ما أسباب زيادة نشاط عصابات الاتجار بالبشر في ليبيا؟

العثور على عشرات المهاجرين بمخازن سرية

أجهزة الأمن تضبط عشرات المهاجرين في «مخزن» بمدينة صبراتة الليبية (مديرية أمن صبراتة)
أجهزة الأمن تضبط عشرات المهاجرين في «مخزن» بمدينة صبراتة الليبية (مديرية أمن صبراتة)
TT

ما أسباب زيادة نشاط عصابات الاتجار بالبشر في ليبيا؟

أجهزة الأمن تضبط عشرات المهاجرين في «مخزن» بمدينة صبراتة الليبية (مديرية أمن صبراتة)
أجهزة الأمن تضبط عشرات المهاجرين في «مخزن» بمدينة صبراتة الليبية (مديرية أمن صبراتة)

كشفت عمليات الضبط التي أعلنت عنها الأجهزة الأمنية في مدن ليبية مختلفة، العثور على «مخازن سرية» تضم عشرات المهاجرين غير النظاميين، بالإضافة إلى ضبط «تشكيلات عصابية متورطة في خطف العمالة بقصد ابتزاز أسرهم مالياً».

وطرحت هذه الضبطيات المتكررة خلال الأيام الماضية، الكثير من الأسئلة عن الأسباب التي تقف وراء زيادة نشاط عصابات الاتجار بالبشر في ليبيا، بعد هدوء نسبي شهدته البلاد خلال الأشهر الماضية، في ظل ما تشير إليه السلطات المعنية بالهجرة بأنها «تبذل جهوداً كبيرة للحد من هذه الظاهرة».

ويرجع حقوقيون ليبيون بعض أسباب زيادة تدفق المهاجرين، إلى «الأوضاع المعيشية البائسة التي تعانيها بعض الدول الأفريقية التي ينحدر منها مئات المهاجرين؛ بجانب انتشار شبكات الاتجار بالبشر في دول المحيط الليبي، لا سيما الأفريقية منها».

وأعلنت مديرية أمن بنغازي (بشرق ليبيا) «ضبط عصابة من الجنسية البنغلاديشية متورطة في خطف عاملين وافدين من الجنسية نفسها، وطلب فدية من ذويهم».

وأوضحت المديرية في بيانها (الأحد) أنها حققت في شكوى أحد العمال البنغلاديشيين ضد ثلاثة من جنسيته بخطفه والاتصال بأسرته هاتفياً، مشيرة إلى أنها حصلت منها على 10 آلاف دينار ليبي، قبل إطلاق سراحه. (الدولار يساوي 4.84 دينار في السوق الرسمية).

ونوهت المديرية، إلى أن «المخطوف بعد إطلاق سراحه أبلغ عن التشكيل، فتوجهت القوات إلى العنوان المُبلغ عنه وألقت القبض على عناصره، وبعد مواجهتهم اعترفوا بالجريمة»، وأشاروا إلى أن مبالغ الفدية «كان يتسلمها مندوب يعمل معهم في بنغلاديش».

جانب من المشاركين بمؤتمر «الأفريقي - الدولي» في بنغازي (حكومة الاستقرار)

وفي نهاية الشهر الماضي، انتهى المشاركون في المؤتمر «الأفريقي - الدولي» حول الهجرة غير النظامية، الذي استضافته مدينة بنغازي، إلى التحذير من التأثيرات السلبية لهذا الملف ومخاطره على دول أفريقيا وأوروبا. وقال أسامة حمّاد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب في افتتاح المؤتمر إن «الهجرة غير النظامية أصبحت تشكل اهتماما بالغا للدول الأفريقية والأوروبية كافة، بالنظر إلى ما ترتبط به من أمور خطيرة تؤثر في الاقتصادين المحلي والإقليمي، وتمثل اختراقات للأمن الدولي».

وعادة ما تلجأ عصابات الاتجار بالبشر، إلى «تخزين» ضحاياهم في حظائر ومخازن ومزارع مهجورة، لكن الأجهزة الأمنية تقول إنها تنجح في الوصول إليهم بعد فترة، و«تحريرهم»، وهو الأمر الذي كشفت عنه الأسبوع الماضي، الإدارة العامة للبحث الجنائي، (المنتقلة من بنغازي) إلى مدينة سبها.

وكانت الإدارة العامة أعلنت تحرير 79 مهجراً عثر عليهم في داخل «زنازين» أنشأها التشكيل العصابي لهذه الغرض، وتبين أنهم خطفوا على فترات متباعدة، بقصد ابتزاز أسرهم للحصول على فدية مالية. وفقاً للإدارة.

والتشكيل العصابي مكون من رجلين وامرأتين بحي عبد الكافي في مدينة سبها، وبعد تحرير الضحايا وجد بينهم 14 سيدة وعدد من الأطفال.

وبجانب خطف المهاجرين غير النظاميين، هناك محاولات أخرى تُجرى على الشواطئ من قبل سماسرة لتهريبهم إلى السواحل الأوروبية. وقالت مديرية أمن صبراتة، مساء (السبت) إنها نقلت عدداً من المهاجرين غير النظاميين إلى أحد مراكز الإيواء التابعة لجهاز مكافحة الهجرة بطرابلس كانوا قد تم ضبطهم في وقت سابق من قبل الدوريات الأمنية التابعة للمديرية.

عشرات المهاجرين بعد ضبطهم ونقلهم إلى جهاز مكافحة الهجرة بطرابلس (مديرية أمن صبراتة)

وأوضح مصدر أمني بغرب ليبيا لـ«الشرق الأوسط» أن هؤلاء المهاجرين كان قد عثر عليهم «في أحد أوكار تجميع المهاجرين بضواحي صبراتة»، وقال إنه تم «ضبط عدد كبير من المهاجرين قبل تهريبهم عبر البحر؛ وقبض على الشخص الذي كان يدير الوكر».

ويرى مصدر آخر بجهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بطرابلس في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن «تدفق مئات المهاجرين بشكل لافت على شواطئ ليبيا، وتسربهم إلى البحر بواسطة تجّار البشر، يدل ذلك على تجاهلهم المخاطر التي تؤدي إلى هلاك بعضهم غرقاً في البحر المتوسط».

غير أن منظمة «أطباء بلا حدود» سبق لها القول إن «الافتقار إلى خيارات آمنة وقانونية، إضافة إلى العنف الذي يعانيه المهاجرون في ليبيا، لا يترك لهم خياراً سوى عبور البحر وزيادة عدد الضحايا».

وكشف الحقوقي الليبي طارق لملوم، إلى إصابة محتجزين من المهاجرين داخل مركز احتجاز بمنطقة بئر الغنم (وادي الحي) التابع لجهاز الهجرة غير المشروعة (جنوب غربي العاصمة طرابلس) بأمراض جلدية، لكن «المركز الوطني» لمكافحة الأمراض ينفي انتشار مرض (اللشمانيا) بهذه المنطقة. وهذا المرض منتشر في مدن عدة من بينها جنوب ليبيا.

ولا تزال هناك أعداد كبيرة تنجح في الوصول إلى الشاطئ الأوروبي، وهو ما نوهت إليه وكالة «نوفا» الإيطالية بداية يناير (كانون الثاني) الماضي، أن 51 ألفاً و700 مُهاجر غير نظامي وصلوا إلى السواحل الإيطالية، خلال العام الماضي، مشيرة إلى أن 16 ألفاً و500 مهاجر من هؤلاء المهاجرين وصلوا من شرق ليبيا إلى إيطاليا، بينما وصل 35 ألفاً و200 مهاجر من غربها.

ورصد جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة ببنغازي، ضبط 1507 مهاجرين غير نظاميين خلال يناير الماضي.

عملية ترحيل سابقة لعشرات المهاجرين غير النظاميين (جهاز مكافحة الهجرة بطرابلس)

وتُكثف ليبيا عمليات «الهجرة الطوعية» لمهاجرين غير نظاميين إلى دولهم، حيث سهّلت خروج آلاف المهاجرين من البلاد عبر المنافذ الجوية والبرية، خلال الأشهر الماضية. ويقول «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» في ليبيا إنه رحّل عشرات المهاجرين غير النظاميين إلى بلدهم بنغلاديش، الأسبوع الماضي، في حين يُجهّز لترحيل آخرين ريثما ينتهي من تجهيز الوثائق الخاصة بهم.

وتحدث لملوم، عن «قوانين جديدة» سيفرضها الاتحاد الأوروبي قريباً حول طلب اللجوء والهجرة، مشيراً إلى أن ممثلين عن الدول الأعضاء في الاتحاد أعلنوا عن اتفاق يهدف إلى تشديد قوانين اللجوء والهجرة خطط للتعامل بشدة أكبر مع الأشخاص القادمين من البلدان التي تعد آمنة نسبيا.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تنشر فيديوهات «مهينة» لتوقيف مهاجرين بمناسبة «الهالوين»

الولايات المتحدة​ أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أ.ب)

إدارة ترمب تنشر فيديوهات «مهينة» لتوقيف مهاجرين بمناسبة «الهالوين»

نشرت إدارة دونالد ترمب، السبت، لمناسبة هالوين مقاطع فيديو مركّبة مهينة وعنيفة، تحتفي بالترحيل القسري لمهاجرين غير نظاميين وبمطاردة «أعداء» أميركا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا قوة تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي في مدينة الكفرة بالجنوب (لواء سيل السلام)

ليبيا تعزز انتشارها العسكري في مثلث حدودي مع الجزائر والنيجر

تعكس تعزيزات عسكرية ينفذها «الجيش الوطني» الليبي في «مثلث السلفادور» على الحدود مع الجزائر والنيجر توجهاً لتعزيز السيطرة على الحدود الجنوبية - الغربية.

علاء حموده (القاهرة )
الولايات المتحدة​ متظاهرون في نيويورك ضد تدابير السلطات بحق المهاجرين (رويترز)

واشنطن تعتزم ترحيل 150 مهاجراً أفغانياً إلى ديارهم

تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترحيل أكثر من 150 مهاجراً أفغانياً إلى أفغانستان عبر باكستان، حسبما أفادت وسائل إعلام أميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ أحد أفراد إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أرشيفية - رويترز) p-circle

توجيه اتهامات لمسؤول في إدارة الهجرة والجمارك الأميركية بعد دهسه رجلاً بسيارة

أفاد ممثلو الادعاء بتوجيه تهمة الاعتداء المشدد باستخدام سلاح فتاك بحق مسؤول في إدارة الهجرة والجمارك الأميركية، على خلفية اتهامه بتعمد دهس عامل مكسيكي بسيارته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا قوات إسبانية تؤمن عملية عبور عدد من المهاجرين الذين اختاروا العودة إلى المغرب (أ.ف.ب)

قاضية تأمر الحكومة الإسبانية برفع السرية عن وثائق بشأن تدفق مهاجري سبتة

أمرت قاضية الحكومة الإسبانية برفع السرية عن مزيد من الوثائق المخابراتية والتقارير، المرتبطة بواقعة التدفق الحدودي الذي أسفر عن سقوط قتلى.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

النيجر توقع بروتوكول اتفاق في ليبيا مع معسكر حفتر

رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

النيجر توقع بروتوكول اتفاق في ليبيا مع معسكر حفتر

رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقّعت النيجر بروتوكول اتفاق مع «القيادة العامة» التابعة للواء خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق ليبيا، لتعزيز التعاون بينهما وفق ما أعلن رئيس وزراء النيجر خلال زيارة له إلى بنغازي الأحد.

وتعاني ليبيا انعدام الاستقرار منذ إطاحة معمر القذافي عام 2011، وهي منقسمة بين حكومة معترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس وإدارة منافسة في الشرق يدعمها القائد العسكري خليفة حفتر. وتمثّل هذه الزيارة تقاربا مع بنغازي رغم أن النيجر تقيم علاقات مع السلطتين في ليبيا.

وأعلن رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين عبر صفحته على فيسبوك أنه استُقبل الأحد من جانب صدام حفتر، نائب قائد الجيش الوطني الليبي ونجل خليفة حفتر. وقال على صفحته في فيسبوك «في إطار تعزيز علاقاتنا الثنائية وتوسيع تعاوننا في مختلف المجالات، قمنا بتوقيع بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين ليبيا وجمهورية النيجر».

وفي أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، أُطلق سراح سويسرية ونمسوية كانتا قد خطفتا في شمال النيجر واحتُجزتا رهينتين في منطقة الساحل لأكثر من عام ونصف عام لدى جهاديين من تنظيم داعش، بعد تدخل من بنغازي.

كذلك، تربط النيجر علاقات بطرابلس. وفي منتصف يونيو (حزيران)، استقبل عبد الحميد الدبيبة الأمين زين وبحثا في «القضايا الأمنية والاقتصادية والإقليمية»، وفقا لوسائل الإعلام الرسمية في النيجر.

وعلى طول الحدود بين ليبيا والنيجر، تنشط جماعات متمردة مناهضة للعسكريين الذين وصلوا إلى السلطة في نيامي عبر انقلاب عام 2023، وتعلن هذه الجماعات دعمها للرئيس المخلوع محمد بازوم الذي لا يزال محتجزا لدى المجلس العسكري.

وشنّت هذه الجماعات هجمات ضد الجيش النيجري وخط أنابيب ضخم ينقل النفط الخام النيجري إلى أحد موانئ بنين.


غوتيريش يعلن انتهاء ولاية بعثة الصحراء المغربية بعد 35 عاما

انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
TT

غوتيريش يعلن انتهاء ولاية بعثة الصحراء المغربية بعد 35 عاما

انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأحد انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما بعد عدم اتفاق مجلس الأمن على تمديد مهمتها.

ورحب المغرب، الذي يقول إن الصحراء المغربية جزء من أراضيه، بهذا القرار في حين عبر خصومه في جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر عن قلقهم.

وتسعى جبهة البوليساريو إلى إقامة دولة مستقلة في الصحراء المغربية منذ انسحاب إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة، في 1976. وتنتشر بعثة حفظ السلام في المنطقة منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الأمم المتحدة عام 1991.

وقال غوتيريش في بيان إنه بحلول الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) تبدأ «مرحلة تصفية» البعثة بإعادة الأصول إلى الدول التي أسهمت بقوات. وتأتي نهاية عمل البعثة بعد عام من تبني مجلس الأمن الدولي قرارا صاغته الولايات المتحدة وافق فيه على خطة الرباط بمنح الإقليم حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية باعتباره الحل «الأكثر قابلية للتطبيق» لهذا الصراع.

واستخدمت روسيا، التي امتنعت عن التصويت في العام الماضي، حق النقض (الفيتو) هذا العام ضد قرار آخر مدعوم من الولايات المتحدة كان من شأنه ترسيخ تفضيل الأمم المتحدة للخطة المغربية مع تقليص قوة حفظ السلام. ثم رفض مجلس الأمن قرارا روسيا منافسا ليترك ولاية البعثة تنتهي دون تجديد.

وإلى جانب مراقبة وقف إطلاق النار، كُلفت البعثة بتنظيم استفتاء لم يُجرَ قط بسبب الخلافات حول أهلية الناخبين.

وقال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة لوسائل الإعلام الحكومية إن إشارة البعثة إلى الاستفتاء في اسمها «قواعد موروثة من حقبة أخرى». وأضاف أن الرباط كانت على علم بأن روسيا ستعترض على القرار الذي صاغته الولايات المتحدة، لكنها رأت في ذلك «فرصة باش (لأجل أن) نشوفو (نراجع) بعض قواعد اللعبة».

وذكر الديوان الملكي المغربي أن عدم تجديد ولاية البعثة «تطور هام وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة».

وعبرت وزارة الخارجية الجزائرية أمس السبت عن «بالغ أسفها» لعدم التجديد، وأنحت باللائمة على «الانحياز المفرط» للولايات المتحدة تجاه موقف المغرب. وعبرت جبهة البوليساريو في بيان عن «قلقها إزاء حالة الانسداد الذي ساد جلسة مجلس الأمن».


استطلاع رأي في مصر يعيد جدل «التهجير»

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
TT

استطلاع رأي في مصر يعيد جدل «التهجير»

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)

أعاد استطلاع للرأي أجراه مركز «بصيرة للاستشارات وبحوث الرأي العام» في مصر، بشأن أوضاع الفلسطينيين في قطاع غزة، الجدل حول قبول المخطط الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بعدما أظهرت إحدى نتائجه موافقة نحو 50 في المائة من أفراد العينة على «استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة»، لحين إعادة إعمار القطاع.

وأثارت عملية نشر النتائج تحفظات وردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، في حين رأى مراقبون أنها «لا تشكل مؤشراً عملياً يمكن الاستناد إليه، ولا تعبّر عن حقيقة التوجهات المصرية في التعامل مع الملف»، وأشاروا إلى أن مصر، رسمياً وشعبياً، أعلنت مراراً «رفض أي سياسة من شأنها دفع الفلسطينيين إلى الهجرة خارج أراضيهم».

ووفقاً لنتائج استطلاع «بصيرة»، الذي أُجري في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأُعلنت تفاصيله في بيان، الأحد، فإن «نحو 73 في المائة من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بينما وافق 13 في المائة فقط، ولم يتمكن 14 في المائة من تحديد موقفهم».

وفي حين وافق 90 في المائة من أفراد العينة على «استقبال الفلسطينيين لعلاجهم في مصر» بوجه عام، أيد 50 في المائة استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة إلى حين إعادة إعمار غزة، بينما رفض 38 في المائة ذلك، ولم يتمكن 12 في المائة من تحديد موقفهم. وأشارت النتائج إلى أن «57 في المائة من الموافقين على استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة حاصلون على تعليم أقل من المتوسط».

يواصل «الهلال الأحمر المصري» وجوده على معبر رفح منذ اندلاع الأزمة (الهلال الأحمر)

وأُجري الاستطلاع خلال المدة من 4 إلى 6 أكتوبر الماضي، من خلال مقابلات هاتفية مع عينة من الجمهور بلغ حجمها 906 مواطنين، من الفئة العمرية 18 عاماً فأكثر، وشملت جميع المحافظات المصرية، وفقاً للمركز.

وأثارت هذه النتائج جدلاً في مصر؛ إذ تداول مدونون الأرقام بوصفها لا تعبر عن موقف المصريين، بينما تساءل كبير الباحثين بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، محمد مرعي، عن «الهدف من إجراء مثل هذا الاستطلاع في هذا التوقيت، وما إذا كان ذلك بمبادرة من المركز أم في إطار اتفاقيات تعاون مع جهة خارجية».

وقال مرعي، في تدوينة على منصة «إكس»، إن «النتائج لا يمكن التسليم بها»، وإنها «لا تعكس أي حقائق، ولا موقف المصريين الصلب الرافض لمخطط التهجير».

وفي مواجهة موجة الانتقادات، أصدر المركز بياناً توضيحياً، الأحد، أشار فيه إلى أن هذه هي «المرة الثالثة التي يتم فيها إجراء مثل هذا الاستطلاع»، موضحاً أنه أُجري بمناسبة مرور 3 أعوام على اندلاع الحرب في قطاع غزة. وأضاف أن الاستطلاع نُفذ للمرة الأولى في أكتوبر 2023، ثم في مارس (آذار) 2025، وأخيراً في أكتوبر الماضي، بتمويل ذاتي من المركز، الذي «لم يحصل على أي تمويل مباشر أو غير مباشر في الدورات الثلاث».

وقالت نائبة المدير التنفيذي لمركز «بصيرة»، حنان جرجس، إن تكرار استطلاع آراء المصريين يعود إلى «التصريحات المتكررة لمسؤولين إسرائيليين بشأن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء». وأضافت أن «الغاية هي توضيح مواقف الرأي العام من خلال عينة عشوائية يتم اختيارها وفقاً لمنهجية بحثية، بشأن هذه القضية».

وأوضحت جرجس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجدل المثار بشأن موافقة 50 في المائة من أفراد العينة على استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة إلى حين إعادة الإعمار، لا يعني أن هذه النسبة توافق على التهجير، وإنما تؤيد استضافة الفلسطينيين، مثل غيرهم من الجنسيات الأخرى التي تقيم في مصر، وقدمت إليها من مناطق تشهد نزاعات وحروباً». وأشارت إلى أن «هذه النسبة لم تختلف كثيراً بين استطلاعات الرأي الثلاثة».

وأظهرت نتائج الدورة الثالثة من الاستطلاع أن 73 في المائة من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين، مقابل 79 في المائة عام 2025، و78 في المائة عام 2023، وفق بيانات مركز «بصيرة».

نتائج الاستطلاع تظهر أن 73 % من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين (بصيرة)

في المقابل، رفض أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، طارق فهمي، النتائج التي خلص إليها الاستطلاع، وقال إنه «لا يمكن الأخذ بهذه النتائج بوصفها مؤشرات للرأي العام المصري، ولا الاستناد إليها في قياس حقيقة المواقف الشعبية من قضية التهجير». وأضاف أن «النتائج تستند إلى استطلاعات هاتفية لعينة محدودة، ومن الصعب التسليم بمصداقية آرائها ومواقفها».

ويعتقد فهمي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ملف التهجير محسوم سياسياً وشعبياً في مصر»، وأن «المواقف المصرية واضحة وصلبة في هذا الملف، وتدعم حقوق الفلسطينيين في أرضهم، وهناك مواقف عديدة تؤكد أن هذا الملف خط أحمر بالنسبة لمصر».

وأشار إلى أن «دعم القاهرة للفلسطينيين سياسياً وإنسانياً لا يزال حاضراً ولم يتوقف، ويستهدف دعم بقائهم في قطاع غزة»، لافتاً إلى أن «الحكومة المصرية تعمل أيضاً مع الوسطاء، وبينهم الولايات المتحدة، على تنفيذ مراحل خطة السلام في غزة، بما في ذلك إعادة الإعمار».

وتحذّر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023.

وتكررت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن هذا المخطط؛ إذ تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أكتوبر الماضي، عن أنه «يعمل شخصياً على تسهيل تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة»، مضيفاً أن «هناك محادثات تُجرى مع دول مستعدة لاستقبالهم».

ولم يفصح نتنياهو عن الدول التي يجري اتصالات معها، وزعم أن «نحو 150 ألف فلسطيني غادروا قطاع غزة خلال سنوات الحرب عليها». وسبق ذلك إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في سبتمبر (أيلول) الماضي، أن حكومته تمتلك «خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».