المغرب: تجنيد أكثر من 6500 من عناصر الأمن لتأمين الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي

يستقطب أكثر من 14 ألف مشارك بمن فيهم وزراء الاقتصاد والمالية ومحافظو البنوك المركزية

جانب من مدخل القرية التي ستستضيف الاجتماعات (المديرية العامة للأمن الوطني)
جانب من مدخل القرية التي ستستضيف الاجتماعات (المديرية العامة للأمن الوطني)
TT

المغرب: تجنيد أكثر من 6500 من عناصر الأمن لتأمين الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي

جانب من مدخل القرية التي ستستضيف الاجتماعات (المديرية العامة للأمن الوطني)
جانب من مدخل القرية التي ستستضيف الاجتماعات (المديرية العامة للأمن الوطني)

يحتضن المغرب من 9 إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، فعاليات وأشغال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لسنة 2023، المقرر انعقادها بقرية أعدت خصيصاً لهذا الغرض على مساحة تبلغ حوالي 45 هكتاراً بمنطقة باب إغلي بمدينة مراكش، في حدث عالمي يستقطب أكثر من 14 ألف مشارك رفيع المستوى، بمن فيهم وزراء الاقتصاد والمالية ومحافظو البنوك المركزية للدول الأعضاء البالغ عددها 189 دولة، علاوة على ممثلي المجتمع المدني والقطاع الخاص، ووسائل الإعلام الدولية، ومشاركين من الوسط الأكاديمي.

وسيراً على نهج استراتيجيتها في تخصيص مواكبة أمنية خاصة ومندمجة للتظاهرات الكبرى ذات البُعد الدولي التي تحتضنها المملكة المغربية، أفردت المديرية العامة للأمن الوطني (الأمن العام) اهتماماً خاصاً لتغطية الجانب الأمني لحدث الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حيث جندت أكثر من 6.500 موظفة وموظف شرطة من مختلف الأسلاك والرتب، والمئات من المركبات الشرطية ووسائل العمل التقنية والتكنولوجية واللوجيستية لتأمين هذه التظاهرة، التي تُشكل مؤشراً على الثقة المتزايدة التي يحظى بها المغرب في مجال احتضان وتأمين التظاهرات الدولية في مختلف المجالات والتخصصات.

من الإجراءات الأمنية لتأمين الاجتماعات (المديرية العامة للأمن الوطني)

ولئن كان تأمين تظاهرة من حجم المؤتمر العالمي للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يُشكل عاملاً مهماً في نجاح الحدث بشكل عام وتحقيق أهدافه ومقاصده، فقد اقتضت مهمة «الأمن الوطني» وضع مخطط عمل وتخطيط دقيق استمر لأيام وأشهر طويلة سبقت الحدث نفسه، تمت خلاله دراسة كل تفصيل بشكل دقيق ومستفيض، قبل الخروج ببروتوكول أمني شامل شكل خريطة الطريق الميدانية التي تقود هذا العمل النظامي المهم.

لا مكان للصدفة

تميزت الاستعدادات الأولية لتأمين المؤتمر العالمي للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بتنظيم مجموعة من الاجتماعات واللقاءات التحضيرية على المستوى المركزي بالمديرية العامة للأمن الوطني، وهي اللقاءات التي خصصت في البداية لإجراء عملية تقييم شامل لطبيعة الحدث والتحديات الأمنية ومتطلبات مواكبته على المستوى الشرطي. وبشكل أدق، تدارست هذه التحضيرات وضع تصور شامل لطبيعة الحدث المتمثل في أكبر لقاء على المستوى الدولي لخبراء المؤسسات البنكية والمالية العمومية والخاصة، وأهميته على الصعيدين الإقليمي والدولي، وطبيعة الشخصيات المشاركة فيه ووزنها الدولي، وكذا نوعية المواضيع والقرارات المطروحة وتأثيرها على الساحة السياسية والاقتصادية وغيرها من التفاصيل التي تشكل خلاصاتها أساس بناء الرؤية الأمنية للحدث.

جانب من القوة الأمنية التي ستحمي الحدث وضيوفه (المديرية العامة للأمن الوطني)

وفور اكتمال هذه الصورة، وتحديد مدينة مراكش لاستضافة هذه الاجتماعات، شرعت اللجان المختصة في دراسة شاملة للتحديات المطروحة على المنظمين، خصوصا تحديد مكان إقامة القرية الخاصة بالاجتماعات، وآليات تنزيل الترتيبات الأمنية في محيطها، وكذا طبيعة الترتيبات الأمنية التي يجب تطبيقها بمدينة مراكش لتأمين وصول وإقامة وتنقل أكثر من 14 ألف مشاركة ومشارك في هذه الاجتماعات.

وعرفت فترة التحضيرات الأولية المواكبة للمؤتمر العالمي للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي تخصيص حيز مهم لحجم ونوعية الموارد البشرية واللوجيستية التي يجب إعدادها لهذا الغرض، حيث عكفت فرق تقنية وعملياتية على حصر لوائح أولية لموظفات وموظفي الشرطة من مجموعة من التخصصات والكفاءات التي ستشارك في تأمين هذه التظاهرة، فضلاً عن تحضير تقديرات أولية للمركبات ووسائل العمل والتدخل والاتصال الضرورية لهذا العمل النظامي، وذلك في أفق إعداد بروتوكول الأمن النهائي الذي سيشكل وثيقة جامعة للترتيبات الأمنية بشكل دقيق وشامل ونهائي.

فيما يخص الموارد البشرية المجندة، فهي تنقسم إلى تلك العاملة بولاية أمن مراكش، وتشمل عينة مختارة بعناية من عناصر شرطتي الزي الرسمي والمدني، ممن لديهم خبرة طويلة في تدبير التظاهرات الكبرى التي تحتضنها المدينة، خصوصا من بين عناصر الأمن العمومي (شرطة السير والجولان، والهيئة الحضرية، وفرق التدخل والنجدة، ووحدة حماية المنشآت الحساسة)، فضلاً عن باقي عناصر الشرطة القضائية والاستعلامات العامة ومصالح الدعم التقني والإداري والتكنولوجي. ويُضاف إلى هذه الموارد عناصر الدعم والمساندة، القادمين من المستوى المركزي وباقي القيادات الأمنية، خصوصاً من بين فرق المحافظة على النظام وفرق خيالة الشرطة والكلاب المدربة والشرطة العلمية والتقنية وغيرها، والتي تبقى مهمتها مكملة ومساندة للقوات الأمنية المحلية، وفق ما تقتضيه الحاجيات الميدانية والعملياتية.

من العناصر الأمنية النسوية (المديرية العامة للأمن الوطني)

بروتوكول الأمن

أيام قليلة قبل انطلاق الفعاليات الرسمية للاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كانت ولاية أمن مراكش قد بلغت مرحلة متقدمة في الاستعدادات الأخيرة لمواكبة الجانب الأمني لهذه التظاهرة العالمية، حيث بادرت لجنة مكونة من أطر أمنية مركزية وأخرى تمثل القيادة الشرطية المحلية بإعداد بروتوكول الأمن والنظام الخاص بهذه التظاهرة. ففي العقيدة الأمنية المغربية، يشكل البروتوكول الأمني الوثيقة الوحيدة التي تحدد بشكل دقيق النطاق الزمني والجغرافي للعمل النظامي، وخريطته وطبيعة الولوجيات الطرقية ومساراتها، فضلاً عن تحديد مسؤوليات كل موظف شرطة ونطاق تدخله وآلية التواصل مع باقي مكونات القطاع الأمني، علاوة على جرد للتهديدات الأمنية المحتملة والنقاط الحساسة وكيفية التعامل مع كل حالة على حدة.

ومن منطلق هذا التقسيم، تميز البروتوكول الأمني للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بوضع خريطة مندمجة لمدينة مراكش، تتضمن أولا تحديدا دقيقا لقطاع «باب إغلي» الذي يحتضن قرية الاجتماعات، ويسطر محيطها ومداخلها والمسارات الطرقية المحيطة بها، قبل الانتقال إلى باقي قطاعات المدينة ومناطقها المدارية، حيث تم تحديد المواقع والنقاط المهمة كافة التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمكان انعقاد هذا الحدث (فنادق ومؤسسات إيواء، ومواصلات، تمثيليات أجنبية... الخ).كما شملت مرحلة إعداد بروتوكول الأمن وضع تقسيم عملياتي للوحدات والفرق الشرطية والمركبات بمختلف أنواعها، والتي تم توزيعها على قطاعات أمنية وحضرية مختلفة ومحددة بشكل دقيق، كما تم تقسيم الأطر الأمنية المسؤولة عن تدبير سلسة القيادة بكل قطاع، مع تحديد مستوى المسؤولية الخاص بكل الأطر والرتباء، وبيان آليات التنسيق بينها وبين مراكز القيادة على مستوى ولاية أمن مراكش. أيضا تم إنشاء شبكة اتصال لاسلكية تجمع بشكل آني ورقمي بين جميع هذه المكونات، وأصبح من خلالها آخر شرطي بمدارة بمخرج أو مدخل المدينة قادرا على التواصل مع قيادة العمليات المحلية بشكل آني ودون عرقلة. كما تضمن البروتوكول النهائي للأمن حصرا لكرونولوجيا الأحداث المقررة خلال فعاليات الاجتماعات السنوية، منذ وصول المشاركين وإلى غاية حفل الختام ومغادرتهم أرض الوطن بسلام.

إجراءات في المكان ومحيطه (المديرية العامة للأمن الوطني)

تنطلق العمليات الفعلية لتأمين الحدث السنوي لاجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بتنفيذ عملية واسعة لتجميع وحصر القوات والمركبات المشاركة في هذا العمل النظامي، وهي فرصة لمراجعة آخر التفاصيل في البروتوكول الأمني وتوجيه التعليمات اللازمة للمشاركين به، والقاضية بإعمال أقصى درجات اليقظة والجاهزية، وكذا ضرورة التقيد بتعليمات وضوابط البروتوكول الأمني. كما يتم استغلال هذا التجمع الكامل للقوات العمومية لإجراء تمرين محاكاة للترتيبات الأمنية، يقيس استعداد كل الوحدات والفرق الشرطية ومدى استيعاب دورها في هذا العمل النظامي، بالإضافة إلى اختبار آليات التنسيق وسلسلة اتخاذ القرار ونقله وتنفيذه بين القطاعات الأمنية، وكذا اختبار مدى استجابة القوات العمومية لبروتوكولات الاستجابة لحالات الطوارئ.

ومواكبة للمعايير المعتمدة على الصعيد الدولي في تأمين التظاهرات الكبرى، اعتمدت أجهزة الأمن المغربية لتأمين القرية التي تحتضن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بمنطقة «باب إغلي» بمراكش مستويات عدة من المراقبة الأمنية. وشملت هذه المستويات أولا حزاماً أمنياً من فرق المحافظة على النظام وفرق السير والجولان ودوريات الشرطة المحمولة والمزودة بكاميرات مراقبة متطورة، مهمتها تأمين وصول المشاركين بطريقة سلسلة ودون عرقلة، مع منع توافد وصول أي شخص أجنبي عن الحدث إلى المنطقة الخاصة. وعلى مستوى بوابات القرية، تم تنصيب مستوى ثان من المراقبة الأمنية، من خلال اعتماد أجهزة للمسح الضوئي والتفتيش باستعمال تقنيات جد متطورة، قادرة على كشف أنواع التهديدات ومصادر الخطر كافة، فضلاً عن توفير بوابات إلكترونية ذكية وعناصر بشرية عالية الخبرة في التفتيش الدقيق. مدعومة بفرق من الشرطة السينوتقنية تتوفر على مجموعة من الكلاب المدربة على كشف جميع أنواع المتفجرات والمواد الكيماوية الخطيرة. أما القرية نفسها، فقد تم تحويلها إلى منطقة معقمة أمنيا، أي أنها خضعت لعدة جولات من الفحص من قبل خبراء المتفجرات والكلاب المدربة، كما أنها خضعت لنظام ولوج باستعمال الشارات الخاصة، فضلا عن تجهيزها بنظام مراقبة بصرية على مدار الساعة، يستعمل منظومة متكاملة من الكاميرات المتطورة وكاشفات الدخان والحريق، موصولة بنظام إنذار وتدخل فعال، جرى اختباره بشكل متكرر خلال مرحلة الاستعدادات الأولية.

في حراسة الاجتماعات (المديرية العامة للأمن الوطني)

وعلى مستوى محيط القرية الخاصة، تم نشر فرق للتدخل السريع التابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (مخابرات داخلية)، مختصة في التعامل مع التهديدات الكبرى من قبيل الهجومات العنيفة واختطاف الرهائن وغير ذلك، كما تم نشر دوريات للشرطة سريعة الحركة وأخرى مختصة في الرصد الإلكتروني باستعمال الكاميرات الحرارية.

في سياق متصل، أنشأت مصالح الأمن الوطني مفوضية للشرطة خاصة بهذا الحدث، تتوفر على قاعة خاصة بتدبير نظام الاتصالات والمراقبة بالكاميرات، كما تتوفر على دائرة أمنية توفر الخدمات الشرطية الضرورية لزوار فضاء التظاهرة، وهي المفوضية الشرطية التي تجمع بين فوائد الفعالية والقرب في العمل، وبين الاستقلالية في تنفيذ البروتوكول الأمني. وتراهن المديرية العامة للأمن الوطني (الأمن العام) من خلال هذه التعبئة الشرطية الكبيرة على إنجاح هذا الحدث العالمي، وهو النجاح الذي سيعزز حتما إشعاع المملكة المغربية كبلد آمن ومستقر، ويكرس الثقة والمصداقية في المؤسسات والأجهزة المغربية، في ظل عزم المغرب مستقبلا احتضان أكبر التظاهرات الدولية في مختلف المجالات الرياضية، والفنية والاقتصادية والسياسية.


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا رئيس مجلس الشيوخ البلجيكي فنسنت بلونديل (من حسابه بوسائل التواصل الاجتماعي)

بلجيكا تجدد دعمها «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية»

جدد رئيس مجلس الشيوخ بمملكة بلجيكا، فنسنت بلونديل، مساء الجمعة، في إسطنبول، التأكيد على دعم بلاده الواضح والثابت لمبادرة «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية».

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شمال افريقيا الوزير ناصر بوريطة مستقبلاً الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال زيارتها للرباط (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يؤكد دعمه «مخطط الحكم الذاتي» تحت السيادة المغربية

الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية تؤكد أن الاتحاد الأوروبي يدعم مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عالمية أشرف حكيمي (رويترز)

أشرف حكيمي قبل مواجهة ليفربول: تهم الاغتصاب باطلة

تحدث النجم المغربي الدولي أشرف حكيمي، ظهير أيمن فريق باريس سان جيرمان الفرنسي لكرة القدم، بشكل علني عن تأجيل محاكمته بتهمة الاغتصاب، مؤكداً براءته في تلك القضية

«الشرق الأوسط» (باريس )
شمال افريقيا وزير خارجية مالي عبد الله ديوب (رويترز)

مالي تعلن تأييدها خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء

قال وزير خارجية مالي عبد الله ديوب، اليوم الجمعة، إن بلاده «تؤيد خطة المغرب للحكم الذاتي في الصحراء الغربية».

«الشرق الأوسط» (باماكو)

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
TT

حوار مجتمعي لتعديل قوانين الأسرة بمصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في ذكرى «تحرير سيناء» السبت الماضي (الرئاسة)

يتواصل الحراك الرسمي والمجتمعي والبرلماني في مصر لتعديل قوانين الأسرة، وعقد مجلس النواب، الثلاثاء، أول جلسة استماع لمناقشة تشريعات الأحوال الشخصية بما يواكب التغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجَّه الحكومة، في منتصف أبريل (نيسان) الحالي، بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة المصرية إلى مجلس النواب. وأشار حينها إلى أن «هذه القوانين تم إعدادها منذ فترة غير قصيرة، وعالجت المشاكل الناجمة عن القوانين السارية بحلول جذرية، وتم استطلاع رأي العلماء والمتخصصين فيها».

وتنظم قوانين «الأحوال الشخصية العامة» قضايا الطلاق والنفقة والحضانة وغيرها من الأمور التي تخص ملايين الأسر، وشرعت أحزاب خلال الأيام الماضية في إجراء حوار مجتمعي حولها.

وعقدت «لجنة التضامن الاجتماعي» بمجلس النواب، الثلاثاء، جلسة الاستماع الأولى لمناقشة ملف الأسرة المصرية، بمشاركة ممثلي الوزارات والجهات الحكومية والمجالس القومية والخبراء.

وقالت رئيسة اللجنة، راندا مصطفى، إن التعامل مع هذا الملف «يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة». وأضافت أن اللجنة «تلقت العديد من شكاوى المواطنين، التي كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية، وفي مقدمتها أزمة توثيق الطلاق». كما أشارت إلى أن «ملف النفقة يمثل تحدياً كبيراً»، مؤكدة أنه «لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالي. والمشكلة لا تكمن في صدور الأحكام، بل في آليات تنفيذها».

جلسة لمجلس النواب المصري في مارس (آذار) الماضي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

فيما أكد رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان، الثلاثاء، أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة «تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطني بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر». وشدّد على «أهمية إصدار قانون متوازن يراعي حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية».

الحقوق والواجبات

عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، ناجي الشهابي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الحراك المجتمعي والحزبي والبرلماني حول قوانين الأحوال الشخصية «مطلب دائم»، وإنه يجب أن يكون هناك حوار حول القوانين التي تهتم بالأسرة وبالمجتمع وتماسكه بصفة عامة.

وأضاف أن اللجنة المختصة بمناقشة الملف بمجلس النواب تستطلع آراء بعض المهتمين حول التعديلات المزمع تقديمها، «وهذا مؤشر جيد، ويعتبر استجابة للرأي العام، الذي يطالب قبل إقرار التشريعات الحيوية أن يدور حولها نقاش عام».

وتابع: «الأحزاب أجرت جلسات استماع من خلال لجانها المختصة حول القوانين، و(حزب الجيل) عقد أكثر من اجتماع واستمع لوجهتي نظر الرجل والمرأة، وأعد تقريراً طالب فيه بتعديلات جوهرية على قانون الأسرة الحالي، بحيث يقل سن الحضانة من 15 إلى 10 سنوات، وأن يكون الرجل (الأب) في المرتبة الثانية في الحضانة بدل المرتبة الـ16، وأن تكون الأم أيضاً هي الوصية على الأبناء».

ولسنوات طويلة، أثار ملف «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر، وسط مطالبات بتعديل القانون الحالي الذي صدر عام 1920، وعُدّلت بعض بنوده عامي 1929 و1985. كما صدر قانون عام 2000 لتعديل إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية.

وقال الشهابي: «نريد قانوناً يعالج مشاكل الأسرة المصرية ويحافظ عليها»، مشيراً إلى أن الحكومة أعدت مشروعاً وطرحته للرأي العام والأحزاب ليقدم كل حزب وجهة نظره إلى مجلس النواب.

وخلال جلسة الاستماع الأولى بـ«النواب» لمناقشة ملف الأسرة، شدّد رئيس «لجنة الشؤون الدينية» عمرو الورداني على أهمية صياغة قوانين الأحوال الشخصية «بدقة ورؤية شاملة تُحقق التوازن بين الحقوق والواجبات».

فيما أكد عضو قطاع التشريع بوزارة العدل، عمرو السيسي، أن القانون المرتقب «لا يمثل الحل الوحيد لمشكلات الأسرة». وأشار إلى «أهمية إيجاد أساليب حضارية للتعامل مع قضايا مثل الرؤية وسن الحضانة، بعيداً عن التعقيد أو الإجراءات غير الإنسانية».

منظر عام للبرلمان المصري بالعاصمة الإدارية (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

الحقوق المادية والنفسية

وزادت المطالب بتعديل قانون «الأحوال الشخصية» بعد حادثة انتحار سيدة أربعينية، الشهر الحالي، من شرفة منزلها بالدور الـثالث عشر في محافظة الإسكندرية، عقب شكواها في بثّ مباشر من ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها، ما أثار جدلاً مجتمعياً وقانونياً.

وترى النائبة إيرين سعيد أن التحرك الحزبي والبرلماني نابع من بعض الظواهر والشكاوى المتكررة من قانون الأحوال الشخصية، أو «قانون الأسرة»، ومن أنه لا يلبي طموحات الآباء والأمهات، كما يؤثر سلباً على الأطفال.

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «القانون حساس جداً، ويمس المجتمع كله... والحراك بشأن تشريعات الأحوال الشخصية أمر مهم جداً، والأهم صدور قوانين تلبي احتياجات المواطنين بشكل كبير، وتحفظ كرامة الأطفال وحقوقهم المادية والنفسية».

وسبق أن دعا السيسي عام 2022 الحكومة والبرلمان والأزهر ومؤسسات المجتمع المدني للتكاتف لإعداد قانون الأحوال الشخصية، وذلك عقب جدل أثاره مشروع قانون كان البرلمان قد بدأ مناقشته في فبراير (شباط) 2021.

وقالت النائبة البرلمانية إن الأحزاب توجه مقترحاتها إلى مجلس النواب. وأضافت: «هذا هو دور الأحزاب، لأن مجلس النواب مهما عقد لجان استماع سيكون الحضور قليلاً؛ لكن الدور المجتمعي الأوسع هو للأحزاب».

وترى أن هناك «جدية لإصدار قوانين الأسرة المصرية»، متوقعة أن تصدر هذه القوانين، لكن بعد دراسة ومناقشات متأنية «لأنها قوانين مجتمعية تؤثر بشكل كبير على حياة المصريين. ولا بد أن تكون متوازنة».

وكان الفنان محمد فراج قد قال خلال مشاركته في لجنة الاستماع الأولى، الثلاثاء، إن الدراما المصرية «بدأت تقترب بشكل أكبر من قضايا الأحوال الشخصية وما يرتبط بها من أزمات تمس الأسرة»، مؤكداً أن «هذه القضايا تحمل قدراً كبيراً من الألم الإنساني، الذي يستوجب تناولاً أكثر صدقاً وواقعية».


قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
TT

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)
امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء.

وأفاد مصدر أمني بأن الضربة التي وقعت في مدينة ربك بولاية النيل الأبيض استهدفت القوات المشتركة، وهي تحالف فصائل مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش في الحرب ضد «قوات الدعم السريع» المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

وذكر شاهدان أن «المسيرة قصفت عدداً من سيارات المشتركة في حي الرواشدة وأخرى قرب المحكمة، والعربات كانت محملة بالأسلحة والذخائر ما زاد من حدة الانفجارات».


الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
TT

الجزائر: تصاعد الجدل حول إدانة كاتب بالسجن 3 سنوات

الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)
الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

تصاعدت في الجزائر حدة الجدل حول إدانة الكاتب الفرنسي- الجزائري، كمال داود، غيابياً بالسجن ثلاث سنوات مع التنفيذ في قضية مرتبطة بروايته «حوريات»، المتوَّجة بجائزة «غونكور» الأدبية المرموقة عام 2024.

وبينما أكد الكاتب أنه تعرَّض لـ«ملاحقة سياسية»، وضع مسؤول قضائي جزائري بارز القضية في سياق قانوني «صرف»، في وقت يواصل فيه داود الدفاع عن موقفه، عادَّاً الحكم «محاولة لترهيبه».

غلاف رواية «حوريات» المثيرة للجدل (الشرق الأوسط)

وفي أول رد رسمي ومباشر، فكَّك المساعد الأول لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء (محكمة الدرجة الثانية) بوهران (غرب)، بومدين روزال، ملابسات القضية في تصريح لـ«قناة الجزائرية الدولية» العمومية، الاثنين، مؤكداً أن النيابة العامة ليست طرفاً في تحريك الدعوى، وأوضح أن القضية بدأت بشكوى مباشرة من «المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب» والسيدة سعادة عربان طرفاً مدنياً، وفق إجراء قانوني مكفول لكل مواطن.

وتلاحق عربان، وهي امرأة ثلاثينية، داود بتهمة «انتهاك خصوصيتها» بدعوى أنه سرد قصتها في «حوريات» دون علمها، ولم يصدر الحكم بخصوص هذه التهمة.

وفنّد روزال ادعاءات «المحاكمة السريعة» بحق داود، مشيراً إلى أن التحقيق استمر لأكثر من عام، تلقى خلاله داود (56 سنة) استدعاءات متكررة لم يمتثل لها، قبل أن يصدر الحكم غيابياً، وجاء ذلك إجراءً قانونياً في ظل غياب المتهم. كما شدد بومدين على أن باب معارضة الحكم لا يزال مفتوحاً أمام الكاتب لإلغاء الحكم وإعادة المحاكمة، وهو مسار لم يسلكه داود حتى الآن، بحكم أنه مقيم في فرنسا، ووفق التشريعات الجزائرية لا يملك الشخص المتابع غيابياً حق تأسيس محام يرافع عنه.

وتعقيباً على تصريحات المسؤول القضائي، علَّقت «قناة الجزائر الدولية» بأن رواية القضاء «تدحض ما يروج له كمال داود وأصدقاؤه في اليمين المتطرف الفرنسي».

«شيطنة أدبية»

في المقابل، وبعد اطلاعه على الحكم الصادر ضده في 22 أبريل (نيسان) الحالي، رفض كمال داود الاتهامات الموجهة إليه، عادَّاً أن القضية لا تعدو أن تكون «فصلاً جديداً من محاولات التضييق عليه». ورأى داود في تصريحات للإعلام الفرنسي أن استهدافه عبر القضاء يأتي في سياق «شيطنة أدبية» تهدف للنيل من عمله الروائي، الذي يغوص في جراح ما يعرف بـ«العشرية السوداء».

مساعد النائب العام بمجلس قضاء وهران (قناة الجزائر الدولية)

وأدانه القضاء الجزائري بناءً على «قانون السلم والمصالحة الوطنية» (2006)، الذي يجرّم الكتابة والتصريح في أي شأن يخص «جراح المأساة الوطنية». وتتضمن رواية «حوريات» تفاصيل تخص تعرض «فجر» (سعادة عربان في الواقع) لمحاولة ذبح على أيدي إسلاميين متشددين بوهران، بداية تسعينات القرن الماضي.

وحسب داود، فإن ملاحقته قضائياً «ممارسات تهدف لترهيب الكتاب والمبدعين»، مشدداً على أن روايته هي عمل أدبي خيالي، نافياً بشكل قاطع استغلاله المباشر، أو المتعمد لقصة السيدة سعادة عربان بشكل يخرج عن السياق الروائي.

المرأة التي تتهم الروائي كمال داود بـاستغلال قصتها في روايته (صحف جزائرية)

ويرى محيط داود أن الإجراءات القضائية في هذا التوقيت تحمل «صبغة سياسية» تسعى لإسكات صوته الأدبي، خاصة بعد الضجة الدولية التي أحدثها فوزه بجائزة «غونكور»، كما رأى المدافعون عنه أن إدانته «تكرس أساليب ترهيب المثقفين الذين يجرؤون على طرح ملفات الذاكرة.

صِدام الأدب والقانون والدبلوماسية

من منظور القضاء والضحية، فإن الإبداع لا يعطي حقاً مطلقاً في استغلال الخصوصية، أو إعادة فتح جراح ضحايا الإرهاب دون موافقتهم، وذلك استناداً إلى «المادة 46» من «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية»، الذي أقرّه الجزائريون في استفتاء نُظم عام 2005، والذي أطلقه الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بهدف طي صفحة الاقتتال مع الجماعات الإرهابية (1992 -2002).

وتضع «قضية داود»، حسب مراقبين، القضاء الجزائري أمام اختبار معقد، يتمثل في حماية خصوصية الأفراد المكرسة قانوناً، بينما تضع الكاتب أمام تحدي الدفاع عن عمله الأدبي في أروقة المحاكم بدلاً من صالونات الأدب والتصريحات لوسائل الإعلام. ومع استمرار رفض داود اللجوء إلى سبل الطعن القانونية المتاحة، واكتفائه بالرد في الصحافة، يظل الجدل مستمراً، وفق المراقبين ذاتهم، حول ما إذا كان الأمر «حماية قانونية لحقوق الضحايا»، أم «محاصرة قضائية لحرية الكاتب».

وزيرة الثقافة الفرنسية (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وكان وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قد عبّر عن «أسفه» لإدانة الروائي كمال داود، في خطوة وضعت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أمام اختبار جديد في سياق التوترات، التي اندلعت في صيف 2024 إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء.

وشدد بارو على وقوف الحكومة الفرنسية إلى جانب الروائي، عادَّاً أنه من «المؤسف إدانة كاتب بسبب مؤلفاته»، كما طمأن بشأن وضع داود المقيم في فرنسا، مؤكداً أنه «لا يوجد سبب للقلق عليه». ومن جهتها، دافعت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاثرين بيغارد، عن كرامة الفنانين وأمنهم، واصفة الأدب بأنه مساحة حية تتجلى قيمتها في مناطق التوتر.

وأضفى هذا الموقف الفرنسي الرسمي صبغة ديبلوماسية حادة على قضية، يراها القضاء الجزائري شأناً داخلياً صرفاً يتعلق بحقوق الضحايا، ومخالفة قوانين «المصالحة الوطنية».