراقبون للشأن السياسي الجزائري ينتظرون أن يُعلن تبّون ترشّحه لفترة رئاسيّة ثانية، في وقت لم تحسم فيه بعد غالبية الأطياف السياسيّة كيفية المشاركة في هذا الاستحقاق، بينما تترقب الطبقة السياسية إعلان تبون الترشح. ووفقاً لما أبلغت به مصادر برلمانيّة «وكالة أنباء العالم العربي»، فإن المشهد السياسي في الجزائر يُشير إلى تنافس أربعة مرشّحين من الأحزاب، بالإضافة إلى تبّون، الذي من المتوقّع أن تدعمه أربعة أحزاب ذات ثقل سياسي كبير، وهو ما يجعل حظوظه أوفر بموازين قوة الأحزاب، فضلاً عن وجود مرشّح آخر محتمل تدعمه أحزاب أقل حجماً، ومنظمات مجتمع مدني.

أمين عام «جبهة التحرير الوطني» مع الرئيس تبون (حساب الحزب)

وتوقّعت المصادر ذاتها، التي طلبت عدم الكشف عن هويّاتها، أن يُعلن كلُّ من «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمّع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني» في وقت لاحق عن دعمهم ترشّح تبّون لولاية ثانية. وتسيطر «جبهة التحرير الوطني» على أكبر عدد من مقاعد البرلمان، بواقع 98 مقعداً، بينما يحتل «التجمع الوطني الديمقراطي» المرتبة الثالثة من حيث التمثيل في البرلمان بسيطرته على 58 مقعداً، في حين تأتي «جبهة المستقبل» في المرتبة الرابعة بسيطرتها على 48 مقعداً. أمّا «حركة البناء الوطني» فتحتل المرتبة الخامسة بـ39 مقعداً. لكنّ في الوقت ذاته، ذكرت تلك المصادر أن شكل الدعم، الذي ستقدمه هذه الأحزاب للمرشح المحتمل، والذي لم يحدَّد بعد، سيكون وفقاً لما تقرره المؤسسات القيادية في كلّ حزب.

مرشحون محتملون

من المنتظر أن تعقد كل الأحزاب المعنيّة بالموعد الانتخابي اجتماعات مجالسها الوطنية، أو لجانها المركزية، أو مجالس الشورى التابعة لها في أواخر مايو (أيار) الحالي، أو بداية يونيو المقبل لحسم قرارها النهائي بشأن الانتخابات الرئاسية.

لويزة حنون الأمينة العامة لحزب «العمال» (حسابات الحزب بالإعلام الاجتماعي)

وذكرت المصادر ذاتها أنه يتوقع أن ترشح حركة «مجتمع السلم» رئيسها عبد العالي حساني شريف، وأن يرشّح حزب «العمال» أمينته العامة لويزة حنون، فيما يرشّح حزب «صوت الشعب» رئيسه لمين عصماني أيضاً، ومن المحتمل كذلك أن يرشّح تجمع «أمل الجزائر» رئيسته، وزيرة البيئة السابقة، فاطمة الزهراء زرواطي، وبالإضافة إلى هؤلاء، فقد سبق أن أعلن بلقاسم ساحلي عزمه الترشّح عن حزبه «التحالف الوطني الجمهوري»، مدعوماً بتحالف «تكتّل أحزاب الاستقرار والإصلاح»، الذي يضم أيضاً حزب «التجديد والتنمية»، و«الجبهة الديمقراطية الحرّة»، و«الحركة الوطنيّة للطبيعة»، وحزب «التجديد الوطني».

زبيدة عسول مرشحة انتخابات 2024 (حساب حزبها بالإعلام الاجتماعي)

وكانت الناشطة زبيدة عسول، التي دافعت بوصفها محامية عن معتقلين من ناشطي حراك عام 2019، أوّل شخصيّة تُعلن عزمها الترشّح للاستحقاق الرئاسي، لكن مصادر توقّعت ألّا تتمكن من جمع التوقيعات التي يشترطها قانون الانتخابات لتقديم ملفّ ترشّحها.

الإسلاميون بين المنافسة والتأييد

يبرُز في هذه الحسابات دوْران للأحزاب الإسلامية؛ الأّول دور المنافس، الذي ستلعبه حركة «مجتمع السلم»، أمّا الدور الثاني فهو دور المساندة الذي ستلعبه حركة «البناء الوطني». وهما أكبر كتلتين للإسلاميين في المشهد السياسي الجزائري.

اجتماع قيادة «مجتمع السلم» تحسباً لانتخابات الرئاسة (الحزب)

أما جبهة «العدالة والتنمية» التي يترأسها الشيخ عبد الله جاب الله، فتغيب منذ مدة عن إبداء رأيها في المسائل السياسية الوطنية، ويعيش رئيسها في معزِل عن القضايا السياسية، متفرغاً للتنظير في المسائل الفكرية. لذلك، فإن المصادر تستبعد هذه الجبهة من الحسابات. وبالنسبة لحركة «النهضة»، فإن وزنها السياسي لا يجعل منها لاعباً مهماً للسلطة، وفقاً لتقديرات المصادر.

رئيس حركة «مجتمع السلم» السابق عبد الرزاق مقري (الشرق الأوسط)

ويرى رئيس حركة «مجتمع السلم» السابق، عبد الرزاق مقري، أن السلطة الحاكمة ترتّب حالياً مع سياسيين في الموالاة والمعارضة لإنجاح الانتخابات الرئاسية، بهدف تحقيق «مشاركة شعبية مقبولة... من خلال تشجيع البعض لدعم مرشّحها، وتشجيع البعض الآخر للترشح كأرانب سباق، وتَعِد هؤلاء بأشياء وهؤلاء بأشياء»، وفقاً لما ذكره في منشور على «فيسبوك». وكان مقري يسعى للترشّح للانتخابات الرئاسيّة، وفق ما أبلغت به مصادر مسؤولة في الحركة «وكالة أنباء العالم العربي»، طالبة عدم الكشف عن هويّاتها، لكن النقاش الذي دار في صفوف قواعد الحركة تركز حول حسم المسألة لصالح ترشيح حساني شريف، الرئيس الحالي للحركة. وتعدّ حركة «مجتمع السلم» من الناحية الشكلية أقوى حزب سياسي معارض؛ كونها تحتل المرتبة الثانية من حيث التمثيل البرلماني، بعدد مقاعد يبلغ 65 مقعداً. وكان هناك تيّار يُريد العودة بالحركة إلى التحالف مع القوى الداعمة لتبون، تزعّمه الرئيس الأسبق للحركة أبو جرة سلطاني، الذي يشغل منصب سيناتور بمجلس الأمة عن الثلث المعيّن من قبل رئيس الجمهورية، والمعروف عند السياسيين بالثلث الرئاسي.

السكرتير الأول لـ«جبهة القوى الاشتراكية» (حساب الحزب بالإعلام الاجتماعي)

بالنسبة لحركة «البناء الوطني»، وهي القوة الإسلامية الأخرى التي أسندت لها مهمّة الموالاة للسلطة الحالية، وفق تقديرات مصادر «وكالة أنباء العالم العربي»، فقد أكد رئيسها عبد القادر بن قرينة في تجمع دعائي للحركة، السبت الماضي، دعمها استقرار الجزائر الجديدة.

وفسّرت تقارير إعلامية هذا التصريح بأنه اختار دعم تبون، الذي يحمل شعار الجزائر الجديدة. وقال نائب رئيس الحركة، أحمد الدان، في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إنّ الحركة في وضعها الطبيعي، «بحيث تدعم الرئيس وبرنامجه، وتُشارك في التحالف الحكومي»، لكنه رأى أن تفسير تصريحات رئيس الحركة على أنها دعم لتبون إذا ترشح «أمر سابق لأوانه، كون الرئيس لم يُعلن ترشّحه بعد، ومجلس الشورى الوطني للحركة لم ينعقد بعد لإعلان كيفية المشاركة في الانتخابات الرئاسية».

وأوضح الدان أن خيار دعم تبّون من الخيارات القوية المطروحة للنقاش داخل صفوف الحركة «إذا استطاع هذا الخيار أن ينال موافقة مجلس الشورى الوطني». غير أن مصادر «وكالة أنباء العالم العربي» أكدت أنّ قيادة حركة «البناء الوطني» حسمت أمرها بدعم تبون، مشيرة إلى أن بن قرينة يفضّل الحفاظ على رصيده المحقق في الانتخابات الرئاسيّة الماضية من أجل «مقايضة دعمه للرئيس بالمشاركة في الائتلاف الحكومي المقبل، وادّخاره للانتخابات البرلمانية المقبلة». وفي الانتخابات التي أجريت في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، حل بن قرينة في المركز الثاني بعد تبّون، حين حصل على مليون و477 ألفاً و836 صوتاً، أي ما يعادل 17.38 في المائة من الأصوات.

الأحزاب تستعد للمرحلة المقبلة

بينما تُحاول حركة «البناء الوطني» استثمار مساندتها لتبّون، استعداداً لمرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسيّة، فإن أحزاباً أخرى بدأت تعدّ حسابات التموقع للمرحلة المقبلة. وقالت قيادات في جبهة «التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي» صراحة إن الانتخابات الرئاسيّة المقبلة ستكون فرصة لاستعادة الأحزاب ريادتها في المشهد السياسي. وبحسب مصادرنا، فإن هذه الحسابات جعلت جبهة «القوى الاشتراكية» أيضاً تراهن على عدم مقاطعة الاستحقاق الانتخابي، مقابل استعادة مكانتها في منطقة القبائل، وفقاً لما أوضحته المصادر.

السكرتير الأول لـ«القوى الاشتراكية» يوسف أوشيش مع الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون (حزب العمال)

وبينما استبعدت المصادر أن تشارك جبهة «القوى الاشتراكية» بمرشح أو حتى التحالف مع السلطة، فقد استبعدت أيضاً أن تدعم الجبهة أياً من مرشحيّ المعارضة التي أعلنت مشاركتها في الانتخابات الرئاسيّة، والمتمثلة في حركة «مجتمع السلم» وحزب «العمال»، وقالت إن الجبهة ستكتفي بمباركة الانتخابات. وأوضحت المصادر أن الجبهة لن تدعم مرشّح السلطة لأن خطها معارض، بينما لن تدعم مرشحي المعارضة؛ لأن الأول إسلامي يتنافى مع عقيدتها السياسية الاشتراكية، بينما مرشحة حزب «العمال» تشترك مع الجبهة في التوجه الاشتراكي، لكنها تنافسه في مجال انتشاره في منطقة القبائل. وتبقى كلّ هذه الحسابات مرهونة بإعلان تبون ترشّحه لولاية ثانية. وحول سبب عدم إقدامه على هذه الخطوة حتى الآن، قال النائب بالبرلمان عن «التجمع الوطني الديمقراطي» الصافي لعرابي لـ«وكالة أنباء العالم العربي» إن الرئيس تبون «لديه 45 التزاماً أمام الرأي العام، والرئيس قبل أن يفكّر في عهدة ثانية يفكر في تقديم حصيلة نشاطه».



إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)
أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)
TT

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)
أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

في مشهد امتزجت فيه مشاعر الحزن وآلام الفقد بالآمال في تهيئة بيئة صحية أكثر أمناً بالأحياء السكنية، تواصل السلطات الصحية بالخرطوم استخراج جثث الموتى من المقابر العشوائية التي خلفتها ظروف الحرب في السودان.

واستخرجت الفرق الميدانية، الأحد، نحو 85 جثماناً من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة، في حي جبرة جنوب الخرطوم، تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية، وسط حضور ذويها الذين ودَّعوا أحبَّتهم للمرة الثانية بالبكاء والدعاء.

فرق متخصصة تعمل في نبش القبور العشوائية (الشرق الأوسط)

وأمام المقابر التي تُنبش لضمان السلامة الصحية وتنظيم عمليات الدفن، يستعيد أهالي الموتى لحظات الفقد الأولى بكل تفاصيلها المؤلمة، ويستحضرون حكايات إنسانية تختصر فصول مأساة الحرب وآثارها الممتدة على الإنسان والمكان.

لحظات لا تُنسى

تغالب إحدى النساء دموعها وهي تقول: «لحظة نبش قبر أخي من أصعب التجارب في حياتي. لم أستطِع فعل شيء سوى الجلوس قرب القبر، وقراءة ما تيسر من القرآن والدعاء له بالرحمة والمغفرة».

امرأة أخرى حضرت منذ الصباح الباكر لمتابعة نقل رفات والدها. قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن المشهد كان مؤلماً بشدة، لكنها أكدت أن إعادة دفن الموتى في مقابر رسمية «خطوة ضرورية رغم قسوتها»، وأن ما خفف عنها الوجع هو إحساسها بأن أباها سيُوارى الثرى في مكان لائق.

سودانية تقرأ القرآن على روح زوجها أثناء استخراج جثمانه لإعادة دفنه في مقابر معتمدة (الشرق الأوسط)

إحدى الحاضرات لم تتمالك نفسها عند رؤية القبر يُنبش، فجلست تبكي بصمت وهي تستذكر الأيام الأخيرة التي قضتها مع فقيدها. وقالت إن المشهد أعاد ذكريات الفقد الأولى، لكنها وجدت بعض السلوى في مشاركة الأخريات الدعاء وتلاوة الآيات.

أما أحمد الجاك، الذي دُفن شقيقه بصورة عشوائية إلى جوار ساحة أحد المساجد في أيام الحرب الأولى، فروى كيف أن الأسرة فقدت كذلك الأم التي تمكن منها المرض قبل أن تموت كمداً، مما ترك أثراً نفسياً بالغاً على الأسرة بكاملها. وقال: «نقلناه إلى المستشفى، لكنه توفي متأثراً بحالته متألماً من وقع الأحداث».

واستطرد قائلاً: «الآن جاءت اللحظة المناسبة لنقل رفات أخي وإعادة دفنه إلى جانب أفراد الأسرة في مقابر الصحافة، بما يحقق له الدفن اللائق ويجمعه بذويه».

المقابر الجماعية

وقد سبق لمدير الطب العدلي في الخرطوم، هشام زين العابدين، أن أشار إلى وجود أكثر من 40 مقبرة جماعية في أنحاء مختلفة من المدينة تم اكتشافها حتى الآن.

وقال إنه أمكن جمع 3500 جثة وأُعيد دفنها منذ بدء هذه العملية العام الماضي، بعد عودة سكان الخرطوم إليها إثر إخراج «قوات الدعم السريع» منها. وأضاف: «هناك 500 جثة أخرى تم جمعها على الطريق البري الرابط بين أم درمان وبارا، والذي يعرف بطريق الصادرات... وما زال الطب العدلي يستقبل بلاغات حول وجود مقابر».

أب ينتظر استخراج جثمان ابنه لإعادة دفنه في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

وكان رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، قد أعلن استعادة السيطرة على الخرطوم في 26 مارس (آذار) 2025، وطرد «الدعم السريع» منها؛ وبدأ سكان العاصمة بعدها يعودون إليها.

وفي 25 فبراير (شباط) الماضي، أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن عدد القتلى المدنيين في حرب السودان بلغ في عام 2025، «أكثر من ضعفي ما كان عليه في العام السابق»، إذ قُتل 11 ألفاً و300 شخص، يُضاف إليهم المفقودون والجثث مجهولة الهوية.

تهيئة «بيئة آمنة»

وعن استخراج نحو 85 جثة من المقابر العشوائية وإعادة دفنها وفق الإجراءات الرسمية في المقابر المعتمدة، قال المشرف العام لهيئة الطب العدلي في الخرطوم، بشير محمد عبد الله، إن هذه العمليات تأتي في إطار حملة مشتركة تنفّذ برعاية والي ولاية الخرطوم، وتهدف إلى «تهيئة بيئة آمنة لعودة المواطنين».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الفرق الميدانية تواصل أعمالها لتنظيف وإزالة مواقع الدفن العشوائي من ساحات المنازل والميادين العامة وباحات المساجد، «بما يسهم في استعادة السلامة الصحية والبيئية في المناطق المتأثرة».

من عمليات استخراج جثث من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

وأوضح مدير وحدة منطقة جبرة الإدارية، مجدي الأمين، أن السلطات أشرفت على عمليات نقل رفات الموتى من منطقة جبرة بجنوب العاصمة الخرطوم بموافقة ذويهم، حيث أُعيد دفنها في مقبرة الصحافة وفق الإجراءات المعتمدة.

وأكد الأمين لـ«الشرق الأوسط»، أن الجهود ستتواصل خلال الفترة المقبلة لإزالة المقابر العشوائية الأخرى، في إطار خطة تهدف إلى تنظيم مواقع الدفن وتعزيز السلامة الصحية والبيئية بالمنطقة.

ولا ينظر السودانيون عادة إلى إعادة دفن موتاهم على أنه مجرد خطوة إدارية أو صحية؛ بل فعل إنساني يعيد لضحاياهم «بعضاً من كرامتهم»، ولذويهم «قدراً من السكينة والطمأنينة».

ومع ذلك تبقى حقيقة «ثقيلة» عالقة في الوجدان؛ وهي أن الحروب لا تنتهي عند صمت السلاح، بل تمتد آثارها إلى عمق الأرض حيث يرقد الضحايا. ومع كل قبر يُنبش لا يستعاد الرفات فحسب؛ بل وذكرى الفقد بكل قسوتها.


مشاورات مصرية - كينية بحثاً عن «فرص متاحة» للتعاون بين دول حوض النيل

الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مشاورات مصرية - كينية بحثاً عن «فرص متاحة» للتعاون بين دول حوض النيل

الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري يستقبل نظيره الكيني في قصر الاتحادية يناير 2025 (الرئاسة المصرية)

تتواصل المحادثات المصرية - الكينية لتعزيز التعاون بين دول حوض النيل، في ظل خلافات جذرية تؤكدها القاهرة بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، وأخرى تناقشها مع نيروبي حول اتفاقية «عنتيبي»، في تحرك يراه مراقبون محاولة للبحث عن فرص للتوافق وإيجاد حلول عملية للتغلب على الخلافات العالقة.

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الاثنين، اتصالاً هاتفياً بنظيره الكيني ويليام روتو، تناول ملف مياه النيل والفرص المتاحة للتعاون بين دول حوض النيل.

وأكد الرئيس المصري «الأهمية القصوى لهذا الملف بالنسبة لمصر»، فيما أشار الرئيس الكيني إلى حرص بلاده «على إيجاد توافق بين جميع الأطراف ذات الصلة»، حسب بيان للرئاسة المصرية. كما أكد الرئيسان على ضرورة «مواصلة وتكثيف التواصل والتنسيق المشترك خلال الفترة المقبلة».

وتتشارك 11 دولة في نهر النيل هي: بوروندي ورواندا والكونغو الديمقراطية وكينيا وأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان والسودان ومصر.

اتفاقية «عنتيبي»

«اتفاقية عنتيبي»، أو «الاتفاق الإطاري التعاوني»، هي معاهدة وُقّعت عام 2010 في أوغندا لتنظيم استخدام مياه نهر النيل بهدف إعادة تقسيم الحصص المائية.

وترفض مصر والسودان اتفاقية «عنتيبي» التي تسمح لدول المنبع بإنشاء مشروعات مائية من دون التوافق مع دولتَي المصب (مصر والسودان)، أو الالتزام بحصص معينة (55 ملياراً و500 مليون متر مكعب لمصر، و18 ملياراً و500 مليون متر مكعب للسودان).

وأعلنت الحكومة الإثيوبية دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد تصديق ست دول من حوض النيل عليها، قبل أن تبدأ مشاورات التوافق في الشهر التالي.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، قرر المجلس الوزاري لمبادرة حوض النيل بأوغندا إطلاق العملية التشاورية لبحث شواغل الدول الأربع التي لم تُصدّق على الاتفاقية، في قرار أشاد به وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمة في اجتماع لوزراء المياه بدول حوض النيل في بوروندي في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

وذكرت وسائل إعلام مصرية، في فبراير (شباط) 2025، أن لجنة العملية التشاورية السباعية تضم الدول الأربع المعترضة على الاتفاقية، وهي مصر والسودان وكينيا والكونغو الديمقراطية، بجانب ثلاث دول موقعة على الاتفاقية، هي أوغندا ورواندا وجنوب السودان (وسطاء).

الموارد المائية

وتحدث نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، لـ«الشرق الأوسط» عن ضرورة بحث الفرص المتاحة للتعاون بين دول حوض النيل، لا سيما في ظل العلاقات المتنامية بين مصر وكينيا، مع استغلال الموارد المائية في إطار الاتفاقية الإطارية المعروفة باتفاقية «عنتيبي»، ووجود لجنة سباعية تشتركان بها تتولى عملية التوافق بين دول حوض النيل بشأن القضايا الخلافية.

وأشار إلى نقطتين خلافيتين أساسيتين تتعلقان بوضعية مصر والسودان بصفتهما دولتي مصب في إطار ما تم الاتفاق عليه في «عنتيبي»، مؤكداً أن اللجنة تبحث سبل التوصل إلى توافق لاستغلال الموارد المائية بشكل يحقق المصالح المشتركة، وأن هناك فرصاً متاحة لتحقيق ذلك في ضوء دور كينيا المهم مع دول حوض النيل ومصر.

يضاف لهذا الدور إمكانية أن تعزز كينيا موقف مصر في ملف «سد النهضة»، ووقف التصرفات الأحادية من جانب أديس أبابا للتوصل لتوافق أو تسوية بشأن أي تداعيات سلبية قد تحدث مستقبلاً، حسب حليمة.

علاقات متنامية

ويأتي اتصال السيسي وروتو، يوم الاثنين، بعد نحو شهرين من لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، رفقة وزير الري سويلم، بالرئيس الكيني في نيروبي فبراير الماضي.

الرئيس الكيني ويليام روتو يلتقي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ويتسلم رسالة خطية من السيسي فبراير الماضي (وزارة الخارجية المصرية)

ونقل عبد العاطي حينها رسالة خطية من الرئيس المصري لنظيره الكيني، أشاد فيها بترفيع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وتوقيع «إعلان القاهرة» خلال زيارة روتو إلى القاهرة نهاية يناير (كانون الثاني) 2025.

وشدّد عبد العاطي على أهمية التعاون والتكامل بين دول حوض النيل لتحقيق المنفعة المشتركة، وضرورة التمسك بالتوافق وروح الأخوّة بين دول حوض النيل لاستعادة الشمولية، ورفض الإجراءات الأحادية.

ووقّعت مصر وكينيا عدة اتفاقيات للتعاون الفني في مجال المياه منذ عام 1993، بدأت بمذكرة تفاهم لحفر 180 بئراً للمياه الجوفية، ثم اتفاق آخر عام 2016 لتطوير إدارة الموارد المائية، ويشمل ذلك «حفر آبار جوفية، وإنشاء سدود لحصاد الأمطار، والتدريب وبناء القدرات»، وفق وزارة الري المصرية.

ويرى حليمة أن التنامي اللافت في تحركات البلدين يأتي في ظل عضوية مصر وكينيا بتجمع «الكوميسا»، والروابط المشتركة كونهما من دول حوض النيل، وعلاقات ثنائية تشهد تطوراً كبيراً مع آفاق واسعة للتعاون المشترك مع استثمارات مصرية في قطاع البنية التحتية في كينيا، وتحديداً في مجال حفر آبار المياه.


شرق ليبيا والأردن لتعزيز التعاون العسكري والأمني

مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)
مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)
TT

شرق ليبيا والأردن لتعزيز التعاون العسكري والأمني

مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)
مراسم استقبال لخالد حفتر في الأردن 26 أبريل (الجيش الوطني الليبي)

في خطوة تعكس توجهاً متنامياً لتعزيز الشراكات العسكرية والأمنية، أجرى رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» بشرق ليبيا، الفريق خالد حفتر، سلسلة لقاءات رسمية في الأردن، ركزت على توسيع مجالات التعاون ومواجهة التحديات الإقليمية.

وفد القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي في اجتماع مع نائب رئيس «المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات» العميد حاتم الزعبي (الجيش الوطني)

وقالت رئاسة الأركان العامة في «الجيش الوطني»، الاثنين، إن رئيسها خالد حفتر - الذي وقّع اتفاقية تعاون في الأردن - أجرى زيارة إلى «المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات»، وكان في استقباله نائب رئيس المركز العميد حاتم الزعبي، حيث تم الاطلاع على آلية عمل المركز، ودوره في إدارة الأزمات والتعامل مع مختلف التحديات.

ووصل إلى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، مساء الأحد، وكان في استقباله رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، اللواء يوسف الحنيطي، وعدد من القيادات العسكرية.

ونقلت رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني» عن الحنيطي إشادته بـ«جهود إعادة هيكلة وبناء المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا وفق أحدث الأساليب والوسائل العسكرية»، مؤكداً حرص بلاده «على تطوير أطر التعاون العسكري بما يخدم استقرار المنطقة».

وأكد حفتر خلال لقائه بالزعبي «أهمية تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين، لا سيما في مجالات التنسيق المشترك وتنفيذ التمارين التعبوية، بما يسهم في رفع جاهزية القوات المسلحة لمواجهة التحديات الإقليمية الراهنة».

رئيس الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية اللواء يوسف الحنيطي مستقبلاً خالد حفتر (الجيش الوطني)

وأُقيمت مساء الأحد مراسم توقيع اتفاقية تعاون مشترك بين الجانبين، وذلك في إطار تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والعسكرية، وفتح آفاق أوسع للتنسيق المشترك، بما يُعزز من جهود دعم الاستقرار الإقليمي.

وسبق أن زار نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي الفريق صدام حفتر، الأردن في 12 من أبريل (نيسان) الحالي، وأجرى محادثات مع رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، وعدد من كبار القيادات العسكرية والأمنية الأردنية.

وأوضح «الجيش الوطني» في حينها أن اللقاءات «تناولت سبل تعزيز التعاون، خصوصاً في مجالات التدريب العسكري، وبناء القدرات، ورفع كفاءة الكوادر، بما يخدم المصالح المشتركة للطرفين».

ووقع «الجيش الوطني» والقوات المسلحة الأردنية، في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، اتفاقية للتعاون المشترك في المجال الطبي. وقال الأمين العام لـ«القيادة العامة» الليبية الفريق خيري التميمي إن الاتفاقية «تأتي ضمن عدد من الدورات التدريبية، التي سيتلقاها الضباط الليبيون وفق رؤية واستراتيجية القيادة العامة، للتطوير والتدريب للرفع من كفاءة منتسبيها بشتى المجالات».