سجن رئيس «منظمة الشفافية» يُعيد ملف الفساد إلى واجهة الأحداث في موريتانيا

أحزاب عدَّت القرار بمثابة «تهديد مبطّن» لكل من يتجرأ على فضح الخروقات

رئيس «منظّمة الشفافية الشاملة» الموريتانية محمد ولد غده (الشرق الأوسط)
رئيس «منظّمة الشفافية الشاملة» الموريتانية محمد ولد غده (الشرق الأوسط)
TT

سجن رئيس «منظمة الشفافية» يُعيد ملف الفساد إلى واجهة الأحداث في موريتانيا

رئيس «منظّمة الشفافية الشاملة» الموريتانية محمد ولد غده (الشرق الأوسط)
رئيس «منظّمة الشفافية الشاملة» الموريتانية محمد ولد غده (الشرق الأوسط)

بعد أن نشر تقارير تتحدّث عن فساد وخروقات، ارتكبتها إحدى الشركات الخاصة خلال تنفيذها مشاريع تابعة للدولة، أعاد قرار وضع رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» الموريتانية، محمد ولد غده، في السجن ملف الفساد إلى الواجهة في البلاد. وكان القضاء قد أحال ولد غده إلى السجن، الثلاثاء الماضي، بناء على طلب النيابة العامة، التي اتهمته بارتكاب جريمة «القذف والافتراء، ونشر معلومات كاذبة عن الغير عبر الإنترنت للضرر به».

واستحوذ قرار وضع ولد غده في السجن على اهتمام الموريتانيين وتفاعلوا معه، كما أصدرت أحزاب سياسية، وبينها أحزاب معارضة، بيانات تندد بتوقيف السيناتور السابق، موضحة أن هذا القرار بمثابة تهديد مبطّن «لكل من يتجرأ على فضح الفساد في موريتانيا».

عقاب مُخالف للقانون

قال رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، أحمد سالم ولد بوحبيني، في تصريحات نقلتها (وكالة أنباء العالم العربي)، إنّ توقيف ولد غده على خلفية شكوى من طرف شركة (بيس تي بي) «عقاب سابق لأوانه ومخالف للقانون، بسبب عدم توفّر شروط الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في المادة 138 من مجلّة المرافعات الجنائية، ومخالف لمبدأ قرينة البراءة، ويضعف من مركزه مقابل الطرف الآخر».

ورأى ولد بوحبيني أن «الإجراء المتّخذ في حق ولد غده لا مسوغ له، ولا مسوّغ حتى للمراقبة القضائيّة في حقه، ويدخل في إطار السلوكيّات المخالفة للقانون، التي ما زالت راسخة، وتعيق التقيد الحاصل في مجال حقوق الإنسان».

رؤساء أحزاب معارضة رأوا أن توقيف محمد ولد غده بمثابة «تهديد مبطّن» لكل من يتجرأ على فضح الفساد في موريتانيا (الشرق الأوسط)

أما رئيس حزب (اتحاد قوى التقدّم) المعارض، محمد ولد مولود، فقال إنّ غياب المسوّغ لحبس رئيس المنظمة «أمر خطير... يبدّد الثقة في جديّة مكافحة الفساد»، مبيناً أنّ سجن ولد غده «محاولة لوأد عمل جاد للمجتمع المدني للإسهام في مكافحة هذا الداء العضال (الفساد). بدوره، قال النائب المعارض، العيد ولد محمدن، إن «من أبرز مميزات هذا النظام سعيه الدؤوب لتحصين الفساد والمفسدين، وتدوير الفاشلين، وتكرار ممارسات بائدة سيدفع ثمنها».

ادعاءات وترهيب

على الجانب الآخر، قال فريق دفاع شركة (بيس تي بي) إنّ تحريك الدعوى ضد ولد غده جاء بسبب تجاهل «منظمة الشفافية الشاملة» الشركات الأخرى، رغم أن حصة الشركة لا تتجاوز نسبة 0.26 في المائة من الصفقة. وكانت «منظمة الشفافية» نشرت في فبراير (شباط) الماضي تقريراً معززاً بالوثائق يشير إلى اختلاس نحو مليار أوقية قديمة (نحو 2.8 مليون دولار أميركي) من مشروع تشييد ممر إسمنتي طوله 380 متراً.

وقالت المنظمة إن التقرير يسلّط الضوء على «صفقة فاسدة تم احتيال 90 في المائة من قيمتها، حيث تم تنفيذ بلاط من الإسمنت، بدلاً من الممرات المُعلن عنها، ما تسبب في خسارة للدولة تقدّر بنحو 728 مليون أوقيّة قديمة».

وفنّد فريق دفاع الشركة المتهمة ما جاء في التقرير، مشيراً إلى أنّ الشركة نفّذت هذه الأشغال في ظرف قياسي وفي أثناء أزمة «كوفيد 19»، ونجحت في إكماله وفق المواصفات وبالطريقة المطلوبة.

ويرى الكاتب الصحافي، محمد سالم ولد الشيخ أنّ سجن ولد غده يمثّل عاملاً أساسياً ودوراً في «تخويف وترهيب منظّمات المجتمع المدني المهتمّة بمكافحة الفساد، ومتابعة الطرق الملتوية التي يسلكها المفسدون».

وقال لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «بدلاً من فتح تحقيق في المعلومات التي قدمتها المنظمة، ومعرفة مصادرها وصدقيّتها، ومن ثم محاسبة الجهات المخلّة بالعقود والالتزامات الفنيّة في الصفقات، يتم توقيف رئيس منظمة الشفافية بصفة استباقية لكي ترسل رسالة لكلّ من يحاول دسّ أنفه في الصفقات الكبرى، وكيفيّة تطبيقها، أن عليه أن يتوقع مصيراً مشابهاً»، مبيناً أن اعتقال السيناتور السابق «غير مشجّع البتّة للصحافة المهتمة بالفساد وكشفه، وبمنظمات المجتمع المدني ولو كانت مرخصة وتعمل بطريقة شفافة».

الحكومة تنأى بنفسها عن القضية

من جهتها، سارعت الحكومة الموريتانية إلى النأي بنفسها عن ملف محمد ولد غده، بعد أن تم توجيه تهم إليها من طرف معارضين على أنها تغض الطرف عن رئيس اتحاد أرباب العمل، زين العابدين ولد محمد. وقال وزير البترول والناطق الرسمي باسم الحكومة، الناني ولد اشروقه، إن الحكومة «ليست طرفاً في هذه القضية، وهذا موضوع يعود إلى التقاضي بين طرفين، والحكومة لا تعلّق على هذه القضية»، مؤكداً أن «القضاء مستقل، واللجوء إليه سلوك مدني وحق قانوني».

الناطق الرسمي باسم الحكومة أكد أن الأخيرة «ليست طرفاً في هذه القضية» (الشرق الأوسط)

وتأتي إحالة ولد غده إلى السجن في ظل حديث منظمات ومؤسسات عن ارتفاع وتيرة الفساد في موريتانيا في السنوات الأخيرة واستشرائه، وذلك ما أكدته محكمة الحسابات في تقرير نشرته في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن عمليات المراقبة التي قامت بها خلال الأعوام من 2019 حتى 2021.

وتحدث ذلك التقرير عن وجود خروقات وعمليات فساد في عدد من الوزارات والإدارات العمومية. وقالت المحكمة إنها خرجت بعدة ملاحظات بعد زيارة فرق المراقبة؛ من أهمها «وجود نواقص جوهريّة في أنظمة الرقابة الداخلية للجهات التي خضعت للرقابة»، مبرزة أن من بين النواقص التي لاحظتها «الجمع بين وظائف متعارضة، وعدم تفعيل اللجان الداخلية للصفقات والمفتشيات، وضعف أنظمة التنسيق والمتابعة».

كما كشف التقرير عن أن الإدارات التي شملها التقرير لا تحترم نظام الصفقات العمومية، وأن «عدم احترام بنود البرامج التعاقدية منح عطايا وهبات دون أساس قانوني». وقالت المحكمة إن «هذه الانتهاكات تثري مخاوف بشأن مدى امتثال الهيئات الخاضعة للرقابة للمبادئ الأساسية للنزاهة، والمساءلة في تسيير الموارد العمومية».

الإطاحة بمسؤولين حكوميين

وتسبب التقرير في الإطاحة بمسؤولين حكوميين كبار، بينهم الأمين العام السابق لوزارة الشؤون الاجتماعية والأمين العام لوزارة البيئة. وتقول المعارضة إن المسؤولين المشمولين في ملفات الفساد لم يتم تقديمهم للعدالة، تمهيداً لمحاكمتهم، وهو ما تعده «عجزاً حكومياً عن معاقبة المفسدين».

الرئيس الموريتاني أكد في مقابلة أجريت معه في أكتوبر الماضي أنه لا ينفي وجود ظاهرة الفساد بالبلاد (الشرق الأوسط)

وسبق أن قال الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، في مقابلة أجريت معه في أكتوبر الماضي إنه لا ينفي وجود ظاهرة الفساد في البلاد لسببين؛ أولهما استحالة ذلك في أي بلد من العالم، والثاني أنه ليس ممن يهتمون بخطابات ديماغوغية تغطي على الحقائق، مشدداً على أن ما ينفيه هو «تفاقم الفساد وزيادة انتشاره في السنوات الأربع الأخيرة».

(الدولار يساوي 357 أوقية موريتانية قديمة تقريباً)



موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم المسيرة السنوية للمطالبة بحقوقهم وبمساواتهم، واعتبروه تراجعاً خطيراً في الحريات.

وقال رئيس الميثاق، يرب ولد نافع، في مؤتمر صحافي عقده قادة الميثاق، اليوم الأربعاء في نواكشوط، إن الميثاق متمسك بتنظيم مسيرته السنوية، ولا يرى بديلاً عنها أو عن رمزيتها، ويرفض مقترح وزارة الداخلية بتنظيم مهرجان داخل قاعة مغلقة بوصفه نشاطاً بديلاً عن المسيرة.

وأوضح ولد نافع، حسب «وكالة الأنباء الألمانية»، أن الميثاق دأب على تنظيم مسيرته منذ عام 2013، مشيراً إلى أن حجة الاحتقان الداخلي تعد كبتاً للحريات، وتراجعاً في مسار الممارسة الديمقراطية، على حد تعبيره. مضيفاً أن الميثاق سيواصل التعبير عن مطالبه في مختلف المحطات، وأكد أن المسيرة تمثل، في نظره، رمزية أساسية في عمله ومطالبه الحقوقية.

ويمثل الحراطين شريحة اجتماعية كبيرة عانت من ممارسة الرق والجهل والفقر والتهميش. وتطالب منظمات حقوقية بتحقيق العدالة الاجتماعية للأرقاء السابقين، وبالنهوض بهم في مختلف مناحي الحياة.


الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
TT

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء، في العاصمة الإيطالية روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم.

وأوضحت البعثة في بيان، تلقت «وكالة الأنباء الألمانية» نسخة منه، أن المناقشات جرت في أجواء بنّاءة وجدية، حيث عبّر المجتمعون عن ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم من خلال صناديق الاقتراع. كما شددوا على ضرورة إنهاء الانسداد السياسي، الذي حال دون تقدم المسار الانتخابي.

وتوصل الفريق إلى اتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأوصى بأن يقوم النائب العام بترشيح أحد رجال القضاء، كما أعاد الفريق تسمية 3 أعضاء للمفوضية، كان مجلس النواب قد اختارهم سابقاً، و3 آخرين سماهم المجلس الأعلى للدولة في وقت سابق.

وبالإضافة لذلك، شرع أعضاء الفريق المصغر في مناقشة القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، واتفقوا على مواصلة مشاوراتهم بتيسير من البعثة الأممية للتوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق، تلبي طموحات الليبيين في إجراء انتخابات وطنية.

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعلنت خلال إحاطتها لمجلس الأمن في فبراير (شباط) الماضي، عن مقاربة من خطوتين لتجاوز عجر مجلسي النواب والدولة عن التوصل لاتفاق بشأن استكمال مجلس المفوضية الوطنية للانتخابات، وتعديل القوانين الانتخابية. ويعد الفريق المصغر الخطوة الأولى في هذه المقاربة.

ويتكون الفريق المصغر من 8 أعضاء، مقسمين بين شرق وغرب البلاد. ومَثّل فريق الغرب عضوين من المجلس الأعلى للدولة، وآخرين سمتهم حكومة الوحدة الوطنية، أما الشرق فيمثله عضوان من مجلس النواب وعضوان سمتهم القيادة العامة للقوات المسلحة.

وبسبب الانقسام السياسي، وخلاف على القوانين الانتخابية وبعض المرشحين، فشل الليبيون في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية كانت مقررة في ديسمبر (كانون الأول) 2021.


«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تسارع بعثة الأمم المتحدة وتيرة تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر الجمود السياسي، الذي يخيم على ليبيا منذ سنوات: الأول عبر قطع خطوات على مسار «الحوار المهيكل» الذي أطلقته منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي بمشاركة شرائح ليبية متعددة. أما المسار الأممي الثاني فيتمثل في اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة»، بصيغة «4+4»، الذي تستضيفه روما، الأربعاء، لمعالجة أكثر الملفات الانتخابية تعقيداً، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، والمناصب الشاغرة بمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية.

إحدى جلسات الحوار الليبي المهيكل في طرابلس (البعثة الأممية)

لكن هذه المقاربة المزدوجة، التي تتمسك البعثة الأممية بأنها تهدف إلى تحريك العملية السياسية، فتحت الباب مجدداً أمام تساؤلات ليبية متزايدة حول جدوى تعدد المبادرات، وما إذا كانت تعكس تكاملاً دولياً أم تنافساً بين مسارات الحل المختلفة، خصوصاً مع حديث دبلوماسيين عن دعم أميركي لصيغة «4+4»، التي تجمع ممثلين عن الأطراف السياسية المتنازعة في شرق ليبيا وغربها.

تشكيك في جدوى المسارين

لا يبدي السفير مراد حميمة، وكيل وزارة الخارجية الليبية السابق، تفاؤلاً باختراق حاسم في الأزمة السياسية عبر هذين المسارين، مبرزاً أن «تعدد المبادرات عزز الانطباع بوجود حالة من التنافس، بدلاً من التكامل بين خريطة الطريق الأممية، ومبادرة مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، الخاصة بتوحيد السلطتين المتنافستين في ليبيا».

وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق مراد حميمة خلال لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في وساطة محلية فبراير الماضي (فريق الوساطة الليبية)

ويعتقد حميمة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «غياب مؤشرات واضحة على وجود إرادة سياسية جادة لمعالجة العقبات، التي تحول دون إجراء الانتخابات، لا يزال يمثل العائق الأكبر أمام أي تقدم فعلي»، لافتاً إلى أن المبادرة الأميركية قوبلت بـ«رفض شعبي واسع».

ويستند الدبلوماسي الليبي في تقييمه إلى ما وصفه بـ«التباين في سرعة معالجة الملفات العالقة»، موضحاً أن توحيد مصرف ليبيا المركزي تم خلال بضعة أشهر في عام 2023، بينما لا تزال ملفات القوانين الانتخابية والمفوضية العليا للانتخابات تراوح مكانها، وهو ما عَدّه «دليلاً على اختلال أولويات العملية السياسية».

حفتر في لقاء سابق قبل سنوات مع عبد الرحمن العبار في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

وتحرص المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، في مواجهة الانتقادات المتزايدة، على التأكيد على أن «الحوار المهيكل» يمثل ركناً أساسياً في العملية السياسية، لأنه يساعد الليبيين على تحديد أولوياتهم الوطنية، وصياغة رؤية للإصلاحات السياسية والتشريعية، وهو ما أكدته في إحاطة في وقت سابق هذا الأسبوع على وقع أصوات رافضة في مدن بغرب ليبيا.

وتدافع تيتيه عن المسارين بالقول إن اجتماع «4+4»، أو «الاجتماع المصغر»، لن يكون بديلاً عن الحوار المهيكل، موضحة أنه «آلية تكميلية» تستهدف معالجة العقبات المحددة المرتبطة بالإطار الانتخابي والهيئة العليا للانتخابات، بينما يهدف الحوار الأوسع إلى بناء توافق وطني شامل، «بقيادة وملكية ليبية».

وكان مشاركون في «الحوار المهيكل» قد طرحوا، خلال جلسة عقدت الأسبوع الماضي، بحضور دبلوماسيين دوليين، تصورات متنوعة لتجاوز الانقسام السياسي والمؤسسي. وقال أبو عجيلة سيف النصر إن أولوية المرحلة الراهنة يجب أن تتمثل في «إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، عبر تشكيل حكومة واحدة تتولى توحيد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية».

«ميثاق وطني ملزم»

من بين هذه الاقتراحات للمشاركين في الحوار ما تحدث عنه الدكتور عبد الله الحاسي من ضرورة التوصل إلى «ميثاق وطني ملزم»، يضمن قبول نتائج الانتخابات، أما السياسية أماني محمود فرأت أن أي ترتيبات سياسية لا تضمن مشاركة النساء بنسبة لا تقل عن 35 في المائة «ستظل مساراً منقوصاً يفتقر إلى الاستدامة».

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي خلال حفل افتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس شهر مارس الماضي (مكتب الدبيبة)

ورغم ذلك، يرى وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق أن «الحوار المهيكل» لا يزال يفتقر إلى مقومات التنفيذ الفعلي، باعتبار أنه تجاوز، وفق رأيه، المراحل الأساسية في الخطة الأممية، وهي استكمال تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وإنجاز القوانين الانتخابية، وتشكيل حكومة موحدة، ما يجعل مخرجاته «أقرب إلى توصيات يصعب تطبيقها في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة ومنتخبة».

ويأتي هذا الجدل في وقت أخفق فيه مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» في حسم الملفات المطلوبة ضمن «خريطة الطريق»، التي طرحتها تيتيه والمدعومة بقرار من مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، وهو ما دفع البعثة الأممية إلى التحرك بصورة أكثر مباشرة، عبر الدفع نحو اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة» في روما (اليوم) الأربعاء.

وبحسب معلومات رشحت عن المشاورات الجارية، مثل حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة»، عضوي المجلس الأعلى للدولة علي عبد العزيز وعبد الجليل الشاوش، إلى جانب مستشار رئيس الحكومة مصطفى المانع، ووزير الدولة للاتصال وليد اللافي للمشاركة في الاجتماع، فيما أناب «الجيش الوطني» عضوي مجلس النواب آدم بوصخرة وزايد هدية، إضافة إلى الدبلوماسي الشيباني بوهمود، وعميد بلدية بنغازي السابق عبد الرحمن العبار.

ويرجح حميمة، من واقع تجربته الدبلوماسية، أن «المشاورات التي تقودها تيتيه تبدو أقرب إلى محاولة لدمج مبادرة بولس داخل خريطة الطريق الأممية، عبر حصر دور (4+4) في ملفي المفوضية والقوانين الانتخابية، مع توسيع عضوية المجموعة، وتقليص نفوذ الأطراف التقليدية داخلها، إلى جانب وضع سقف زمني لعملها».

وتوقع حميمة أن البعثة الأممية قد تتجه، في حال فشل هذا المسار، إلى تفعيل المادة «64» من الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية 2015، وهو خيار عقد حوار سياسي موسع، قال إن «فريق تيتيه داخل البعثة يميل إلى دعمه».

ويبدي قطاع من المحللين الليبيين تشاؤماً حيال فرص نجاح المقاربة الأممية المزدوجة، على خلفية إخفاق مبعوثين سابقين في فرض تسويات دائمة. وقال المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، لـ«الشرق الأوسط» إن المسارات المطروحة قد تنتهي إلى تفاهمات مؤقتة بشأن القوانين الانتخابية، وهو ما عزاه إلى «غياب رغبة حقيقية لدى الأطراف السياسية في مغادرة المشهد عبر الانتخابات، رغم الدعم الأميركي لصيغة (4+4)».

وفي ظل مشهد معقد يسوده الانقسام السياسي بين حكومتين في غرب وشرق البلاد، وأطراف عسكرية داعمة لها، لا يرى حميمة بديلاً عن تبني «مقاربات غير تقليدية» لمعالجة الأزمة، من بينها دعم جهود «الوساطة السياسية الليبية»، التي انخرطت في مفاوضات بين مجلسي النواب والدولة منذ فبراير للتوصل إلى حلول توافقية بشأن المفوضية والقوانين الانتخابية، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ضمن إطار وطني جامع، بحلول سبق أن أقرتها البعثة الأممية وتحظى بقبول دولي واضح.