هدنة غزة: إسرائيل تنازلت قليلاً... لكن استهداف أبناء هنية أربك المفاوضات

مصدر مصري أكد استمرار المشاورات لحسم «الخلافات»... و«حماس» لا تعرف شيئاً عن 40 رهينة

محتجون إسرائيليون يطالبون بالتوصل إلى اتفاق وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة (رويترز)
محتجون إسرائيليون يطالبون بالتوصل إلى اتفاق وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة (رويترز)
TT

هدنة غزة: إسرائيل تنازلت قليلاً... لكن استهداف أبناء هنية أربك المفاوضات

محتجون إسرائيليون يطالبون بالتوصل إلى اتفاق وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة (رويترز)
محتجون إسرائيليون يطالبون بالتوصل إلى اتفاق وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة (رويترز)

تعقدت المفاوضات بين «حماس» وإسرائيل على «هدنة مؤقتة»، بعدما أُعلن مساء الأربعاء عن استهداف عائلة رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنية، بينما كانت إسرائيل تقول إنها قدمت تنازلاً بعودة 150 ألف فلسطيني إلى شمال غزة دون فحوص أمنية.

وأفاد تلفزيون «الأقصى» الفلسطيني، (الأربعاء)، بمقتل 3 من أبناء هنية و3 من ذويهم في قصف إسرائيلي استهدف سيارة بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة. وأوضح التلفزيون عبر حسابه على «تلغرام» أن حازم وأمير ومحمد هنية أبناء رئيس المكتب السياسي للحركة قُتلوا مع 3 من أحفاد هنية في الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف سيارتهم.

وقال هنية، إن مقتل ثلاثة من أبنائه لن يؤثر على مطالب الحركة في مفاوضات وقف إطلاق النار. وأضاف في مقابلة إعلامية: «مطالبنا واضحة ومحددة ولا تنازل عنها، وإذا كان العدو يعتقد أن استهداف أبنائي في ذروة المفاوضات وقبل أن يصل رد الحركة سيدفع (حماس) إلى أن تغير موقفها فهو واهم».

وفي وقت سابق، نقلت «رويترز» عن مسؤولين إسرائيليين أن إسرائيل وافقت خلال محادثات في مصر حول وقف لإطلاق النار في غزة على تنازلات تتعلق بعودة الفلسطينيين إلى شمال القطاع، لكنها تعتقد أن حركة «حماس» لا تريد التوصل إلى اتفاق.

عملية إسقاط جوية لمساعدات في قطاع غزة (رويترز)

تنازل إسرائيلي

وقال المسؤولان المطلعان على المحادثات إنه بموجب اقتراح أمريكي بشأن الهدنة، ستسمح إسرائيل بعودة 150 ألف فلسطيني إلى شمال غزة دون فحوص أمنية.

وأضافا أنه في المقابل، سيُطلب من «حماس» تقديم قائمة بأسماء الرهائن من النساء والمسنين والمرضى الذين تحتجزهم وما زالوا على قيد الحياة.

وقالت «حماس»، الثلاثاء، إن أحدث مقترح تسلمته من الوسطاء المصريين والقطريين لا يلبي المطالب، لكنها ستدرسه بشكل أعمق قبل الرد.

مفاوضات القاهرة

وفي القاهرة، حيث تجري المفاوضات الرامية إلى «هدنة مؤقتة» في غزة، فإن المشاورات لا تزال تراوح مكانها، رغم أن مراقبين يأملون في أن تنجح «ضغوط الوسطاء» في تمرير اتفاق طال انتظاره.

وتواصل القاهرة جهودها لإنهاء الحرب في غزة، وإنفاذ المساعدات الإنسانية، وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الفلسطيني محمود عباس، مساء الثلاثاء، «مواصلة بلاده لجهودها في مساندة الأشقاء في فلسطين على جميع الصعد»، بحسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية المستشار أحمد فهمي.

واستضافت القاهرة الأحد الماضي جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين حركة «حماس» وإسرائيل، بحضور ممثلين من قطر والولايات المتحدة وإسرائيل وحركة «حماس».

عائلة تزور قبر أحد أقاربها في بداية عيد الفطر، في مقبرة في رفح جنوب قطاع غزة، في 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)

مصر لن تفتش النازحين

وخلال الجولة عرض مدير المخابرات المركزية الأميركية، ويليام بيرنز مقترحاً أميركياً للتهدئة تم تسليمه إلى حركة «حماس».

وأكد مصدر مصري مسؤول، الأربعاء، لقناة «القاهرة الإخبارية»، أن «المفاوضات ما زالت مستمرة بين جميع الأطراف للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة وحسم الخلافات بين الجانبين».

لكن المصدر، الذي لم تسمّه القناة، نفى «وجود أي مقترح أميركي بأن تقوم مصر بمهمة تفتيش النازحين داخل غزة قبل عودتهم إلى ديارهم في شمال القطاع».

وتعد عودة النازحين إلى شمال غزة من بين نقاط الخلاف بين إسرائيل و«حماس»، وفي هذا السياق تداولت وسائل إعلام أنباء عن مقترح أميركي في إطار اتفاق الهدنة، «تتولى بموجبه مصر تفتيش النازحين في غزة، في طريق عودتهم من الجنوب إلى الشمال».

وكانت حركة «حماس» أعلنت، الثلاثاء، أنها «تعكف على دراسة المقترح الذي تسلمته من الوسطاء بشأن اتفاق التهدئة»، مشيرة إلى أن «المقترح لم يستجب لأي من مطالب الشعب الفلسطيني، وأن موقف إسرائيل لا يزال متعنتاً».

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، الأربعاء، أن «(حماس) رفضت المقترح الأميركي للهدنة»، وأشارت إلى أن «الحركة تستعد لطرح خطتها الخاصة من أجل وقف الحرب».

وعدت الصحيفة «رفض (حماس) دليلاً على الخلاف الواسع بين الطرفين»، إضافة إلى أنه «يعكس ثقة الحركة الزائدة في إمكانية أن يسهم الضغط الدبلوماسي والمحلي على إسرائيل في إنهاء الحرب».

ولا يعتقد الوزير الفلسطيني الأسبق وعضو طاقم مفاوضات «أوسلو» مع إسرائيل حسن عصفور، أن «هناك أملاً في تحقيق اتفاق تهدئة في ظل تعنت تل أبيب».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «حكومة نتنياهو تريد إنهاء القضية الفلسطينية والمقترح الأميركي الأخير لم يُقدّم للتهدئة، بل عُرض لترفضه (حماس)، وهو ما حدث».

وأضاف عصفور، أن «المقترح الأميركي تزامن مع إشارات إلى مطالب أميركية لمصر وقطر بالضغط على (حماس) لقبول المقترح». ولفت إلى أن «المقترح الأميركي يستند إلى حيثيات الأمر الواقع ورؤية اليوم التالي لغزة كما وضعتها حكومة نتنياهو».

يتفق معه خبير الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور سعيد عكاشة، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا توجد إمكانية لدى الوسطاء للضغط سواء على حركة (حماس) أو على إسرائيل»، لكنه يشير إلى أنه «لا سبيل لتحقيق التهدئة إلا بموافقة الحركة على إطلاق سراح 40 رهينة إسرائيلية ضمن المرحلة الأولى».

وكان الرئيس الأميركي حثّ مصر وقطر على الضغط على «حماس» من أجل الموافقة على اتفاق يفضي إلى وقف إطلاق النار في غزة وإطلاق سراح الرهائن.

وأكد عصفور أن «المقترح الأميركي هو محاولة لامتصاص غضب عالمي بدأ يتسارع ضد الحرب على قطاع غزة، لا سيما مع حادثة مقتل عاملين في (المطبخ المركزي العالمي)، لكنه لا يطرح أساساً حقيقياً للتهدئة، حيث يسعى لمحاصرة (حماس) ووضعها موضع الرافض لأي اتفاقات».

وقال عصفور: «لا يمكن لوسيط منحاز مثل الولايات المتحدة أن يقدم مقترحاً حقيقياً للحل أو يضغط للتهدئة». وأشار إلى أن «(حماس) رفضت المقترح، لكن رفضها جاء متسرعاً، بدلاً من محاولة التلاعب المضاد، بالحديث عن تقديم رؤية شاملة للحل ضمن آليات خاصة».

وتطالب «حماس» بوقف نهائي لإطلاق النار وسحب إسرائيل قواتها من كل أنحاء قطاع غزة وزيادة تدفق المساعدات مقابل إطلاق سراح المحتجزين لديها منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما تصر إسرائيل على مواصلة الحرب، وتهدّد بتنفيذ عملية عسكرية واسعة في مدينة رفح الفلسطينية التي باتت الملاذ الأخير لسكان قطاع غزة.

رجل يزور قبر أحد أحبائه في بداية عيد الفطر، في مقبرة في رفح جنوب قطاع غزة، في 10 أبريل 2024 (أ.ف.ب)

مقترح أميركي

بدوره، قال عكاشة إن «المقترح الأميركي يضع مطالب الشارع في الجانبين في حسبانه، فهو يدرك أنه لا يمكن لأي حكومة إسرائيلية وقف إطلاق النار دون الإفراج عن الرهائن، كما يدرك ضرورة إمداد قطاع غزة بمزيد من المساعدات في ظل وضع إنساني كارثي، مع زيادة عدد الفلسطينيين المفرج عنهم في إطار صفقة التبادل»، مشيراً إلى أن «واشنطن ترى وقف إطلاق النار دون حسم مسألة عدم تهديد إسرائيل في المستقبل خطاً أحمر».

وأضاف، أن «الوسطاء يحاولون البناء على ما يمكن أن يحدث من تنازلات من الجانبين لإتمام الصفقة»، مشيراً إلى أنه «في إطار المناورة، تسعى إسرائيل لإظهار نفسها وكأنها منفتحة على المفاوضات في حين يتم تحميل (حماس) مسؤولية استمرار الحرب».

ويتضمن المقترح، الذي تسلمته حركة «حماس» خلال جولة المفاوضات الأخيرة بالقاهرة، وقف إطلاق النار لمدة ستة أسابيع، وإطلاق سراح 40 محتجزاً إسرائيلياً في مقابل إطلاق سراح ما بين 800 و900 فلسطيني تعتقلهم إسرائيل، ودخول 400 إلى 500 شاحنة من المساعدات الغذائية يومياً وعودة النازحين من شمال غزة إلى بلداتهم.

وقال مسؤول إسرائيلي ومصدر مطلع على المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل و«حماس»، (الأربعاء)، إن «حركة (حماس) أبلغت الوسطاء بأنها غير قادرة حالياً على تحديد 40 محتجزاً إسرائيلياً تنطبق عليه الشروط في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار»، بحسب ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وأضاف المصدران أن «عدم قدرة (حماس)، أو عدم رغبتها، في إبلاغ إسرائيل بالرهائن الذين سيتم إطلاق سراحهم أحياء، يمثل عقبة رئيسية».وقال المسؤول الإسرائيلي إنه «في ظل عجز (حماس) عن الوصول إلى 40 محتجزاً في الفئات المقترحة، فإن إسرائيل تضغط على (حماس) للإفراج عن الرهائن الأصغر سناً، بما في ذلك الجنود».


مقالات ذات صلة

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: قائد قوات الاستقرار الدولية سيشارك بمحادثات غزة

خاص أطفال يجلبون مياه الشرب في مخيم بريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: قائد قوات الاستقرار الدولية سيشارك بمحادثات غزة

تستضيف مصر جولة جديدة من المفاوضات بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، من المزمع أن تنطلق الخميس، وسط عقبات وتحديات عديدة.

محمد محمود (القاهرة)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس») p-circle

خاص «حماس» تعيد زخم انتخاب رئيس مكتبها السياسي

أفاد مصدران في حركة «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، الأربعاء، بأن الحركة استأنفت مسار انتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي، إلى حين انتخاب أعضاء المكتب بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

خاص «حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

كشفت 3 مصادر من «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في غزة والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في «القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لإياد أحمد عبد الرحمن شمبري

إسرائيل تعلن مقتل قيادي في استخبارات «حماس» متهم بالتخطيط لهجوم 7 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك»، اليوم الأربعاء، مقتل إياد أحمد عبد الرحمن شمبري، رئيس قسم العمليات في الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
TT

الجزائر على مشارف منعطف أمني غير مسبوق بسبب الوضع في مالي

جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)
جانب من المواجهات بين الجيش المالي والمعارضة بقرية في شمال البلاد (مالي ويب)

تُجمع أحدث القراءات التحليلية والتقارير الحكومية في الجزائر على أن الدولة تواجه «منعطفاً أمنياً غير مسبوق»؛ جراء الوضع المتفجر في مالي؛ وهو واقعٌ يفرض بالضرورة صياغة مقاربة شاملة، تتجاوز الحلول العسكرية الصرفة لتشمل الأبعاد السياسية والدبلوماسية.

عساكر ماليون في الميدان لمواجهة تحالف المتطرفين مع المعارضة (باماكو بامادا)

شهد شهر أبريل (نيسان) 2026، وتحديداً يوم 25 منه، تصعيداً خطيراً في مالي، تمثل في هجمات منسقة قادها متطرفون إسلاميون ومعارضون طوارق، استهدفت مراكز حيوية ومواقع عسكرية تابعة للجيش المالي وحلفائه، واتسمت لاحقاً بتوسع رقعة الاشتباكات، وانتقال الثقل العسكري من أقصى الشمال نحو مناطق في الوسط وبالقرب من العاصمة باماكو. كما طرد المهاجمون القوات الروسية؛ التي تدعم القوات الحكومية، من بلدة كيدال الاستراتيجية بالشمال.

مشكلة في الفناء الخلفي

بالنسبة إلى الجزائر، لا تعدّ الأزمة المالية شأناً بعيداً؛ فهي تدور في الفناء الخلفي لحدودها الجنوبية، وفي فضاء هش يعاني منذ عشرات السنين من التهريب، والهجرة غير الشرعية، وتدفق السلاح. لذا؛ تتابع الجزائر هذه التطورات بحذر بالغ؛ خصوصاً أن خبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب علّمتها أن أي أزمة تُترَك «لتتخمر»، فستنتهي حتماً بالانفجار وتجاوز الحدود، وفق ما جاء في تقارير حكومية جزائرية بشأن الأزمة المالية.

مسلحون من المعارضة «الطرقية» بمنطقة كيدال شمال مالي (أزواد نيوز)

بهذا الخصوص، يقول الخبير الجزائري في الشؤون السياسية، الكاتب الصحافي بشير جعيدر، إن 3 تهديدات رئيسية مرتبطة بالوضع في مالي وارتداداته بالمنطقة والجزائر، تلوح في الأفق: الأول «العدوى الأمنية»؛ ذلك أن أي زعزعة استقرار مستدامة في شمال مالي، الحدودي مع الجزائر، ترفع من خطر تحول المنطقة إلى «ملاذات مسلحة متنقلة»، قادرة على التمدد نحو النيجر، وموريتانيا وليبيا، وبالتبعية نحو الجزائر. كما يشير أيضاً إلى «التدفقات البشرية والإجرامية»، إذ نادراً ما تقتصر أزمات الساحل على نوع واحد من النزوح؛ «فمع اللاجئين المدنيين، قد يتسلل المهربون، وتجار البشر، وعناصر مسلحة تسعى لإعادة الانتشار»... وهذا هو التهديد الثاني في نظره، كما تتضمنه التقارير الحكومية نفسها، على سبيل أن احتمال مواجهته يحدده مدى تسارع التطورات في الميدان.

عناصر من حركة «أزواد الطرقية» المعارضة (أزواد نيوز)

ومن التهديدات المطروحة، حسب جعيدر، «التنافس الجيوسياسي»... ففي تقديره، «أصبح الساحل ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية، أبرزها: روسيا، والغرب، وتركيا، والفاعلون غير الحكوميين. وكل فراغ سياسي يجذب رعاة جدداً، أو مصادر تهديد جديدة».

مواجهة الأزمة بدم بارد

في هذا السياق، تملك الجزائر أوراقاً رابحة، وفق الخبير السياسي نفسه: «تجربة في مكافحة الإرهاب، ودبلوماسية مشهود لها في الساحل، ومعرفة دقيقة بالتوازنات القبلية والتشعبات العرقية في المنطقة، وقدرة على الوساطة. ورغم أنها لا تستطيع الحلول محل الدولة المالية، أو فرض حل بمفردها، فإنها قادرة على منع السيناريو الأسوأ، وذلك من خلال دعم حل سياسي شامل بين باماكو ومكونات الشمال، وتعزيز التعاون الإقليمي لتأمين الحدود، ومنع أي تدويل فوضوي للصراع، وترقية التنمية العابرة للحدود بوصفها ترياقاً ضد الاستقطاب المسلح».

الخبير السياسي بشير جعيدر (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وأضاف جعيدر موضحاً أن ما يحدث في مالي «يذكرنا بحقيقة غالباً ما تُهمل: الإرهاب لا يزدهر على الدين بقدر ما يزدهر على الفراغ؛ فراغ الحوكمة، والفراغ الاجتماعي، والفراغ الاقتصادي، والفراغ الاستراتيجي. فحيثما انسحبت الدولة، تقدم الآخرون: الميليشيات، والمهربون، والدعاة المتطرفون، أو القوى الأجنبية».

وزير الثقافة سابقاً عبد العزيز رحابي (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

ويقدم الوزير والسفير الجزائري السابق، عبد العزيز رحابي، قراءة للمشهد، قائلاً إن الأزمة في مالي «أدت إلى ازدياد عدد الأطراف الأجنبية على حدودنا مع منطقة الساحل، وحولت المنطقة ساحةَ مواجهة بين القوى العظمى... وهذه التدخلات المرخص بها، تجعل تسوية الأزمات أشد تعقيداً، كما هي الحال في ليبيا، حيث جرى تهميش الجزائر وتونس؛ الجارتين المباشرتين، في البحث عن تسوية للأزمة، لمصلحة عشرات الأطراف الأخرى».

وصرح وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، للصحافة، الاثنين الماضي، بأن بلاده «تتعهد بدعم وحدة مالي؛ أرضاً وشعباً ومؤسسات»، مشدداً على رفضها «القاطع كل أشكال الإرهاب ومظاهره»، موضحاً أن «موقف الجزائر (حيال الأوضاع في مالي) ينبع من تجربتها المريرة مع آفة الإرهاب؛ إذ لا يمكن تبريرها، أو التسامح معها، تحت أي ظرف أو اسم»، داعياً إلى «ضرورة تعزيز الصف الداخلي في مالي الشقيقة، فذلك هو الرادع الحقيقي، والدرع المتين الكفيل بالتصدي للإرهاب وضمان النجاعة في مواجهته».

صراع النفوذ والحدود

تُشكّل الأحداث في مالي، وفق مصادر أمنية جزائرية، ما هو أبعد بكثير من مجرد حوادث أمنية عابرة؛ فهي «تعبر عن تحول عميق في أزمة منطقة الساحل، التي دخلت منذ الآن مرحلة جديدة. وتتجلى هذه المرحلة في مواجهة لم تعد تكتفي فيها الجماعات المسلحة بمهاجمة الدول من مناطقها المعزولة، والجيوب البعيدة، بل تسعى إلى إثبات قدرتها على تهديد المركز، وزعزعة استقرار السلطة، وفرض ميزان قوى على المستوى الوطني»، وفق المصادر نفسها.

مسلحون من تنظيم «أزواد الطرقي» (أزواد نيوز)

والمعروف أن علاقة الجزائر بالسلطة العسكرية في باماكو تدهورت بشكل مفاجئ في بداية 2024، إثر إعلان رئيس السلطة الانتقالية، العقيد عاصيمي غويتا، انسحابه من «اتفاق السلام» مع المعارضة الطوارقية الموقّع في الجزائر عام 2015. وعدت الجزائر هذه الخطوة موجهة ضدها، بوصفها الوسيط في الأزمة الداخلية، كما تترأس «اللجنة الدولية» المكلفة تنفيذ الاتفاق.

أحدث صورة للعقيد عاصيمي غويتا (باماكو بامادا)

وتصاعد الخلاف مع الجزائر في نهاية مارس (آذار) 2025، إثر تفجير سلاحها الجوي طائرةً مسيّرة مالية، كانت تتعقب تحركات المعارضة المسلحة بالحدود؛ مما خلف أزمة دبلوماسية حادة مع باماكو وجارتيها بوركينافاسو والنيجر، اللتين انحازتا إليها بحكم اشتراك البلدان الثلاثة في حلف سياسي وأمني، يطلَق عليه «تحالف دول الساحل».


عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
TT

عودة السودانيين من مصر... زخم متزايد رغم مخاوف نقص الخدمات

سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)
سودانيون يرتبون أثاثهم قبل رحلة عودة طوعية من مصر إلى بلادهم هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

سجّلت عودة السودانيين النازحين من مصر إلى بلادهم زخماً متزايداً مؤخراً، مع استئناف رحلات العودة المجانية، واتساع قوائم الانتظار، وفق مبادرة شعبية مهتمة بالملف، بالتزامن مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي في مصر، وذلك بعد ثلاثة أعوام من حرب خلّفت أزمات معيشية وإنسانية واسعة، وفق تقديرات منظمات دولية.

وقال السفير عبد القادر عبد الله، قنصل السودان في أسوان (جنوب مصر)، لـ«الشرق الأوسط»، إن القنصلية تتلقى بشكل دوري آلاف الطلبات من السودانيين الراغبين في العودة، مشيراً إلى أن قوائم الانتظار تضم أعداداً كبيرة في ظل تزايد الإقبال على برامج العودة الطوعية.

وأوضح أن القنصلية تعمل بتنسيق مباشر مع «لجنة الأمل للعودة الطوعية للاجئين والنازحين»، لتسهيل واستكمال الإجراءات التنظيمية الخاصة بالرحلات، علماً بأن اللجنة مبادرة شعبية تضم شخصيات سياسية ومجتمعية سودانية، وتعمل بالتعاون مع السفارة السودانية في القاهرة لضمان تنظيم عمليات العودة بصورة سلسة ومنسقة.

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد في أكتوبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

لكن هذا الزخم لا يزال محفوفاً بهواجس إنسانية ومعيشية معقدة، تتعلق بنقص الأمن والخدمات والتعليم والرعاية الصحية، ما يجعل قرار العودة بالنسبة إلى آلاف الأسر معادلة شديدة الحساسية بين الحنين إلى الوطن والخوف من المجهول.

ورغم قسوة الظروف، لا يغيب السودان عن أحاديث كثير من المقيمين في مصر، الذين يتابعون باهتمام أخبار قوافل «العودة الطوعية» التي بدأت في التحرك خلال الأشهر الأخيرة، أملاً في استعادة حياتهم الطبيعية داخل بلادهم.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، هرب أكثر من مليون و200 ألف سوداني إلى مصر، وفق تقديرات رسمية، بينما كان يقيم فيها بالفعل نحو خمسة ملايين سوداني قبل الحرب، لتتحول مصر إلى إحدى أبرز وجهات اللجوء للسودانيين الفارين من المعارك.

وحتى نهاية العام الماضي، عاد إلى السودان نحو 428 ألفاً و676 شخصاً بصورة طوعية، وفق أرقام سبق أن كشفها السفير عبد القادر عبد الله، بعد مبادرة أطلقتها السلطات المصرية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لنقل السودانيين الراغبين في العودة عبر قطار مخصص من القاهرة إلى أسوان.

وشجّع اقتراب انتهاء الموسم الدراسي في المدارس السودانية بمصر كثيراً من الأسر على العودة، انتظاراً لانتهاء امتحانات المرحلة المتوسطة، حتى إن بعضهم بدأ في بيع أثاث منزله تمهيداً للمغادرة.

وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم لدى تفقده إحدى لجان الثانوية العامة في مصر (السفارة السودانية في القاهرة)

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، تمكنت «لجنة الأمل للعودة الطوعية للاجئين والنازحين» من تسيير رحلات مجانية ضمت 34 حافلة أقلّت نحو 1610 عائدين من القاهرة والإسكندرية وأسوان.

وقال الناطق الرسمي باسم اللجنة، عاصم البلال، لـ«الشرق الأوسط»، إن اللجنة تتلقى آلاف الطلبات من راغبين في العودة، مشيراً إلى نية اللجنة إطلاق رحلات جديدة خلال الأيام المقبلة وهو ما يرتبط بصورة أساسية بتوفر التمويل، إذ تعتمد الموارد الحالية على تبرعات رجال أعمال سودانيين وجهود فردية.

ورغم صعوبة الأوضاع المعيشية داخل السودان، أشار البلال إلى أن المرحلة الحالية تشهد تركيزاً على عودة بعض الفئات المهنية، مثل القضاة والأطباء والإعلاميين العاملين في الإذاعة والتلفزيون، للمساهمة في استعادة الخدمات والمشاركة في جهود إعادة الإعمار.

وأضاف أن اللجنة تلقت تطمينات من الحكومة السودانية بشأن العمل على توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، لا سيما في قطاعي التعليم والصحة، بما يساعد على تهيئة الظروف المناسبة للعائدين.

ووفق تقديرات غير رسمية للجنة، قد يصل عدد الراغبين في العودة الطوعية من مصر إلى نحو 900 ألف شخص، فيما تحتاج عمليات العودة إلى ميزانية أولية تقارب نصف مليون دولار. وسبق أن أعلنت السفارة السودانية في القاهرة عن تسهيلات جديدة لدعم العودة الطوعية، من بينها تدشين منصة إلكترونية لتسريع إجراءات السفر والعودة.

ومن منظور الإعلامية السودانية هنادي عبد اللطيف، فإن طموح العودة إلى السودان بات يتزايد بقوة لدى قطاعات واسعة من السودانيين المقيمين في مصر، متحدثة لـ«الشرق الأوسط» عن تلقيها آلاف الاستفسارات بشأن تفاصيل العودة، فضلاً عن الطلبات المتزايدة التي استقبلتها «لجنة العودة الطوعية» من سودانيين يرغبون في العودة إلى بلادهم.

وتعتقد الإعلامية السودانية، المهتمة بهذا الملف، أن تقديرات توقيت العودة تختلف من أسرة إلى أخرى وفق الظروف المعيشية والاجتماعية لكل فرد، موضحة أن كثيراً من الأسر لا تزال مترددة، خصوصاً من لديهم أبناء في مراحل التعليم المختلفة أو يحتاجون إلى خدمات صحية مستقرة، إلى جانب آخرين تمكنوا من بناء قدر من الاستقرار النسبي في مصر بعد شراء أثاث ومستلزمات معيشية، ما يجعل فكرة العودة بالنسبة إليهم مرتبطة بمخاوف من مستقبل غير واضح.

يقول حسن، وهو شاب (19 عاماً) قدم من جنوب الخرطوم قبل عام، لـ«الشرق الأوسط»، إن «فكرة العودة إلى السودان تراوده باستمرار، لكنه يتردد في حسم القرار في ظل تدهور الأوضاع الصحية وانتشار الأوبئة مثل حمى الضنك، إلى جانب النقص الحاد في الخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والرعاية الطبية».

سودانيون يستعدون لرحلة عودة طوعية من مصر هذا الأسبوع (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وبحسب أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، يتزايد القلق إزاء استمرار انتشار حمى الضنك في أنحاء السودان، مع تسجيل أكثر من 75 ألف إصابة و169 حالة وفاة في 15 ولاية من أصل 18 حتى 24 أبريل (نيسان) الحالي.

ويبدو أن تحسن بعض ظروف المعيشة في عدد من المدن كفيل باتخاذ قرار العودة، وفق حسن، الذي أشار إلى أن كثيراً من السودانيين باتوا مقبلين على وضع أسمائهم على قوائم انتظار الرحلات المتجهة إلى السودان.

أما أم محمد، وهي سودانية من ولاية الفاشر، فتقول إن كثيراً من معارفها وأقاربها شرعوا بالفعل في إجراءات العودة، غير أن الوضع الصحي المتدهور وغياب الخدمات الأساسية يرجئان اتخاذ هذه الخطوة حالياً، خصوصاً أن طفلها يحتاج إلى رعاية صحية يصعب توفيرها داخل السودان في الوقت الراهن.

ويرى إبراهيم بشير، وهو رب أسرة يقيم في مصر منذ اندلاع الحرب، أن القرار لا يزال بالغ الصعوبة بالنسبة إلى كثير من العائلات، موضحاً أن أبناءه موزعون على مراحل دراسية مختلفة، في وقت تعرضت فيه مدارس عديدة داخل السودان للدمار أو التوقف عن العمل، ما يجعل مستقبلهم الدراسي مهدداً في حال العودة الآن.


ما الخيارات المتاحة لواشنطن لتمرير «مبادرة بولس» بليبيا؟

صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)
صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)
TT

ما الخيارات المتاحة لواشنطن لتمرير «مبادرة بولس» بليبيا؟

صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)
صدام حفتر مستقبلاً بولس في بنغازي يناير الماضي (القيادة العامة)

في ظل تصاعد الرفض السياسي والاجتماعي داخل غرب ليبيا لمبادرة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، الرامية لحل الأزمة السياسية، بات يطرح سؤال جوهري حول السبل التي يمكن أن تلجأ إليها واشنطن لتمرير هذه المبادرة.

وتقضي المبادرة المنسوبة إلى بولس ببناء تفاهمات بين سلطتي طرابلس وبنغازي، من خلال تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

وتوقع رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية، هاني شنيب، أن «تلجأ واشنطن إلى دمج رؤيتها لمعالجة الأزمة الليبية في (خريطة الطريق) الأممية، مما سيمنح الأخيرة زخماً حقيقياً»، لافتاً إلى عدم وجود إجماع شعبي في ليبيا على رفض تلك المبادرة.

ويرى شنيب في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الشريحة الأكبر في المجتمع الليبي تعد الغالبية الصامتة، وهي اليوم تعبر عن تذمرها من تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية بشكل يفوق اهتمامها بأي مبادرات أو مسارات سياسية».

وعزا شنيب مواقف رفض البعض إلى «غموض المسار الأميركي في شقه السياسي، وتحديداً غياب التفاصيل الرسمية، مما أبقى الأمر رهينة للشائعات».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً في ظل وجود حكومتين متنافستين، هما: «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير المنطقة الشرقية بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

وخلال كلمته في المؤتمر السنوي الثامن للمجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية، استعرض بولس رؤيته لمستقبل ليبيا، التي ترتكز على ثلاثة مسارات متوازية: تعزيز التكامل بين المؤسسات العسكرية والأمنية، وإدارة شفافة للاقتصاد الليبي، وإيجاد توافق سياسي واسع بين شرق البلاد وجنوبها وغربها.

وفي محاولة للرد على الانتقادات ولطمأنة المتخوفين، أكد بولس أن «أي مبادرة سياسية مستقبلية يجب أن تكون شاملة، وتحظى بدعم واسع من مختلف المناطق والمؤسسات».

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (غيتي)

وعدّ شنيب أن «الثقل الدولي لواشنطن ضمانة حقيقية لنجاح أي مسار سياسي»، مذكراً بتصريحات مبعوثين أمميين سابقين مفادها أن «أي مبادرة لا تحظى بدعم دولي واضح لا يمكن فرضها على القوى الفاعلة الأكثر تأثيراً في شرق البلاد وغربها».

وفي أغسطس (آب) الماضي، قدمت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، «خريطة طريق» لتجاوز وضعية الانقسام، والعمل على إعادة توحيد المؤسسات، وحل أزمة الشرعية عبر انتخابات وطنية. لكن بسبب عجز مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» عن استكمال المرحلتين الأوليين من تلك الخريطة، والمتمثلتين في تهيئة المفوضية الوطنية للانتخابات، وحسم الإطار القانوني للاستحقاق الانتخابي، دعت تيتيه مؤخراً إلى اجتماع مصغر يضم فاعلين ليبيين للخروج من هذا المأزق.

بالمقابل، استبعد مدير «معهد صادق للأبحاث»، أنس القماطي، «نجاح أي دمج بين (الخريطة الأممية) و(مبادرة بولس)، أو أي محاولة لإضفاء الشرعية على الأخيرة»، مستنداً إلى «تهديد المجلس الأعلى للدولة بتجميد عضوية أعضائه المشاركين في اجتماع (الطاولة المصغرة)، الذي دعت إليه تيتيه، وانطلقت أعماله الأربعاء في روما».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

ولفت القماطي إلى «ازدياد الضغوط على الدبيبة مع تصاعد غضب مكونات اجتماعية وعسكرية في مصراتة، مسقط رأسه، التي هددت بسحب دعمها له جراء اعتراضاتها على مبادرة بولس».

وقال القماطي إن «المسار السياسي وتوحيد السلطة في ليبيا يُعدّان الهدف الرئيسي لواشنطن، في ظل مواجهتها للوجود الروسي، ورغبتها في إخراجه من البلاد، وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا بوجود حكومة موحدة تطالب موسكو بسحب قواتها».

في المقابل، اتهم رئيس حزب «شباب الغد»، أحمد المهدوي، في إدراج له، أطرافاً ومدناً لم يسمها بالتخوف، ومحاربة «أي مشروع يوحد المؤسسات وينهي الفوضى».

أما الباحث في معهد الخدمات الملكية المتحدة، جلال حرشاوي، فتوقع أن «تؤجل واشنطن مسارها بشأن توحيد السلطة لأسابيع أو أشهر»، مشيراً إلى «غياب أي مؤشر على امتلاكها خطة بديلة».

ولفت حرشاوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «فكرة تنصيب صدام حفتر رئيساً للمجلس الرئاسي باتت معروفة منذ يناير (كانون الثاني) 2026، مما أتاح لقوى طرابلس وعموم غرب ليبيا التعبئة ضدها».

وتوقع حرشاوي أن «تعزز هذه التطورات المسار الأممي، وإن كان المتوقع أن يظل بطيئاً وشاقاً»، محذراً في الوقت ذاته من أن الدبلوماسية الأميركية لن تسلّم بالهزيمة بسهولة.

وتوسط نائب رئيس «المؤتمر الوطني» السابق، صالح المخزوم، الآراء السابقة، مؤكداً أن المبادرة المنسوبة لبولس «لن تمر بصيغتها الراهنة بسبب افتقارها إلى توافق وطني واسع»، مشيراً إلى أن نهج الفرض «قد يزيد من حدة الاحتقان».

ورجح المخزوم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «تسلك واشنطن مساراً بديلاً، يقوم على دمج رؤيتها مع الإطار الأممي عبر دعم إطلاق حوار سياسي موسع»، متوقعاً أن يفضي ذلك إلى «استمرار الاعتماد على ذات القوى الفاعلة مع تغيير الأسماء المثيرة للجدل».