في وقت تزداد فيه وتيرة التحركات المصرية على المستوى الدولي بشأن قضية «سد النهضة» الإثيوبي، يُنتظر أن تنطلق في القاهرة قبل نهاية الشهر الحالي، جولة جديدة من المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا، في «مسعى لتدارك ما لم يتم التوصل إليه في جولتي التفاوض الماضيتين، اللتين انتهتا من دون نتائج»، وسط تجدد الحديث حول الخيارات المصرية المتاحة للتعامل مع الأزمة، فيما توشك مهلة الأربعة أشهر، التي تم الاتفاق عليها بين قيادتي مصر وإثيوبيا للتوصل إلى اتفاق «قانوني» بشأن ملء وتشغيل السد، على الانتهاء الشهر المقبل.
وكانت مصر قد تقدمت رسمياً الجمعة بشكوى هي الرابعة من نوعها لمجلس الأمن الدولي، أعربت فيها عن رفضها «استمرار انتهاكات إثيوبيا المتكررة للقانون والاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاق إعلان المبادئ لعام 2015 المتعلق بـ(سد النهضة)». وعدّت رسالة «الخارجية» المصرية إلى مجلس الأمن أن «تصرفات أديس أبابا الأحادية بشأن الملء والتشغيل للسد تُشكل تهديداً وجودياً لمصر، وتهديداً لاستقرارها».
وجاءت الرسالة المصرية في أعقاب إعلان إثيوبيا رسمياً في 10 سبتمبر (أيلول) الماضي، عن إتمام الجولة الرابعة، والأخيرة من ملء «سد النهضة»، في خطوة انتقدتها وزارة الخارجية المصرية في حينه، وعدّتها «تجاهلاً لمصالح وحقوق دولتي المصب، وأمنهما المائي، الذي تكفله قواعد القانون الدولي».
ومن المنتظر أن تستضيف القاهرة قبل نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، جولة جديدة من المفاوضات، التي انطلقت قبل شهرين في أعقاب اتفاق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في 13 يوليو (تموز) الماضي، على استئناف التفاوض، بهدف التوصل إلى اتفاق على قواعد ملء وتشغيل «السد» خلال 4 أشهر، بعد توقف للتفاوض بشأن السد الإثيوبي لأكثر من عامين.
وعدّ وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، الدكتور محمد نصر الدين علام، أن عودة مصر إلى مجلس الأمن «تعكس بشكل واضح عدم تعويل على نتائج المفاوضات الحالية، خصوصاً في ضوء استمرار التعنت الإثيوبي؛ بل والتراجع عن أمور تم الاتفاق عليها من قبل».
وقال علام لـ«الشرق الأوسط»، إن مصر «ربما تستعد لتحرك أكبر على المستوى الدولي خلال الفترة المقبلة»، مشيراً إلى أن عودة مصر لمجلس الأمن للمرة الرابعة «ليس بحثاً عن قرار دولي لحل هذه الأزمة، بقدر ما تستهدف إيضاح حقائق على الأرض للمخالفات الإثيوبية المستحدثة، والمستمرة للقانون والأعراف الدولية، وتهديدها الأمن القومي المصري».
ووصف علام مساعي مصر لاستكمال ملف «التعديات» الإثيوبية، وتوثيق مخالفاتها المستمرة للقانون الدولي، عبر رسائل متوالية تضع مجلس الأمن الدولي أمام مسؤولياته، بأنها «خطوة ضرورية» لتوضيح خطورة الموقف وتداعياته السلبية على مصر، وذلك «تحسباً لما قد يحدث مستقبلاً، إذا فشلت الوسائل السلمية، ومطالبة مصر المجلس باتخاذ قرار لحفظ المنطقة من نزاعات محتملة».
وكان مجلس الأمن قد أصدر في سبتمبر (أيلول) عام 2021، بياناً رئاسياً، دعا فيه أطراف «سد النهضة»، إلى استئناف المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي. وقال حينها إن مجلس الأمن «ليس جهة الاختصاص في النزاعات الفنية والإدارية حول مصادر المياه والأنهار».
في هذا السياق، يرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، السفير صلاح حليمة، أن الخطوات المصرية على المستوى الدولي هي انعكاس لوصول المفاوضات مع إثيوبيا إلى «طريق شبه مسدودة»، مشيراً إلى «استمرار النهج الإثيوبي في محاولة فرض الأمر الواقع، وعدم وجود إرادة سياسية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل (السد)».
وقال حليمة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الصبر المصري» على الاستمرار في المسار القانوني «يعكس تمسكاً بقواعد القانون الدولي»، مشيراً إلى أن تلك القواعد تتيح للدولة التي تتعرض لأضرار أن تلجأ إلى مجلس الأمن، بعدّه المسؤول عن حماية السلم والأمن الدوليين، موضحاً أن مصر تتحرك حتى الآن في إطار الفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة، لكن استمرار التجاهل الإثيوبي للمخاطر التي يمثلها سد النهضة على مصر «يرتقي لمرتبة التهديد»، مشيراً إلى أن ذلك «يتيح لمصر أن تعود لمجلس الأمن مستقبلاً، في حالة استمرار عدم التوصل إلى اتفاق تحت مظلة الفصل السابع، وهو ما بات يتوافر له الأساس القانوني والتفهم الدولي».






