موريتانيا في 2023... محاكمة الرئيس السابق وتغييرات سياسية كبرى

أبرزها تنظيم انتخابات ثلاثية وتوقيع الحكومة على اتفاق سياسي

الرئيس محمد ولد الغزواني خلال ترؤسه افتتاح مهرجان المدن العتيقة (أ.ف.ب)
الرئيس محمد ولد الغزواني خلال ترؤسه افتتاح مهرجان المدن العتيقة (أ.ف.ب)
TT

موريتانيا في 2023... محاكمة الرئيس السابق وتغييرات سياسية كبرى

الرئيس محمد ولد الغزواني خلال ترؤسه افتتاح مهرجان المدن العتيقة (أ.ف.ب)
الرئيس محمد ولد الغزواني خلال ترؤسه افتتاح مهرجان المدن العتيقة (أ.ف.ب)

كان عام 2023 مليئاً بالأحداث السياسية في موريتانيا، حيث شهد هروب 4 مسجونين متهمين بالإرهاب من السجن المدني، واحتجاجات غاضبة على مقتل ناشط حقوقي داخل مفوضية للشرطة، فضلاً عن تنظيم انتخابات ثلاثية، وهي انتخابات البرلمان والجهوية والبلدية «التشريعية والإقليمية والبلدية»، التي اكتسح فيها حزب الإنصاف غالبية الأصوات. كما شهد عام 2023 توقيع الحكومة على اتفاق سياسي، حمل اسم «الميثاق الجمهوري» مع 3 أحزاب، بينها حزب «الإنصاف» الحاكم، وحزبا «اتحاد قوى التقدم»، وتكتل «القوى الديمقراطية»، وهو الاتفاق الذي رفضته معظم الأحزاب السياسية. وبحسب تقرير لوكالة أنباء العالم العربي، يبقى أهم حدث استحوذ على اهتمام الموريتانيين هو محاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ومعاونين له بتهم الفساد، والإثراء غير المشروع، التي استمرت لمدة 10 أشهر.

احتجاجات غاضبة

كانت بداية عام 2023 هادئة، انتظر فيها الموريتانيون موعد الانتخابات المحلية ومحاكمة الرئيس السابق، وهو ما كان يستحوذ على جزء كبير من نقاشاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. غير أن مقتل الناشط الحقوقي الصوفي ولد الشين على يد عناصر من الشرطة تصدر المشهد في موريتانيا لعدة أسابيع، بعدما خرجت احتجاجات شعبية غاضبة للمطالبة بالعدالة للصوفي.

احتجاجات غاضبة في بعض شوارع نواكشوط بعد حادثة مقتل الناشط الحقوقي الصوفي ولد الشين (صورة متداولة)

وأوقفت السلطات عناصر من الشرطة، قالت إنهم ضالعون في قتل ولد الشين، الذي كشف التشريح وجود كسر في فقرات رقبته وتعرضه للخنق، فيما أشار بيان التشريح إلى أن كلا السببين يمكن أن يؤدي إلى الوفاة. ووجّهت النيابة العامة تهمة «القتل العمد» إلى 4 من أفراد الشرطة الوطنية في قضية مقتل الناشط، وأحيلوا جميعهم إلى قاضي التحقيق لاستجوابهم.

صدمة الهروب

في مارس (آذار) الماضي، عاشت موريتانيا صدمة، بعد أن تمكن 4 مسجونين مصنفين على أنهم إرهابيون «خطرون» من الهروب من السجن المدني في العاصمة نواكشوط، بعد أن قتلوا اثنين من حراس السجن. وقد أثار فرارهم مخاوف الموريتانيين من عودة شبح الإرهاب إلى البلاد، خصوصاً أنها تعيش في محيط مضطرب، تسيطر فيه جماعات مسلحة على مساحات كبيرة من شمال مالي، وزاد نفوذها مع انسحاب القوات الفرنسية. ومع انتشار الشائعات، وتزايد القلق بين الموريتانيين، قطعت الحكومة الاتصال بشبكة الإنترنت عن عموم البلاد، وبررت ذلك بأنه «ضرورة أمنية لقطع الاتصال بين الفارين والمتواطئين معهم». بعد أسبوع من المطاردات، أعلنت الحكومة في 11 مارس مقتل 3 أشخاص وصفتهم بالإرهابيين، واعتقال شخص رابع وسقوط شرطي قتيل خلال عملية أمنية جرت في شمال البلاد. وقالت الحكومة إن تحديد مكان الفارين، الذين كانوا يتحصنون في منطقة جبلية وعرة، جرى بالتنسيق بين القوات الجوية والبرية، بعد أن رجّحت اللجنة الأمنية العليا المكلفة متابعة الملف إمكانية وجودهم في منطقة في ولاية آدرار، إحدى ولايات شمال موريتانيا.

صراع انتخابي

من أبرز الأحداث التي انتظرها الموريتانيون في عام 2023 تنظيم الانتخابات التشريعية والجهوية والبلدية، وهي أول انتخابات تُنظم في عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي تولى السلطة عام 2019. وقد شهدت تلك الانتخابات حالة استقطاب حادة بين حزب الإنصاف وأحزاب الأغلبية، الداعمة لولد الشيخ الغزواني من جهة، والمعارضة من جهة أخرى. وحقق حزب الإنصاف فوزاً ساحقاً مكّنه من الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان، وذلك بعد حصوله على 107 من أصل 176 مقعداً.

من أحد تجمعات قادة المعارضة (الشرق الأوسط)

غير أن المعارضة رفضت نتائج الانتخابات، بعد أن فشلت في تحقيق النتائج التي كانت ترجوها، ووجّهت أحزاب المعارضة انتقادات لاذعة للجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، متهمة إياها بالتغاضي عن خروقات، وعمليات تزوير شابت الانتخابات. ونظّمت أحزاب المعارضة مهرجانات شعبية، رفعت فيها شعارات رافضة لنتائج الانتخابات، وتدعو فيها إلى إعادة تنظيمها. لكن الحكومة رفضت مقترح إعادة الانتخابات، بعد أن رفضت المحكمة العليا والمجلس الدستوري الطعون المقدمة.

تجمع لأنصار المعارضة في نواكشوط لرفض نتائج الانتخابات (الشرق الأوسط)

وكادت تلك الانتخابات تتسبب في أزمة سياسية في البلاد، غير أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نجح في تهدئة الأوضاع، وتنقية الأجواء عبر التشاور مع قيادات المعارضة وإجراء مباحثات معهم. كما أن الحكومة لم تكن ترغب في العودة إلى الاختناق السياسي، وتعميق الخلافات مع المعارضة. ولذلك وافقت على مطلب قديم جديد بصياغة ميثاق جمهوري، سبق أن اقترحه حزبا «تكتل القوى الديمقراطية» و«اتحاد قوى التقدم»، وهما من أبرز الأحزاب المعارضة في موريتانيا.

ووقّعت الحكومة مع حزب «الإنصاف» الحاكم والحزبين المعارضين الوثيقة في حفل أقيم في قصر المؤتمرات، حيث جرى التأكيد على أن هذا الاتفاق كان من المهم التوقيع عليه، في ظل حالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي. إلا أن أحزاب المعارضة الأخرى رفضت الدعوة إلى توقيع الميثاق، ووصفته بأنه «طعنة في الظهر من حزبي التكتل واتحاد قوى التقدم». وبعد مرور 3 أشهر على توقيع الميثاق، فإنه ما زال يراوح مكانه، ولم تُترجم بنوده على أرض الواقع، في ظل إصرار الأحزاب الأخرى على رفض التوقيع. ويتضمن الميثاق خريطة طريق بشأن «القيام على وجه الاستعجال بدراسة معمقة للمنظومة الانتخابية، وإذا اقتضى الحال الشروع في الإصلاحات المناسبة، بما يعزز النظام الديمقراطي بغية تجاوز الوضع المترتب عن الانتخابات الأخيرة، وضمان تفادي أي خلاف انتخابي في المستقبل».

كما ضم الميثاق ملحقاً في 18 نقطة، شمل إصلاح المنظومة الانتخابية، واستحداث «آلية ذات مصداقية» لحل ملفات حقوق الإنسان والمظالم العالقة. وشمل أيضاً نقاطاً مهمة، منها الدعوة إلى تفعيل المنظومة القانونية، التي تجرم الممارسات الاسترقاقية والعنصرية وغير المنصفة في حق الفئات المغبونة، وكذا الخطابات المحرضة على العنف والغلو، والتطرف والعنصرية والكراهية. كما تطرق الملحق إلى تكريس التنوع الثقافي للبلاد، وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص بين عموم أفراد الشعب، ومحاربة ارتفاع الأسعار، فضلاً عن إصلاح عقاري يهدف إلى النهوض بالزراعة، وتعزيز اللامركزية والحكم الرشيد، وتطبيق مخرجات المشاورات الوطنية حول إصلاح التعليم والعدالة.

محاكمة العشرية

شكّلت محاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وعدد من معاونيه في ملف «العشرية» أحد أبرز أحداث عام 2023، حيث استمرت 10 أشهر. ويعدّ ولد عبد العزيز أول رئيس سابق يحاكم بتهم الفساد والإثراء غير المشروع، إضافة إلى استغلال النفوذ من أجل تحقيق مكاسب شخصية، وهي تهم رفضها الرئيس السابق، ووصفها بأنها مجرد تصفية حسابات. لكن في 4 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، طويت إحدى صفحات هذا الملف، بعد أن قضت محكمة الجنايات المختصة في الفساد بسجن الرئيس السابق 5 أعوام نافذة، ومصادرة حقوقه المدنية.

الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز المدان بالفساد (أ.ف.ب)

كما قررت المحكمة مصادرة ممتلكات رئيس الشركة الوطنية للكهرباء السابق، أحمد سالم ولد إبراهيم فال، وقضت بالسجن عامين ونصف عام، بينها 6 أشهر نافذة، وغرامة 50 ألف أوقية (الدولار الأميركي يساوي 39.575 أوقية موريتانية) على رئيس المنطقة الحرة الأسبق، محمد ولد الداف. وبرّأت المحكمة 5 متهمين. هم الوزير الأول الأسبق «رئيس الوزراء» يحيى ولد حدمين، والوزير الأول الأسبق محمد سالم ولد البشير، ووزير النفط والطاقة والمعادن، ومدير الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «إسنيم» الأسبق محمد عبد الله ولد أوداعه، ووزير النفط والطاقة والمعادن ومدير «إسنيم» الأسبق الطالب ولد عبدي فال، والعدل المنفذ محمد الأمين ولد ألوكاي. واستأنفت النيابة العامة الحكم، حيث سبق أن طالبت بسجن ولد عبد العزيز 20 سنة، وبسجن ولد حدمين، وولد البشير، وولد عبدي فال، وولد أوداعه 10 سنوات، وتغريمهم 10 ملايين أوقية ومصادرة ممتلكاتهم. كما استأنف دفاع ولد عبد العزيز الحكم، معتبراً أن إصدار القضاء هذا الحكم بحقه «سياسي... واستهداف لعائلة الرئيس السابق».



تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
TT

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

يضع تلويح أميركا بفرض عقوبات على «معرقلي العملية السياسية» في ليبيا جدية واشنطن في استخدام أدوات الضغط أمام اختبار جديد، خاصة في ظل الخلافات حول اتفاق لجنة «4+4»، المتعلق بالتشريعات الانتخابية، واستمرار الانقسام الذي يعطل جهود توحيد المؤسسات.

وبدا هذا الموقف الأميركي أكثر وضوحاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي، الأربعاء الماضي، حين انفردت السفيرة جينيفر لوسيت، نائبة الممثل الخاص للشؤون السياسية في البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة، بين مندوبين تحدثوا خلال الجلسة، بالتشديد على أن «الأفراد والكيانات التي تعرقل العملية الانتقالية قد تخضع لعقوبات المجلس»، منتقدة رفض المجلس الأعلى للدولة لهذا الاتفاق.

بين التلويح والتنفيذ

لكن الانتقال من التلويح الأميركي بـ«العقوبات» إلى تنفيذها يظل موضع تساؤل، في ظل عدم وضوح ما إذا كانت هذه التهديدات ستتحول إلى إجراءات فعلية أم ستبقى في إطار الضغط السياسي، لا سيما أن تجارب سابقة أظهرت محدودية قدرة العقوبات على إنهاء الخلافات السياسية في ليبيا.

وتتباين تقديرات دبلوماسيين وخبراء بشأن قدرة هذه التدابير على تغيير حسابات الأطراف المتنافسة، بين من يطالب بخطوات عملية، ومن يدعو إلى معالجة الاعتراضات السياسية.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وفي هذا السياق، من غير المستبعد أن يضع الموقف الأميركي الأخير مصداقية واشنطن على المحك، بحسب رؤية هاني شنيب، رئيس «المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية»، الذي رأى أن التهديد بإجراءات عقابية «يفقد تأثيره إذا لم يقترن باستعداد حقيقي لاستخدام أدوات الضغط لإحداث تغيير».

وقال شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن الإدارة الأميركية «فقدت بعض مصداقيتها حين لوّحت بالتهديد في ملفات دولية وإقليمية عدة خلال العام الأخير، وحققت نجاحاً في بعضها، مثل فنزويلا وكوبا، وأخفقت في أخرى، وتحديداً في إيران والسودان وأوكرانيا، وهو ما أربك خصومها وحلفاءها»، محذراً من أن استمرار الشلل السياسي في ليبيا قد يقود إلى اضطراب أمني وإداري خطير، مستحضراً تداعيات الأزمة الصومالية عام 1992.

من اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

والملاحظ أن المندوبة الأميركية خصت بالذكر المجلس الأعلى، الرافض للاتفاق، متحدثة عما وصفته بـ«مناورته» لعرقلة «التقدم الانتخابي»، بموجب اتفاق بين ممثلي «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» المؤقتة في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حول «مجلس المفوضية»، وقوانين انتخابية تحسم شروط ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للرئاسة.

تجربة ليبيا الطويلة مع العقوبات

يرى الدبلوماسي الليبي عادل عيسى أن العقوبات أصبحت أداة حاضرة في الخطاب الدولي بشأن ليبيا، وليست مجرد احتمال نظري، معتبراً أن الرسالة الأميركية تربط تعطيل المسار الانتخابي بكلفة سياسية وقانونية محتملة.

وقال عيسى لـ«الشرق الأوسط» إن جدية هذا التوجه ستتضح من خلال خطوات عملية، مثل تحديد مسؤوليات الأطراف المعنية، أو التحرك داخل لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، أو الإعلان عن إجراءات أميركية مستقلة، بما يكشف عن مدى استعداد واشنطن لتحويل التحذيرات إلى تدابير قابلة للتنفيذ.

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتستحضر هذه المناقشات تجربة ليبيا الطويلة مع العقوبات الدولية، التي ارتبطت في تسعينات القرن الماضي بقضية تفجير طائرة «لوكربي»، قبل أن ترفع الأمم المتحدة العقوبات المفروضة على البلاد عام 2003. وفي عام 2011 فرض مجلس الأمن تدابير جديدة في سياق الانتفاضة، التي انتهت بسقوط نظام معمر القذافي.

أما خلال سنوات الانقسام اللاحقة فلم يقتصر الضغط الدولي على التصريحات؛ إذ فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على شخصيات ليبية، بينها رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، والرئيس السابق لـ«المؤتمر الوطني العام» نوري أبو سهمين، ورئيس حكومة «الإنقاذ» السابقة خليفة الغويل، فيما فرض مجلس الأمن عقوبات على المسلح صلاح بادي. ورُفعت العقوبات لاحقاً عن أبو سهمين والغويل وبادي.

عقيلة صالح الرئيس السابق لمجلس النواب الليبي (رويترز)

تشكيك في جدوى العقوبات

في ضوء هذه التجارب، يشكك الدكتور عارف التير، عميد مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، في قدرة العقوبات على حل الأزمة، داعياً إلى معالجة اعتراضات الأطراف الرافضة لاتفاق «4+4»، وتقديم ضمانات بشأن تنفيذه.

وتساءل التير عن النتائج العملية التي يمكن أن تحققها العقوبات، وعن الأساس القانوني لملاحقة شخصيات بتهمة عرقلة العملية السياسية، ومدى استيفاء الأفعال المنسوبة إليها شروط المسؤولية القانونية. ورأى أن حرمان المستهدفين من دخول دول غربية لا يضمن تغيير سلوكهم، داعياً إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والتفاهمات السياسية.

وهناك من يرى أن الرسالة الأميركية والدولية تستهدف نقل ليبيا من إدارة الأزمة إلى تنفيذ خطوات ملموسة نحو الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، وهي أيضاً رؤية أشرف بودوارة، عضو «الحوار المهيكل»، الذي رعته الأمم المتحدة.

والذي أكد أن الأطراف التي يثبت تعمدها تقويض المسار السياسي، أو عرقلة الانتخابات أو تهديد الاستقرار والمنشآت النفطية، قد تواجه إجراءات دولية وفقاً للمعايير والقرارات المعمول بها. لكنه شدد على ضرورة تطبيق العقوبات بمعايير واضحة ومتساوية على جميع الأطراف، بالتوازي مع خطوات عملية لإنهاء الانقسام.

ورغم أن الحديث على مائدة المجتمع الدولي ينصب راهناً على حل ليبي عبر لجنة «4+4»، فإن مراقبين يرون أن طيف «مبادرة أميركية» لتوحيد السلطة في ليبيا لم يغب عن سياقات الخطاب الأميركي الأخير.

وانعكس ذلك، من منظورهم، على رسالة السفيرة لوسيت للقادة الليبيين بدعوتهم إلى «الإسراع» في تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، والتمهيد للانتخابات وفق اتفاق «4+4»، بل إعادة التذكير بدور واشنطن في رعاية اتفاق للميزانية الموحدة، ومناورات عسكرية مشتركة بين القوات المتخاصمة من شرق ليبيا وغربها في أبريل (نيسان) الماضي.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (أ.ف.ب)

يشار إلى أن المتداول عن مبادرة طرحها مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، يقوم على تولية نائب قائد «الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، فيما يحتفظ رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، بمنصبه رئيساً لحكومة موحدة.


هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)
TT

هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)

أثارت الرسالة التي بعثها رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب تساؤلات بشأن فرص تحريك المقترح الأميركي الداعي إلى هدنة إنسانية في السودان؛ وما إذا كان إعلان الالتزام بجهود واشنطن يعكس استعداداً لتسوية الخلافات حوله، أم أنه يعيد تقديم الموقف السابق بلغة أكثر مرونة.

وأعلن البرهان، الخميس، في منشور على منصة «إكس»، أنه بعث برسالة إلى ترمب أكد فيها التزام حكومته بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، واستعدادها للتعاون مع جميع الأطراف من أجل الوصول إلى تسوية تصون سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه وكرامة شعبه.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

لكن الرسالة لم تنص صراحة على قبول هدنة التسعين يوماً التي اقترحتها واشنطن، ولم تتطرق إلى ترتيبات تنفيذها أو الضمانات المطلوبة لإنجاحها. وتدعو المبادرة الأميركية الطرفين إلى هدنة إنسانية من دون شروط مسبقة، لإتاحة وصول المساعدات إلى المتضررين، تمهيداً لمسار تفاوضي أوسع.

وتأتي المبادرة الأميركية ضمن تحرك تقوده الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، ومصر، للانتقال من إعلان تأييد السلام إلى الاتفاق على إجراءات عملية لخفض القتال، وتأمين المساعدات، وفتح الطريق أمام عملية سياسية يقودها السودانيون.

وكان مستشار البرهان للشؤون السياسية والعلاقات الدولية أمجد فريد قد قال لـ«رويترز» في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي إن حكومته قدمت تعديلات على المقترح الأميركي، في مقدمتها انسحاب قوات «الدعم السريع» من المناطق الحضرية تحت رقابة دولية. وأبدى مخاوف من أن تؤدي الصيغة المطروحة إلى تكريس انقسام البلاد، وإبقاء القوات شبه العسكرية طرفاً مؤثراً في مستقبلها السياسي.

مواقف متباينة

ويرى الدكتور ياسر نور الدين، وهو كاتب وباحث سوداني مقيم في كندا، في تحليل نشره، أن رسالة البرهان تعيد تقديم مطالبه السابقة بلغة شراكة مع واشنطن، من دون أن تتضمن قبولاً صريحاً بالهدنة. ويعتقد أن مضمونها يحوّل المطالب من «شروط مسبقة» إلى ترتيبات مقترحة لتنفيذ وقف القتال، بما قد يفتح باباً للتفاوض في إطار المبادرة الأميركية.

ويدعو نور الدين إلى نقل السؤال من «هل تقبل الحكومة الهدنة؟» إلى «كيف يمكن تصميم هدنة قابلة للنجاح؟»، معتبراً أن فرصة الرسالة ستتوقف على استعداد واشنطن للتعامل معها بوصفها عرضاً للتفاوض، لا مجرد إعادة إنتاج للمواقف السابقة.

وفي قراءة أميركية أكثر تشاؤماً، رأى كاميرون هدسون، الزميل البارز في برنامج أفريقيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي، أن مخاطبة البرهان ترمب مباشرة تمثل «إشارة سيئة».

وقال هدسون في حسابه على «إكس» إن قناة اتصال قائمة أصلاً بين البرهان ومسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، وإن تجاوزها يأتي في أعقاب أزمة تأشيرة الأمم المتحدة وما وصفه بضغوط غير موفقة مارسها بولس على الجيش السوداني. وأضاف أن الخطوة ليست مفاجئة، لكنها تثير تساؤلات بشأن مستوى الثقة والتواصل بين الخرطوم والإدارة الأميركية.

أما المحلل السياسي محمد لطيف، فيضع الرسالة في سياق ضغوط داخلية وخارجية متزايدة على البرهان، تشمل انتقادات لأداء الحكومة في حماية المدنيين، وما يصفه بـ«الاعتداءات المصرية»، إلى جانب تشدد الموقف الأميركي والضغط المرتبط باتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، وعلاقة البرهان بالقوى الإسلامية.

وقال لطيف لـ«الشرق الأوسط» إن «كل هذه المعطيات تشكل ضغطاً خانقاً على البرهان»، لكنه استبعد أن تمثل الرسالة انعطافاً حاسماً في مواقفه. وأضاف: «لا أتصور أن البرهان ينتقل فجأة من مربع الحرب إلى مربع السلام»، مرجحاً أن يكون الهدف هو تهدئة الضغوط الأميركية وتجاوز الأزمة الداخلية وكسب الوقت، انتظاراً لتغير قد يعيد ترتيب الموازين لصالحه.


مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
TT

مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

استدعت مصر القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة للاحتجاج على افتتاح سفارة لكولومبيا في القدس. وأفاد مصدر مصري مطلع، الجمعة، بأن وزارة الخارجية استدعت القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة، للإعراب عن احتجاج مصر الشديد ورفضها القاطع لافتتاح كولومبيا سفارة لها في القدس المحتلة، باعتبار ذلك «خطوة أحادية غير مقبولة، تتعارض مع الوضع القانوني والتاريخي القائم للمدينة، ومخالفة صريحة لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وأكد المصدر، وفق ما أوردته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية المصرية، الجمعة، أن «هذا الإجراء يُعد باطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأوضح المصدر المطلع أنه «جرى التأكيد خلال الاستدعاء على أن مثل هذه الخطوات غير المسؤولة ستكون لها تداعيات سلبية على الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ومن شأنها تأجيج التوترات».

كما شدد على «ضرورة احترام الوضع القانوني والتاريخي للقدس المحتلة، والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بفرص تحقيق السلام على أساس (حل الدولتين)».

وكان وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، ومصر، وفلسطين، وتركيا، وجيبوتي، ولبنان، وليبيا، واليمن، وقطر، والأردن، والصومال، وماليزيا، وإندونيسيا، والكويت، والجزائر، وسلطنة عُمان، وسوريا، والسودان، وباكستان، وجنوب أفريقيا، قد أعربوا عن رفضهم القاطع لقيام كولومبيا بافتتاح سفارتها في القدس. وعدّوها «خطوة تتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وتقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم قائم على حل الدولتين».

عائلة وضعت خيمتها فوق أنقاض منزلها الذي دمرته غارة إسرائيلية في غزة (أ.ب)

وأعاد الوزراء، في بيان مشترك، الجمعة، تأكيد أن «أي إجراء أو قرار يهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو التاريخي للقدس المحتلة، أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، هو باطل ولاغٍ، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني. ويتماشى هذا الموقف مع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا سيما قراري مجلس الأمن رقم (476) لعام 1980 ورقم (478) لعام 1980، اللذين يرفضان محاولات تغيير طابع القدس أو وضعها، ويدعوان الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة التي تُعدّ جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967».

كما دعا وزراء الخارجية، في بيانهم، الحكومة الكولومبية إلى «إعادة النظر في هذا القرار والتراجع عنه، والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، والامتناع عن اتخاذ تدابير تمس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقّه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة تكون القدس الشرقية عاصمة لها».