حركات مسلحة تنضم إلى الجيش وأخرى إلى «الدعم السريع»

موقفها أجّج الحرب ورفع احتمالات تحولها حرباً أهلية

مقاتلون يقودون آليات عسكرية في السودان (أ.ف.ب)
مقاتلون يقودون آليات عسكرية في السودان (أ.ف.ب)
TT

حركات مسلحة تنضم إلى الجيش وأخرى إلى «الدعم السريع»

مقاتلون يقودون آليات عسكرية في السودان (أ.ف.ب)
مقاتلون يقودون آليات عسكرية في السودان (أ.ف.ب)

أعلنت حركات مسلحة وكيانات جهوية انضمامها إلى أحد طرفي النزاع في السودان، وهي خطوة فاجأت البعض، الذين عدّوا أن معارضة هذه الحركات والكيانات للنظام السابق طوال عقود، كانت لمصالح ذاتية وليس من أجل تحقيق السلام أو الاستقرار في المناطق التي كانت تحارب باسمها.

فقد استنفر الجيش مجموعات من المدنيين للقتال إلى جانيه، قال عنهم «الدعم السريع»: إنهم «مخدوعون ومؤيدون للنظام السابق بقيادة الرئيس عمر البشير والإسلاميين الموالين له».

ووفقاً لمراقبين، فإن إعلان تلك الجماعات المسلحة انضمامها إلى أحد طرفي القتال، سيؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتمددها في مناطق جديدة، وفقاً للجهة التي أتوا منها؛ إذ لم تعد الحرب بين الجيش و«الدعم السريع» وحسب؛ لأن الجيش يرى أنها حرب وطنية يجب أن يقاتل فيها الجميع إلى جانبه، ومثله يقول «الدعم السريع» إنها «حرب ضد النظام السابق وفلوله»، لاستعادة الانتقال المدني الديموقراطي.

مقاتلون تابعون لحاكم ولاية دارفور السودانية في 30 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ودفع تطاول الحرب وتمددها جغرافياً وارتفاع أعداد ضحاياها من المدنيين، منظمات حقوقية ودولية إلى التنبيه لخطورة استمرار الحرب، وحذّروا من تحولها حرباً أهلية شاملة، قد تؤثر على الإقليم بأكمله ولا تقتصر على السودان وحده.

تركيبة قبلية هشة

وقال الخبير العسكري صلاح عبد الله لـ«الشرق الأوسط»: إن تركيبة المجتمع السوداني القبلية الهشة، باختلاف تقاليدها وثقافاتها ولهجاتها، تجعل التحكم في المجتمعات المحلية من نصيب الإدارات الأهلية والقبلية. وتابع: «إذا اتسعت دائرة الحرب أكثر، سيتحول كل زعيم قبيلة رئيساً لدولة مصغرة، وستكون لكل قبيلة مليشيات خاصة تدافع عنها؛ نظراً لغياب وعدم قدرة قوات الحكومة على حماية المواطن».

ويحذر كثيرون من شرور الحرب الأهلية، ويقولون إنها إذا اندلعت لا يمكن السيطرة عليها أو التنبؤ بعدد ضحايا، وقد تتحول حرباً عرقية شبيهة بما حدث في رواندا، وقد تؤدي إلى تقسيم البلاد إلى كانتونات قبلية.

والحركات المسلحة والكيانات المجتمعية والأهلية التي أعلنت الانضمام لأحد طرفي القتال، هي في الأصل إما حركات منقسمة عن حركات مسلحة، أو أنشئت حديثاً بدعم وتشجيع من أحد طرفي القتال، وجاء أوان توظيفها في الحرب التي وصفوها بـ«العبثية».

ويرى مراقبون أن إعلان «حركة تمازج»، وهي حركة موقّعة على اتفاق سلام السودان في جوبا، وحركة «درع السودان» في البطانة، تأييدها قوات «الدعم السريع» بعدما كانت موالية للجيش، يؤكد أنها أصبحت باروداً احتياطياً للقتال من شأنه أن يطيل أمد الحرب ويسهم في ارتفاع أعداد الضحايا والخسائر المادية والعينية.

الجيش السوداني يتحدث عن تعزيز قواته خلال الفترة الأخيرة (أ.ف.ب)

ويؤكد كثير من المحليين أن مشاركة هذه الجماعات المسلحة في الحرب، وانتقالها إلى تأييد طرف فيها، يدعم المطالب التي نادت بها ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، بإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، بوصفه هدفاً وطنياً عاجلاً، وبناء جيش وطني حديث يلبي مطلب الدفاع عن السيادة والدستور ودعم الانتقال الديموقراطي المدني.

حركات في الحياد

من جهتها، فإن حركات موقّعة على اتفاق سلام السودان في جوبا في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، اختارت الحياد عند اندلاع الحرب، وهي «حركة تحرير السودان» بقيادة حاكم إقليم دارفور الحالي، مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» السودانية بقيادة وزير المالية الحالي، جبريل إبراهيم، وعدد آخر من الحركات.

ولم يعجب قرار الحياد الذي اتخذته هذه الحركات ودعوتها لوقف الحرب، مؤيدي الحرب وأنصار نظام الرئيس السابق عمر البشير، الذين اتهموها بـ«إمساك العصا من المنتصف»، بينما عدّه آخرون إيجابياً؛ لأن الحرب هي أسوأ خيار يمكن أن يختاره أشخاص تهمهم البلاد ومستقبلها، وقالوا: إن الحروب لم تحقق أي فائدة للسودان، لكنها ألحقت به ضرراً بائناً وأحدثت فيه جرحاً غائراً تمثل بانفصال جنوب السودان وتكوين دولته المستقلة. ويقول هؤلاء: إن التزام الحياد يساعد في احتواء الحرب وفرص إيقافها.

من الجهة الأخرى، أعلنت حركة مسلحة موقّعة على اتفاقية السلام، وهي «حركة تحرير السودان» بقيادة مصطفي تمبور، انضمامها إلى الجيش. وقال رئيسها مصطفى تمبور لـ«الشرق الأوسط» أمس (الثلاثاء): إن الحرب ضد «الدعم السريع» تتطلب موقفاً واضحاً وليس موقفاً محايداً من الجرائم التي ارتكبتها قوات «الدعم السريع» ضد المدنيين. وأضاف: «لذلك؛ أعلنت منذ بداية الحرب القتال وقوفنا بجانب الجيش»، وتابع: «كل المؤشرات الآن تدلل على انتصار كاسح للقوات المسلحة السودانية».

لقطة من فيديو وزّعته قوات «الدعم السريع» لعناصرها قرب معسكر المدرعات جنوب الخرطوم (الشرق الأوسط)

واتهم تمبور قوات «الدعم السريع» بأنها غدرت بالجيش لحظة اندلاع القتال في منتصف أبريل (نيسان) الماضي، ووصفها بأنها «مليشيات تمتلك ترسانة عسكرية كبيرة جداً، وموارد مالية تفوق موارد الدولة، وتربطها علاقات وامتدادات خارجية، وجهات ممولة». واستطرد قائلاً: «لكن كل هذه الامتيازات لن تجعلها قادرة على الصمود أمام جيشنا الوطني، وقد تم تفكيكها وتحويلها عصابات نهب مسلح في أقل من أربعة أشهر». وتابع: «المعركة الأساسية انتهت، وتبقت فقط جيوب يجري تنظيفها».

فلول النظام السابق من أشعل الحرب

ومثلما اختارت حركات مسلحة القتال إلى جانب أحد الطرفين، فإن «لجان المقاومة»، وهي التنظيمات الشبابية التي قادت المقاومة ضد نظام البشير وانقلاب أكتوبر 2021، اختار بعضها الوقوف مع الجيش، بينما اختار بعضها الآخر الوقوف على الحياد. وقال بعض رموز هذه اللجان الذين شاركوا في القتال إلى جانب الجيش، إنهم رغم اختلافهم مع قيادة القوات المسلحة، لن يتوقفوا عن مناصرة الجيش، وهو الموقف ذاته الذي يقفه أنصار النظام السابق من الإسلاميين والإخوان المتهمين بإشعال فتيل الحرب.

من جهته، أعلن الناطق باسم «حزب البعث العربي الاشتراكي»، عادل خلف الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: إن عناصر نظام الرئيس السابق عمر البشير هم الذين أوقدوا الحرب، وإن هناك أدلة ملموسة تؤكد هذا الزعم، وتتمثل في الخطاب التعبوي الذي وجهوه خلال شهر رمضان. وأضاف: «كانت هناك جهود كبيرة لمنع الصِدام بين الجيش و(الدعم السريع)، لكن تدخل الإسلاميين أشعل شرارة الحرب».

لكن خلف الله قلل من أهمية انضمام الحركات إلى أحد طرفي القتال، وقال: «انضمامها لم يحدِث أثراً ملموساً على ميزان القوى بين الطرفين، وهذا يعكس حجمها الطبيعي».


مقالات ذات صلة

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

شمال افريقيا عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، باتت أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان.

شمال افريقيا سودانية ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع 15 أبريل 2026 (أ.ب)

تحذير أممي من تبعات استخدام العنف الجنسي سلاحاً في حرب السودان

حذّرت وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية محلية من التبعات الخطيرة لاستخدام الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على نطاق واسع سلاح حرب في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) (أ.ب) p-circle

الأمم المتحدة تفرض عقوبات على شقيق قائد قوات الدعم السريعة السودانية

فرضت الأمم ‌المتحدة، عقوبات على الشقيق الأصغر لقائد قوات الدعم السريع وعلى ​ثلاثة مرتزقة كولومبيين متهمين بتجنيد أفراد كولومبيين سابقين للقتال في السودان.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

قصف بمسيّرات يوقع 11 قتيلاً في مدينة ربك السودانية

قتل 11 شخصاً في ضربة بطائرات مسيّرة استهدفت مدينة ربك السودانية في جنوب البلاد، بحسب ما قال مصدر في مستشفى محلي.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أشخاص يفرُّون من العنف في غرب دارفور يعبرون الحدود إلى أدري بتشاد يوم 4 أغسطس 2023 (رويترز)

الأمم المتحدة: أطفال دارفور بلغوا مرحلة حرجة تحت وطأة الجوع الشديد والعنف

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الثلاثاء، إن 5 ملايين طفل في منطقة دارفور السودانية يتعرضون لحرمان شديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
TT

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)
الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء، في العاصمة الإيطالية روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم.

وأوضحت البعثة في بيان، تلقت «وكالة الأنباء الألمانية» نسخة منه، أن المناقشات جرت في أجواء بنّاءة وجدية، حيث عبّر المجتمعون عن ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم من خلال صناديق الاقتراع. كما شددوا على ضرورة إنهاء الانسداد السياسي، الذي حال دون تقدم المسار الانتخابي.

وتوصل الفريق إلى اتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأوصى بأن يقوم النائب العام بترشيح أحد رجال القضاء، كما أعاد الفريق تسمية 3 أعضاء للمفوضية، كان مجلس النواب قد اختارهم سابقاً، و3 آخرين سماهم المجلس الأعلى للدولة في وقت سابق.

وبالإضافة لذلك، شرع أعضاء الفريق المصغر في مناقشة القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، واتفقوا على مواصلة مشاوراتهم بتيسير من البعثة الأممية للتوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق، تلبي طموحات الليبيين في إجراء انتخابات وطنية.

وكانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعلنت خلال إحاطتها لمجلس الأمن في فبراير (شباط) الماضي، عن مقاربة من خطوتين لتجاوز عجر مجلسي النواب والدولة عن التوصل لاتفاق بشأن استكمال مجلس المفوضية الوطنية للانتخابات، وتعديل القوانين الانتخابية. ويعد الفريق المصغر الخطوة الأولى في هذه المقاربة.

ويتكون الفريق المصغر من 8 أعضاء، مقسمين بين شرق وغرب البلاد. ومَثّل فريق الغرب عضوين من المجلس الأعلى للدولة، وآخرين سمتهم حكومة الوحدة الوطنية، أما الشرق فيمثله عضوان من مجلس النواب وعضوان سمتهم القيادة العامة للقوات المسلحة.

وبسبب الانقسام السياسي، وخلاف على القوانين الانتخابية وبعض المرشحين، فشل الليبيون في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية كانت مقررة في ديسمبر (كانون الأول) 2021.


«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تسارع بعثة الأمم المتحدة وتيرة تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر الجمود السياسي، الذي يخيم على ليبيا منذ سنوات: الأول عبر قطع خطوات على مسار «الحوار المهيكل» الذي أطلقته منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي بمشاركة شرائح ليبية متعددة. أما المسار الأممي الثاني فيتمثل في اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة»، بصيغة «4+4»، الذي تستضيفه روما، الأربعاء، لمعالجة أكثر الملفات الانتخابية تعقيداً، وفي مقدمتها القوانين الانتخابية، والمناصب الشاغرة بمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية.

إحدى جلسات الحوار الليبي المهيكل في طرابلس (البعثة الأممية)

لكن هذه المقاربة المزدوجة، التي تتمسك البعثة الأممية بأنها تهدف إلى تحريك العملية السياسية، فتحت الباب مجدداً أمام تساؤلات ليبية متزايدة حول جدوى تعدد المبادرات، وما إذا كانت تعكس تكاملاً دولياً أم تنافساً بين مسارات الحل المختلفة، خصوصاً مع حديث دبلوماسيين عن دعم أميركي لصيغة «4+4»، التي تجمع ممثلين عن الأطراف السياسية المتنازعة في شرق ليبيا وغربها.

تشكيك في جدوى المسارين

لا يبدي السفير مراد حميمة، وكيل وزارة الخارجية الليبية السابق، تفاؤلاً باختراق حاسم في الأزمة السياسية عبر هذين المسارين، مبرزاً أن «تعدد المبادرات عزز الانطباع بوجود حالة من التنافس، بدلاً من التكامل بين خريطة الطريق الأممية، ومبادرة مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، الخاصة بتوحيد السلطتين المتنافستين في ليبيا».

وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق مراد حميمة خلال لقاء مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في وساطة محلية فبراير الماضي (فريق الوساطة الليبية)

ويعتقد حميمة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «غياب مؤشرات واضحة على وجود إرادة سياسية جادة لمعالجة العقبات، التي تحول دون إجراء الانتخابات، لا يزال يمثل العائق الأكبر أمام أي تقدم فعلي»، لافتاً إلى أن المبادرة الأميركية قوبلت بـ«رفض شعبي واسع».

ويستند الدبلوماسي الليبي في تقييمه إلى ما وصفه بـ«التباين في سرعة معالجة الملفات العالقة»، موضحاً أن توحيد مصرف ليبيا المركزي تم خلال بضعة أشهر في عام 2023، بينما لا تزال ملفات القوانين الانتخابية والمفوضية العليا للانتخابات تراوح مكانها، وهو ما عَدّه «دليلاً على اختلال أولويات العملية السياسية».

حفتر في لقاء سابق قبل سنوات مع عبد الرحمن العبار في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

وتحرص المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، في مواجهة الانتقادات المتزايدة، على التأكيد على أن «الحوار المهيكل» يمثل ركناً أساسياً في العملية السياسية، لأنه يساعد الليبيين على تحديد أولوياتهم الوطنية، وصياغة رؤية للإصلاحات السياسية والتشريعية، وهو ما أكدته في إحاطة في وقت سابق هذا الأسبوع على وقع أصوات رافضة في مدن بغرب ليبيا.

وتدافع تيتيه عن المسارين بالقول إن اجتماع «4+4»، أو «الاجتماع المصغر»، لن يكون بديلاً عن الحوار المهيكل، موضحة أنه «آلية تكميلية» تستهدف معالجة العقبات المحددة المرتبطة بالإطار الانتخابي والهيئة العليا للانتخابات، بينما يهدف الحوار الأوسع إلى بناء توافق وطني شامل، «بقيادة وملكية ليبية».

وكان مشاركون في «الحوار المهيكل» قد طرحوا، خلال جلسة عقدت الأسبوع الماضي، بحضور دبلوماسيين دوليين، تصورات متنوعة لتجاوز الانقسام السياسي والمؤسسي. وقال أبو عجيلة سيف النصر إن أولوية المرحلة الراهنة يجب أن تتمثل في «إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، عبر تشكيل حكومة واحدة تتولى توحيد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية».

«ميثاق وطني ملزم»

من بين هذه الاقتراحات للمشاركين في الحوار ما تحدث عنه الدكتور عبد الله الحاسي من ضرورة التوصل إلى «ميثاق وطني ملزم»، يضمن قبول نتائج الانتخابات، أما السياسية أماني محمود فرأت أن أي ترتيبات سياسية لا تضمن مشاركة النساء بنسبة لا تقل عن 35 في المائة «ستظل مساراً منقوصاً يفتقر إلى الاستدامة».

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي خلال حفل افتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس شهر مارس الماضي (مكتب الدبيبة)

ورغم ذلك، يرى وكيل وزارة الخارجية الليبي السابق أن «الحوار المهيكل» لا يزال يفتقر إلى مقومات التنفيذ الفعلي، باعتبار أنه تجاوز، وفق رأيه، المراحل الأساسية في الخطة الأممية، وهي استكمال تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وإنجاز القوانين الانتخابية، وتشكيل حكومة موحدة، ما يجعل مخرجاته «أقرب إلى توصيات يصعب تطبيقها في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة ومنتخبة».

ويأتي هذا الجدل في وقت أخفق فيه مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» في حسم الملفات المطلوبة ضمن «خريطة الطريق»، التي طرحتها تيتيه والمدعومة بقرار من مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، وهو ما دفع البعثة الأممية إلى التحرك بصورة أكثر مباشرة، عبر الدفع نحو اجتماع «المجموعة السياسية المصغرة» في روما (اليوم) الأربعاء.

وبحسب معلومات رشحت عن المشاورات الجارية، مثل حكومة «الوحدة الوطنية المؤقتة»، عضوي المجلس الأعلى للدولة علي عبد العزيز وعبد الجليل الشاوش، إلى جانب مستشار رئيس الحكومة مصطفى المانع، ووزير الدولة للاتصال وليد اللافي للمشاركة في الاجتماع، فيما أناب «الجيش الوطني» عضوي مجلس النواب آدم بوصخرة وزايد هدية، إضافة إلى الدبلوماسي الشيباني بوهمود، وعميد بلدية بنغازي السابق عبد الرحمن العبار.

ويرجح حميمة، من واقع تجربته الدبلوماسية، أن «المشاورات التي تقودها تيتيه تبدو أقرب إلى محاولة لدمج مبادرة بولس داخل خريطة الطريق الأممية، عبر حصر دور (4+4) في ملفي المفوضية والقوانين الانتخابية، مع توسيع عضوية المجموعة، وتقليص نفوذ الأطراف التقليدية داخلها، إلى جانب وضع سقف زمني لعملها».

وتوقع حميمة أن البعثة الأممية قد تتجه، في حال فشل هذا المسار، إلى تفعيل المادة «64» من الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية 2015، وهو خيار عقد حوار سياسي موسع، قال إن «فريق تيتيه داخل البعثة يميل إلى دعمه».

ويبدي قطاع من المحللين الليبيين تشاؤماً حيال فرص نجاح المقاربة الأممية المزدوجة، على خلفية إخفاق مبعوثين سابقين في فرض تسويات دائمة. وقال المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، لـ«الشرق الأوسط» إن المسارات المطروحة قد تنتهي إلى تفاهمات مؤقتة بشأن القوانين الانتخابية، وهو ما عزاه إلى «غياب رغبة حقيقية لدى الأطراف السياسية في مغادرة المشهد عبر الانتخابات، رغم الدعم الأميركي لصيغة (4+4)».

وفي ظل مشهد معقد يسوده الانقسام السياسي بين حكومتين في غرب وشرق البلاد، وأطراف عسكرية داعمة لها، لا يرى حميمة بديلاً عن تبني «مقاربات غير تقليدية» لمعالجة الأزمة، من بينها دعم جهود «الوساطة السياسية الليبية»، التي انخرطت في مفاوضات بين مجلسي النواب والدولة منذ فبراير للتوصل إلى حلول توافقية بشأن المفوضية والقوانين الانتخابية، تمهيداً لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ضمن إطار وطني جامع، بحلول سبق أن أقرتها البعثة الأممية وتحظى بقبول دولي واضح.


ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
TT

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)
الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ناقض الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، اليوم الأربعاء، مساعده السابق كلود غيان، نافياً أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية ملف قضائي لعبد الله السنوسي، صهر الزعيم الليبي، الذي كان متهماً بتفجير طائرة. وتُعاد محاكمة ساركوزي، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، للاشتباه في تلقيه أموالاً سراً من ليبيا في زمن القذافي، من أجل تمويل حملته الانتخابية للرئاسة.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نفى ساركوزي، الأربعاء، أن يكون القذافي قد أثار معه خلال عشاء رسمي في طرابلس عام 2007، مباشرة بعد توليه الرئاسة، الوضع القضائي لصهره المحكوم عليه في فرنسا، أو أن يكون طلب بنفسه من غيان الاهتمام بهذا الأمر.

وأضاف ساركوزي موضحاً: «المرة الوحيدة التي تحدث فيها القذافي معي عن هذا الأمر كانت عام 2005»، وذلك أثناء زيارة إلى ليبيا فيما كان يتولى ساركوزي حينها وزارة الداخلية، مؤكداً أنه رفض الطلب حينها.

وتُعد هذه النقطة محورية، إذ تشتبه النيابة العامة في إبرام «اتفاق فساد» بين فريق ساركوزي والسلطات الليبية السابقة، يقوم على تمويل حملته الرئاسية لعام 2007، مقابل امتيازات، من بينها النظر في الوضع القانوني لعبد الله السنوسي الذي حُكم عليه في فرنسا بالسجن المؤبد، لدوره في تفجير طائرة عام 1989.

وناقض ساركوزي ما قاله غيان، الذي نقل في رسالة تلاها محاميه أن رئيس الدولة استدعاه لكي يكرر معمر القذافي أمامه «الاهتمام، الذي عبّر عنه بشأن السنوسي»، قائلاً: «كلود، تولَّ هذا الأمر»، وذلك في 25 من يوليو (تموز) 2007.

وأوضح غيان لاحقاً أنه أدرك أن من المستحيل تلبية طلب القذافي. وأضاف ساركوزي أمام المحكمة: «أؤكد ما يقوله السيد غيان، لم نرغب أبداً، لا هو ولا أنا، في القيام بأي شيء لصالح السنوسي، أو في إعطاء الليبيين انطباعاً بأننا سنفعل ذلك».

مؤكداً: «أنا لا أقول إن غيان يكذب (...)، لكن فيما يتعلق بأحداث مضى عليها 19 عاماً يمكن لذاكرة الإنسان أن تتغير». وكان كل من ساركوزي وغيان قد استأنفا حكماً صادراً بحقهما قضى بالسجن خمس سنوات وست سنوات على التوالي. وينفي الاثنان ضلوعهما في أي اتفاق فساد مع السلطات الليبية السابقة.