السيسي يبدأ ولاية جديدة وسط تحديات صارخة وآمال كبيرة

تتراوح بين تداعيات الأزمات الإقليمية وتحسين «جودة الحياة»

السيسي أثناء خطابه عقب أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب (الرئاسة المصرية)
السيسي أثناء خطابه عقب أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يبدأ ولاية جديدة وسط تحديات صارخة وآمال كبيرة

السيسي أثناء خطابه عقب أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب (الرئاسة المصرية)
السيسي أثناء خطابه عقب أداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب (الرئاسة المصرية)

ولاية رئاسية جديدة يبدأها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تتراوح فيها توقعات المصريين بين الترقب والرجاء، وسط تحديات داخلية وإقليمية تلقي بظلالها على الواقع المصري اقتصادياً وأمنياً، خصوصاً مع استمرار أزمات مشتعلة على حدود مصر الشرقية والغربية والجنوبية.

كما يبدأ الرئيس السيسي ولايته الثالثة، وسط واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية التي عرفتها البلاد منذ عقود، في ظل ارتفاع التضخم، وتدني قيمة الجنيه، والمطالبة بإفساح المجال للقطاع الخاص، وتراكم الديون.

في المقابل، تراود المصريين «آمال كبيرة» بأن تشهد السنوات الست المقبلة تحسناً في جودة حياتهم مع اكتمال عدد من المشاريع الكبرى في البلاد. وتعهد السيسي بالتركيز على جذب استثمارات خارجية وتحسين معدلات أداء الاقتصاد المصري، خصوصاً في قطاعي الصناعة والزراعة، إضافة إلى زيادة الاهتمام بالتعليم والصحة.

وكان الرئيس المصري قد أدى اليمين الدستورية، الثلاثاء، أمام مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) بمقره الجديد في العاصمة الإدارية، ليستهل بذلك ولايته الرئاسية الثالثة، التي تستمر حتى عام 2030، بعدما حصد 89.6 في المائة من أصوات الناخبين، الذين سجلت مشاركتهم معدلاً قياسياً بنسبة بلغت 66.8 في المائة من إجمالي الناخبين المسجلين في البلاد البالغ عددهم 67.3 مليون، بحسب ما أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تحديات اقتصادية وأمنية

الفترة الرئاسية الجديدة، وفق الدستور المصري الذي جرى تعديله عام 2019، هي الأخيرة للرئيس السيسي، الذي تولى حكم البلاد عام 2014 في أعقاب الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنفه السلطات المصرية «إرهابياً» عام 2013. وشهدت السنوات العشر الأولى تحديات أمنية فرضتها مكافحة التنظيمات الإرهابية، واقتصادية جمة جراء تراجع الإيرادات العامة، وتضرر قطاعات الصناعة والاستثمار والسياحة والطاقة نتيجة الأوضاع السياسية والأمنية المضطربة في البلاد.

وفي المقابل، شهدت السنوات الماضية من حكم الرئيس السيسي حركة عمرانية نشطة، تمثلت في إقامة العديد من المدن الجديدة، وتحديث البنية التحتية للبلاد، وإطلاق العديد من المبادرات الرئاسية التي تركزت على القطاعات الصحية والخدمية، إضافة إلى التوسع في تقديم مظلة حماية اجتماعية للفئات الفقيرة.

الرئيس المصري يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس النواب بالعاصمة الإدارية الجديدة (الرئاسة المصرية)

لكن منتقدين في المقابل يرون أن تلك المشاريع الكبرى زادت من الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات الاستدانة الخارجية، التي سجلت، بحسب تقرير لمعهد التمويل الدولي، نشر في مارس (آذار) الماضي، معدلات قياسية في السنوات العشر الأخيرة، ووصلت ذروتها في السنة المالية 2022 – 2023، مسجلة 165 مليار دولار قبل أن تتراجع إلى 157 ملياراً في السنة المالية 2023 - 2024 بعد شطب ودائع لدولة الإمارات في أعقاب توقيع اتفاق تطوير منطقة رأس الحكمة بالساحل الشمالي الغربي لمصر.

وبحسب البيانات المنشورة على موقع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية، ارتفع الدين المحلي المصري في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 8 في المائة ليصل إلى 6.86 تريليون جنيه (الدولار يعادل 47.4 جنيه في البنوك المصرية)، مقابل 6.352 تريليون في الربع الأخير من 2022.

أولويات الفترة المقبلة

وخلال خطاب التنصيب لفترة رئاسية ثالثة، حدد السيسي أهم ملامح ومستهدفات ولايته الجديدة، مؤكداً أنه سيمنح الأولوية على صعيد السياسة الخارجية لحماية أمن مصر القومي في ظل أوضاع إقليمية ودولية مضطربة، «ومواصلة العمل على تعزيز العلاقات المتوازنة مع جميع الأطراف في عالم جديد تتشكل ملامحه وتقوم فيه مصر بدور لا غنى عنه لترسيخ الاستقرار والأمن والسلام والتنمية».

وتوقع نائب المدير العام لـ«المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، اللواء محمد إبراهيم، أن يتواصل التعامل المصري خلال الفترة الرئاسية الثالثة للرئيس السيسي مع القضايا التي تؤثر على أمنها القومي «بكل الجدية عبر عمل مكثف كي يتم حلها بالطرق السلمية»، مشيراً في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السنوات الماضية «أثبتت أهمية الأدوار المصرية في صناعة السلام بالمنطقة، وهو ما يتوقع أن يستمر ويتعمق في المرحلة المقبلة».

وأوضح إبراهيم أن الفترة الرئاسية الجديدة ستشهد استمرار مصر في أداء «أدوار فاعلة ومؤثرة في العديد من الأزمات التي تلقي بظلالها على الواقع المصري، خصوصاً الأزمة في قطاع غزة، التي تمثل تحدياً خطيراً للمنطقة برمتها وفي القلب منها مصر، التي تحملت أعباءً جسيمة» جراء العدوان الإسرائيلي، سواء على المستوى المباشر عبر التوتر على الحدود، أو من خلال استهداف الملاحة البحرية في البحر الأحمر من جانب الحوثيين، وهو ما انعكس سلباً على تراجع إيرادات قناة السويس.

سفينة حاويات تمر عبر قناة السويس التي تأثرت بتحويل شركات السفن لطريق الرجاء الصالح (رويترز)

ووفق تقرير حديث لوكالة «بلومبرغ إنتليجنس» نُشر الشهر الماضي، فإن خسائر مصر في قناة السويس قدرت بنحو 508 ملايين دولار بسبب التهديدات المستمرة لحركة الملاحة في البحر الأحمر.

وكان رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع قد قال في تصريحات مطلع فبراير (شباط) الماضي، إن إيرادات القناة انخفضت في يناير (كانون الثاني) الماضي، 46 في المائة على أساس سنوي من 804 ملايين دولار إلى 428 مليوناً.

وتُعد إيرادات القناة، التي بلغت العام الماضي نحو 9 مليارات دولار، أحد المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية في مصر. كما تعول الحكومة على الاستفادة من الموقع الاستراتيجي وحركة الملاحة البحرية بالمنطقة، في تدشين مشروعات استثمارية تدر دخلاً، سواء في مجال الخدمات اللوجستية أو عبر إقامة مناطق صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

التركيز على الإنسان

الآمال والتحديات المرتبطة بالفترة الرئاسية الجديدة في مصر لا تقتصر فقط على الأبعاد الإقليمية وانعكاساتها على الواقع الداخلي، فثمة العديد من «الآمال الكبيرة» المعقودة على الفترة المقبلة لجني ثمار العديد من المشروعات التي بدأت خلال العقد الماضي، وهو ما يشير إليه الكاتب والأديب المصري محمد سلماوي، عضو مجلس أمناء «الحوار الوطني»، الذي يعرب عن اعتقاده بأن محور العمل العام في الفترة الرئاسية الجديدة، التي بدأت من العاصمة الإدارية بمراسم حلف اليمين، «يجب أن يتركز على الإنسان، أي على المواطن المصري وقضاياه الملحة، من التعليم والثقافة والصحة والغلاء».

ويتوقع سلماوي أن تستمر المشروعات العملاقة في المرحلة المقبلة، وأن يكون لها مردودها على النهوض بمستوى معيشة المواطن، وأن يكون المردود «هذه المرة مباشراً». كما يشدد عضو مجلس أمناء «الحوار الوطني»، على أهمية بدء «المشروع العملاق المنتظر في التعليم المقترن بالثقافة»، مضيفاً: «لكي يكتمل هذا المشروع، علينا أن نعتني بحريات المواطن التي أولاها الدستور عناية غير مسبوقة في الدساتير السابقة».

وتعهد السيسي في خطابه أمام مجلس النواب بأن يعمل خلال المرحلة المقبلة على تعظيم الاستفادة من ثروات مصر البشرية من خلال زيادة جودة التعليم، وكذلك مواصلة تفعيل البرامج والمبادرات الرامية إلى الارتقاء بالصحة العامة للمواطنين، إضافة إلى العمل على دعم شبكات الأمان الاجتماعي وزيادة نسبة الإنفاق على الحماية الاجتماعية.

وأشار كذلك إلى أن فترة ولايته الجديدة ستشهد «تبني إصلاح مؤسسي شامل، يهدف إلى ضمان الانضباط المالي وتحقيق الحوكمة السليمة، من خلال ترشيد الإنفاق العام، وتعزيز الإيرادات العامة، والتحرك باتجاه مسارات أكثر استدامة للدين العام»، إضافة إلى إعطاء الأولوية لبرامج التصنيع المحلي لزيادة الصادرات ومتحصلات مصر من النقد الأجنبي.

بنايات على نيل القاهرة (الشرق الأوسط)

تجديد النخب السياسية

بدوره، رأى نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، عضو مجلس أمناء «الحوار الوطني»، الدكتور عمرو هاشم ربيع، أن هناك العديد من التحديات التي تكتنف الولاية الجديدة للرئيس السيسي، في مقدمتها «الهمّ الاقتصادي والاجتماعي» المتمثل في ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أعباء الدين العام، إضافة إلى تحديات تراجع إيرادات الدولة من النقد الأجنبي، وهو ما يمثّل برأيه «ضرورات تتطلب إجراءات ومعالجة جديدة، بعيداً عن الاقتراض الخارجي». وأضاف ربيع لـ«الشرق الأوسط» أن أولويات الإنفاق بحاجة إلى مراجعة في الفترة المقبلة، بحيث يوجه الإنفاق العام إلى القطاعات الإنتاجية (زراعية وصناعية)، إضافة إلى الاستثمار في مجالات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، مشيراً إلى أن ما تحقق في هذا المضمار «يمكن البناء عليه، لكنه يتطلب المزيد من الاهتمام».

وبلغت معدلات التضخم لأسعار المستهلكين في المدن المصرية، أعلى مستوى لها على الإطلاق في سبتمبر (أيلول) الماضي مسجلة 38 في المائة، قبل أن تنخفض مرة أخرى لتصل خلال فبراير الماضي إلى 35.7 في المائة، بحسب إحصاءات رسمية.

إلا أن ربيع لا يرى التحديات المقبلة في الفترة الرئاسية الجديدة مقصورة على البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى الشأن السياسي كذلك، إذ يشير إلى ما يصفه بـ«التكلس في النخبة السياسية والحزبية»، مطالباً بأن تشهد الفترة الرئاسية المقبلة «فتح المجال العام أمام نخب ووجوه سياسية جديدة»، مشيراً إلى أن ما تردد عن وجود اتجاه لتعيين نائب أو أكثر للرئيس «أمر إيجابي يخدم ضخ دماء سياسية جديدة، خصوصاً أن هذه الفترة الرئاسية هي الأخيرة بحسب الدستور المصري». ويضيف أن استمرار «الحوار الوطني» بآليات أكثر انفتاحاً، وعبر «تنفيذ أمين» لتوصياته يمكن أن يعزز فتح المجال العام المصري خلال الفترة الرئاسية الجديدة.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الجديدة (الشركة المنفذة)

وكان الرئيس السيسي قد أشار خلال حفل التنصيب إلى أنه سيعمل على استكمال وتعميق «الحوار الوطني» وتنفيذ التوصيات التي يتم التوافق عليها، في إطار تعزيز المشاركة السياسية والديمقراطية.

وفي فبراير الماضي، بدأت جلسات المرحلة الثانية من «الحوار الوطني» التي تركز على المحور الاقتصادي، بعدما شهد العام الماضي انطلاق جلسات ذلك الحوار الذي دعا السيسي إليه بمشاركة أحزاب وقوى سياسية ومدنية مصرية، وانتهت جلساته إلى عشرات التوصيات المتعلقة بضرورة تحديد أولويات الإنفاق العام والحد من الاستدانة الخارجية، وزيادة إجراءات حوكمة المؤسسات المصرية ومكافحة الفساد، إضافة إلى توصيات أخرى تتعلق بمجالات التعليم والصحة وتنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والاستثمار.


مقالات ذات صلة

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
رياضة عربية الأهلي سقط بثلاثة أهداف نظيفة أمام فريق بيراميدز (صفحة النادي الأهلي على فيسبوك)

غليان في الأهلي المصري بعد السقوط بثلاثية أمام بيراميدز

باتت جماهير النادي الأهلي المصري واحدة من أكثر الليالي قسوة هذا الموسم، بعد سقوط فريقها بثلاثة أهداف نظيفة أمام فريق بيراميدز.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتوسط مجموعة يابانية خلال مبادرة لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة (وزارة التربية والتعليم)

الحكومة المصرية تسعى لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة

أقرَّت الحكومة المصرية تدريس مادة «الثقافة المالية» لطلاب المرحلة الثانوية؛ بهدف تشجيع الطلاب على التداول في البورصة.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون عبَّروا عن سعادتهم بعودة الأنوار إلى الشوارع (الشرق الأوسط)

إنهاء «الغلق المبكر» يُعيد بهجة «التنزه الليلي» إلى المصريين

تراجعت لجنة إدارة الأزمات في مصر، خلال اجتماعها مساء الأحد، عن قرار الإغلاق المبكر للمحال التجارية والمتنزهات، الذي استمر شهراً.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح محطة أبيدوس للطاقة الشمسية في ديسمبر 2024 (مجلس الوزراء)

حوافز مصرية لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية وسط أزمة وقود

أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي «إطلاق مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل لسرعة التحول للطاقة الشمسية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».