20 وزير خارجية حول طاولة مؤتمر باريس... والخرطوم تندد لتجاهلها

يسعى لجمع 3.8 مليار يورو بوصفها مساعدات طارئة للسودان ودعماً سياسياً لمعاودة المفاوضات

وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك (يسار) ستشارك في رئاسة المؤتمر إلى جانب نظيرها الفرنسي ستيفان سيغورنيه ومسؤول السياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل (أ.ف.ب)
وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك (يسار) ستشارك في رئاسة المؤتمر إلى جانب نظيرها الفرنسي ستيفان سيغورنيه ومسؤول السياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل (أ.ف.ب)
TT

20 وزير خارجية حول طاولة مؤتمر باريس... والخرطوم تندد لتجاهلها

وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك (يسار) ستشارك في رئاسة المؤتمر إلى جانب نظيرها الفرنسي ستيفان سيغورنيه ومسؤول السياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل (أ.ف.ب)
وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك (يسار) ستشارك في رئاسة المؤتمر إلى جانب نظيرها الفرنسي ستيفان سيغورنيه ومسؤول السياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل (أ.ف.ب)

تتوقع باريس مشاركة أكثر من 20 وزيراً وكثير من ممثلي المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الدولي والجامعة العربية، فضلاً عن المؤسسات المالية الدولية وممثلين للمنظمات غير الحكومية العاملة في السودان وفي بلدان النزوح وممثلين للمجتمع المدني السوداني في المؤتمر الذي تستضيفه العاصمة الفرنسية، وتنظمه بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي.

منذ ما قبل حصوله، وُجهت انتقادات قاسية للمنظمين خصوصاً من الحكومة السودانية التي أصدرت بياناً مطولاً، الجمعة، أعربت فيه عن «بالغ دهشتها واستنكارها لانعقاد مؤتمر دون التشاور معها، ومن دون مشاركتها رغم أنها هي (الممثل الحصري للسودان) في شتى الهيئات والمنظمات والمحافل الدولية». وجاء في البيان أيضاً أن انعقاد المؤتمر بهذا الشكل «يمثل استخفافاً بالغاً بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبدأ سيادة الدول». ورأت الخارجية السودانية أن «الاختباء وراء ذريعة الحياد بين من يسميهما المنظمون «طرفي النزاع» لتبرير تجاهل السودان حجة لا قيمة لها وأمر مرفوض وسابقة خطيرة في العلاقات الدولية».

الفريق عبد الفتاح البرهان سيغيب عن الاجتماع في باريس (أ.ف.ب)

وبالفعل، فإن المؤتمر يلتئم في غياب ممثلين للحكومة، ولكن أيضاً لـ«قوات الدعم السريع» الضالعة في حرب ضد قوات الجيش السوداني منذ 15 أبريل (نيسان) الماضي. وحجة باريس ومعها الطرفان الآخران المنظمان (أي ألمانيا والاتحاد الأوروبي) تقوم على التزام الحياد، بيد أن مصادر سياسية في العاصمة الفرنسية ترى أنه إذا كانت الحجة الرسمية «ذات معنى ويمكن تقبلها» إلا أنها «لا يمكن أن تستقيم لأن الغرض ليس فقط جمع المساعدات المالية للنازحين السودانيين، بل أيضاً لتسهيل وصولها إليهم، فضلاً عن الدفع باتجاه إعادة طرفي النزاع إلى طاولة المفاوضات» ما يستدعي وجود الطرفين المتقاتلين.

ويجري الحديث عن اجتماع في جدة، الأسبوع المقبل، وقد كان موضع بحث خلال الاتصال الهاتفي الذي جرى، الخميس، بين وزيري خارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، والولايات المتحدة أنتوني بلينكن.

معالجة الوضع الإنساني الكارثي

يسعى المنظمون إزاء الوضع الإنساني الكارثي في السودان بعد عام على الحرب إلى جمع تبرعات مالية تصل إلى 3.8 مليار يورو لعام 2024، بينما المتوافر في الوقت الحالي لا يصل إلى الخمس. فمع نزوح 6.5 مليون سوداني من منازلهم (مصادر أخرى تتحدث عن 8.5 مليون نازح بينهم 3 ملايين طفل) وقراهم ولجوء 2.5 مليون نسمة إلى دول الجوار خصوصاً إلى تشاد وجنوب السودان، فإن الحاجات الإنسانية تضاعفت.

فتى على هضبة مشرفة على مخيم للاجئين الفارين من المعارك في السودان قرب الحدود بين السودان وتشاد (رويترز)

ووفق المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، فإن ما لا يقل عن 18 مليون سوداني يعانون من نقص حاد في الغذاء في بلد توقفت فيه الدورة الاقتصادية إلى حد بعيد، وتراجعت فيه الزراعة، بينما ينظر إلى السودان على أنه «أهراء أفريقيا». ومن بين هؤلاء، وفق بيانات الأمم المتحدة، هناك ما لا يقل عن 5 ملايين شخص يعانون من العجز الغذائي الحاد الذي يقرب من المجاعة. وقد جاء في تقرير لوكالة الصحافة السودانية من بورتسودان أن الدولة السودانية فقدت 80 بالمائة من مواردها، وأن استمرار المعارك من شأنه أن يفضي إلى وقف تدفق النفط من جنوب السودان ما يحرم الدولة من عائدات تقدر بعشرات الملايين. والأسوأ من ذلك أن طرق إيصال المساعدات الغذائية إلى المحتاجين داخل السودان تواجه عقبات جمة إما بسبب المعارك، وإما بسبب العراقيل التي توضع في درب المنظمات الإنسانية العاملة في السودان.

في الحديث الذي خصصه لصحيفة «أوبينيون» الفرنسية ونشرته في عددها يوم الاثنين، قال هنري نويل تاتانغنغ، مسؤول منظمة «العمل لمحاربة الجوع» من مقره في تشاد، حيث نزح ما يزيد على نصف مليون سوداني، إنه «من الضروري والطارئ أن توفر الجهات المساعدة تمويلاً مستداماً للاستجابة للحاجات الإنسانية والغذائية على مجمل الأراضي التشادية من أجل توفير الدعم للفئات الشعبية الأكثر هشاشة».

وتجدر الإشارة إلى أن مؤتمر باريس، الاثنين المقبل، يستهدف مساعدة النازحين والمحتاجين السودانيين، ولكن أيضاً الدول المضيفة التي يشكل النزوح السوداني أعباءً إضافية لا تقدر على تحملها منفردة. ويشير المسؤول الإنساني إلى أن شرق تشاد خصوصاً الولايتين «سيلا» و«ووداي» تفتقران أصلاً للخدمات الأساسية، ومن ثم فإن حضور نصف مليون سوداني يضاعف الحاجات الإنسانية. ووفق الأمم المتحدة، فإن السودان «يشهد واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم، وهو مرشح لأن يشهد قريباً أسوأ أزمة جوع في العالم».

انهيار النظام الصحي

حقيقة الأمر أن الأموال ليست وحدها ما يحتاج إليه النازحون السودانيون داخل البلاد وخارجها؛ فالنظام الصحي الضعيف أصلاً لم يعد قادراً على الاستجابات للحاجات الصحية ولمواجهة تفشي الأمراض بما فيها المعدية.

مستشفى «بشائر» بالعاصمة الخرطوم تعرض لخسائر جمة بسبب المعارك بين الجيش و«الدعم السريع» (أ.ف.ب)

ولا شك، وفق مسؤولين عن منظمات إنسانية، أن الأزمة الغذائية تنعكس سلباً على المناعة الصحية؛ ما يسهم في انتشار الأمراض والأوبئة. وما يضاعف من وطأة هذه الظاهرة المقلقة غياب تدابير الوقاية الصحية التي تؤثر بشكل خاص في الأطفال؛ حيث تزداد نسبة الوفيات بينهم. وقال أيدم ووسورنو، الناطق باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة إن السودان «بالنظر لضخامة الحاجات الإنسانية وأعداد النازحين الذين يهددهم الجوع، يعيش أسوأ أزمة إنسانية في الزمن الحديث». وأضاف المسؤول الأممي: «ما فعلناه حقيقة أننا تخلينا عن الشعب السوداني، وتركناه فريسة اليأس».

الحاجة لوقف المعارك

لن يقتصر مؤتمر باريس على المساعدات الإنسانية؛ إذ ثمة جانب سياسي له، حيث سيجتمع وزراء الخارجية قبل ظهر يوم الاثنين من أجل النظر في كيفية توفير «دعم مبادرات السلام الإقليمية والدولية»، ومنها الجهود التي تبذلها المملكة السعودية والولايات المتحدة معاً. وكان آخر اجتماع حدث في هذا الإطار في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، حيث جرى الالتزام بمجموعة إجراءات مثل إنشاء آلية تواصل بين القوات المسلحة و«الدعم السريع»، وتسهيل زيادة المساعدات الإنسانية وإيصالها للمحتاجين إليها، والسير بتدابير بناء الثقة، بيد أن الطرفين لم يتوصلا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

آثار الدمار الذي لحق بأحد البنوك جنوب الخرطوم بسبب الحرب (أ.ف.ب)

والمرتجى اليوم أن تحدث الجولة المقبلة من المفاوضات في الموعد الذي يجري الحديث عنه وهو 18 الشهر الحالي في جدة بإشراف الرياض وواشنطن وبمساندة الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تمثل في الوقت عينه الاتحاد الأفريقي. ومشكلة هذه المفاوضات أن مخرجاتها تبقى حبراً على ورق بسبب غياب آلية التنفيذ من جهة، وبسبب رهان الطرفين المتقاتلين على التطورات الميدانية، علماً أن هناك أطرافاً خارجية أخذت تلعب دوراً في هذه الحرب الدائرة منذ عام كامل. وثمة مخاوف متنامية من أن تتمدد الحرب الدائرة إلى خارج السودان في منطقة بالغة الحساسية، وعرفت العديد من الحروب في العقود الماضية. ومن هنا، وفي ظل غياب الطرفين المعنيين مباشرة، فإن الطموحات السياسية لاجتماع باريس تبدو محدودة، وأن الرهان الحقيقي محوره ما قد يحدث في جدة، ومدى التوافق حول وقف لإطلاق النار، وإطلاق آلية للإشراف عليه. وفي غياب تدابير ميدانية، فإن السودان سيغرق أكثر فأكثر في أزمته الإنسانية.


مقالات ذات صلة

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا مسيرة تستهدف مخيم الحميدية للنازحين في وسط دارفور (منسقية النازحين واللاجئين)

قتلى ومصابون في قصف بمسيّرة على مخيم نازحين بوسط دارفور

أصيب 15 شخصاً، الاثنين، إثر قصف بطائرة مسيرة نُسبت للجيش السوداني استهدفت مخيماً للنازحين بمدينة زالنجي وسط إقليم دارفور، في حين قالت منظمة حقوقية إن 6 قُتلوا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا أهالي يتابعون عملية استخراج جثث ذويهم من قبور عشوائية لإعادة دفنها في مقابر رسمية (الشرق الأوسط)

إعادة دفن جثامين قتلى الحرب تنكأ جراح السودانيين

استخرجت الفرق الميدانية، صباح الأحد، نحو 85 جثة من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة في حي جبرة جنوب الخرطوم تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».